تعال نتدبر ساعة... فى أم القرآن

الكاتب : مجنون اونلاين   المشاهدات : 434   الردود : 0    ‏2004-11-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-23
  1. مجنون اونلاين

    مجنون اونلاين عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-11-29
    المشاركات:
    850
    الإعجاب :
    0
    تعال نتدبر ساعة... فى أم القرآن

    أبوبكر بن مروان ...كاتب موريتاني




    الفاتحة، هذه السورة التي لا تصح ركعة في صلاة بدونها، هي بمثابة الملخص الوجيز أو المقدمة لكتاب الله. إنها تفصح عن محتوياته، وتلمح إلى الأطروحات التي يطرحها.

    لذلك فإنه جدير بنا التعرف عليها، على مكانتها، وعلى مواضيعها. جدير بنا أن نسعى إلى فقه أعمق لمقاصدها، كي نتفاعل معها وننزّلها تنزيلا عمليا في الحياة.



    الفاتحة وكيان المسلم

    أذكر أنه فى حوار لى مع أحد الأصدقاء الفرنسيين، مضت عليه سنوات الآن، دار نقاشنا حول الثقافة و مكوناتها الأكثر عالمية والأهم تأثيرا. وفى خضم التحاور، وجدت نفسى أتطرق إلى الفاتحة لافتا نظره إلى حقيقة أنها هي النص المقدس الذي يحفظه عن ظهر قلب أكبر عدد من الناس في هذا العالم.

    بل لعلها النص الوحيد، من بين جميع النصوص التي عرفها البشر، الذي يحفظه عن ظهر قلب مئات الملايين من الأطفال والنساء والرجال من مختلف الشعوب والجنسيات واللغات... وبالنظر إلى النسبة المحترمة للمسلمين بين سكان المعمورة، يجوز القول إن الفاتحة تمثل، في نفس الوقت، أقدس وأعم نبع من منابع الثقافة العالمية ( برمّتها، ولا أقول الثقافة الدينية العالمية فقط). و أذكر أن صاحبنا أفصح إذ ذاك عن شيء من الإجلال لهذا النص، وكان حالٌٌ من الدهشة يتملكه عندما سلمته نسخة منه (رسم السورة الأصلية مع ترجمة لمعانيه).



    إن كل طفل، من أي عائلة مسلمة، مهما كان أصلها، ومهما كانت مرتبتها أو وزنها الاجتماعي، يبتدئ منذ سنه المبكرة في مرحلة من تعلم القرآن الذي هو كلام الله، والكتاب الذي أنزله، وجعله ركيزة يقوم عليها دين الإسلام. يبتدئ الطفل في ذلك، رجاء أن يتزود المؤمن المقبل بمستوى من معرفة القرآن، مهما كانت تلك المعرفة سطحية أو جزئية. وإن الحد الأدنى المرجو، هو أن يحفظ الطفل بعض السور القرآنية القصيرة الأساسية، وفي مقدمتها الفاتحة ثم "الإخلاص".

    وما إن يمر التلميذ الصغير من التهجي إلى كلمات الفاتحة، حتى يسرى فيه نوع من الشعور بالقيمة والاعتداد البرئ بشأنه، وهاهم الكبار قد أصبحوا يبدون له نوعا من الإعجاب ومزيدا من التشجيع! وإن ذلك كله، بالإضافة إلى المناخ الطبيعي المليء بالاحترام للقرآن، يضفى قدرا من الهيبة والرهبة على دراسة هذا النص المقدس.

    وكلمة بعد كلمة، آية بعد آية، حتى كمال السبع، يلتحق الصغير بجموع المؤمنين الذين يحفظون الفاتحة غيبا، وتنطبع كلماتها في ذاكرته إلى الأبد. لأنه ككل مسلم، سيجب عليه أن يتلوها على الأقل سبع عشرة مرة في اليوم خلال تأديته للصلوات الخمس المفروضة؛ بل واثنتين وثلاثين مرة كل يوم إذا هو صلى آكد المسنونات، وفوق ذلك ما شاء الله له.

    وهكذا سوف تنغرس في أعماق وعيه، لتشكل بصورة طبيعية، جزء من بناء كيانه.

    إن شأن الفاتحة لخطير! ويكفي دلالة على ذلك قوله تعالى، مانًا نعمته على نبيه وأمة نبيه: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) النحل، الآية 87.

    وعلى الرغم من هذا الشأن العظيم، فإننا في واقعنا، ما أكثر ما يكون المرء منا يحفظ نص الفاتحة، وفي نفس الوقت يجهلها! فلئن كنّا نقرأ الفاتحة على الأموات، بل ودرجت بنا العادة أن نتلوها مرات في اليوم، فإنها تلاوة تكاد تخلو من تفاعل حقيقي. وما أخطر تلك الروتينية التي تميت القابلية والاستعداد لاستقبال النور!

    وإنه، كما لزم كل مصل حفظ نص الفاتحة غيبا، فإنه لا ينبغي له الإلمام فحسب ببعض معانيها على الإجمال، بل حري به التوق الدائم للتعرف على كنوزها. وإن التأمل والتدبر لمعاني الفاتحة لمما تتحقق به إقامة الصلاة. وليت شعري كيف يتم الخشوع دون ذلك التدبر؟

    نعم جدير بنا التعرف على الفاتحة، على مكانتها، وعلى مواضيعها. جدير بنا أن تسعى إلى مزيد فقه لمقاصدها، كي نصل إلى التفاعل معها وتنزيلها في الحياة، ولتكون معراجنا الذي نحقق به التكامل الإنساني، فالصلاة " معراج المؤمن " كما بشّر النبي صلى الله عليه وسلم.



    الفاتحة تلخص مقاصد القرآن

    إذا كان القرآن هو الكتاب الذي يقدم الحلول الناجعة للمعضلات الكبرى التي تقلق بال الإنسان(1) ويُمدّه بالنظرة الكونية الصحيحة، كما يشبع حاجته الفطرية إلى الحق والخير والجمال، ويسعى إلى أن يسلك به المسلك الذي يحقق له التكامل؛ أو بعبارة أوجز (هي العبارة القرآنية)، يهدف إلى هداية الإنسان إلى "الصراط المستقيم"؛ فإن سورة الفاتحة، على قصرها، تطرقت بالجملة لهذه الأهداف.



    فهي أرست دعائم العقيدة الصحيحة، حيث عرَّفت بالله، ونصبت الإنسان في مقام ذكر اسم الله، ووصفه بصفات الكمال، وحمده وتمجيده. كما أعلنت عن أصل الكون، وألمحت إلى مسألة المعاد، وأن الله يومئذ هو المتفرِّد بالملك؛ وبهذا قدَّمت النظرة الكونية للقرآن. وذلك هو الشطر الذي لله كما جاء في الحديث القدسي.

    ثم شرّفت الإنسان بأن ربطته ووصلته بالله، فها هو الإنسان ينصب نفسه في مقام المملوكية لهذا الخالق العظيم : ناطقا بنون الجمع ليدمج عبادته ضمن عبادة الجماعة والملإ الصالحين، علَّها تقبل... وإشارة أيضا إلى البعد الاجتماعي، وأيضا ليكون ذلك أدخل في الأدب والتواضع، إقرارا بأنه ليس وحده من يعبد.

    وفي ذات الوقت يرفض العبودية لكل ما سواه من الآلهة الزائفة، ومن السادة المستكبرين: (إياك نعبد) أي وحدك، وينهار أرباب الباطل، كما وتنهار العبودية للهوى.

    وهكذا تُلقي الفاتحة أسسا صلبة لفلسفة الحرية الإنسانية. ولئن كان الإنسان حرا مختارا، إلا أنه تتقاذفه التيارات والأعاصير، فهو محتاج إلى عون من ربه؛ وها هو يستمطر ذلك العون: (إياك نستعين)، متبرئا من الاستقلال عن الله بالحول أو القوة.

    وتلكم هي فلسفة التوكل الإسلامية، حيث يعمل العامل ويستعين بالله على الإتمام والقبول، وهذه الآية (إياك نعبد و إياك نستعين ) هي الجزء الذي بين الله وبين عبده، كما في الحديث.

    ثم يأتى الشطر الذي للعبد: فيبتهل الإنسان، ودائما في دعاء جماعي (إشارة إلى أن الإنسان كائن اجتماعي)، متوجها إلى خالقه الكريم، أن يأخذ بيده، ويرزقه هداية المعرفة، وهداية السلوك، فيطمئن إلى الحق، ويستقيم على منهاجه، ويستمر على ذلك الصراط في تكامل مطرد، ليلتحق بموكب الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

    وذلك الموكب هو الذي يمثل مسيرة التكامل التاريخي للبشرية (أي الرقي بها فى درجات الكمال)؛ وما أتم سعادة النفس التي اقتفت المسلك الجدير بإنسانيتها، وثبتت على ذلك حتى حققت معراجها، فانضمت إلى ركبهم راضية مرضية. وما أشقى النفوس التي جرفتها تيارات الباطل، فتفرًّقت بها السبل عن صراط الله!

    وإن الفاتحة ترشدنا أن نستعيذ من كل أنواع الانحراف: التمرد المُتعمَّد، ورفض الحق عن علم، فمَن ذلك شأنهم قد باءوا بالغضب (والنموذج التاريخي لهؤلاء هو اليهود كما ورد في الحديث)؛ والحيد عن الطريق السوي بسبب الجهل، التطرف، والغلو في الدين، ومَن ذلك شأنهم هم الضَّالون (والنصارى هم النموذج التاريخي لهذا الخط).

    وهكذا يتضح بجلاء كيف أن الفاتحة اشتملت على أغراض القرآن الرئيسية، أو كما ذكر العلامة اليدالي فى تفسيره "أنها اشتملت على جملة معانيه من الحِكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والإطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء"(2).



    وأحبُّ هنا أن أعود إلى سنة التحفيظ المبكر لنص الفاتحة، وأولويته وتأثيره المنشود في بناء كيان المسلم المقبل. فهنالك حكمة عميقة تكمن وراء تلك السنة التى سنها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي متوارثة من لدنه على مرِّ القرون : إنه يراد أن تسهم الفاتحة في التشكيلة النفسية للطفل و هي في طور النمو، وأن تكون، برمزيتها العالية، أهم عامل مؤثر فيها.

    ولكي نفهم طبيعة ذلك الدور المنشود في بناء الشخصية الإسلامية، يجب أن نستحضر بعضا من منهجية القرآن التربوية في عرضه لأطروحاته والإقناع بها: فهي تتشكل من مزيج دقيق متوازن يضم عناصر استدلالية وعلمية تخاطب العقل، كما يضم عناصر قيمية، وعناصر من الوعظ والبشارة تخاطب العاطفة وما وراء الوعي.



    ووفقا لذلك، فإن الفاتحة، هذا النص التأسيسي الذي ينطبع في الذاكرة، ويشد العاطفة بمشاعر الإنتماء، وتعمر رموزه بالهيبة ما وراء الوعي، يُرجى أيضا أن يقدّم غذاء متجددا للعقل من خلال التدبر وتفهم المقاصد. المرجو، أن تلتحم مكونات الوعي وما وراء الوعي، أن يتضافر العقل والذاكرة والعاطفة ليتحقق للكيان المسلم المعراجُ الروحيُّ الذي تبشر به الفاتحة.



    خاتمــــة:

    سبع آيات، خمس وعشرون كلمة، ونحو مائة وثلاثة عشر حرفا فقط، تشكل واحدة من أعظم سور القرآن، وأخيَر سور القرآن! وقد رأينا أن هذه السورة بالذات تشكِّل جزءا أساسيا من البنية الثقافية للإنسان المسلم، بل جزء لا يتجزأ من الروح الذي يسرى في كيانه. وإنها السورة الوحيدة التي لا تصح ركعة في صلاة بدونها.

    كما من بين المؤشرات الكثيرة على مكانة الفاتحة الرفيعة، ما تميزت به دون سائر السور من تعدد الأسماء التي أطلقت عليها وعرفت بها. حتى بلغت عند بعضهم نيفا وعشرين اسما. منها: سورة "الحمد"، "أم القرآن"، "السبع المثاني"، كما سميت "الصلاة " (3) وذلك مأخوذ من الحديث القدسي " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ..." وورد أيضا تسميتها "بالرقية"، كما جاء في الحديث. والأساس (أساس القرآن) عن الشعبي، "الوافية" عن سفيان بن عيينة، "الكافية" عن يحي بن أبي كثير؛ وورد أيضا تسميتها بسورة "الدعاء" وسورة "التفويض"(4) .

    بالفاتحة افتتح القرآن في المصحف، وهي له بمثابة المقدمة، والملخص الوجيز، إنها تفصح عن محتويات الكتاب، وتعلن عن موضوعاته الرئيسية، وتلمح إلى الأطروحات التي يطرحها.

    وإذا كان الإنسان هو الموضوع الرئيسي للقرآن، بوصف القرآن رسالة من الله إلى الإنسان، فإن الفاتحة بوصفها مقدمة هذه الرسالة، هي مقسومة بين الله وبين الإنسان، كما ورد في الحديث القدسي. فلا غرو إذا أن يكون فقه فاتحة القرآن، فاتحة ومفتاحا لفقه القرآن.



    وبخلاصة، إن الفاتحة بتلميحاتها الخاطفة المعجزة، تضمنت على الإجمال مقاصد القرآن الأساسية، التي يعالجها في ثناياه بالتفصيل بمختلف جوانبها أسسا ووسائل، وإن الفقه العميق لتلك المقاصد، وحضورها في القلب والتدبر فيها، لضروري لمن أراد أن يقيم الصلاة حق إقامتها، وإن ضرورته لملحة لمن أراد تبنيها وتنزيلها في واقع حياته نظرا وسلوكا. والله المستعان.



    -------------------------------------------

    الهوامش



    1 -" القرآن: مشروع للمجتمع البشري"، المقال المنشور فى موقع الإصلاح.

    2 - محمد بن سعيد اليدالي، "الذهب الإبريز في تفسير الكتاب العزيز"، مخطوط المكتبة الأهلية في ولاتة.

    3 - تفسير ابن عطية الغرناطي، "المحرر الوجيز"

    4 - تفسير الألوسى، "روح المعانى"
     

مشاركة هذه الصفحة