(إنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 470   الردود : 1    ‏2004-11-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-26
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    من كان له عقل كان له دين

    نحاول هناء اعطي للقاري والاخوة صورة موحزة لراي علماء اهل البيت حول كيف ممكن بناء قكر الانسان وتوحيه طاقات العقل ________




    :
    للعقل مكانة كبيرة في الدين الاِسلامي، فهو أصل في التوصّل إلى الاعتقاد الصحيح، وهو دليل من أدلة الاجتهاد، قال الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «.. ولكلِّ شيء دعامة، ودعامة الدين العقل» (1).

    ومن جانب آخر يشكّل العقل دعامة الاِنسان المؤمن، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من كان له عقل كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة» (2).

    وقد بلغت النصوص التي تتناول التنبيه إلى دور العقل المئات، ومن خلال نظرة عامّة إلى هذه النصوص نكتشف أن مشروع الاِسلام في إعطاء العقل دوره الحقيقي قد جاء على مرحلتين؛ فهو يبتدىء بتحرير العقل، ثم ينتقل إلى توجيه طاقاته.


    تحرير العقل

    هذه الخطوة الاُولى من خطوات المشروع الاِسلامي المذكور نكتشفها في النصوص التي توجهت إلى نبذ القيود التي تقيّد العقل وتمدُّ من نشاطه الحقيقي، وتقوده إلى أخطاء خطيرة بسبب ذلك.. وهذا ما نجده في نموذجين بارزين:

    الاَول: نبذ التقليد الاَعمى: وأمثلته في القرآن الكريم كثيرة جداً، نقرؤها في سور متعددة ومشاهد متعدّدة:


    ____________

    (1) المحجة البيضاء، المحقق الكاشاني 1: 172 كتاب العلم مؤسسة الاعلمي ط2.

    (2) اُصول الكافي 1: 11 كتاب العقل والجهل.




    فبينما كان يؤكد افتقارهم إلى أدنى حجّة ذات قيمة في ما يعتقدون من عبادة الاَوثان والعقائد الزائفة، ركّز على أنَّ كلّ ما يمتلكونه من حجّة هو أنّهم وجدوا آباءهم على ذلك، فتمسّكوا به.. (بَل قالُوا إنّا وجَدَنا آباءَنا على أُمّةٍ وإنَّا على آثارِهِم مُهتَدُون) (1).

    ثم يؤكد أنّ هذا هو ديدن هذا الصنف من الناس الذي أغلق على ذهنه المنافذ.. (وكذَلِكَ ما أرسلنَا مِنْ قَبلِكَ في قَرَيةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قالَ مُترفُوها إنّا وجدَنا آباءَنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارِهِم مُقتَدُون) (2). وهكذا يسوق مقولتهم هذه مرتين في آيتين متتابعتين ليجسّد ما تنطوي عليه هذه المقولة من تهافت، وما يغيب فيه هؤلاء من جهل متجذّر موروث لا يصغي لدعوة حق ولا لبرهان ساطع بل ليس لديهم أكثر من ترديد مقولتهم تلك (أجِئتَنا لتَلفِتنا عمّا وجَدنا عليهِ آباءَنَا) (3)؟! حتى لو جاءهم متحدياً لما وجدوا عليه آباءهم مبيّناً فساده.. (قال أوَلو جِئتُكُم بأهدى ممَّا وجدتُم عليهِ آباءَكُم) ؟ حتى مع مثل هذه الاستثارة لا يبحثون عن برهان، ولا يفتحون نافذة للنظرة، بل وقفوا دائماً بتحجرّهم الاَوّل، و (قالُوا إنّا بِما أُرسِلتُم بهِ كافِرُونَ) (4)، و (قَالُوا حَسبُنَا ما وَجَدنَا عَليه آباءَنا) (5)!! ويكرّر القرآن النكير على هؤلاء في مواضع آخر، لاَنّه إنما يواجه في مشروعه المعرفي نظريات استحكمت وترسخت لدى أُمم متتابعة، لا يستبعد أن يكون لها

    ____________

    (1) الزخرف 43: 22.

    (2) الزخرف 43: 23.

    (3) يونس 10: 78.

    (4) الزخرف 43: 24.

    (5) المائدة 5: 104.




    امتداد في مستقبل الاَُمم أيضاً.. فلقد تجاوزت هذه النظرية حدود المعارف والمعتقدات إلى السلوك والمعاملات.. (وإذا فَعلُوا فَاحِشةً قالُوا وجَدنا عَليها آباءَنا) (1). و (قالُوا بَل وَجَدنَا آباءَنا كذلِك يَفعَلُونَ) (2)!!

    بعد هذا يبيّن القرآن الكريم الجزاء الذي ينتظر قوماً مضوا على هذا النهج، مثيراً الاذهان إلى ضرورة الحذر من نهجٍ كهذا.. (فانتَقمنا مِنهُم فانظُر كيفَ كانَ عاقبةُ المُكذِّبينَ) (3).


    توجيه طاقة العقل

    بعد أن حرّرت العقيدة الاِسلامية العقل من القيود التي تأسره، أطلقته إلى أمام وهي توجه طاقاته من خلال الالفات والتدبر في الكون والحياة، من أجل بناء متكامل ديناً ودنيا.. ويمكننا أن نشير إلى مجموعات من آيات الذكر الحكيم توجه العقل إلى آفاق رحيبة متعددة، منها:

    أولاً: التدبر في آيات الله تعالى في الآفاق وفي الاَنفس:

    قال تعالى: (إنَّ في خَلق السَّمواتِ والاَرضِ واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لاَياتٍ لاَُولي الاَلبابِ * الَّذينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِياماً وقُعوداً وعلى جُنُوبِهِم ويتفكَّرُونَ في خَلقِ السمواتِ والاَرض ربَّنا ما خلقتَ هَذا باطلاً سُبحانَكَ فَقِنَا عذابَ النَّارِ) (4).


    ____________

    (1) الاعراف 7: 28.

    (2) الشعراء 26: 74.

    (3) الزخرف 43: 25.

    (4) آل عمران 3: 190 ـ 191.


    (وفي الاَرض آيتٌ للمُوقِنينَ * وفي أنفُسِكُم أفلا تُبصِرُونَ) (1).

    (قُلِ انظرُوا ماذا في السَّمواتِ والاَرضِ..) (2).

    (فلينظُر الاِنسانُ ممَّ خُلِقَ) (3).

    (فلينظُر الاِنسانُ إلى طَعَامِهِ) (4).

    (أفلا يَنظُرُونَ إلى الاِبل كيفَ خُلِقَت * وإلى السمآءِ كيفَ رُفِعَت * وإلى الجبال كيفَ نُصِبَت * وإلى الاَرض كيفَ سُطِحَت * فذَكِّر إنَّمآ أنتَ مُذَكِّرٌ)(5).

    ومما يلفت النظر عناية القرآن بذكر مشاهد الكون عناية كبيرة من خلال تكرار عرضها في أكثر من سورة، عرضاً متنوعاً، ودعوته الاِنسان بإلحاح إلى النظر والتأمل فيها، والتفكر في مجرى حوادثها، والاَهم من ذلك كلّه جعل هذا الكون منطلقاً للوصول إلى الله تعالى خالقه ومبدعه.

    وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقرأ: (إنَّ في خلق السَّمواتِ والاَرضِ واختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لاَياتٍ لاَُولي الاَلبابِ * الَّذينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيامَاً وقُعوداً وعلى جُنُوبِهِم ويتفكَّرُونَ في خَلقِ السَّمواتِ والاَرضِ ربَّنا ماخلقتَ هذا بَاطِلاً سُبحانَكَ فَقِنَا عذابَ النَّارِ) (6)، ويقول: «ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها» وفي رواية أُخرى: «ويلٌ لمن لاكها بين فكيه ولم

    ____________

    (1) الذاريات 51: 21 ـ 22.

    (2) يونس 10: 101.

    (3) الطارق 86: 5 ـ 6.

    (4) عبس 80: 24.

    (5) الغاشية 88: 17 ـ 21.

    (6) آل عمران 3: 190 ـ 191.




    يتأملها».

    وعن الاِمام علي عليه السلام: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: (إنَّ في خَلقِ السَّمواتِ والاَرضِ واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لاَياتٍ لاَُولي الاَلبابَ * الَّذينَ يَذكُرون اللهَ قياماً وقُعوداً وعلى جُنُوبِهِم ويتفكَّرُونَ في خَلقِ السَّمواتِ والاَرضِ ربَّنا ما خَلقتَ هذا باطِلاً سُبحانَكَ فَقِنَا عذابَ النَّارِ) (1).

    وقد سلك الاَئمة الاَطهار عليهم السلام طريق الاستدلال على وجود الله تعالى من خلال التأمل العقلي في الكون وما فيه من نظم دقيق وتناسق بديع، وهو الدليل الذي أطلق عليه المتكلمون «دليل النَّظم».

    قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «ولو فكَّروا في عظيم القُدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السّمع والبصر، وسوّى له العظم والبشر !

    انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبّت على أرضها وضنّت على رزقها... ولو فكّرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأُذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً...

    فانظر إلى الشمس والقمر،... وتفجّر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال،

    ____________

    (1) راجع الكشاف، للزمخشري 1: 453.




    وطول هذه القلال، وتفرّق هذه اللغات والاَلسن المختلفات..

    فالويل لمن أنكر المقدِّر، وجحد المدبّر، زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارعٌ، ولا لاختلاف صُورهم صانع، ولم يلجؤوا إلى حُجّةٍ فيما ادّعوا، ولاتحقيق لما أوعوا..

    وهل يكونُ بناءٌ من غير بانٍ، أو جنايةٌ من غير جانٍ!»(1).

    ومن ناحية أُخرى يثير القرآن الكريم في الاذهان دواعي التفكر الجاد والمثمر في ما يعرضه من معارف، فمرّة بصيغة الاستفهام الاستنكاري، كقوله تعالى: (أفحَسبتُم أنّما خلقنَاكُم عَبَثاً) (2).

    ومرّة بصيغة النفي للتصورات الساذجة، كقوله تعالى: (وما خَلقَنا السَّمواتِ والاَرضَ وما بَينهُما لاعِبِين * ما خَلقَناهُمآ إلاّ بِالحَقِّ وَلكِنَّ أكثَرهُم لايَعلَمُونَ) (3).

    والمعروف أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام تجعل التفكّر في ملكوت السماوات والاَرض عبادة، بل أفضل عبادة، يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «أفضل العبادة إدمان التفكّر في الله وفي قدرته» (4).

    وكان أتباع هذه المدرسة العالية وتلامذتها يكثرون من هذه العبادة الفكرية التي تُسهم بصورة فعّالة في بناء الاِنسان وإيصاله إلى مراتب عرّفانية عالية. فعلى سبيل المثال، كانت أكثر عبادة أبي ذرّ؛ التفكر

    ____________

    (1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 270 ـ 271.

    (2) المؤمنون 23: 115.

    (3) الدخان 44: 38 ـ 39.

    (4) اُصول الكافي 2: 55 | 3 كتاب الاِيمان والكفر.




    والاعتبار وقد سئلتُ أمّ أبي ذرّ عن عبادة أبي ذرّ فقالت: «كان نهاره أجمع يتفكر في ناحية من الناس» (1).

    وينبغي معرفة أنّ النظرة العامة الى الوجود التي يرشد إليها الثقلان ـ القرآن والعترة ـ هي الاَصل الذي تنبثق منه جميع نظرات الاِنسان الفكرية واتّجاهاته السلوكية، وهي الاَساس في اختلاف الحضارات والثقافات.

    ثانياً: النظر في سنن التاريخ: حيثُ دعتنا العقيدة إلى تأمل أحداث التاريخ بنظر ثاقب، وفكر فاحص، وصولاً إلى العوامل التي كانت سبباً في تدهور المجتمعات، وسقوط الحضارات، أو نموّها، قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الاَرضِ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)(2).

    وقال تعالى: (ألمَ يروا كم أهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِن قَرنٍ مَّكّنهُم في الاَرضِ ما لم نُمكّن لَكُم وأرسلنا السَّمآء عَليهِم مِدرَاراً وجعلنا الاَنهر تجري من تَحتِهم فأهلكنهُم بذُنوبِهم وأنشأنا مِن بعدِهم قَرناً ءآخرينَ) (3).

    وقال تعالى: (ولَقد أهلَكنَا القُرونَ مِن قَبلِكُم لما ظَلمُوا وجاءَتهُم رُسُلُهم بالبيناتِ وما كانُوا ليؤمنُوا كذلِكَ نجزي القومَ المجرمينَ) (4).

    إنّها دعوة تلح على الناس أن يحركوا عجلة عقولهم، وينظروا في تاريخ من قبلهم، حتى لا يكونوا كالقطيع التائه يسير بلا راع نحو المجهول، وهي

    ____________

    (1) تنبيه الخواطر، الامير ورّام بن أبي فراس 1: 250 باب التفكر ـ دار صعب.

    (2) آل عمران 3: 137.

    (3) الانعام 6: 6.

    (4) يونس 10: 13.


    --

    دعوة ذات منهج مرسوم من أجل الاستفادة من تجارب الحضارات السابقة ودراسة أسباب سقوطها، لا سيّما وأنّ التاريخ يعيد نفسه قال تعالى: (سُنَّةَ اللهِ في الذِينَ خلوا من قَبلُ ولن تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تبديلاً) (1). ولابدَّ من التنويه على «أنّ دور الدين ومسؤوليته في حياة الاِنسان هو إيجاد جوّ من الملائمة والانسجام بين سلوك وتفكير الاِنسان وبين سنن الله تعالى في الحياة، وتحويل مجرى حياة الاِنسان إلى تيار هذه السنن الاِلهية التي جعلها الله نظاماً لخلقه وتكوينه في هذا الكون» (2).

    فالدين يوجّه فكر الاِنسان إلى النظرة العميقة والهادفة، وبطبيعة الحال هناك فرق كبير بين النَّظرة السطحية الساذجة للحياة والتاريخ، وبين النظرة العميقة والمتفحصة التي لا تقتصر على ملاحظة الشيء أو الحدث، وإنّما تنفذ إلى أعماقه، وترصد لوازمه ودلالاته بغية استنباط السُنّة التاريخية التي تنطبق عليه، فعلى سبيل المثال يمر السائح على أهرامات مصر، فينبهر لروعة بنائها، وشدة ارتفاعها، ويتمتع بمنظرها وينتهي كل شيء. أما المفكّر الواعي المتسلح بالعقيدة، فعندما يمر عليها، ترتسم في ذهنه عدَّة تساؤلات: عن قدرات الاِنسان، وعن الظلم الذي كان سائداً آنذاك من خلال تسخير الفراعنة لاَعداد كبيرة من الناس للعمل في بناء هذه الاهرامات، وما لاقوه من العناء والتعب وصنوف التعذيب، كما يستنتج ما تنطوي عليه فكرة الفراعنة الخاطئة عن الموت والبعث، بل يتزود المؤمن الوعي بعد تلك المعارف بالعبرة النافعة وهو يشاهد خرائبها فيتسائل في نفسه، أين ساكنيها وما مصيرهم ؟!


    ____________

    (1) الاَحزاب 33: 62.

    (2) دور الدين في حياة الاِنسان، للشيخ الآصفي: 121 ـ 122 ـ دار التعارف ط2.


    ----
    من أجل ذلك يرشد آل البيت عليهم السلام إلى أهمية الملاحظة الواعية والنَّظرة العميقة التي لا تقتصر على ظواهر الاَمور، بل تنفذ إلى الاَعماق، وماتنطوي عليه من أبعاد، ودلالات تضمنية أو التزامية. فعن الحسن الصيقل، قال: قلتُ لابي عبدالله عليه السلام: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة ؟ قال عليه السلام: «نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة» (1).

    ولمّا مرَّ أمير المؤمنين عليه السلام بخرائب المدائن، أعطى لاَصحابه درساً حول العبرة من التأريخ، قال عليه السلام: «إنّ هؤلاء القوم كانوا وارثين، فأصبحوا مورثين، وإنّ هؤلاء القوم استحلّوا الحُرم فحلّت فيهم النّقم، فلاتستحلوا الحُرم فتحلَّ بكم النقم» (2).

    وقال عليه السلام: «فاعتبروا بما أصاب الاُمم المستكبرين من قبلكُم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومثلاته..» (3).

    وذهب الاِمام علي عليه السلام إلى أبعد من ذلك، عندما أشار إلى أن السُنّة التأريخية تنطبق على الجميع، في كلِّ مكان وزمان، ولا تقتصر على تدمير الكافرين والمستكبرين، بل تطال المؤمنين أيضاً، إذا لم يلتزموا ـ عملياً ـ بالمنهج الاِلهي في الحياة، وإذا حادوا عن جادّة الصواب وذلك حين تختلف الكلمة وتسود الفرقة، وفي هذا الصدد يقول عليه السلام: «وتدبَّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء.. فانظروا كيف كانوا حيثُ كانت الاَملاء مجتمعةً والاَهواءُ مؤتلفة..

    ____________

    (1) بحار الانوار 71: 325، عن المحاسن: 26.

    (2) كنز العمال 16: 205.

    (3) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 290.




    فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أُمورهم حين وقعت الفرقة، وتشتَّتت الاُلفة، واختلفت الكلمة والاَفئدة، وتشعّبوا مختلفين، وتفرّقوا متحاربين، قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين» (1).

    وكان من جملة وصيته الذهبية لابنه الحسن عليه السلام يحثه على التفكر في أحوال الاُمم الماضية، وهو ما يسمى اليوم بـ «فلسفة التأريخ»: «أيْ بُنيَّ إنّي وإن لم أكُن عُمِّرتُ عمر من كان قبلي، فقد نظرتُ في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرتُ في آثارهم، حتى عُدتُ كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عُمِّرت مع أوّلهم إلى آخرهم..» (2).

    ثالثاً: النظر في حكمة التشريع: والغرض من ذلك ترسيخ قناعة المسلم بتشريعه وصوابيته وبيان صلاحيته للتطبيق في كلِّ زمان ومكان، من أجل أن تنقشع عن فكر المسلم غيوم الشبهات التي يثيرها أعداء العقيدة من حوله. وإذا كانت بعض أحكام الدين الاِسلامي توقيفية، تدعو المسلم نحو التسليم بها، ولا يجدي معها إعمال العقل، كالاَُمور العبادية، إلاّ أن هناك تشريعات في الاِسلام ذات أبعاد اجتماعية كشف القرآن لنا عن الحكمة الكامنة من وراء تشريعها لمصالح تعود إلى الفرد والمجتمع، من قبيل قوله تعالى: (ولكُم في القِصَاصِ حياةٌ يأُولي الاَلبابِ لعلَّكُم تتَّقون) (3).


    ____________

    (1) نهج البلاغة: 296 ـ 297.

    (2) نهج البلاغة: 393 ـ 394.

    (3) البقرة 2: 179.




    وقوله تعالى: (ما يُريدُ اللهُ لِيَجَعَلَ عليكُم مِن حَرَجٍ ولكِن يُرِيدُ لِيُطهّركُم ولِيُتمَّ نِعمَتَهُ عَليكُم) (1).

    كما كشفت لنا السُنّة عن جوانب كثيرة من حكمة التشريع، وعلى سبيل المثال: كتب الاِمام علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: «حرّم الله قتل النفس لعلّة فساد الخلق في تحليله لو أحلَّ وفنائهم وفساد التدّبير.. وحرّم الله تعالى الزّنا لما فيه من الفساد من قتل الاَنفس وذهاب الاَنساب وترك التربية للاَطفال وفساد المواريث وماأشبه ذلك من وجوه الفساد..» (2).

    رابعاً: توجيه العقل إلى النظر، والتثبت في الرأي، واستقلالية التفكير والقرار:

    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تكونوا إمّعة، تقولون: إنْ أحسنَ الناس أحسنّا ، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسنَ الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن لا تظلموا» (3).

    قال تعالى: (أفلا يَتَدبّرونَ القُرآنَ أم على قُلُوبٍ أقفالُها) (4).

    نداء بليغ إلى النظر وإعمال الفكر، من خلال الاستنكار على السطحيين والمغفّلين المعاندين، أولاً، ثم من خلال التقريع العنيف لهذه الاَصناف من الناس، ثانياً.


    ____________

    (1) المائدة 5: 6.

    (2) من لا يحضره الفقيه 3: 369.

    (3) ميزان الحكمة 8: 254، عن الترغيب والترهيب 3: 341.

    (4) محمد 47: 24.




    وقال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرهَانَكُم إن كُنتُم صادِقِينَ) (1).

    فلا قيمة لدعوى لا تستند إلى برهان صحيح، وإذا كان الزمخشري قد رأى أنَّ هذا النصّ هو «أهدمُ شيء لمذهب المقلّدين» (2). فإنَّ فيه ما يفيد أكثر من ذلك، إذ قد ينصرف لفظ المقلّدين إلى من غلب عليهم التقليد، لكنَّ هذا النصَّ حاكم على دائرة الفكر البشري بكامل أجزائها ونواحيها، فقد يقع المفكرون ـ وكثيراً ما وقعوا ـ بأغلاط كبيرة نتيجة اعتمادهم بعض الكليات العامّة التي استقر في أذهانهم أنها بديهيات لا تحتاج إلى برهان، بينما لم تكن هذه الكليات في حقيقة أمرها إلاّ تصوّرات صادرة عن أوهام أو قصور في العقل. وهذا كثير في أغلاط أهل الجدل، بل قد يقع أحياناً حتى في العلوم التطبيقية، حين يُنظر إلى بعض الاستنتاجات على أنّها قوانين علمية ثابتة، في حين أنّها استنتاجات قائمة على ملاحظات ناقصة، وهكذا نلمس مدى أكبر لدعوة القرآن الكريم إلى تقديم البرهان التام على كلِّ مقولة ودعوى وسواء كانت في العلوم العقلية، أو في العلوم التطبيقية.

    ولا شك أنّ مساحة النظر والتدبّر واسعة، سعة المعارف والمواقف، وسنشير هنا إلى أثرين مهمّين:

    أحدهما عام عموم النص القرآني المذكور، وإن استهدف في ظاهره العقل المقلّد والمتابع، شأن طوائف الناس الذين يغلب عليهم التقليد في عقائدهم ومواقفهم.


    ____________

    (1) البقرة 2: 111، النمل 27: 64.

    (2) الكشاف 1: 178.




    والاَثر الثاني، مما جاء في لون خاص من ألوان المتابعة والتقليد، وهو التقليد الاَعمى لاَشخاص استقرَّ لهم في النفوس موقع كبير، تلاشى إلى جنبه دور العقل وأثره في النظر والتفكير والنقد، وكأن هؤلاء الاشخاص قد أصبحوا في أنفسهم ميزاناً للحقّ، فلا يصحّ أن توزن أقوالهم وأعمالهم أو تعرض للنقد والنظر، هذا النوع من التقليد الذي كان ولا يزال مصدراً للكثير من الاَخطار في العقائد والمواقف.. وقف إزاءه أمير المؤمنين عليه السلام موقف الكاشف عن سرِّ الخطأ فيه والمعلّم للطريق الصحيح في التماس المعارف، ذلك حين جاءه بعض من ذهله وقوف طلحة والزبير وعائشة في صف واحد إزاء أمير المؤمنين عليه السلام فاستنكر أن يجتمع هؤلاء على خطأ، وذكر ذلك لاَمير المؤمنين عليه السلام فأجابه عليه السلام مبتدءاً جوابه بالتنبيه إلى مصدر الوهم، منتقلاً بعد ذلك إلى اعطائه المنهج السليم في المعرفة، فقال له عليه السلام: «إنّك ملبُوس عليك، إن دين الله لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله» (1).

    خامساً: توجيه الاِنسان إلى كسب العلم والمعرفة:

    من المسلّمات التي لا تحتمل جدلاً، أنّ الدين الاِسلامي يحث بقوة على كسب العلم والمعرفة، ومن يتأمل سور القرآن الكريم يجد ذلك يتكرر كثيراً تصريحاً أو تلميحاً:

    (.. قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعلمُونَ إنَّما يَتَذَكَرُ أُولُوا الاَلبابِ) (2)0.


    ____________

    (1) أمالي الطوسي: 625 | 1292 مؤسسة البعثة. بحار الاَنوار 39: 239 | 28.

    (2) الزمر 39: 9.




    (.. يَرفَعِ اللهُ الَّذينَ ءامنُوا مِنكُم والَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ) (1).

    (وقُلْ ربِّ زِدني عِلماً) (2).

    (إنّما يَخشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلمَاءُ) (3).

    ولاَهمية العلم فقد أخذ الله تعالى الميثاق على أهل الكتاب من أجل تبيينه، وعدم احتكاره: (وإذ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لتُبيّنُنَّهُ للنَّاسِ ولا تكتُمونهُ..) (4).

    وبعد آيات القرآن تأتي أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الاَطهار عليهم السلام حيثُ تصبُّ في هذا الاتجاه، وتقرُّ بأنّ العلم يشكِّل عماد الدين وفيه حياة الاِسلام، وتحثُّ على طلبه، وتكشف عن فضيلته، فمداد العلماء ـ في نظر الاِسلام ـ أفضل من دماء الشهداء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، وفي هذا الصدد: يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «طلبُ العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحجّ والجهاد في سبيل الله» (5) ويكفي الاستشهاد بكلمة الاِمام علي عليه السلام العميقة المغزى: «قيمة كلِّ أمرءٍ ما يُحسنه» (6). في الدلالة على حثِّ أهل البيت عليهم السلام على كسب العلم

    ____________

    (1) المجادلة 58: 11.

    (2) طه 20: 114.

    (3) فاطر 35: 28.

    (4) آل عمران 3: 187.

    (5) كنز العمال 10: 131| 28655.

    (6) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 482 | حكم 81.




    والمعرفة.

    إمعن النظر في هذه المقارنة البديعة التي يعقدها الاِمام علي عليه السلام لكميل بن زياد النخعي حول تفضيل العلم على المال، قال عليه السلام: «يا كُميل العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يَحرُسك وأنت تحرسُ المال، والمالُ تنقُصُهُ النفقة والعلم يزكو على الانفاق، وصنيعُ المال يزول بزواله.

    يا كميل بن زياد، معرفةُ العلم دينٌ يُدانُ به، به يكسبُ الاِنسانُ الطاعة في حياته، وجميل الاَُحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكمٌ، والمالُ محكوم عليه.

    يا كميل، هلك خُزَّانُ الاموال وهُمْ أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة» (1).

    ونتيجة لهذا الزاد المعرفي الغني، انطلق الاِنسان المسلم من أسر الجهل والتخلف إلى آفاق العلم الواسعة، فأخذ يتأمل الظواهر الكونية، ويكتشف أسرار الطبيعة، من خلال المنهج التجريبي الذي وجهته عقيدته إليه، وهو المنهج الذي قام عليه العلم الحديث.

    يقول: (جِب) في كتابه: الاتجاهات الحديثة في الاِسلام: «أعتقد أنّه من المتفق عليه أنّ الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون، قد ساعدت على تقدّم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة، وأنّه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى

    ____________

    (1) نهج البلاغة: 496 | حكم 147.




    أوروبا في العصور الوسطى» (1).

    وللاِنسان أن يقف مبهوراً أمام عظمة العقيدة الاِسلامية، التي أحدثت ذلك الانقلاب الحضاري في نفوس أبناء الصحراء حتى صاروا طليعة العالم كلّه في العلم والمعرفة وسائر جوانب الحضارة والمدنية.


    العلم والاِيمان

    وتجدر الاشارة إلى أنّ العقيدة تربط العلم بالايمان، فالعلم بدون إيمان كغرس بلا ثمر، العلم يدعو إلى الايمان، والايمان بدوره يحث على العلم، والفصل بينهما يؤدي إلى عواقب لا تحمد عقباها.. يقول الشهيد مرتضى المطهري: «قد أثبتت التجارب التأريخية، أنّ فصل العلم عن الايمان قد أدى إلى أضرار لا يمكن تعويضها، يجب معرفة الايمان على ضوء العلم، والايمان يبتعد عن الخرافات في نور العلم، وبفصل العلم عن الايمان يتحول الايمان الى الجمود والتعصب الاَعمى والدوران بشدة حول نفسه، وعدم الوصول إلى مكان، والمكان الفارغ من العلم والمعرفة ينقلب فيه المؤمنون الجهلة إلى آلة بيد كبار المنافقين، والذي رأينا ونرى نماذج منهم في خوارج صدر الاِسلام، والادوار التي تلت بصور مختلفة.. والعلم بلا إيمان سراج في منتصف الليل بيد لص لسرقة أفضل البضائع، ولهذا فإنّ الاِنسان العالم بلا إيمان اليوم، لا يختلف عن الجاهل بلا إيمان في الاَمس أقل الاختلاف، من حيث طبيعة الاَساليب والاَفعال وماهيتها»(2).


    ____________

    (1) راجع كتاب منهج التربية الاسلامية، محمد قطب: 119 ـ دار دمشق ط2.

    (2) الانسان والايمان، للشهيد المطهري 1: 15 طبع وزارة الارشاد الاسلامي.




    وعليه فالعلم بحاجة إلى الايمان كحاجة الجسد إلى روح، لاَنّ العلم لوحده عاجز بطبيعته عن بناء الاِنسان الكامل، فالتربية العلمية الخالصة تبني نصف إنسان لا إنساناً كاملاً، وتصنع إنساناً قد يكون قوياً وقادراً ولكنّه ليس فاضلاً بالضرورة، هي تصنع إنساناً ذا بعد واحد، هو البعد المادي، أما الاِيمان فإنّه يصوغ الشخصية في مختلف الاَبعاد.

    ولقد بلغ اغترار الاَُوربيين بالعلم حداً وصل إلى حد التأليه والعبادة، وإن لم يقيموا شعائره العبادية في كنائسهم، ولمّا كان الدين يرتكز على قواعد غيبية، خارج نطاق المادة، اعتبروه ظاهرة غير علمية.

    وعلى هذا الاَساس ظهر بينهم داء الفصل بين الدين والعلم، وهو توجّه غريب عن منهج الاِسلام، «وليس أدل على هذا التماسك بين الايمان والعلم من هذه الدعوة الملحّة، في الدين إلى طلب العلم والاستزادة منه في كل مراحل العمر، وفي كلِّ الحالات.. ومن هذه القيمة الكبيرة التي يعطيها الدين للعلم والعلماء.

    وإذا كان هناك صراع بين العلم والدين في بعض فترات التأريخ، كما حدث ذلك في تأريخ المسيحية، فإنّ ذلك لا علاقة له بالدين، وإنّما هو لون من ألوان الانحراف عن الدين، ولا يكون الدين مسؤولاً عما يرتكب الناس بحقه من انحراف» (1).

    ومما يؤسف له، أنّ بعض الاَصوات ترتفع هنا وهناك تنادي بالفصل بين العلم والدين، بدعوى أنّ أُوربا تنكّرت للدين فتقدمت علمياً وحضارياً، ونحن تمسكنا بالدين فتخلّفنا، إنّ عقول هؤلاء إما قاصرة عن

    ____________

    (1) دور الدين في حياة الانسان، للشيخ الاصفي: 69 ـ دار التعارف ط2.




    إدراك وظيفة العلم الذي هو أداة لكشف الحقائق الموضوعية، وتفسير الواقع تفسيراً محايداً بأعلى درجة من الدقة والعمق. أو أنّ هذه العقول جاهلة بمنهج الاِسلام الذي ماانفك يدعو إلى العلم، وأغلب الظن أنها عقول مأجورة تُردد مزاعم الاَعداء والحاقدين على الاِسلام، وتغضّ الطرف عن العواقب الروحية الجسيمة، التي حصلت من جرّاء فصل العلم عن الدين: «وأوضح الاَمثلة على ذلك، هذا العصر الذي نعيش فيه، العصر الذي وصل فيه التقدم العلمي والمادي ذروته، ووصلت الاِنسانية إلى حضيضها من التقاتل الوحشي والتخاصم الذي يقطع أواصر الاِنسانية، ويجعلها تعيش في رعب دائم وخوف من الدمار، كما وصلت إلى الحضيض في تصورها لاَهداف الحياة وغاية الوجود الاِنساني وحصرها في اللَّذة والمتاع، وانحطاطها ـ تبعاً لهذا التصور ـ إلى أحطّ دركات الانحلال الخلقي والفوضى الجنسية التي يعف عنها الحيوان» (1).

    وعليه فإنّ العقيدة الاِسلامية لها فضل كبير على مناهج التربية التي تسعى لبناء الاِنسان، لتأكيدها على دور الايمان والعلم معاً في بناء شخصية الاِنسان، وبفصل العلم عن الايمان يغدو الاِنسان كإبرة مغناطيس تتأرجح بين الشمال والجنوب، وعليه فهو بحاجةٍ ماسة إلى قوة تتمكن من إيجاد ثورة في ضميره، وتمنحه اتجاهاً أخلاقياً يحقق إنسانيته، وهذا عمل لا يتمكن منه العلم بمعزل عن الدين.

    ____________

    (1) منهج التربية الاسلامية، محمد قطب: 115.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-26
  3. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    نحمدك اللهم يا مَن أوضحتَ لنا سبيل الحق حتى جرينا عليه وكشفت لنا عن نمير العلم حتى انتهينا إليه، ودللنا على غوامض العرفان ودقائقه، وأسراره وحقائقه، بكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد)(1) ثم شرحت لنا ما أجمل منه وبيّنت ما خفي على لسان رسولك الصادق الأمين، فصدع بأمرك، وبلغ إلى عبادك، صابراً محتسباً حتى قبضته إليك نقيَّ الجيب، خلي العيب، ثمّ اتبعته بأهل بيته الأطهار حملة علمك، وتراجمة وحيك، الذين عصمتهم من الزلل وطهّرته من الرجس تطهيراً، فاستنقذوا عبادك، وأحيوا بلادك، حتى أصبح المسلمون في بحبوحة علم، وضياء هدى مبين، لم يحفلوا بالعواصف، ولم يأبهوا للرواجف، ولم تُلفت أنظارهم زخاريفُ التضليل، ولا علقت بأسماعهم طنطنةُ




    نحمدك اللهم يا مَن أوضحتَ لنا سبيل الحق حتى جرينا عليه وكشفت لنا عن نمير العلم حتى انتهينا إليه، ودللنا على غوامض العرفان ودقائقه، وأسراره وحقائقه، بكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد)(1) ثم شرحت لنا ما أجمل منه وبيّنت ما خفي على لسان رسولك الصادق الأمين، فصدع بأمرك، وبلغ إلى عبادك، صابراً محتسباً حتى قبضته إليك نقيَّ الجيب، خلي العيب، ثمّ اتبعته بأهل بيته الأطهار حملة علمك، وتراجمة وحيك، الذين عصمتهم من الزلل وطهّرته من الرجس تطهيراً، فاستنقذوا عبادك، وأحيوا بلادك، حتى أصبح المسلمون في بحبوحة علم، وضياء هدى مبين، لم يحفلوا بالعواصف، ولم يأبهوا للرواجف، ولم تُلفت أنظارهم زخاريفُ التضليل، ولا علقت بأسماعهم طنطنةُ أهل الخلط والتدجيل، فهم من العلم بالحقائق على مثل

    ____________

    1- فصلت: 42.


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 2
    --------------------------------------------------------------------------------

    الشمس الطالعة، ومن الإيمان على مثل الجبل الراسخ، (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويضلّ الله الظالمين)(1) وصلّى الله على نبيّك محمّد الأطيب الأطهر وعلى آله وصحبه الكرام والتابعين لهم بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً.

    وبعد فيقول كاتب هذه الأسطر المهاجرُ العاملي حبيب آل إبراهيم كانت نتيجة ما كتبه كتبة البروتستانت من المسيحيين في حملاتهم على الإسلام، ومهاجمتهم على أسوار قدسه المنيعة ومعاقل عزّه الرفيعة، تزلزل معاقل عزّهم، وتهدُّمَ أسوار منعتهم.


    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يهنها وأوهى قرنه الوعل



    نعم كانت نتيجة حملات أولئك المبشّرين، وثمرات جهادهم في حمل المسلمين على الاعتقاد بصحّة الكتابين، التوراة والإنجيل، وعدم تغيير العهدين العتيق والجديد، داعياً لاعتقاد عدم صحتهما، وباعثاً على التصديق بتغيرهما، ذلك لأنّ الحقيقة أبت لنفسها إلاّ الظهور، ذلك لأنّ العلم قائد لكلّ خير، ذلك لأنّ الأنفس الحيّة من أبناء المسلمين والنصارى، وذوي الضمائر الحرّة من أبناء الأمم كافة، لم يرضوا لأنفسهم بالمقام على الجهل، والتسليم لكلّ قائل بغير دليل، والدعة لكل قالة من دون برهان.

    فلفتت تلك الحملات النظر، واستحثّت الأفكار على البحث والتحقيق فسرح ذوو الأنظار طرفهم، وأمعنوا في صفحات التوراة والإنجيل نظرهم،

    ____________

    1- ابراهيم: 27.


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 3
    --------------------------------------------------------------------------------

    فرأوا فيهما أمراً هائلاً، واقرأتهم التوارة في أسفارها والإنجيل في إصحاحاته شيئاً عجيباً، فبينما يقرؤهم البرهان بقياسه الصحيح، ويرتل عليهم من آيات شكله الأوّل، إنّ الله تعالى شيء لا كالأشياء، "كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، سميع إذ لا مسموع لديه من بريته" إذ بالتوراة والإنجيل يحدثانهم بخلاف ذلك، حدثتهم التوراة بالكلمة الثانية من الإصحاح الأوّل من سفر التكوين. انّه قبل خلق السموات والأرض كان روح الله يرف(1) على وجه الماء، وبالكلمة السابعة والعشرين منه انّ الله قال: (نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) وبالكلمة الثامنة والعشرين منه (انّ الله خلق الإنسان على صورته على صورة الله خلقه) فذعروا لذلك واندهشوا وانشدوا:


    وكفاهم ان مثلوا معبودهم سبحانه بعباده تمثيلا



    رأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله قديم ولازم ذلك ان لا يكون جسماً لأنّ كلّ جسم لآية حركته وسكونه حادث والقديم لا يكون حادثاً والتوراة بقولها (وروح الله يرف على وجه الماء) أثبتت له الجسمانية والحدوث معاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً:

    ورأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله ليس بمركب لأنّ التركيب من

    ____________

    1- قال في المنجد (رف الطائر بسط جناحيه، وفي مجمع البحرين (كلّ من الطيور ما رفّ أي حرّك جناحيه).


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 4
    --------------------------------------------------------------------------------

    عوارض الأجسام الحادثة، والأجرام الممكنة، والتوراة بقولها خلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه، أثبتت له التركيب، لاستلزم الصورة وجود المادة فيكون مركباً والقديم لا يجوز أن يكون مركبا.

    فلم يكن لأولئك النبلاء مندوحة عن الرجوع إلى ما يقرّره القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله بقوله في الآية الحادية عشر من سورة الشورى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربّي عليه توكّلت وإليه أنيب * فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(1)وانشدوا:


    الله أكبر ان دين محمّد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
    طلعت به شمس الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أفولا
    والحق أبلج في شريعته التي جمعت فروعاً للهدى وأصولا



    ثمّ ازدادوا تبينا واستحثوا النظر على زيادة الاطّلاع تثبتا فقرأوا في الكلمة السادسة عشرة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين (وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت، (وفي الكلمة الرابعة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (فقالت الحية للمرأة لن تموتا بل الله عالم انّه يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير

    ____________

    1-
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 5
    --------------------------------------------------------------------------------

    والشر، فرأت المرأة انّ الشجرة جيدة للأكل، وانّها بهجة للعيون، وان الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت واعطت رجلها أيضاً معها فأكل فانفتحت أعينهما وعلما انهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مأزر) فازدادوا حينما قرأوا ذلك حيرة واندهاشا، واضطراباً وانذعارا، قائلين سبحان الله أيكذب الله وتصدق الحيّة؟ يقول الله لآدم يوم تأكل منها موتا تموت، وتقول الحيّة لن تموتا، بل الله عالم انّه يوم تأكلاه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فيكون الأمر كما تقول الحية(1) ولا يكون كما يقول الله ما هذا الإله؟ أليس الكذب قبيحاً؟ أيجوز على الله أن يرتكب القبيح؟ وهل هناك حاجة تدعو إلى ارتكابه؟ أو يجوز على الله أن يكون محتاجاً؟ وإذ كان الحق انّه لا يجوز على الله أن يكون محتاجاً ولا يجوز عليه صدور الكذب فما هذا القول السخيف، وما هذا التقوّل على الله، وما هذه الخرافات التي لا تنطبق على عقل ولا نقل، سبحانك اللّهم وبحمدك تباركت وتعاليت عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

    ثم ازدادوا تبينا فقرأوا في الكلمة الثامنة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنّة عند هبوب ريح النهار

    ____________

    1- فلا يموت آدم، بل من المعلوم انّه بقي بعد هبوطه إلى الأرض خمسماية سنة يبكي على فراق الجنة، ويصبح عارفا الخير والشر كما في الكلمة الثانية عشرة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان صار كواحد منّا عارفاً الخير والشر).


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 6
    --------------------------------------------------------------------------------

    فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنّة فخشيت، لأنّي عريان. فاختبأت فقال: من اعلمك انّك عريان؟ هل أكلتَ من الشجرة؟) أناشدكم الله كيف يمشي الله في الجنّة؟ فهل لله أعضاء أيدي وأرجل؟ وهل تحويه الأماكن؟ وكيف اختبأ آدم وامرأته منه؟ وهب انّهما جاهلان أفيجهل الله مكانهما؟ فكيف إذاً نادى آدم مستفهماً (أين أنت؟) (ومَن أعلمكَ انّكَ عريان؟) وهل للاستفهام التقريري أو الانكاري هنا وجه؟

    لا مندوحة العاقل متى اطلع عليه عن الجزم بتحريف التوراة وتغييرها عند سماعها، ولا مذهب له عن التصديق بإدخال خرافات فيها لا يمكن التصديق بها، والأجدر بالكيس الرجوع في مثل هذا المقام إلى ما قصّ القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله من أمر آدم وحوّاء حيث يقول في آية 18 إلى آية 23 من سورة الأعراف (ويا آدم اسكن أنتَ وزوجك الجنّة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلاّ ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما انّي لكما لمَن الناصحين، فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما انّ الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 7
    --------------------------------------------------------------------------------

    الخاسرين) فانّكَ لا ترى في هذه الحكاية من الفرقان المبين إلاّ ما هو موافق للعقل مطابق للمنطق خليق بالتصديق جدير بالإذعان والقبول، حقيق بأن لا نقول فيه إلاّ الحق انّه (تنزيل من ربّ العالمين)(1).

    ثمّ نظروا في الإنجيل فرأوا فيه ما رأوا في التوراة ممّا لا يمكن قبوله والتصديق به. قرأوا في الإصحاح الأوّل من انجيل متّى: ان يوسف النجار رجل مريم هو ابن يعقوب بن مناق بن اليعازر إلى ان أنهى نسبه إلى سليمان بن داود فكان بين يوسف وداود 25 أباً على التفصيل وقرأوا في آخر الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا: أن يوسف رجل مريم هو ابن هالي بن منثاث بن لاوي إلى ان نهى نسبه إلى ناثان بن داود فكان بين يوسف وداود (40) أباً على التفصيل، فبأي هذين الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون أبانجيل متى الذي يقول: انّ يوسف النجار هو ابن يعقوب، أم بانجيل لوقا الذي يقول: هو ابن هالي، وبالذي يقول: انّه من ذريّة سليمان بن داود، أم بالذي يقول: انّه من ذريّة ناثان بن داود، والذي يقول: انّ بين يوسف وداود 25 أباً، أم بالذي يقول: انّ بينهما 40 أباً؟

    ثمّ ازدادوا تبيّناً فقرأوا في الإصحاح الحادي عشر من مرقس: ان مباحثة اليهود للمسيح كانت في اليوم الثالث من وصوله إلى اورشليم، وفي الإصحاح الحادي والعشرين من متّى انّها كانت في اليوم الثاني، فبأي هذين يصدقون وبأيهما يكذبون.


    ____________

    1- الواقعة: 80.


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 8
    --------------------------------------------------------------------------------

    وقرأوا في إنجيل متّى انّ أهل أورشليم وهيرودس ما كانوا عالمين بولادة المسيح قبل اخبار المجوس وكانوا معادين له، وقرأوا من لوقا انّهم كانوا عالمين ولم يكونوا معادين له، فبأيّ هذين الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الباب الأوّل من إنجيل يوحنا انّه (أرسل اليهود الكهنة واللاويين إلى يحيى ليسألوه مَن أنت؟ فسألوه وقالوا: أنت ايليا؟ فقال: لستُ أنا ايليا).

    وقرأوا في الكلمة الرابعة عشرة من الإصحاح الحادي عشر من انجيل متّى قول عيسى في يحيى (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا ايليا) ألا مع ان يأتي فبأي النبيين يصدقون وبأيهما يكذبون، وقرأوا في الإصحاح العشرين من انجيل متّى انّ عيسى لما خرج من اريحا وجد أعميين جالسين في الطريق وشفاهما من العمى، وقرأوا في الإصحاح العاشر من مرقس انّه وجد أعمى واحداً اسمه (باريتماوس) فبأي الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الإصحاح الثامن من انجيل متّى انّ عيسى لمّا جاء إلى العبر إلى كورة الجدريين استقبله مجنونان خارجان من القبور فشفاهما. وقرأوا في الإصحاح الخامس من انجيل مرقس وفي الإصحاح الثالث من انجيل (لوقا) انّه استقبله مجنون واحد خارجاً من القبور فشفاه، فبأيّ الإنجيلين يصدّقون وبأيّهما يكذبون.

    وقرأوا في الإصحاح الحادي والعشرين من انجيل متّى: انّ عيسى
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 9
    --------------------------------------------------------------------------------

    أرسل تلميذين إلى القرية ليأتيا بالأتان والجحش وركب عليهما وقرأوا في الأناجيل الثلاثة (ليأتيا بالجحش فأتيا به وركب عليه) فبأيّ الأناجيل يصدقون وبأيهما يكذبون.


    طريفة

    قال لوقا في الإصحاح التاسع عشر من إنجيله ما لفظه: "عند الجبل الذي يدعى جبل الزيتون أرسل (يعني المسيح) اثنين من تلاميذه قائلا: اذهبا إلى القرية التي أمامكما وحين تدخلان بها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قطّ فحلاّه وأتيا به وإن سألكما أحد لماذا تحلاّنه؟ فقولا له هكذا: ان الربّ محتاج إليه فمضى المرسلان ووجدا كما قال لهما، وفيما هما يحلاّن الجحش قال لهما أصحابه: لماذا تحلاّن الجحش؟ فقالا: الرب محتاج إليه. وأتيا به إلى يسوع وطرحا ثيابهما على الجحش واركبا يسوع" انتهى.

    أقول: إنّ صحّ حديث لوقا في هذه الحكاية فعيسى الذي غصب الجحش ليس بإله ولا بنبي لأنّ الإله لا يحتاج والنبي لا يغصب جحاش الناس، ونحن نعلم بأن المسيح منزّه عن مثل هذا العمل لأنّه رسول من عند الله معصوم لا يظلم ولا يغصب فما يقوله لوقا ويحدّث به ليس بصحيح.

    ثم نعود إلى ما كنّا فيه من تصفّح الأناجيل لتحقيق الحقّ في اختلافها الدال على تحريفها فنقول: وقرأوا من الإصحاح الأوّل من إنجيل مرقس ان يحيى(عليه السلام) كان يأكل جراداً وعسلا بريّاً، وقرأوا في الإصحاح الحادي
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 10
    --------------------------------------------------------------------------------

    عشر من إنجيل متّى: انّه كان لا يأكل ولا يشرب، فبأيّ الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الكلمة الثامنة والأربعين من الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متّى، وفي كلمة (44) من الإصحاح الرابع عشر من مرقس: إنّ يهوذا الذي أسلم عيسى للقتل دلّهم عليه حيث يقول (قد أعطاهم علامة قائلا: الذي اقبّله هو هو امسكوه فللوقت تقدّم إلى يسوع وقال: السلام يا سيدي وقبَّله فقال له يسوع يا صاحب (لماذا جئت) حينئذ تقدّموا والقوا الأيادي عليه)، وقرأوا الكلمة الرابعة من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا: إنّ عيسى هو الذي دلّهم على نفسه حيث يقول: فخرج يسوع وهو عالم بكلّ ما يأتي عليه، وقال لهم: مَن تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري قال لهم: يسوع أنا هو، فبأي الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون؟

    فمن هذه وأمثالها من المناقضات والاختلافات اتضح جليّاً تغير الكتابين وتحريفهما حتّى أصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تدفع ولا يستطيع أحد إنكارها، ومن هنا نرى النبلاء والعارفين يسألون كثيراً عن وقت تغيرهما تارة وعن الأسباب الموجبة لذلك أخرى حتى انّ أمر التغير أصبح شيئاً مفروغاً منه. وفي ليلة الخميس التاسعة من شهر شعبان سنة 1351 أقبل عليَّ شاب لا نبات بعارضيه بورقة دفعها إليَّ قائلا، أريد أن تجيبنى عن هذه المسائل، فرحّبت به ثم قرأتها فإذا فيها:


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 11
    --------------------------------------------------------------------------------



    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد تقبيل أياديكم أريد ان اسألكم مسائل:

    (1) متى غُيّرت التوراة؟

    (2) ولماذا غُيّرت؟

    (3) ومَن غيّرها؟

    (4) هل يوجد أخبار في التوراة قبل تغيّرها تصرّح بأنّ عيسى نبيّاً لا إلهاً؟

    (5) ولماذا جحد اليهود نبوّة عيسى بعد تواتر الأخبار عن نبيّهم موسى بأنّه سيجيء بعده هذا النبي؟

    (6) متى غُيّر الإنجيل؟

    (7) ولماذا غُيّر؟

    (8) ومَن غَيّره؟

    (9) كيف عرف الراهب بحيرا وغيره من الرهبان أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بشّر به عيسى عليه السلام بعد أن كان الإنجيل مُغيَّراً من ذلك الوقت؟

    (10) هل اعترف أحد من اليهود بنبوّة عيسى عند ظهوره تابعين قول نبيّهم؟

    (11) هل كلّ مَن كان نصرانياً قبل الإسلام كان مشركاً بالله؟

    (12) ماذا تقول بخروج المسيح بعد موته بثلاثة أيام من بين الأموات؟


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 12
    --------------------------------------------------------------------------------

    (13) ماذا تقول بصعوده إلى السماء بعد أربعين يوماً من خروجه من القبر بمرأىً من تلاميذه؟

    فرأيت أن لابدّ من الجواب عن ذلك، وكيف يمكن الاعتذار والسكوت عن كشف هذه المبهمات وحلّ تلك المعضلات؟ ولذلك تعلّمنا العلم وله خُلقنا وبه أمرنا.

    (انّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(1) فشمّرت عن ساعد الجد وقلت للقلم استيقظ فقد جاء وقت العمل، والتركاض في حلبات البيان، ولكلّ وجهة هو موليها، وغاية هو قاصدها، ومرمى هو مسارع إليه، وعاكف عليه (إنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(2)، ورتّبته على سبعة فصول:


    ____________

    1- البقرة: 159.

    2- النحل: 128.


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 13
    --------------------------------------------------------------------------------



    الفصل الأوّل
    ـ وفيه مباحث ـ

    "الأوّل" أعلم رعاك الله انّ المقصود بالتوراة التي أقمنا الحجّة على تغييرها والتي قصدها السائل بقوله: متى غُيّرت ولماذا غُيّرت ومَن غيَّرها؟ هي عبارة
    ____________

    1- فصلت: 42.




    الشمس الطالعة، ومن الإيمان على مثل الجبل الراسخ، (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويضلّ الله الظالمين)(1) وصلّى الله على نبيّك محمّد الأطيب الأطهر وعلى آله وصحبه الكرام والتابعين لهم بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً.

    وبعد فيقول كاتب هذه الأسطر المهاجرُ العاملي حبيب آل إبراهيم كانت نتيجة ما كتبه كتبة البروتستانت من المسيحيين في حملاتهم على الإسلام، ومهاجمتهم على أسوار قدسه المنيعة ومعاقل عزّه الرفيعة، تزلزل معاقل عزّهم، وتهدُّمَ أسوار منعتهم.


    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يهنها وأوهى قرنه الوعل



    نعم كانت نتيجة حملات أولئك المبشّرين، وثمرات جهادهم في حمل المسلمين على الاعتقاد بصحّة الكتابين، التوراة والإنجيل، وعدم تغيير العهدين العتيق والجديد، داعياً لاعتقاد عدم صحتهما، وباعثاً على التصديق بتغيرهما، ذلك لأنّ الحقيقة أبت لنفسها إلاّ الظهور، ذلك لأنّ العلم قائد لكلّ خير، ذلك لأنّ الأنفس الحيّة من أبناء المسلمين والنصارى، وذوي الضمائر الحرّة من أبناء الأمم كافة، لم يرضوا لأنفسهم بالمقام على الجهل، والتسليم لكلّ قائل بغير دليل، والدعة لكل قالة من دون برهان.

    فلفتت تلك الحملات النظر، واستحثّت الأفكار على البحث والتحقيق فسرح ذوو الأنظار طرفهم، وأمعنوا في صفحات التوراة والإنجيل نظرهم،

    ____________

    1- ابراهيم: 27.




    فرأوا فيهما أمراً هائلاً، واقرأتهم التوارة في أسفارها والإنجيل في إصحاحاته شيئاً عجيباً، فبينما يقرؤهم البرهان بقياسه الصحيح، ويرتل عليهم من آيات شكله الأوّل، إنّ الله تعالى شيء لا كالأشياء، "كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، سميع إذ لا مسموع لديه من بريته" إذ بالتوراة والإنجيل يحدثانهم بخلاف ذلك، حدثتهم التوراة بالكلمة الثانية من الإصحاح الأوّل من سفر التكوين. انّه قبل خلق السموات والأرض كان روح الله يرف(1) على وجه الماء، وبالكلمة السابعة والعشرين منه انّ الله قال: (نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) وبالكلمة الثامنة والعشرين منه (انّ الله خلق الإنسان على صورته على صورة الله خلقه) فذعروا لذلك واندهشوا وانشدوا:


    وكفاهم ان مثلوا معبودهم سبحانه بعباده تمثيلا



    رأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله قديم ولازم ذلك ان لا يكون جسماً لأنّ كلّ جسم لآية حركته وسكونه حادث والقديم لا يكون حادثاً والتوراة بقولها (وروح الله يرف على وجه الماء) أثبتت له الجسمانية والحدوث معاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً:

    ورأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله ليس بمركب لأنّ التركيب من

    ____________

    1- قال في المنجد (رف الطائر بسط جناحيه، وفي مجمع البحرين (كلّ من الطيور ما رفّ أي حرّك جناحيه).




    عوارض الأجسام الحادثة، والأجرام الممكنة، والتوراة بقولها خلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه، أثبتت له التركيب، لاستلزم الصورة وجود المادة فيكون مركباً والقديم لا يجوز أن يكون مركبا.

    فلم يكن لأولئك النبلاء مندوحة عن الرجوع إلى ما يقرّره القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله بقوله في الآية الحادية عشر من سورة الشورى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربّي عليه توكّلت وإليه أنيب * فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(1)وانشدوا:


    الله أكبر ان دين محمّد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
    طلعت به شمس الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أفولا
    والحق أبلج في شريعته التي جمعت فروعاً للهدى وأصولا



    ثمّ ازدادوا تبينا واستحثوا النظر على زيادة الاطّلاع تثبتا فقرأوا في الكلمة السادسة عشرة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين (وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت، (وفي الكلمة الرابعة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (فقالت الحية للمرأة لن تموتا بل الله عالم انّه يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير

    ____________

    1-


    والشر، فرأت المرأة انّ الشجرة جيدة للأكل، وانّها بهجة للعيون، وان الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت واعطت رجلها أيضاً معها فأكل فانفتحت أعينهما وعلما انهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مأزر) فازدادوا حينما قرأوا ذلك حيرة واندهاشا، واضطراباً وانذعارا، قائلين سبحان الله أيكذب الله وتصدق الحيّة؟ يقول الله لآدم يوم تأكل منها موتا تموت، وتقول الحيّة لن تموتا، بل الله عالم انّه يوم تأكلاه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فيكون الأمر كما تقول الحية(1) ولا يكون كما يقول الله ما هذا الإله؟ أليس الكذب قبيحاً؟ أيجوز على الله أن يرتكب القبيح؟ وهل هناك حاجة تدعو إلى ارتكابه؟ أو يجوز على الله أن يكون محتاجاً؟ وإذ كان الحق انّه لا يجوز على الله أن يكون محتاجاً ولا يجوز عليه صدور الكذب فما هذا القول السخيف، وما هذا التقوّل على الله، وما هذه الخرافات التي لا تنطبق على عقل ولا نقل، سبحانك اللّهم وبحمدك تباركت وتعاليت عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

    ثم ازدادوا تبينا فقرأوا في الكلمة الثامنة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنّة عند هبوب ريح النهار

    ____________

    1- فلا يموت آدم، بل من المعلوم انّه بقي بعد هبوطه إلى الأرض خمسماية سنة يبكي على فراق الجنة، ويصبح عارفا الخير والشر كما في الكلمة الثانية عشرة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان صار كواحد منّا عارفاً الخير والشر).




    فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنّة فخشيت، لأنّي عريان. فاختبأت فقال: من اعلمك انّك عريان؟ هل أكلتَ من الشجرة؟) أناشدكم الله كيف يمشي الله في الجنّة؟ فهل لله أعضاء أيدي وأرجل؟ وهل تحويه الأماكن؟ وكيف اختبأ آدم وامرأته منه؟ وهب انّهما جاهلان أفيجهل الله مكانهما؟ فكيف إذاً نادى آدم مستفهماً (أين أنت؟) (ومَن أعلمكَ انّكَ عريان؟) وهل للاستفهام التقريري أو الانكاري هنا وجه؟

    لا مندوحة العاقل متى اطلع عليه عن الجزم بتحريف التوراة وتغييرها عند سماعها، ولا مذهب له عن التصديق بإدخال خرافات فيها لا يمكن التصديق بها، والأجدر بالكيس الرجوع في مثل هذا المقام إلى ما قصّ القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله من أمر آدم وحوّاء حيث يقول في آية 18 إلى آية 23 من سورة الأعراف (ويا آدم اسكن أنتَ وزوجك الجنّة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلاّ ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما انّي لكما لمَن الناصحين، فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما انّ الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من


    الخاسرين) فانّكَ لا ترى في هذه الحكاية من الفرقان المبين إلاّ ما هو موافق للعقل مطابق للمنطق خليق بالتصديق جدير بالإذعان والقبول، حقيق بأن لا نقول فيه إلاّ الحق انّه (تنزيل من ربّ العالمين)(1).

    ثمّ نظروا في الإنجيل فرأوا فيه ما رأوا في التوراة ممّا لا يمكن قبوله والتصديق به. قرأوا في الإصحاح الأوّل من انجيل متّى: ان يوسف النجار رجل مريم هو ابن يعقوب بن مناق بن اليعازر إلى ان أنهى نسبه إلى سليمان بن داود فكان بين يوسف وداود 25 أباً على التفصيل وقرأوا في آخر الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا: أن يوسف رجل مريم هو ابن هالي بن منثاث بن لاوي إلى ان نهى نسبه إلى ناثان بن داود فكان بين يوسف وداود (40) أباً على التفصيل، فبأي هذين الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون أبانجيل متى الذي يقول: انّ يوسف النجار هو ابن يعقوب، أم بانجيل لوقا الذي يقول: هو ابن هالي، وبالذي يقول: انّه من ذريّة سليمان بن داود، أم بالذي يقول: انّه من ذريّة ناثان بن داود، والذي يقول: انّ بين يوسف وداود 25 أباً، أم بالذي يقول: انّ بينهما 40 أباً؟

    ثمّ ازدادوا تبيّناً فقرأوا في الإصحاح الحادي عشر من مرقس: ان مباحثة اليهود للمسيح كانت في اليوم الثالث من وصوله إلى اورشليم، وفي الإصحاح الحادي والعشرين من متّى انّها كانت في اليوم الثاني، فبأي هذين يصدقون وبأيهما يكذبون.


    ____________

    1- الواقعة: 80.




    وقرأوا في إنجيل متّى انّ أهل أورشليم وهيرودس ما كانوا عالمين بولادة المسيح قبل اخبار المجوس وكانوا معادين له، وقرأوا من لوقا انّهم كانوا عالمين ولم يكونوا معادين له، فبأيّ هذين الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الباب الأوّل من إنجيل يوحنا انّه (أرسل اليهود الكهنة واللاويين إلى يحيى ليسألوه مَن أنت؟ فسألوه وقالوا: أنت ايليا؟ فقال: لستُ أنا ايليا).

    وقرأوا في الكلمة الرابعة عشرة من الإصحاح الحادي عشر من انجيل متّى قول عيسى في يحيى (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا ايليا) ألا مع ان يأتي فبأي النبيين يصدقون وبأيهما يكذبون، وقرأوا في الإصحاح العشرين من انجيل متّى انّ عيسى لما خرج من اريحا وجد أعميين جالسين في الطريق وشفاهما من العمى، وقرأوا في الإصحاح العاشر من مرقس انّه وجد أعمى واحداً اسمه (باريتماوس) فبأي الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الإصحاح الثامن من انجيل متّى انّ عيسى لمّا جاء إلى العبر إلى كورة الجدريين استقبله مجنونان خارجان من القبور فشفاهما. وقرأوا في الإصحاح الخامس من انجيل مرقس وفي الإصحاح الثالث من انجيل (لوقا) انّه استقبله مجنون واحد خارجاً من القبور فشفاه، فبأيّ الإنجيلين يصدّقون وبأيّهما يكذبون.

    وقرأوا في الإصحاح الحادي والعشرين من انجيل متّى: انّ عيسى


    أرسل تلميذين إلى القرية ليأتيا بالأتان والجحش وركب عليهما وقرأوا في الأناجيل الثلاثة (ليأتيا بالجحش فأتيا به وركب عليه) فبأيّ الأناجيل يصدقون وبأيهما يكذبون.


    طريفة

    قال لوقا في الإصحاح التاسع عشر من إنجيله ما لفظه: "عند الجبل الذي يدعى جبل الزيتون أرسل (يعني المسيح) اثنين من تلاميذه قائلا: اذهبا إلى القرية التي أمامكما وحين تدخلان بها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قطّ فحلاّه وأتيا به وإن سألكما أحد لماذا تحلاّنه؟ فقولا له هكذا: ان الربّ محتاج إليه فمضى المرسلان ووجدا كما قال لهما، وفيما هما يحلاّن الجحش قال لهما أصحابه: لماذا تحلاّن الجحش؟ فقالا: الرب محتاج إليه. وأتيا به إلى يسوع وطرحا ثيابهما على الجحش واركبا يسوع" انتهى.

    أقول: إنّ صحّ حديث لوقا في هذه الحكاية فعيسى الذي غصب الجحش ليس بإله ولا بنبي لأنّ الإله لا يحتاج والنبي لا يغصب جحاش الناس، ونحن نعلم بأن المسيح منزّه عن مثل هذا العمل لأنّه رسول من عند الله معصوم لا يظلم ولا يغصب فما يقوله لوقا ويحدّث به ليس بصحيح.

    ثم نعود إلى ما كنّا فيه من تصفّح الأناجيل لتحقيق الحقّ في اختلافها الدال على تحريفها فنقول: وقرأوا من الإصحاح الأوّل من إنجيل مرقس ان يحيى(عليه السلام) كان يأكل جراداً وعسلا بريّاً، وقرأوا في الإصحاح الحادي
    عشر من إنجيل متّى: انّه كان لا يأكل ولا يشرب، فبأيّ الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

    وقرأوا في الكلمة الثامنة والأربعين من الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متّى، وفي كلمة (44) من الإصحاح الرابع عشر من مرقس: إنّ يهوذا الذي أسلم عيسى للقتل دلّهم عليه حيث يقول (قد أعطاهم علامة قائلا: الذي اقبّله هو هو امسكوه فللوقت تقدّم إلى يسوع وقال: السلام يا سيدي وقبَّله فقال له يسوع يا صاحب (لماذا جئت) حينئذ تقدّموا والقوا الأيادي عليه)، وقرأوا الكلمة الرابعة من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا: إنّ عيسى هو الذي دلّهم على نفسه حيث يقول: فخرج يسوع وهو عالم بكلّ ما يأتي عليه، وقال لهم: مَن تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري قال لهم: يسوع أنا هو، فبأي الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون؟

    فمن هذه وأمثالها من المناقضات والاختلافات اتضح جليّاً تغير الكتابين وتحريفهما حتّى أصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تدفع ولا يستطيع أحد إنكارها، ومن هنا نرى النبلاء والعارفين يسألون كثيراً عن وقت تغيرهما تارة وعن الأسباب الموجبة لذلك أخرى حتى انّ أمر التغير أصبح شيئاً مفروغاً منه. وفي ليلة الخميس التاسعة من شهر شعبان سنة 1351 أقبل عليَّ شاب لا نبات بعارضيه بورقة دفعها إليَّ قائلا، أريد أن تجيبنى عن هذه المسائل، فرحّبت به ثم قرأتها فإذا فيها:






    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد تقبيل أياديكم أريد ان اسألكم مسائل:

    (1) متى غُيّرت التوراة؟

    (2) ولماذا غُيّرت؟

    (3) ومَن غيّرها؟

    (4) هل يوجد أخبار في التوراة قبل تغيّرها تصرّح بأنّ عيسى نبيّاً لا إلهاً؟

    (5) ولماذا جحد اليهود نبوّة عيسى بعد تواتر الأخبار عن نبيّهم موسى بأنّه سيجيء بعده هذا النبي؟

    (6) متى غُيّر الإنجيل؟

    (7) ولماذا غُيّر؟

    (8) ومَن غَيّره؟

    (9) كيف عرف الراهب بحيرا وغيره من الرهبان أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بشّر به عيسى عليه السلام بعد أن كان الإنجيل مُغيَّراً من ذلك الوقت؟

    (10) هل اعترف أحد من اليهود بنبوّة عيسى عند ظهوره تابعين قول نبيّهم؟

    (11) هل كلّ مَن كان نصرانياً قبل الإسلام كان مشركاً بالله؟

    (12) ماذا تقول بخروج المسيح بعد موته بثلاثة أيام من بين الأموات؟




    (13) ماذا تقول بصعوده إلى السماء بعد أربعين يوماً من خروجه من القبر بمرأىً من تلاميذه؟

    فرأيت أن لابدّ من الجواب عن ذلك، وكيف يمكن الاعتذار والسكوت عن كشف هذه المبهمات وحلّ تلك المعضلات؟ ولذلك تعلّمنا العلم وله خُلقنا وبه أمرنا.

    (انّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(1) فشمّرت عن ساعد الجد وقلت للقلم استيقظ فقد جاء وقت العمل، والتركاض في حلبات البيان، ولكلّ وجهة هو موليها، وغاية هو قاصدها، ومرمى هو مسارع إليه، وعاكف عليه (إنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(2)، ورتّبته على سبعة فصول:


    ____________

    1- البقرة: 159.

    2- النحل: 128.
     

مشاركة هذه الصفحة