قراءة أركيولوجيّة في مفهوم " التغيــيــر " ... بقلم / مروان الغفوري .

الكاتب : مروان الغفوري   المشاهدات : 1,925   الردود : 29    ‏2004-11-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-24
  1. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0



    [align=justify]

    .


    المؤتـمر ـ نت
    بقلم / مروان الغفوري

    .........................

    توطئة ـ لا بدّ منها : ـ

    لعلّ قول " زيد بن عمرو بن نفيل " حين وقف بين ظهراني القوم في مكّة معلناً : يا أهل قريش ، ما منكم من أحدٍ على دين إبراهيم غيري "يسلّط الكثير من الضوء على الحالة الاجتماعية و الروحية لمجتمع مكّة ـ و الجزيرة العربية جمعاء ، التي دفعت مثل هذا الرجل المتحنّث بعيداً عن معاشات مجتمعه بكل تنويعاتها .. بل لعلّها تقودُنا إلى تصوّر الوضع الروحاني ـ الانساني العالمي ، الذي بلغ ذروة انحطاطه في القرنين السادس و السابع الميلادي .فلم يكن حالُ الجزيرة العربيّة الانساني رغم قسوة الضمائر فيه و انعدام شبهِ كامل لمفهوم " إنسان " في ظل انتهاكٍ سادٍ لعلامات الفطرة ، بأسوأ من حال غيرها من شعوب الأرض " كما يقول أبو الحسن الندوي في " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " " بل على العكس ، مثّلت الجزيرة العربية المعقل الأخير لحشاشة الضمير الاجتماعي و الانساني ! كانت هناك بقايا الحنيفيّة تتمثّل في بعض دعاةِ الرشاد و التغيير في المجتمع المدني العربي ، أشار إليها القرآن في سورة الزمر .جاء في أسباب النزول ما أخرجه الواحد وأبوالفرج أن قوله تعالى : " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب". سورة الزمر أية 17 - 18 . نزل في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله عز وجل هم : زيد بن عمرو بن نفيل ـ وأبو ذر الغفاري ـ وسلمان الفارسي ... أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي !

    كما أنّ الطبع العربي الرجولي و الانساني حفظ للمجتمع العربي البدائي ـ رغم انحطاطه الحضاري ـ بعض معالم " الانسان " ، فكان الكرم ، و النجدة ، و العفّة ، و الفروسية ، و الحميّة ، و غير تلك الوشمات الروحانية ... كانت تمثّلُ مفارز غير صقيلة ، و محاضن أو نويات محاضن لنشوء تغيير اجتماعي عالمي يبدأ من أرض العرب ـ الأكثر روحانية بين سائر بلدان الأرض . تلك الصفة الروحانية العربيّة نالت شهادة النبي الكريم فيما بعد حين قال " إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق " ..! فقد كان القرنُ السادس الميلادي " مخاضاً " لتغيير كبير ، يطال كل جزئيات الانسان ، و يعيد ترتيب أجندة الحضارة و الروح من الأبجديّة الأولى حتى منتهاها .. بمعنى أن التغييرَ كان مطلباً جماعيّاً ـ و حتميّةً حضارية تقتضي " نقض " كل عوالق الذهن و الممارسة ، و تبني " ميداناً " جديداً لانسانٍ جديدٍ في الروح و المادة . و يرفضُ التغيير ـ باعتباره منهجاً بديلاً ـ اعتبار التشوّه الحضاري جزءً " فكريّاً " أو اعتباراً " ماديّاً" ، بل أكثر من ذلـك .. إنهُ نقضُ الواقع المعاش ، و إعادة " خلقه " وفق البنية الأصلية الثابتة " الفطرة " ...

    و لأنّ التأريخ ليس أكثر من قصةِ " دينٍ " و صراعٍ أزليٍّ حوله ، فقد ظلّت آثار تعاليم الأنبياء تربط العرب بالسماء عن طريق " وسائط " غير منطقية ، و تحكم شريعتهم ، حتى تلك التي انتهكت الحرمات ـ فهي من " الدين " ـ أيّاً كان لون هذا الدين و شكله ..و في الوقتِ نفسِه ، و حيثُ كانت الانسانية تلفظُ آخر أنفاسها ، و تضعُ حتميّة " التغيير " أمام أعين الرائي المصلح ـ كانت المجتمعات العالميّة تتخبطُ في " تديّنها " فتسفك ، و ترهبُ ، و تذبحُ " الآدمية " باسم الآلهة .. و قد مثّل القرن السادس ، و من خلفه ، القرن السابع الميلادي ذروة التصدّع الانساني ـ الحضاري ، و لعلّ التأريخ لا يبالغُ حين يذكرُ أن مئات الآلاف كانت تقتلُ في الهند كقرابين للآلهة و تموتُ من أجل البراهمة الذين تفرّدوا في الطبقة الأولى الناصبة باسم الإله القدير ، بينما تمايز الشعبُ من خلفهم إلى " شترا ـ ويش ـ شودر " ، و هم رجال الحرب ، و الزراعة و الخدمة ... حيثُ تمثّل طائفة الخدمة فصيل المنبوذين باسم " الآلهة " ـ وفق القانون الديني المرجعي " منوشاستر " ، و امتازت الآلهة بشرهٍ لا ينضب للدم ، و الخمر و النساء ، حتى كانت تمثّل في تصوّر المجتمع آنذاك واحدةً من الكوارث الطبيعيّة التي تأكل الأخضر و اليابس .. و في المجتمعات الأنجيليّة كان مؤتمر نيقيه " الديني " يحدِث شرخاً في طرح تصوّره الجديد عن المسيح ، الأمر الذي قاد المجتمعات القبطية إلى الاقتتال في المصاطب و الشوارع ـ و الأزقة .. باسم المسيح ، و " الدين " المسيحي . و أدل شاهدٍ على ذلك هو مأساة الأمبراطور البيزنطي الطيب " موريوس " في سلسلة الصراع على عرش المسيح ، و ما تلا ذلك من رعبٍ و قتلٍ حتى كانت الجثث ـ كما يقول "جيبون " ـ تملأ الشوارع ـ في الوقت الذي كان فيه النبي الكريم " محمد " عليه الصلاةُ و السلام شاباً يافعاً في طور المشاهدة و التشكّل ـ و الرعاية الإلهية ..و العالمُ من حلوه يصطخبُ من أقصاهُ إلى أقصاه ـ و يهدمُ ما تيسّر له من " الانسان" باسم " الدين ـ الآلهة ! و لم تسلم أمبراطوريات الأكاسرة من هذا الانحطاط ـ بل مثّلت هي الأخرى مرحلةً أشبه بالنضج اللإنساني المطلق ـ تحت ظلّ معبودهم " النار " ..!

    حالة الاحتضار كانت هي المعلَـمَ الوحيد لمجتمع الذروة المنحطة ! و من هنا كانت كل التباشير تدلل على أنّ اصلاحاً جذريّاً قد آن أوانه ، و جهر اليهود في جزيرة العرب بأن ميعاد نبيّ يأتي ، يتّبِعونه ... فيقتلون الناس معه قتل الشاة ، و البعير ... ! هنا اكتملت أجندة " مطالب التغيير " ، و أصبح الغدّ المغاير للأمس حتماً لا يقبلُ المواربة و التواري ـ حفاظاً على النوع البشري ، و وثاقه الانساني المحتضر !


    و ماذا بعد ؟



    لم تمضِ على نبوءة " ورقة بن نوفل " إلا أيامٌ قلائل ، و إذا بفتى قريش النقي يحملُ بين يديه حقائق الكون و الانسان ، و الآخرين ...فكانت ولادة مشروعٍ ضخمٍ يعيد ترتيب الانسانية وفق محددات عليا ، تحفظ حقوق الجميع ، و تسوق الانسانية نحو مهبطها الأول ، و تضع معالم الطريق الطويل واضحاً دون غبش أو رذاذ . قدّم المشروع الجديد أوراق تحرير الانسان من عبودية الانسان ، و صاغ في ذكاء مدهش أجندات تحمل في طياتها أسس المعاملات ، و منظومات العمل الاجتماعي و التعبّدي ـ الكهنوتي ، و العسكري ـ الحربي ، و علاقات الأجناس ببعضها .. بل تضع أحجار الاساس لبنية جديدة اسمها " الانسان " !

    كان على النبي الكريم أن يخرج إلى الناس ـ بهذا المشروع ! يتحسس السؤال العريض : من أين أبدأ ، و كيف أبدأ ، وبمن أبدأ ؟ .. خيال مآتةِ العثرةِ الأولى يرجفُ تصوّره ـ فهو بين ثنائية غائرة الحواف ، التلّقي ـ و الواقع المعاش ! فكسر دائرة التساؤل و الحيرة ، و خرجَ بمنهجه الدعوي الذي صاغته قدرتُه اللامتناهية على إدارة الحوار ، و تكييف أدوات اليوم و الليلة من أجل الدعوة ، و صدق الضمير الحي الذي يحمله ، و كونه طبيباً للنفوس قبل أن يكونَ معلّماً دالاً على الجادة . و ما نطق عن هواهُ قط !

    أصبحت قريشُ ـ المجتمع الذي وجد نفسه في مواجهةٍ لم يكن يحبّ التورط فيها ـ مع هذا النهج الجديد ، و الخطاب الفذ ، لتجد نفسها أخيراً أمام جيلٍ يولدُ من رحم الغيب ، قوياً ! أمام جيل من النسق الفكري و الذهني ، يخالِفها في كل شأنها ـ و إن لم تكن ولادة الصدور التي ستحملُ هذا النسق ، قد آنت بعد ... إلا أنها أدركت بمحض حساسية أمبراطوريتها المفرطة في رؤية الذات ، أن عقدها الاجتماعي سينفرط أمام هذا الخطاب الواسع الرحاب ، و المغدق بالطموحات و قيم التحرر ـ و المتلمّس لدخائل النفوس فلا يكاد يخطؤها في صغيرةٍ من شأنه و شأنها !

    بدأ الخطاب الروحي و الاجتماعي الجديد يحقق نجاحاته في مجتمع مكة ، و انطلق من الصفوف الخلفية حيثُ طائفة المنبوذين ، و" شترا " ، ومن حيثُ تأكل زوجُ " شيفا" الصبايا قرابيناً للآلهة ! و بدأت علامات التصدّع في البنيان الأسري تظهر ـ و ليس لقريش أنْ تسمح بمثل هذه التململات ! فهي قبلة التجارة و المركز الديني للقبائل قاطبة ً ، كما أنّها تمثّل تجمعاً سياسياً و مقصداً ثقافيّاً مهماً ـ و أي حركة اضطراب أو تصدّعٍ ستصيبُ أول من ستصيب ـ أرباب المال ، و الاتحادات التجارية المتواجدة فيها ـ و قد تؤثر الحركة التغييريّة الجديدة على معدلات توافد الزائرين من تجار و غيرهم إلى مكة ، بسبب تفاقم القلاقل ، و الاضطرابات ..

    إن أمبراطورية التجارة لا تسمح بوقتٍ و لو هامشيّ في مراجعة الذات ، أو استجلاء ما تخفيه " مواعظ " مجموعة من الدراويش يعيشون عالماً حالماً من المثل دون أدنى رؤية لخطورة ما يمكن أن يجنيه تصوّرهم الساذج للتعاملات البشريّة الكبرى على أمن المجتمع و بنائه الاقتصادي الشامل ، بل و مركزيّته الروحية ـ من صدوعٍ و شروخ ! لم تبرح قريش تردد هذا المنطق التليد ـ الحديث ، و في سبيل تشكّل هذه الرؤية بمناطاتها الذاتية ، و أبعادها الأمبراطوريّة ، قطعت السبيل على كلّ من يمكن أن يقلق الحلف التجاري الأكبر ، و جماعات الضغط في مجتمع مكّة ـ فحرصت على إقامة تحالفٍ كبير يضم القوى الفاعلة في المجتمع المكّي ، و التي يمكن أن تتضرر مباشرةً بفعلِ هذه المنظومات الفكرية الجديدة ،ليس بسبب قوة أصحابها المعدودين في درجة " الأراذل ـ المنبوذين " ، و إنما بسبب ما تحويه هذه المنظومة من " مغالطات " برّاقة ـ وفق تعبيراتها ـ قد يلتف حولها الناسُ غير واعين للخطورات الكبرى التي ستنجمُ عنها !

    و لأن العنصر " الخارجي " لاعبٌ مهم في القضايا التي يكون ميدانها الفكر أولاً و أخيراً ، لذا كان لا بدّ من استدعائه ثم استعدائه ـ خشية أن تتسرب إليه بعض الأجندات الواقعية لهذه الجماعة ، مما قد يشكّل و لو جزئيّاً رافداً خارجيّاً ، و إن لم يكن حقيقياً ، فهو على الأقل إعلامي ... و لأن هذا الفتى المكّي يجيد " تسويق "منتوجه الفكري بطريقة ساحرةٍ ، مدعّماً بقدرة بيانيّة فريدة ، و مستخدماً أهم وسيط معرفي لنقْل نتاجه ، و معتمداً على الأداة الأكثر عمقاً في الوجدان " الخطاب البليغ " ، أو على حد تعبير الوليد بن المغيرة ( سحرٌ يؤثر ) بمعنى يفضّل في الذاكرة السمعية و الوجدانية على غيره من الخطابات ( السحر ) ـ و هو الاعتراف الذي قاد الرجل الأكثر كفاءةً ماليةً و تجاريةفي مكة " الوليد " إلى الانسحاب و الانزلاق عن غير وعي إلى درجة الـ " الشرود " أو " التسامي " مع محتويات النص القرآنية الحامل للوعي الجديد . هنا كان على سائر أقطاب الحلفِ الدار ـ ندويّ أن يتداركوا مثل هذا الانقلاب الوشيك و التغير الطارئ في تصوّر الحليف التجاري الأكبر المسمّى عند مكة و العرب بـ " الوحيد " ..فقد كان يكسو الكعبة لوحده ! ... و بدت أولى خطوات انهيار الحلف في الظهور ... لولا أن تداركوها !

    النبي الكريم ُ يرى أنّ أدوات الخطاب الروحي و الاجتماعي الذي ينتهجه قد اكتملت ، و أنّ حقائقه مشروحةٌ بتفصيلٍ فيه من الذكاء و العلْميّة ما يكفي لاحداث انقلاب فكريّ عالمي ـ فقد استطاع البيان القرآني و التفصيل النبوي أن يطارد كل تلكُّآتهم و اعتذاراتهم عن الاتباع ، و ناقشهم بكل هدوء و علميّة عارضاً حيثيات رفضهم ، و سارداً في أسلوب عبقريٍّ حججهم و فلسفاتهم ، حتى أوصلهم في نهاية كل خطابٍ إلى واحدةٍ من حقيقتين تتمترسان خلف هذا الجحود و الانكار ، بل و الرغبة في اقتلاع الآخر المخالف عقديّاً و من حيث المبدأ ـ و هاتان الحقيقتان هما : ـ

    1- " إنّا وجدنا آباءنا على أمّة و إنا على آثارهم مقتدون " ...فحين تسيطر ثقافة التقليد و التبعيّة على ذهنية مجتمع ما ، كما هو الحال في مجتمع مكة ـ قريش يصبحُ التغيير جنيناً مشوّهاً ، و ضريبةً في ثياب مكوس ـ و تطالُ المغالات طرفي النقيض ، فالتغيير يتحوّل من مقام النبيّ الحنون ، طبيب القوم ، إلى المجالد المستميت ، الناقض لكل شيئ ـ و قد يستهلك نظريته التغييرية في الرغبة في إلغاء الآخر كليّة ـ كما حدث حين تحوّلت الفلسفات الليبرالية العقلانية للمعتزلة إلى أيادي جزّارين على أيدي مستشاري المأمون ، و مقربيه ، في مسيرةٍ مقيتةٍ في تأريخ الفكر الاسلامي .

    و إذا كان الاسلام ـ في تصوّري ـ قد استطاع أن يبنى امبراطوريته الكبيرة في القلوب و على الأرض ، فإنه في الوقت نفسه لم يسطع أن يكيّف الفهوم التي واجهها بادئ الأمر في مجتمع " مكة ـ المنكفئ على مصالحه الذاتية ، و فلسفته العقديّة الدراغماتية " حسب منهجه المطلق ، و أن يفتح عقولهم على آفاقه الكبيرة التي أوجدت من المعتنقين الأولين عدّائين يقطعون المسافات الطويلة في لمح العين عندما تحققوه كما ينبغي ... بل أكثر من ذلك ، فلقد ظلّت " التقليدية " مسيطرةً على تفكير ـ حتى ـ المجموع المسلم نفسه فيما بعد ، حتى أوشكت أن تكون سمةَ المجتمع الناطقةِ باسمه ، إلى الحد الذي مكّن المستشرق "رينان " أن ينال جهاراً من الذهنية المسلمة حين وصفها أنها غير علمية و غير جادة ، و أنها تتواصل مع الثقافات الأخرى تواصلاً صراعيّاً ، و إذا تلقّت ثقافةً عقلية فلا تقدر على هضمها ..و أنا هنا لا أشد قبضتي لأهوي بها على جبهته كما فعل كل دارسي التأريخ الاسلامي الفكري ، بل أقفُ إلى جوار " رينان " في بعض ما ذهب أليه ، و يطيبُ لي أن اذكر في هذا المقام ما جاء في " مقابسات " أبي حيّان التوحيدي ، إذ يعرضُ في ذلك إلى الذهنية التقليدية الكهنوتية ، تلك التي تفتعل مقدمات شكلية للصراع مع الجديد ، و ترفضه بالمجمل .. فقد نقل عن ابن ثوابة ، أحد كتاب الدولة العباسية ، أنه قال : قيل لي أنت ذو عقلٍ و فطنة ، فلو قرأت المنطق و الهندسة ، و تدبّرت إقليدس ... قال : فجيئَ إليّ بمهندسين أحدهما مسلمٌ و الآخر نصراني ، فقلت للمسلم : اخطط ! فذهب يخطّ غير متعاظمٍ ، و هو يقول : هذا خطّ مستقيم لا عرض له ! فقلت له : اتقِ الله ، إنما الصراط المستقيم طريقُ الله ، و والله ما أردت بقولتك هذه إلا ضلّتي عن الدينِ والجادّة ِ ،و تالله لا أتعلمُ الهندسة و الكفر ما حييت ـ و هذه وصيتي لأولادي من بعدي ألا يقربوها ما دامت تدعوهم إلى الشرك بالله ..!

    الماكر " أبو حيّان " عرض بذكاء الثقافة السائدة في عصره ـ تلك التبعية التي تمثّل العائق الأول أمام دعوات التجديد و الاصلاح ، و هي من ترسبات المجتمع الأول في " مكّة " ـ لم يستطع الذهن المسلم أن يتخطّاها ، مما كان سبباً في حدوث انتكاساتٍ كبيرةٍ في صيرورة المدّ الاسلامي الحضاري ، و تجنّسه الواقعي بضرورات و إصابات المجتمع . فالتبعيّةُ تلغي الحدود الدنيا من الاستعداد الداخلي لخوض غمار تجربة جديدة وليدة ـ أو التعامل معها بمنطقيّة و حسم ..كما تحوّل المجتمع إلى مسطّحاتٍ بشريّة تعيشُ على صورة مكررة نمطيّة . و هذه الظاهرة ، هي الأخرى ، بحاجةٍ إلى تقصٍّ ذكيٍّ ، فالعقل البشري هو كائن تساؤلي ، لا يؤمن بالركود مالم يكن هذا الركودُ ديناً تفرضه سلطات خارجية ، و أخرى داخليه من مادة العقل الثقافية نفسه ، و تحرسه نظريات ارتقت بفعلِ فاعلٍ إلى مستوى الحقائق . إنّ غياب المفاهيم العليا للضرورات و الحتميّات ، و تعويم " التقشّف " المعرفي ، و انحسار مدى التحدّي عن مستوى الدافع المكيانيكي المحرّك ـ و تقهقر معادلات الحركة من أجل بقاءٍ أفضل ، كل هذه العوامل تساعدُ بطريقةٍ ديناميّةٍ في تجذير مبدء " السلبيةِ" ، و تسهمُ بفاعليةٍِ في طرح النموذج النمطي كـ " نهاية لشكل الحياة الاجتماعي و الروحي و الثقافي " .. و من هنا ، فإنه لحقيقٌ بأن تضع الحركات الاصلاحية التغييرية في اعتبارها إعادة صياغة التحدّي أمام المجموع المتلقّي للخطاب ، و عرض السائد المتبّع كمقدمة منطقية للهزيمة ـ و لا بأس من تسويق " غولَ " الآخر ككائنٍ يرابط بالمجتمع ليقتلعه ـ و هو في حالة مجتمعاتنا المعاصرة يتمثّل في فلسفة " العدو الخارجي المتربّص " و " التحدّي الصناعي المادي ... كل هذا قد يساعدُ في احداث اضطرابٍ في الواعية الجماعية ـ، مما يمكّن لاحقاً و تحت سطوة التوعيّة الجماعية من إيجاد جيلٍ جديد مقاوم تحت لواء " تنشة النخبة " ..!

    2- أما الحقيقةُ الثانية فتتمثل في ثقافة: ـ " لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم .."..!إذن ، فهنا المعنى الحقيق لرفضهم المطلق و مناهضتهم الأبديّة /، الدافع الاقتصادي المادي لجماعات الضغط على صانعي القرار من كبار قريش و المحيطات المجاورة ، أولئك الذين يمتلكون تكييف و توجيه المجتمع نحو المشيئة العليا للارادة السياسية في سبيل خدمة رأس المال و حركته . و هو دافعٌ مهم لا يقلّ أهميّةً عن الدافعِ التحنيطي انكفائي ، الذي لا يقبل التغيير .. ليس لأن التغيير خطرٌ عليه ، بل لأن الدافع الاقتصادي هو الجدير بالاتباع و التقصّي ، و الاعتناق . فالتعامل المادي يعرضُ كل منتوج على ميزان الربحيّة والنفعيّة ، و من هنا كان التحوّل الثقافي محض " ترف " هم في غنى عنه .

    الدينار لوحده هو الذي يصنع المصير ! .. فالنبوّة ـ التغيير في عرف سادة "قريش" تتشكّل في معنى آخر غير ذهني . فهي " سلطةٌ" مهمّة ، و " حصانةً " بالغة الخطورة ، تتيح لـ " منتهجها ـ النبي " الفرصة لتحقيق فتوحات اقتصاديّةٍ مهمّة في دوائر الربح ـ ثم هي تمنحُ إضافةً فاعلةً إلى السلطة الروحية لقريش على سائر الأعراب ، و بناءً عليه فظهور هذا الانتصار الثقافي و العلمي المهم على يد فقيرٍ من مكّة ـ و من دائرة " المعارضين " لنموذج السادة السياسي الأخلاقي ، سيجهضُ الفكرة في مهدها ، بل قد يكون مدعاةً للمحاكاة و من ثم المافسة القوية ّ في حال اتباع هذه الوسيلة العبقرية في السيطرة الروحية و الثقافية على العقول من قبَل التكتلات الثقافية و الاقتصادية المجاورة ، مثل يثرب التي تعيشُ نظاماً مجتمعيّاً متنوّعاً و متمايزاً من الأوس و الخزرج ، و النصارى و اليهود ـ حيثُ كانت أكثر رحابةً سوسيولوجيّة ، فقلد كان نظام التعاملات المدنية في يثرب يخضعُ في كثيرٍ من بنوده إلى القانون الروماني ، و كذلك الفلسفة اليهودية ـ والأخيرة كانت تسيطر على التوجّهات اللاهوتية العليا في ذهنية المجموع اليثربي ..!

    في " شروط نهضة المسلمين " استعرض روجيه جارودي تداعيات " التبعيّة " الذهنيّة و الفكرية ، و عرضها بطريقةٍ مجسّدةٍ لحالةٍ واقعيةٍ فعلاً ، حاصراً أسباب التدنّي الحضاري العربي ـ الاسلامي إلى ( تبعية الماضي ، تبعيّة الغرب ) .فالنموذج المقدّس المقدّم بأعين الذين ماتوا يحوّلُ الاسلام بأهليته الحضارية إلى بركةٍ آسنةٍ ليس فيها موطئ قدمٍ للعطاشى الجدد . كما أنّ تبعية الغرب تبرزُ جيلاً مسخاً فاقداً لمقومات التأهيل الذاتي ، يسيرُ وفق هوى قشور الآخرين ...و من هنا فقد حدد رؤيته في العملية التغييرية كفلسفةٍ منشؤُها المجتمع ، بحاجةٍ إلى روّاد عرضٍ ليسو من فصيلٍ أيٍّ من الجماعتين الأوليين " الماض ـ الغرب " ..

    هذه النظرية الحصرية ، رغم منطقيّتها ، تنبع من المجتمع باعتباره محكّ التغيير ، و أداته و غايته . ملغيةً الدوافع الجماعية العليا ، و المسببات الخارجة الغالبة ، ذات التوجّه المناهض للتغيير ، خدمةً لمشروعها و فلسفتها . ففي مجتمع مكّة ، لعبت " التبعيّة " و عبادة الماضِ ،و الذين ماتوا دوراً مهماً في تحديد نوعية الوعي الجماعي المكّي، إلا أنّ مثالية عرض المنهج الاسلامي التغييري ، و ذكاء ملامسة الأداة الخطابية للمشترك العام و ردّه إلى الفطرة ، بما يحقق خلق حالةٍ عامة من الشعور بالانتماء و لو جزئيّاً إلى مادة هذا المنهج التغييري ، بل و الحاجة الحتميّة إليه ..كل هذا كان كفيلاً بإحداث انقلابٍ لصالح الفطرة العامة المعنيّة ابتداءً بالخطاب التغييري . لكن ما نلحظه من تتبعنا لحالة المجتمع المكّي في فصول مصادماته ، حتى مستوى الرفض المسلّح ، لهذا المنهج الجديد يجعلنا نفكّر بمسببات أخرى غير التبعيّة ، و لا يصنعها الوعي الجماعي العام . و لنا ذلك ، حين نجد الآلة الاقتصادية ، و من خلفها الدافع السياسي البحت ، تحرّك دفّة الصراع و المواجهة لمصالحَ غير تلك المعلنة في قولهم " ما نعبدُ إلا ما يعبدُ آباؤنا " .. فالأمر إذن لا يتعلّقُ البتةَ بفلسفة عبادة ٍ، أو اعتناق شديد الحنوّ على قلوبهم ، فحالة المجتمع الروحانية آنذاك ، تلك التي وصلت إلى أدنى مستوى إنساني تردّ على هذه الاعتذارات الدبلوماسية . و هنا تبرزُ أمام أعيننا مواسمُ التجارة الضخمةِ ، يتولى إدارة شأنها كبار المقاومين لهذا الدين الجديد . فحين نقرأُ أنّهم حرّموا على الوفود التي تزور مكّة أن يطوفوا بالكعبةِ إلا بثيابٍ قرشيّة الصنع ، ندركُ كيف تستخدمُ كل الوسائل الاستثمارية المتاحة ، و حتى " المقدّس " نفسه ، يصبحُ على أيدي صنّـاع القرار إلى صفقةٍ تجارية تجري إدارتُها بذكاءٍ .. هذا الشرهُ الأمبراطوري ـ الكمبرادوري لا يمكن مواجهته بخطابٍ مثالي طوبويّ و حسب ، بل قد يجعل الرهان على تغيير الوعي ، كوسيلةٍ لتغيير نوع المجتمع كلّه ، مستحيلاً أو محاربةً لطواحين الهواء .

    استنفد الخطاب الاسلامي التغييري كل وسائله ، و كان الحصادُ بعد أكثر عشر سنينَ مرّاً ! فلا يمكن لحريّة فكرية و ثقافيّة أن تنشأ في ظل سيطرة رؤوس الأموال على مقاليد الأمور ، و تحكّم السياسة في صناعة التوجه الفكري ـ و تداخل السلطات ، و تكأكُؤها ، و سيادة ثقافة " التقليد " باسم " المقدّس . إن حالة قريش تلك أشبه بحالة مجتمع معاصر مغلق ـ وما أكثر الأمثلة فالصورة هي هي ، لم تتغير قط . و لنا أن نتصوّر أنه في ظل تلك الكهنوتية السياسية التي تتحكم في مصائر العباد لا يمكن أن يشهد النوعُ الانساني تطوّراً أيديولوجيّاً أو ثقافيّاَ ـ بل يصبحُ بعد حين من الزمان في حسابات الموتى . فالتصادم و التدافعُ هو المحدد الأكثر أهميّةٍِ لنشوء حضارة على أرضيةٍ ثقافية خليقةٍ بأن تكون لبِناتٍ في تكوين الجسد الاجتماعي النهائي . و في ظلّ القمع ، يكونُ الحديث عن أي تحديثٍ أو تغيير محض هراءٍ و شنشنات لا تسمنُ و لا تغني !

    إنّ قليلاً من الوعي في العقليات التي تصنعُ القرار الثقافي أو السياسي هو ضرورةٌ ملحّة . لأن لغة " لا تسمعوا لهذا القرآن " التي اتخذتها قريشٌ يافطةً في مداخل مكّة ، و نشرتها في إذاعاتاتها المتنوعة على رؤوس الملأ في مواسم الحج و التجارة ، كل تلك اللغات لم تستطع أن تلغيَ وجود هذا النموذج الفكريّ المخالف ـ للعرف و السائد . و كان أن خرج اللاجئون الأولون إلى المساحات الأكثر حريّة في دول الجوار مثل " يثرب " ، و " الحبشة " .. و عادوا بعد ردحٍ من الزمن فاتحين ، و منتصرين ـ ليس بقوة السلاح و الاتباع ، و إنما بجذريّة الحقيقة التي يحملون ، و نوعية التغيير الذي يبشّرون به ، و اعتمادهم على صدق الضمير لديهم ، و تضعضع المخالف لهم من الداخل ـ و مستندين إلى الخارطة الإنسانية العليا التي تتيحُ لهم تقديم المشترك العام من أجل الانسان العام بعيداً عن لونه و طبقته الاجتماعية ـ و فقط ، لكون " إنسان " !


    ـــــ

    و الله من وراء القصــد ..


    [align=left]بقلم / مروان الغفوري
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-24
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    اخي مروان الغفوري
    السلام عليكم ورحمة الله
    وقفت طويلا عند موضوعك هذا "قراءة أركيولوجيّة في مفهوم " التغيــيــر "
    وتحديدا عند قولك
    "هذا الشرهُ الأمبراطوري ـ الكمبرادوري لا يمكن مواجهته بخطابٍ مثالي طوبويّ و حسب ، بل قد يجعل الرهان على تغيير الوعي ، كوسيلةٍ لتغيير نوع المجتمع كلّه ، مستحيلاً أو محاربةً لطواحين الهواء .
    استنفد الخطاب الاسلامي التغييري كل وسائله ، و كان الحصادُ بعد أكثر عشر سنينَ مرّاً !"
    ولقد رأيت فيه اتهام لدين الله بالقصور
    ولرسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه بالفشل في التغيير
    ولأني اظن بك خيرا
    فأني انتظر توضيحك لما اشكل علي فهم مقصدك منه
    فالأمر جد خطير
    وإنا لله وإنا اليه راجعون
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-11-24
  5. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    [align=right]تحليل دقيق وجريئ لمجمل الأوضاع السائدة حينئذ ..
    والكاتب الكريم شدد أن التغيير كان لازما لأن الوضع الإجتماعي (العالمي) قد وصل إلى مرحلة متدنية جدا من الإنحطاط الفكري ،الخلقي .. وقد ضرب أمثلة على ذلك ..

    لكن هناك آراء أخرى متفرقة تضيف بعدا آخر لما ذكره الكاتب الكريم هو: أن التغيير كان مطلبا طبيعيا ، ومناسبا لحالة العقل البشري الذي أصبح متطورا عن ذي قبل بالرغم من وجود أفعال كثيرة تدل على غير ذلك.. وأن رفض الرافضين للتغيير (الدعوة) لم يكن لجوهر الدعوة ذاتها ، وإنما لما سيفقدونه من مراكز اجتماعية متميزه .. وهناك شواهد على هذا ..

    والمستشرق رينان .. لم يكن منصفا ، ولا عادلا في قوله .. وهذا مادأب عليه كل المستشرقين .. وكان يستحق أن يهوي الكاتب الكريم بقبضته على جسده كله مرارا ، وتكرارا (تعزيرا) .. لأن واقع التاريخ (عصر المأمون على سبيل المثال) ، قد أثبت عكس ماذهب إليه .. وتأييد الكاتب الكريم لـ"رينان" ببعض ماذكر وإستشهاده بحالة فردية نادرة (حتى لو وجدت حالات أخرى مماثلة ) ، فإن هذا لا يعطي الحق لـ"رينان" التعميم .. وتصوير المسلمين وثقافتهم أنها كانت منغلقة ، ومنكفئة على نفسها .. وإلا من أين أتى أمثال ابن عربي ، والفارابي ..الخ ..

    وأوضح أن الفلسفة المرفوضة ( من قبل رجال الحديث بالدرجة الأولى) .. هو تناولها للذات الإلهية (وكنهها) بما يخالف العقيده وما لدينا من نصوص (في أسماء الله وصفاته) .. وأنها (الفلسفة) بصفة عامة فضل مستغنى عنه ..

    وأخيرا أو جه الشكر والتقدير للأستاذ مروان الغفوري على هذا السرد ، والتحليل المنطقي ..
    وما رأي الكاتب الكريم لو اتخذنا هذا المفهوم (المنهج) للتغيير في عصرنا الحاضر ، فهل سيأتي أكله ؟
    أم يجب أن يوجد العالم الرباني (القدوة) إبتداءَ ؟

    تحياتي ،،،،،،
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-11-24
  7. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    [align=justify]وقفات مع ما كتبه الغفوري

    ثمة أمر وجب علينا هنا أن ننبه عليه ونشير إليه إشارات بسيطة أداءً لفضيلة المناصحة وإعذاراً بالبيان :

    أ- يؤسس الغفوري نظريته هنا على أساس جديد بنى عليه رفض قريش وكبرائها للدين الجديد , ويتلخص هذا الأساس في : "إن أمبراطورية التجارة لا تسمح بوقتٍ و لو هامشيّ في مراجعة الذات ، أو استجلاء ما تخفيه " مواعظ " مجموعة من الدراويش يعيشون عالماً حالماً من المثل دون أدنى رؤية لخطورة ما يمكن أن يجنيه تصوّرهم الساذج للتعاملات البشريّة الكبرى على أمن المجتمع و بنائه الاقتصادي الشامل" وفي موضع آخر يضع الغفوري نفسالأساس : "-أما الحقيقةُ الثانية فتتمثل في ثقافة: ـ " لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم .."..!إذن ، فهنا المعنى الحقيق لرفضهم المطلق و مناهضتهم الأبديّة /، الدافع الاقتصادي المادي لجماعات الضغط على صانعي القرار من كبار قريش و المحيطات المجاورة ، أولئك الذين يمتلكون تكييف و توجيه المجتمع نحو المشيئة العليا للارادة السياسية في سبيل خدمة رأس المال و حركته . و هو دافعٌ مهم لا يقلّ أهميّةً عن الدافعِ التحنيطي انكفائي ، الذي لا يقبل التغيير .. ليس لأن التغيير خطرٌ عليه ، بل لأن الدافع الاقتصادي هو الجدير بالاتباع و التقصّي ، و الاعتناق . فالتعامل المادي يعرضُ كل منتوج على ميزان الربحيّة والنفعيّة ، و من هنا كان التحوّل الثقافي محض " ترف " هم في غنى عنه ." وفي موضع آخر يقول : " الدينار لوحده هو الذي يصنع المصير ! .. فالنبوّة ـ التغيير في عرف سادة "قريش" تتشكّل في معنى آخر غير ذهني . فهي " سلطةٌ" مهمّة ، و " حصانةً " بالغة الخطورة ، تتيح لـ " منتهجها ـ النبي " الفرصة لتحقيق فتوحات اقتصاديّةٍ مهمّة في دوائر الربح ـ ثم هي تمنحُ إضافةً فاعلةً إلى السلطة الروحية لقريش على سائر الأعراب "
    ومن هنا نرى كيف أن الغفوري عزا الرفض للدين الجديد إلى سبب إقتصادي بحت , وهذا لعمري بعيد جداً عن أصل المسألة لاعتبارات كثيرة منها :
    1- أن المنازعة التي تمت كانت ذات طابع ديني أصيل , إي إحلال دين مكان دين , ولو كان الأمر حكراً على الجانب الاقتصادي لكانت الممانعة في أقل حالاتها إذ أن ظهور أمر النبي الجديد ودينه الجديد المستند على أسس عقدية يحفظ لمكة مكانتها الدينية والتجارية أيضاً , ويحفظ لنا التأريخ طبيعة الخلافات بين العرب العاربة المهاجرة من اليمن والمستوطنة لشبه الجزيرة والحروب الطاحنة التي نشبت بين هذه القبل والأفخاذ على أساس ديني وسيادة روحية تتمتع بصلاحيات واسعة في السدانة والخدمة , وإن كان هذا لا يمنع من نشوء ازدهار اقتصادي لاجتماع الناس .
    2- لو كان الأمر أساساً لخلاف اقتصادي وخشية غروب شمس التجارة عن مكة لما كان التفاوض حول الملك والسيادة والجاه على أن يترك النبي الجديد نبوؤته ويعود إلى سالف ما كان عليه الآباء الأولين من الظلال .
    3- أن الإسلام لم يأتِ وفي صورته الأولى وحتى النهائية ليعادي التجارة أو المال حتى أن الزكاة فرضت في فترة متأخرة , ولم يكن يخشى كسادٌ أو ركودٌ اقتصاديٌ طارئ ينشأ عن اتّباع الدين الجديد إذ أنهم من أفقر الناس عموماً وإن كان فيهم الأغنياء .
    4- تصوير مكة على أنها مركز تجاري وجعل هذا الأمر له أهميته القصوى أمر لا يقبله منطق ولا تدعمه حجة , إذ أن المراكز التجارية في المنطقة تمركزت في اليمن وبلاد الشام وهذا ما حكاه القرآن عن رحلتي الشتاء والصيف وماجاء عن عير قريش وما كانت تحمله من بضائع , فهي – أي قريش – استهلاكية بالدرجة الأولى وموسم التجارة فيها لا يزدهر إلى في أوقات محددة في السنة عند اجتماع الحجيج , وكان الدور الرئيس لقريش يتمثل في تهيئة مكة للقيام بجانبها الديني الذي تعارف عليه الناس , وكانت سدانة البيت ورعاية الحجيج من أولويات مهام سادتها بل على ذلك تسموا كما ذكرت لنا السير في تسمية هاشم – جد النبي الكريم – لأنه كان يهشم الثريد للحجيج , بل أن السقاية اعتمدت على الماء وعصير التمور أو العسل في حياض مخصصة للرفادة , أي أن مبدأ الإنفاق كان هو الأصل أما الاستثمار فكان فرعاً لا يؤبه به , فالمكانة الدينية لمكة مقدمة على أي اعتبار تجاري آخر .


    ب- يضع الغفوري توطئة أشبه ما تكون برصد لحال العالم والجزيرة العربية قبل وإبان ظهور الإسلام , وإن كان لم يسق جديداً في هذا الشأن غير تركيزه على النمو الإنساني وتخلفه إلا أنه خلط الحابل بالنابل في أمور بعينها منها :
    1- الحديث عن الإنهيار الشامل للحضارات الإنسانية وحالة المجتمع العالمي قبل ظهور الإسلام فيه مبالغة كبيرة جداً , إذ أن العظمة الحضارية كانت موجودة ولكنها وفقاً للتصور الإسلامي الجديد تكون هباءً منثوراُ , وإعادة التشكيل التي أتى بها الإسلام لم تعتمد على النقض الكلي والمصادمة كما جاء بل أن الإسلام جاء ليبني على أسس وقواسم مشتركة مع سائر الحضارات وحال أن يحدث خلاف فإن الإسلام ينقض الفكرة بالحجة والبرهان اليقينيين , وكان المبدأ الذي سار عليه هو التخلية بين دين الله وخلقه وعدم المنع والإنكفاء . نحن نسلم أن هناك انحرافات أخلاقية حصلت ولكنها كانت نتيجة عن إنحراف ابتدائي في التصور , ولا يمكن أن نتحدث عن منظومة قيم دون الحديث عن معايير التقييم لهذه الأخلاقيات ومحدداتها , وإن كان الحديث عن بعض ما رآه الغفوري من أنه عوامل بقاء لمنظومة القيم كالشجاعة والنجدة وإكرام الضيف وغيرها من الفضائل إلا أنها لا تعتبر مقياساً لإنسانية الإنسان لأن هناك فريقاً من الحيوانات قد تتقاسم هذه الصفات مع الإنسان !!!!
    2- لم يكن البناء التصوري للإسلام منحصراً على إعادة المفاهيم وصياغتها بقدرما يكون نقضاً تاماً لكثير منها حين يتوجب الأمر مفاصلة , إذ أن المستقر الأساس لكل هذه التصورات ينبع من تصورين مختلفين تماماً تقوم عليهما حياة الفرد ؛ فالذي يؤمن بالآخرة سيختلف في نمط عيشه عن ذلك الجاحد بهذا الأمر , كما أن كوابح الحساب والجزاء سواءً في الدنيا أو الآخرة لها عمقها في تشكيل الضمير الحي للإنسان لو عقل ذلك .

    ت- يقول الغفوري : " و إذا كان الاسلام ـ في تصوّري ـ قد استطاع أن يبنى امبراطوريته الكبيرة في القلوب و على الأرض ، فإنه في الوقت نفسه لم يسطع أن يكيّف الفهوم التي واجهها بادئ الأمر في مجتمع " مكة ـ المنكفئ على مصالحه الذاتية ، و فلسفته العقديّة الدراغماتية " حسب منهجه المطلق ، و أن يفتح عقولهم على آفاقه الكبيرة التي أوجدت من المعتنقين الأولين عدّائين يقطعون المسافات الطويلة في لمح العين عندما تحققوه كما ينبغي ... بل أكثر من ذلك ، فلقد ظلّت " التقليدية " مسيطرةً على تفكير ـ حتى ـ المجموع المسلم نفسه فيما بعد ، حتى أوشكت أن تكون سمةَ المجتمع الناطقةِ باسمه ، إلى الحد الذي مكّن المستشرق "رينان " أن ينال جهاراً من الذهنية المسلمة حين وصفها أنها غير علمية و غير جادة ، و أنها تتواصل مع الثقافات الأخرى تواصلاً صراعيّاً ، و إذا تلقّت ثقافةً عقلية فلا تقدر على هضمها .."
    وهذا أمر ليس بخاف على أحد فساده وفقاً للتصور الإسلامي , ولن أقف على البناء السقيم للفكرة من أساسها حيث ابتدأ الغفوري بتصوره الموجب ليأتي "بأكثر من ذلك" سلباً في تناقض لم نعد ندرك فيه هل كان الجزء الأول إيجابي في تصوره أم سلبي ؟؟!!!
    لا شك في أن هناك خلطاً بيّناً وتأثراً بمقال "رينان" المتعصّب ضد الإسلام , فلا يوجد في الإسلام مصطلح يطلق عليه تقليدية بل أن فيه ثوابتاً ومتغيراتٍ , والثوابت لا يمكن أن تتغير بأي حال من الأحوال , كما أن المتغيرات عرضة للتغير الدائم تبعاً لتغير الحياة والاجتهاد المكيف لهذه التغيرات , وليس من المعيب أن يتقيد بعض الأتباع باجتهاد (تقليدي) - حسب توصيف الغفوري - لعَلَمٍ ما يوم أن يروا أن ذلك يوافق مصالحهم ويتماشى مع طبيعتهم , ولهذا كان العرف واحداً من محددات المشرع حين الإحتكام وإصدار الفتوى.

    ولست أفهم كيف استساغ الغفوري أحكام "رينان" من أن الذهنية المسلمة غير عملية وغير جادة ؟؟؟ وكيف تكون الذهنية غير جادة وتؤسس لحضارة استوعبت العالم بأسره ؟؟ وكيف تكون غير جادة والمسلمون حكموا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية , وما زال الإسلام ينتشر اليوم رغم كل القيود؟؟ ليس هناك ما يستند عليه رينان ومن ورائه الغفوري سوى التخرصات التي ليس لها من الواقع شفيع , فالإسلام منظومة تأريخية وأصول علمية استنارت بها أوروبا في عصر انحطاطها بل أن قرطاجنة وجامعة قرطبة نورب العقول وما زالت الشواهد التأريخية حاضرة على تميز المسملين وحاكية عن عصر نهضتهم يوم كان هؤلاء في حضيض عظيم , ولا يمكن لرينان أن ينفي أن المسلمين هم أول من اختط المنهج التجريبي ووقف أمام البدع وحرك العقول بالبحث والاستدلال المباشر بالتجربة العملية وتحويل النظريات إلى حقائق ملموسة ودحض بعضها وبرع المسلمون في شتى المجالات . ويؤسفني أن يكون تقييم رينان لحضارة الإسلام واستيعابها لكافة الحضارات على أنها تواصل صراعي , وهذا جفاء للحقائق إذ أن الإسلام لم يقم ضد الحضارات أو الديانات بدليل أن جميع الحضارات ظلت تحافظ على موروثها الحضاري داخل الإسلام وتكفل الإسلام بحماية سائر الحضارات والأديان بل كفل لمعظمها الحياة والإستمرارية , ونظرية التصادم الحضاري أو صدام الحضارات نظرية غربية قائمة بل هي ما زالت حاضرة حتى اليوم وما الحرب التي تديرها الولايات المتحدة ومن ورائها العالم المسيحي يقوم أساساً على هذا المبدأ القديم الذي بعثه هيمنجتون , ولم نرَ الإسلام يتصادم مع الحضارات ولكن الحضارات الأخرى هي التي تصادمت مع الإسلام ومنعت أتباعها من الإستماع إليه بل ونكلت بالإتباع الجدد للإسلام كما حصل في الأندلس من إقامة محاكم التفتيش والتطهير العرقي على أسس دينية أو كما يحصل في العصر الحديث من أمثلة حية ومعاشة ابتداءً بكوسوفا والبوسنة مروراً بالشيشان وانتهاء بالعراق ..



    والسلام عليكم ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-11-24
  9. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    التحليل للمفردات خروجاً بها نحو تقرير نظريات ولا أقول هنا حقائق بحكم طبيعة الإختلاف البشري في الفهم يجعلنا على رؤية للأمر بشكل صحي أكثر منه توجس حتى لانقع في مطبات عده ! .

    لكن يبقى الفاصل في الأمر والمساعد على وضوح الرؤية هي النتائج الملموسه بكل تأكيد .
    لذا أخي الكريم مروان لم يكن التاريخ هنا تحديداً حصر قصة دين بل مجاله الرحب أفضى إلى مصير مرتبط بالمعاشين المؤقت والمستقر .
    ولم تكن الوسائط غير منطقية ! بل إنها جمعت أطراف المنطق بداية من حكمة الإختيار الذي عليه كانت هذه الوسائط هي "نخبة قومها " صدقاً وأمانة ً وتعامل . إلى ماجاد به التعبير عن الوسائط بتوصيف الوسائط بأنها "آثار تعاليم الأنبياء تربط العرب بالسماء " ومع جمال العبارة وسجعها لكنها قصمت ظهر الأمر فهذه الآثار! (التعاليم ) عنت الكثير وحدانية ومعاملات وعدل وانصاف وطمأنينة وسعادة للروح واستقرارها في دنياها قبل أن تفضي بها إلى السعادة الأبدية المرتقبه .

    كما أن مشهد التجارة الحاشد في مقابل" أحلام دروايش الذين يعيشون عالماً حالماً من المثل " وجناية "تصورهم الساذج للمعاملات " و " بناء المجتمع الإقتصادي " يوسع الدائرة ليخرجنا عن "الصفحة والنص " كمجتمع مكي وقرآن كريم ليجذبنا مغربها على ساحة المعبد الروماني أو فضاء ساحة روما .
    فلا نملك هنا في بقعتنا دروايش يبيعون الأحلام خاصة والخطاب الذي بين أيديهم يصارع الحقائق ويتعامل معها بإتزان محكم . حتى وإن كانوا هم أنفسهم أن يصنعوها ماساعدتهم الأدوات ولاكان لحبكتهم ما أرادوا ! .

    وهنا لاشرود ولاتسامي أمام مثالية النص فالأمر نابع عن وقائع لدرجة تنزيله منجماً بحسب الأحداث يعالجها من واقعها .


    وما أحببت الوقوف عليه جملة هو أن التقليد تسرب كالنمل في مراحل الإنهزامية والقعود والبعد عند منبع هدي السماء مما خلق ذلك التراخي والتقليد الذي تلمسه الكاتب في أكثر من جانب تحليلاً أو وقوفاً عند ما أورده المستشرقون أو الكتاب المجتهدين في تحليل هذه الظاهرة لنجده نتيجة لهذه المقدمات يزول بزوالها .

    بل ماسبق إليه علماء أفذا وكتاب لهم بصيرة وتأمل طبق على أرض الواقع ولا مسها بالبعد عن الخطابات الرنانه المداعبه للأحلام بدون إعمال لمشرطها في الألم وهذا الشئ جر إلى حقيقة التعامل مباشرة مع الناس من خلال لافتة كتب عليها " خير وسيلة للدعوة هي تقديم المعونة الملوسة " من هنا تفجرت طاقات الخير وبدأ إشراق النور يلامس القلوب مباشرة ليتوازى الوعي بحقيقة جوهر النور تبصيراً بترجمته معاملة .

    التقليد والجمود أتى من مسببات التراخي والبعد عن المنهج الرباني والكهنوتية والظلم والطغيان والضعف أتت كل تلك الآفات نتيجة للإنحراف عن المنهج والبعد نحو جرف هار صور النجاة في تقليد الغير ليرتفع غبار التطاحن اللفظي بين التجربة الإنسانية المشتركة وحقييقة التعامل الإنساني بين بني البشر وبين الدعوة للبعد كلية أو الإنزواء الكلي .
    حتى نصل نظرية المؤامرة لنجد الحال على ذات الوقع من التناطح بين نكرانها إجمالاً أو ولوغها توجساً ومرض يفضي للكآبة والجمود .

    من الغبن الكبير والظلم المجحف توصيف الثقافة الإسلامية بأنها ثقافة "تصارعية " أو " ثقافة نكران الآخر واستعداؤه " وكما أسلفت بداية ان الحقائق الملموسة هي الفيصل عبر مراحل التاريخ وجوهر المنهج الصافي .


    ونعم أقف ختاماً على مسك التوضيح الجوهري للتحليل أن الكهنوتية السياسية التي خلقتها أنامل المبتعدين والجامدين وأهواءهم لن تفضي إلى تجدد أو رخاء أو تقدم في صالح أمة جدير بها أن تكون شاهدة الأمم ورائدتها .

    كل التقدير والتحية ..
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-11-24
  11. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]




    الرفاق الطيبون .. كل عراقٍ و جرحنا بخير !


    كانت هذه الرسالة محصّلة تأمل و استقراء واسعين ، حتى جاءت على هذا الشكل المشكل , ربما ، و عند تمامها ترددتُ : من نصيب من تكون ، هل شبكة المؤتمر أم شبكة الصحوة ؟ ردّ عليّ صديقٌ لي في إدارة شبكة الصحوة - نت قائلاً : من الواضح جدّاً أنك تسعى إلى إيجاد تأصيل ما للفكر الاشتراكي ، على أيّةِ حال سأؤجّل الحديث معك إلى وقت قريب . بينما جاءني الرد من الصديق " عبد الله الحضرمي " رئيس تحرير صحيفة المؤتمر نت : مقالك باذخ ، و قد تمّ نشره فور وصوله ! ..

    كان هذا منذ نصف عامٍ تقريباً ..

    موقفان :):) .. و هذه هي سنة الفكر .


    سأعودُ إليكم ، و سأكون خفيفاً على القلوب ..

    أخوكم .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-11-24
  13. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]






    الرفاق / الأخوة ..


    أزعمُ أني حاولتُ أن أبدوَ إسلاميّاً في طرحي أعلاه ، لقد حاولتُ كثيراً ، غير أنّ صورة جمعيّة كانت تستدعي منّي أن أكون أكثر جرأةً في الأطروحة ، أكثر شجاعة في الربط بين المتناقضات ، أكثر - ربما - تجريديّة . تباينت القراءات بشكل دراماتيكي ، فهذا صديقي النبيل " تايم " يقرأ المقالة من زاوية شاكّة ، رغم علمه المطلق أنّ محصلة الدعوة الاسلامية في العهد المكي لم تتجاوز أسماء قليلةً ، بل ربّما كانت الحصيلة النوعيّة - على اعتبار أنّ حجم أي حركة يحسب في أول أمرها بعدد الشخصيات الجماعية و الكارزمية التي تنضم تحت لوائها - فقد كان و لا بد من تغيير الأرض التي تجري عليها وسائل الدعوة ، تغيير البساط بشكل عامٍ لأن مجتمع مكّة بعوائقه الطبقية و الثقافية كان محكماً بطريقة يصعب اختراقها تماما ، و هذا ما أيّده واقع الحال و الشاهد التأريخي و لستُ مستعداً تماماً للجدال حوّل هذه القضية البيّنة ، و لعلي هنا أرجّح ما ذهب إليه أبو محمد الغزالي في " حقيقة القومية العربية " عند حديثه عن سر اختيار المجتمع العربي - بشكل عام -ٍ لأن يكون محضن هذه الرسالة الجديدة ، بعيداً عن مجتمعات أخرى مثل اليمن و فارس و الروم ، و أرض مصر ، ثم خلص من تساؤلاته إلى ترجيح " اختيار العامل البيئي " كمحدد مهم في نجاح الدعوة / الحركة / التنظيم .. مثال ساخر : لماذا يفوز حزب الاصلاح في انتخابات مدينة تعز بينما يخفق تماماً في المحويت رغم تشابه " نسبة " الانتماء الجماهيري بالنسبة لعدد السكان الكلي في كلا المدينتين ... إن لم يكن العامل البيئي : الثقافي / الطبقي / الاعتقادي .. فماذا يكون ؟

    كان صديقي النبيل / أبو لقمان .. أقربَ إلى نقطة الحديث من آخرين ، ربّما لأنه تجرّد تماماً ، أو ربّما لأنه طرح في تعقيبه ما استحسنه فقط ..

    لعلّ الحديث عن فارق بنية المجتمع السائد في اليمن و القبائل المجاورة يقودنا إلى تجريد القضيةالتي أثارها الشاحذي - عن أنّ الحديث عن مكّة كمركز تجاري ****ٌ منطقيّاً لسيادة أماكن أكثر أهميّة منها مثل الشام و اليمن - تجريد هذه القضية من العلميّة .. ففي اليمن كان المجتمع يعيش مرحلة / حالة الدولة بنضجها المدني و الحضاري العام ، بينما كانت قبائل الجزيرة خارج نطاق اليمن تعيش مرحلة ما قبل الدولة ، أو " مجتمعات ما قبل الرأسمالية - على حد تعبير كارل ماركس " .. بينما كانت المجتمعات الأولية في قريش و ما جاورها تعيش وضعاً بدائيًاً من حيث المعنى المدني الكبير المنتظم ضمن قانون مدني عام و حكومة مركزية كبرى و مؤسسات مدنية و عسكرية عامّة .. كان الوضع الاجتماعي - كغيره من أوضاع مجتمع القبيلة - ارتجاليّاً صرفاً ومن هنا فالحديث عن ظروف اجتماع كقريش و ما جاورها من قبائل العرب لا بد أن يأخذ سمةً خاصةً ،و هي سمة " تعدد مراكز القوى " ـ اختلاف الأعراف / التقاليد .. تداخل المصالح ـ اختلاف الولاءات .. و قضايا أخرى كبيرة جدّاً . هذه النظرة غير التقليدية لتفكيك مجتمعات ما قبل الدولة تمنحنا فرصة أكثر عمقاً نحو قراءة - فعلاً - أركيلوجيّة . و هنا مثار الكثير مما جاء به " الشاحذي " من تصعيدات :) ..

    كما أنّي لم أدعُ إلى تمجيد " رينان " كما تحفّظ على الأمر الأخوة و في مقدّمتهم صديقي العزيز / الصراري ، بل قلتُ أنّ التقليديّة كانت سمةً عامّة من سمات الثقافة العربية التي تأسلمت بفعل التغيير الجديد .. و احتفظت براسبها العام ـ كما فعل الأدب / الشعرُ و غير ذلك من الموروثات الثقافية ، و على ذلك النحو جرت قواعد الثقافة العامة في النقد و الاختلاف و قبول المخالف و فتح نوافذ جديدة غير تقليديّة للرؤية . و كان من الأولى أن يركز الشاحذي على قول أبي حيّان التوحيدي ، عن أن يصب جام غضبه على المسكين " رينان " ، فالأول تعاطاه الدكتور " محمد ابراهيم الفيومي " رئيس المجمع الفقهي في مصر في كتابه الأخير " الفرق الاسلامية و حق الأمة السياسي " برؤية أكثر تمدّناً ، و سرد أدلّة كثيرةً على حالة التقليد العامة ، أما عن المصطلح نفسه كما يحاول الشاحذي أن يثير قضيّة فيه ، فلا مشاحّاة في الاصطلاح ..

    لم يكن النزاع الذي حدث بين قريش و الدعوة الجديدة دينيّاً خالصاً ، و إنّما كان - في تصوّري - دفاعاً عن مراكز سيطرة / قوى .. و هو ما أشرت ُ إليه في معرض استدلالي بقوله تعالى " لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " .. فالمعنى : أنّ سادة القوم هم أولى بالشرف من غيرهم ، لأن هذا الدين الجديد الذي يتولّى أمره الصبية سيسلبهم حقّهم الرفيع ، و سيهز مستوياتهم الطبقيّة ، و إلا ما قالوا : ما نراك اتّبعك إلا الذين هم أراذلنا - و إن لم تكن هذه العبارة على لسانهم الصريح ، فكأنهم قالوها . التخيير بالملك و الرئاسة لم يكن جادًاً ، و من المضحك أن نعتقد أن قولهم : " إذا شئتَ ملكاً ملّكناك " كان عرضاً حقيقيّا ً ، بل كان محاولةً أخيرة لإقناع الناس أنّ هذا الرجل " محمد " ليس إلا منافساً على الزعامة بدعوى ارساله من الله ، و ها هو يا معشر قريش يقبل الزعامة .. كما حدث مع " عيسى عليه السلام " و اليهود أمام " ببلاطس " .. لذا ، لا أعتقد مطلقاً بوجود خلفية دينية في الصراع المكي ، و لك أن تعرف أن أبا سفيان " الارستقراطي الأكبر في مكّة " لم يسلم إلا بعد أن ضمن الله الرسول الكريم - بتصرّف عبقري - مكانته / طبقته في مجتمعه الذي شارف على النهاية فقال " من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن " .. و مثله آخرون ، رفضوا هذا الدين لأنه سينزع عنهم سلطتهم .. و اقرؤا كذلك " و قالوا إن نبتع الهدى معك نتخطّف من أرضنا " بمعنى : ستهبط مكانتنا الثقافية و التجارية عند العرب ، مما قد يسهّل لآخرين احتقار أمرنا و منازعتنا على ما بأيدينا من هيبة اجتماعية .. أما الاستدلال بالسدانة و ما شابه ذلك ، فلقد كانت تلك الطقوس - فقط - تكملةً لعقد قريش الجمالي ، لكن بصفته الدينية هذه المرّة ..


    الحديثُ معكم شهيٌ و مغري ، لكني أخضع الآن - و في هذه الأيام - لامتحانات شديدة الوطأة .. لامتحانات التخرّج . لكن ثقوا أن أقرأ مداخلاتكم بكل هدوء و فرح ، و سأتداخل معكم حين أشعرُ أني سأضيفُ شيئاً أو أوضح لبساً ..

    شكراً لقلوبكم






















    شكرا ً لكم ... حتى حين .
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-11-25
  15. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    سوف أسير معك ياعزيزي في دربك برهة من الوقت ..

    سادة قريش , بعليائهم وغرورهم وأعين العرب قاطبة المتطلعة إليهم كانوا يظنون أنهم إن اتبعوا أمر فتى من فتيانهم سوف يخسرون ماهم عليه من رفعة وجاه ومناصب مؤمنين أن الدين الجديد سوف يكون مختلفا عن دينهم بما فيها توجه العرب إلى مكة وخسرانهم لأهم مصدر ديني وتجاري مادي .. لهذا أتت الممانعة لاعتقادهم أنهم سوف يخسرون دينيا وماديا .. وهذا مايفسر عدم إيمان سادة قريش وكبرائهم إلا أبي سفيان حينما أدرك أنه خاسر لامحالة فحاول أن يستفيد من ناحية أخرى خصوصا حينما أدرك ان الدين الجديد يقدس أكثر مما كن عليه العرب شأن مكة ودورها .. وقد عرف الرسول عليه الصلاة والسلام هذا فكان قوله : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن .. خير دليل على أن الأمر كان منازعة دينية بالمقام الأول من منظور مادي ..

    وأهم مشكلة نعاني منها حاليا أننا نقف تجاه الموروث والتراث نظرتين كليهما على خطأ , النظرة الأولى نظرة المقدس المتهيب والأخرى هي نظرة الشك والتخلف , والنظرتين معا تجعل التغيير يصبح محالا , فلا نظرة التقديس قادرة على إثبات نفسها وتجاوز القديم الذي انقضى زمنه ولا نظرة الشك قادرة على إثبات نفسها بمعزل عن الأساس وفق نظرية النمو والتطور .. وقد استغل رينان هذا الصراع دخل الزمن الإسلامي ليقول بأنه موجه نحو الخارج وقد تناسى أن أوروبا لم يستفد أحد من علومها القديمة قدر استفادة العرب والمسلمين بفلسفاتهم ومنطقهم وجغرافيتهم وتاريخهم ورياضتهم وحتى عمرانهم وفلكهم , ثم وقفوا أمام كل هذه العلوم نظرة الشك وعدم التقديس فصالوا وجالوا بها , فأثبتوا ماصح منها وفق قدراتهم الرهيبة بمعطيات ذلك الزمن وطوروا ونقهوا وصححوا فالفوا أعظم مما قرأو وأضافوا ثم نقلوها لأوروبا ولا أروع ..

    ولو فعل المعاصرون والحديثون نفس الشئ تجاه التراث ( ماعدا الثابت منه ) وفق نظرة الشك والقراءة وقرأوا مافي الثقافة الغربية وفق نظرة الشك والتمحيص , لكان لنا وضع وأي وضع ..


    اشكرك أيها الساكن هنا [​IMG]
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-11-25
  17. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0



    كل عامٍ و أنت قلبٌ .. يا سمير . هكذا هكذا ...
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-11-25
  19. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0

مشاركة هذه الصفحة