فكر الخوارج-هولندا.. اغتيال الأقلية المسلمة

الكاتب : نور الدين زنكي   المشاهدات : 411   الردود : 2    ‏2004-11-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-21
  1. نور الدين زنكي

    نور الدين زنكي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    8,623
    الإعجاب :
    72
    د. خالد شوكات**
    20/11/2004




    لما أعلن المخرج السينمائي الهولندي "ثيو فان خوخ" قبل أشهر عن مشروعه السينمائي الجديد، بدا لكثير من النشطاء المسلمين في هولندا مستفزا كعادته، غير أنهم أكدوا جميعا أن هذا الرجل المعروف بنزعته اليمينية المتطرفة وولعه الشديد بالتهجم على الإسلام، لن يجرهم إلى "حرب دينية"، وقالوا في مجملهم إن أفضل الوسائل للرد على استفزازاته تجاهلها.

    كان هذا تقدير قادة الأقلية المسلمة وعقلائها، لكن شابا مغربيا لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، يؤكد كل من عرفه على أنه كان قليل العلم الشرعي، متواضع المعرفة بفقه الدين وأصوله وأركانه ومقاصده، قرر قلب المعادلة التي تعبر عن الأكثرية الكاثرة من مسلمي البلاد، وقدم -من حيث أراد خلاف ذلك- على طبق من ذهب المبررات الكافية لليمين المتطرف لتحقيق أهدافه العنصرية، ووضع أصوات العقلانية والحكمة في الزاوية الحرجة.

    لقد شكلت هولندا طيلة العقدين الماضيين نموذجا على الصعيدين الأوربي والغربي، في احترام حقوق الأقليات الدينية والقومية، وفي مقدمتها الأقلية المسلمة، مثلما هي نموذج في تبني مجموعة هائلة من التشريعات والإجراءات والقرارات، التي فتحت الباب أمام أبناء الأقلية المسلمة لتطوير وجودهم على كافة الأصعدة وفي كافة الاتجاهات، غير أن التصرفات غير المسئولة لبعض المسلمين، ظهرت كأنها تدفع الحياة العامة الهولندية نحو وجهة سلبية قاتمة، ستكون الأقلية المسلمة أكثر المتضررين منها.

    الجهل عدو الإسلام الأول

    إن ما حدث مطلع الشهر الجاري من اغتيال مخرج مغمور كان قد أساء إلى مشاعر المسلمين بإخراجه فيلما يجزم كل من شاهده على رداءة صنعته وضعف قيمته الفنية وبلادة رسالته الفكرية، ما كان ليرد للمسلمين كرامتهم المهدرة حسب اعتقاد القاتل، وما كان ليحمي الإسلام من هجمات عنصرية أخرى قد يتعرض إليها الدين الحنيف في المستقبل.. إن ما كان سيحقق الرد الراقي فعلا هو مواصلة أبناء الأقلية المسلمة تحقيق الإنجازات الثقافية والسياسية والاقتصادية، التي من شأنها أن تجلب الفخر لهم، وتشعر أجيالهم الناشئة بالعزة والقوة والثقة في النفس والعقيدة.

    لقد حقق مسلمو هولندا بفضل مناخ التسامح والتعايش المتوفر في البلاد، رغم وجود اليمين المتطرف، الكثير من الإنجازات المتميزة في الفضاء الأوربي والغربي، بالإمكان إيجاز أهمها فيما يلي:

    -ثمانية نواب من أصل مائة وخمسين في البرلمان الهولندي، بنسبة مئوية تفوق بقليل نسبة المسلمين إلى عدد السكان الإجمالي (مليون من ستة عشر مليونا).

    -أكثر من خمسين نائبا في المجالس المحلية للمدن الهولندية الكبرى.

    -أكثر من أربعين مدرسة ابتدائية إسلامية، ممولة من خزينة الدولة الهولندية، يتعلم فيها أكثر من ثلاثين ألف طالب مسلم.

    - مدرستان ثانويتان إسلاميتان ممولتان أيضا من خزينة الدولة الهولندية، ومدرسة ثالثة في طريقها إلى التأسيس.

    -جامعتان إسلاميتان تدرسان الفقه والشريعة وسائر العلوم الإسلامية.

    -أكثر من ثلاثمائة مسجد ومصلى ومركز إسلامي، تنتشر في أكثر من مائة مدينة وبلدة هولندية، وهو ما لم يتحقق في زمن كانت فيه الحضارة الإسلامية في عز قوتها.

    - أكثر من ألف منظمة ثقافية واجتماعية إسلامية، تقدم خدمات متعددة بكل حرية.

    - أكثر من عشر منظمات للعمل الخيري الإسلامي، تجمع المساعدات المالية والعينية للمحتاجين والفقراء من المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

    - أكثر من نصف مليار يورو تصرفه الحكومة الهولندية سنويا، على مشاريع للنهوض بأوضاع المسلمين التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

    -تمتع النساء المسلمات بحقهن في ارتداء الحجاب، واضطلاع بعضهن بمهام ومسئوليات عامة في غاية الأهمية، فمن بين المحجبات الهولنديات من وصلت إلى مستوى مستشارة لدى وزير الداخلية، وأخريات وصلن إلى درجة القضاء والمحاماة وغيرها من المهن التي لا يحق للمحجبات في بعض الدول العربية والإسلامية ممارستها.

    بعبارة موجزة: فإن الذي قام باغتيال المخرج "فان خوخ" يوم الثاني من نوفمبر الماضي قد وضع بفعلته الشنيعة هذه كل هذه الإنجازات التي تحققت -بفعل نضالات وتضحيات وعطاءات الكثير من أبناء الأقلية المسلمة- في دائرة الخطر بدل تعزيزها، تماما مثلما حشر الأقلية المسلمة في زاوية الدفاع عن النفس، تتلقى اللكمة وراء الأخرى، بدل مساعدتها على تحصيل المزيد من الحقوق وتحقيق المزيد من الإنجازات.

    البداية حرق المساجد وتفجير المدارس

    إن الذين يموتون بشتى الأمراض والأوبئة في هولندا يعدون بالآلاف يوميا، وربما كان "فان خوخ" -لو لم يجر اغتياله- من بين هؤلاء، غير أن هؤلاء الذين يموتون ميتة طبيعية لا يلحقون ضررا بأحد من بعدهم، خلافا لميتة فان خوخ، التي خلفت وراءها أجواء أشبه بأجواء الحروب والمواجهات الأهلية المدمرة.

    لقد بادر العنصريون الهولنديون إلى استغلال ميتة فان خوخ، مثلما تسول لهم أنفسهم، فبدءوا بحرق المساجد وتفجير المدارس الإسلامية في شمال البلاد وجنوبها، وفي شرقها وغربها (15 مسجدا على الأقل في عدة مدن هولندية ومدرسة إسلامية في إيندهوفن)، وقد ظهر على أبناء الأقلية المسلمة المنتشرين في كافة أنحاء هولندا تقريبا، الفزع على أبنائهم وأنفسهم وممتلكاتهم، وبشكل عام حاضرهم ومستقبلهم.

    ويتساءل بعض أبناء الأقلية المسلمة اليوم عما إذا كان عقل قاتل فان خوخ قد صور له -ولو قليلا- بعض تداعيات فعلته والأضرار الجسيمة التي ستلحقها حماقته بالمسلمين، أم أنه قد اطمأن إلى أن عقلانية الهولنديين لن تفلت أبدا من عقالها، واعتمد على صلابة الموقف الأخلاقي -لمن يصورهم بمكانة الكفار والمشركين- في لجم النزعات العنصرية المتطرفة وحماية المصالح الإسلامية؟!.

    ويتساءل مسلمون هولنديون آخرون عما إذا كان منفذ عملية الاغتيال ضد المخرج السينمائي، ومن فكر على شاكلته، يعتقد بأن التصفية الجسدية قادرة فعلا على حماية الإسلام والمسلمين من استفزازات المستفزين وحقد الحاقدين، أو يظن أن قتل كاتب أو مثقف أو سينمائي سيرهب آخرين ينوون السير في طريق الهجوم والاستفزاز، ليتراجعوا عن مخططاتهم وأفكارهم.

    إن كل من يعرف "فان خوخ" ورفيقة دربه النائبة البرلمانية الهولندية من أصل صومالي "أيان هيرسي علي" يعلم أنه ربما كان يتمنى تحرش المتشددين من المسلمين به، فتحرش المتطرفين أصبح منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وربما منذ صدور فتوى الإمام الخميني ضد سلمان رشدي، أفضل وسيلة لتحقيق النجومية ونيل الشهرة وما يستتبعها من أرباح معنوية ومادية. ولعله من قلة العقل واضطراب النظر أن يقع بعض غلاة المسلمين في الفخ، فيجلبون إلى عقيدتهم الضرر من حيث يظنون أنفسهم غيورين على حرماتها.

    سجن المسلمين جميعا

    إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن عملية اغتيال المخرج فان خوخ هو عدم الاكتفاء بالحكم بسجن القاتل عدة سنوات أو مدى الحياة، مثلما يقضي بذلك القانون الجنائي الهولندي (الذي ألغى منذ عقود عقوبة الإعدام)، إنما الحكم بطريقة غير مباشرة وعمليا، بسجن كافة المسلمين من خلال وضع قوانين وتشريعات جديدة تزرع الحواجز والمتاريس أمام مختلف جوانب حياتهم وأنشطتهم وتحد من قدراتهم على النماء والتطور.

    وإن ما يجعل المتابع يتوقع صدور مثل هذا الحكم المبطن، ظهور مؤشرات عدة في أروقة الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام الهولندية، توحي برغبة جامحة لدى أطراف حزبية وسياسية كثيرة في محاصرة تحركات أبناء الأقلية المسلمة والتضييق أكثر ما يمكن على دوائر النشاط والحركة لديهم، ومن هذه المؤشرات ما يلي:

    -منح الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المزيد من الاعتمادات المالية لتكثيف الرقابة على نشطاء الأقلية المسلمة.

    - الدعوة إلى سحب الجنسية الهولندية من أولئك الذين يحملون جنسية مزدوجة من المسلمين، والذين يشك في انتمائهم لجماعات إرهابية، أو تورطهم في أعمال تخل بالأمن العام.

    -الدعوة إلى طرد أئمة ووعاظ وخطباء بحجة انتمائهم لجماعات متطرفة، وقيامهم بأنشطة مريبة، وهو ما حدث فعلا يوم 17-11-2004 حين قررت وزارة الهجرة الهولندية طرد الجزائري عبد الحميد يوشيما من الأراضي الهولندية بدعوى تحريضه على أعمال عنف ضد الهولنديين خاصة والغربيين عامة مما يشكل تهديدا على الأمن العام.

    - الدعوة إلى تشديد الرقابة على أنشطة المساجد والدروس التي تلقى فيها، بما في ذلك خطب الجمعة، بحجة تشجيع بعضها على العنف والإرهاب والكراهية.

    - الدعوة إلى تفقد المناهج الدراسية المعتمدة في المدارس الإسلامية، وخصوصا ما يتعلق منها بمواد التربية الدينية.

    - الدعوة إلى فرض الرقابة على منظمات العمل الخيري الإسلامي، ومراقبة حركة المال والأعمال التي لها علاقة بالمسلمين.

    - المطالبة بتشديد شروط الحصول على تأشيرة الدخول إلى هولندا، أمام الوعاظ والأئمة والخطباء بشكل خاص، والمواطنين القادمين من الدول الإسلامية بشكل عام.

    - المطالبة بتسهيل إجراءات الاعتقال واقتحام المساكن التي يعتقد أن لها صلة بجماعات إسلامية متطرفة.

    - المطالبة بفرض المزيد من القيود أمام طالبي اللجوء السياسي، وغالبيتهم من المسلمين، والامتناع الكامل عن قبول طلبات اللجوء الخاصة بالمنتمين لجماعات وحركات إسلامية.

    -مطالبة البلديات بالامتناع عن منح مزيد من التراخيص لبناء المساجد والمراكز الإسلامية.

    ولعل الظاهر في كل هذه الدعوات والمطالب أن معظمها ما زالت لم تخرج بعد من الحيز النظري إلى الحيز التطبيقي، وأن بعضها لم يكن سوى رد فعل آني ومؤقت على مقتل المخرج السينمائي، غير أن دلائل كثيرة تحفل بها الحياة السياسية الهولندية الراهنة تثبت أن تشريعات جديدة تستند في فحواها إلى مثل هذه المطالب والدعوات، هي في طريقها إلى المصادقة البرلمانية، وأن أحزابا سياسية كبيرة بينها من يشارك في الحكومة الائتلافية، تراهن كثيرا على استصدار -ولو جزئي- لمثل هذه القوانين والتشريعات الجديدة.

    لقد وفر قاتل "فان خوخ" فرصا ذهبية لأحزاب اليمين الهولندي -المتطرف منها والمعتدل على السواء- لإيقاف تقدم الأحزاب اليسارية المعروفة بتعاطفها مع قضايا الأجانب، التي كانت استطلاعات الرأي إلى وقت قريب تمنحها الفوز والريادة، وكذلك للمضي قدما في إحياء مشاريع قوانين عنصرية، لم تفلح محاولاتها طيلة السنوات الفائتة في الحصول على أغلبية لتمريرها.

    وخلاصة القول.. إن القاتل الذي زعم أن دوافع دينية مقدسة تقف وراء فعلته، قد وفر لأشد أعداء الأقلية المسلمة التي ينتمي إليها -والأقليات الأجنبية عامة- مبررات للتطهر السياسي والاجتماعي على حساب الضحايا الحقيقيين، والتحول إلى قديسين وحماة حضارة من همجية وبربرية المسلمين، الذين هم في واقع الأمر أضعف وأفقر طبقة من طبقات المجتمع الهولندي.

    http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2004/11/article11.shtml
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-25
  3. نور الدين زنكي

    نور الدين زنكي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    8,623
    الإعجاب :
    72
    هذا من جنون خوارج العصر






    يتبع

    /////////////////////////////////
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-11-26
  5. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب
    مولانا أميرالمؤُمِنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    وأوامره ونواهيه
    وكلامه الجاري مجرى الخطب
    والمواعظ في المقامات المحضورة والمواقف
    المذكورة والخطوب الواردة

    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 26
    --------------------------------------------------------------------------------


    [ 1 ]
    ومن خطبة له (عليه السلام)
    يذكر فيها ابتداءَ خلق السماءِ والاَرض، وخلق آدم عليه الصلاة والسلام


    [وفيها ذكر الحج]
    [وتحتوي على حمد الله، وخلق العالم، وخلق الملائكة، واختيار الانبياء، ومبعث النبي، والقرآن، والاحكام الشرعية]

    الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 27
    --------------------------------------------------------------------------------

    فَطَرَ الخَلائِقَ(1) بِقُدْرَتِهَ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ(2) بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ(3).

    أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ،وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، [وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ، ]وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ.

    كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث(4)، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَة(5)، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالاْلةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ.

    ____________

    1. فَطَرَ الخلائقَ: ابتدعها على غير مثال سبق.

    2. وَتّدَ ـ بالتشديد والتخفيف ـ: ثبّت.

    3. ميَدان أرضه: تحرّكها بتمايل.

    4. لاعن حَدَث: لا عن إيجاد موجد.

    5. المزايلة: المفارقة والمباينة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 28
    --------------------------------------------------------------------------------



    [خلق العالم]

    أَنْشَأَ الخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّة أَجَالَهَا(1)، وَلاَ تَجْرِبَة اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَة أَحْدَثَهَا، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْس(2) اظْطَرَبَ فِيهَا.

    أَحَالَ الاْشياءَ لاَِوْقَاتِهَا، وَلاََمَ(3) بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا(4)، وَأَلزَمَهَا أشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عَارفاً بِقَرَائِنِها وَأَحْنَائِهَا(5).

    ثُمَّ أَنْشَأَ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الاَْجْوَاءِ، وَشَقَّ الاَْرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ(6) الَهوَاءِ، فأَجازَ فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ(7)، مُتَراكِماً زَخَّارُهُ(8)، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ

    ____________

    1. الرّوِيّة: الفكر، وأجالها: أدارها وَرَدَدَها.

    2. هَمَامَة النفس ـ بفتح الهاء ـ: اهتمامها بالامر وقصدها إليه.

    3. لاََمَ: قَرَنَ.

    4. غَرّزَ غَرائزها: أودع فيها طباعها.

    5. القرائن ـ هنا ـ: جمع قَرُونة وهي النفس، والاحْنَاء: جمع حِنْو ـ بالكسرـ: وهو الجانب.

    6. السكائك: جمع سُكاكة ـ بالضم ـ: وهي الهواء الملاقي عنان السماء.

    7. التيّار ـ هناـ: الموج.

    8. الزّخّار: الشديد الزخر، أي الامتداد والارتفاع.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 29
    --------------------------------------------------------------------------------

    الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ(1) الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَها بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرنَهَا إِلَى حَدِّهِ، الهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ(2)، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ(3).

    ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا(4)، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا(5)، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ(6) الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ(7) مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ(8) عَلَى مَائِرِهِ(9)، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ(10)،

    ____________

    1. الزّعزع: الريح الّتي تزعزع كلّ ثابت.

    2. الفتيق: المفتوق.

    3. الدفيق: المدفوق.

    4. اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا: جعل هبوبها عقيماً، والريح العقيم التي لا تلقح سحاباً ولا شجراً.

    5. مُرَبّها ـ بضم الميم ـ مصدر ميمي من أرَبّ بالمكان: لازمه، فالمُرَبّ: المُلازَمة.

    6. تَصْفيق الماء: تحريكه وتقليبه.

    7. مَخَضَتْهُ: حرّكته بشدّة كما يُمْخَضُ السّقاء.

    8. الساجي: الساكن.

    9. المائر: الذي يذهب ويجيء.

    10. رُكامُهُ: ما تراكم منه بعضه على بعض.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 30
    --------------------------------------------------------------------------------

    فَرَفَعَهُ فِي هَوَاء مُنْفَتِق، وَجَوٍّ مُنْفَهِق(1)، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَموَات، جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً(2)، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْر عَمَد يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَار(3) يَنْظِمُها.

    ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ، وَضِياءِ الثَّوَاقِبِ(4)، وَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً(5)، وَقَمَراً مُنِيراً: في فَلَك دَائِر، وَسَقْف سَائِر، وَرَقِيم(6) مَائِر.


    [خلق الملائكة]

    ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمواتِ العُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ:

    مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَيَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ(7) لاَ

    ____________

    1. المُنفَهِقُ: المفتوح الواسع.

    2. المكفوف: الممنوع من السّيَلان.

    3. الدِّسَار: واحدُ الدّسُر، وهي المسَامير.

    4. الثّوَاقب: المنيرة المشرقة.

    5. مُسْتَطِيراً: منتشر الضياء، وهو الشمس.

    6. الرّقِيمُ: اسم من اسماء الفلك: سُمّي به لانه مرقوم بالكواكب.

    7. صَافّونَ: قائمون صفوفاً.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 31
    --------------------------------------------------------------------------------

    يَتَزَايَلُونَ(1)، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ العُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ العُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الاَبْدَانِ، ولاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ.

    وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرهِ.

    وَمِنْهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ(2) لاَِبْوَابِ جِنَانِهِ.

    وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الاَْرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ، والخَارجَةُ مِنَ الاَْقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ العَرْشِ أَكْتَافُهُمْ، نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصارُهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ(3) تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِنْ دُونَهُمْ حُجُبُ العِزَّةِ، وَأسْتَارُ القُدْرَةِ، لاَ يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتَّصْوِيرِ، وَلاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ المَصْنُوعِينَ، وَلاَ يَحُدُّونَهُ بِالاَْماكِنِ، وَلاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ.


    منها: في صفة خلق آدم(عليه السلام)

    ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ(4) الاَْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا(5)، تُرْبَةً

    ____________

    1. لا يَتَزَايَلُونَ: لايتفارقون.

    2. السَّدَنَة: جمع سَادِن وهو الخادم.

    3. مُتَلَفّعون: من تلفّع بالثوب إذا التحف به.

    4. حَزْنُ الارض: وَعْرُها.

    5. سَبَخُ الارض: ما ملح منها.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 32
    --------------------------------------------------------------------------------

    سَنَّهَا بالمَاءِ(1) حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا(2) بِالبَلَّةِ(3) حَتَّى لَزَبَتْ(4)، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء(5) وَوُصُول، وَأَعْضَاء وَفُصُول: أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا(6) حَتَّى صَلْصَلَتْ(7)، لِوَقْت مَعْدُود، وَأجَل مَعْلُوم، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ(8) إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا(9)، وَأَدَوَات يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، والاَذْوَاقِ والَمشَامِّ، وَالاَْلوَانِ وَالاَْجْنَاس، مَعْجُوناً بطِينَةِ الاَْلوَانِ الُمخْتَلِفَةِ، وَالاَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالاَْضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ، والاَْخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ، مِنَ

    ____________

    1. سَنّ الماء: صَبّه.

    2. لاَطَها: خَلَطَها وَعَجَنَها.

    3. البَلة ـ بالفتح ـ: من البَلَل.

    4. لَزَبَ: من باب نصر، بمعنى التصق وثبت واشتد.

    5. الاحْنَاء: جمع حِنْو ـ بالكسر ـ وهو الجانب من البدن.

    6. أصْلَدَها: جعلها صُلْبَةً ملساء متينة.

    7. صَلْصَلَتْ: يَبِسَتْ حتى كانت تُسمع لها صَلْصَلَةٌ إذا هَبّت عليها الرياح.

    8. مَثُلَ ـ ككرُم وَفَتَحَ ـ: قام مُنْتَصِباً.

    9. يَخْتَدِمُها: يجعلها في خدمة مآربه.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 33
    --------------------------------------------------------------------------------

    الحَرِّ والبَرْدِ، وَالبَلَّةِ وَالْجُمُودِ، وَالْمَساءَةِ وَالسُّرُورِ، وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائكَةَ وَدِيعَتَهُ(1) لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ، في الاِْذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّمِن قائِل: (اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)وَقَبِيلَهُ، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: (إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).

    ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أرْغَدَ فِيهَاعَيْشَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وَحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَّهُ(2) عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الاَْبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ، وَالعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ(3) وَجَلاً(4)، وَبِالاْغْتِرَارِ نَدَماً.

    ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ في تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الَبَلِيَّةِ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ.


    ____________

    1. اسْتَأدَى الله سبحانه الملائكةَ وديعَتَهُ: طالبهم بأدائها. 2. اغْتَرّ آدمَ عدوّهُ الشيطانُ: أي انتهز منه غِرّة فأغواه.

    3. الجَذَل ـ بالتحريك ـ: الفرح.

    4. الوَجَل: الخوف.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 34
    --------------------------------------------------------------------------------



    [اختيار الانبياء]

    وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ(1)، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الاَْنْدَادَ(2) مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ(3) الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ(4) مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَاد تَحْتَهُمْ مَوْضُوع، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَال تُفْنِيهمْ، وَأَوْصَاب(5) تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاث تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَل، أَوْ كِتَاب مُنْزَل، أَوْ حُجَّة لاَزِمَة، أَوْ مَحَجَّة(6) قَائِمَة، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَلاَ كَثْرَةُ

    ____________

    1. ميثاقهم: عهدهم.

    2. الانْدَادُ: الامْثَال، وأراد المعبودين من دونه سبحانه وتعالى.

    3. اجْتَالَتْهُمْ ـ بالجيم ـ: صرفتهم عن قصدهم.

    4. وَاتَرَ إليهم أنبياءهُ: أرسلهم وبين كل نبيّ ومَن بعده فترة، وقوله «لِيَسْتَأدُوهُمْ»: ليطلبوا الاداء.

    5. الاوْصَاب: المتاعب.

    6. المَحَجّة: الطريق القويمة الواضحة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 35
    --------------------------------------------------------------------------------

    المُكَذِّبِينَ لَهُمْ: مِنْ سَابِق سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِر عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ.

    عَلَى ذْلِكَ نَسَلَتِ(1) القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الاْباءُ، وَخَلَفَتِ الاَْبْنَاءُ.


    [مبعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)]

    إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) لاِِنْجَازِ عِدَتِهِ(2) وَتَمامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ(3)، كَرِيماً مِيلادُهُ. وَأهْلُ الاَْرْضِ يَوْمَئِذ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه للهِِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِد(4)في اسْمِهِ، أَوْ مُشِير إِلَى غَيْرهِ، فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ.

    ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لُِمحَمَّد صلى الله عليه لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِالدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الاَْنْبيَاءُ في أُمَمِها، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْر طَريق واضِح، ولاَعَلَم(5) قَائِم.

    ____________

    1. العَلَمُ ـ بفتحتين ـ: ما يوضع ليُهتدى به.

    1. نَسَلَتْ ـ بالبناء للفاعل ـ: مضت متتابعةً.

    2. الضمير في «عِدَتِهِ» لله تعالى، والمراد وعد الله بإرسال محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) على لسان أنبيائه السابقين.

    3. سِمَاتُهُ: علاماته التي ذُكِرَتْ في كتب الانبياء السابقين الذين بشروا به.

    4. المُلْحِدُ في اسم الله: الذي يميل به عن حقيقة مسماه.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 36
    --------------------------------------------------------------------------------



    [القرآن والاحكام الشرعية]

    كِتَابَ رَبِّكُمْ [فِيكُمْ:] مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَحَرامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ(1)، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ(2)، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ(3)، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ(4)، مُفَسِّراً جُمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ.

    بَيْنَ مَأْخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّع عَلَى العِبَادِ في جَهْلِهِ(5)، وَبَيْنَ مُثْبَت في الكِتابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُوم في السُّنَّهِ نَسْخُهُ، وَوَاجب في السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَّص في الكِتابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجِب بِوَقْتِهِ، وَزَائِل في مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبير أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِير أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُول في أَدْنَاهُ، ومُوَسَّع في أَقْصَاهُ.

    ____________

    1. ناسِخُهُ ومنسوخه: أحكامه الشرعية التي رفع بعضها بعضاً.

    2. رُخَصَهُ: ما تُرُخّصَ فيه، عكسها عَزائمُهُ.

    3. المُرْسَلُ: المُطْلَقُ، المحدود: المقيّد.

    4. المُحْكَمُ: كآيات الاحكام والاخبار الصريحة في معانيها، والمتشابه كقوله: (يَدُاللهِ فوقَ أيديهم)

    5. المُوَسِعُ على العباد في جهله: كالحروف المفتتحة بها السور نحو الم والر.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 37
    --------------------------------------------------------------------------------



    و[منها:] في ذكر الحج

    وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَْنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَنْعَامِ، وَيأْلَهُونَ إِلَيْهِ(1) وُلُوهَ الحَمَامِ.

    جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتِهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بمَلاَئِكَتِهِ المُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الاْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ.

    جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلاِسْلامِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ(2)، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمينَ).


    ____________

    1. يَألَهُونَ إليه: يَلُوذُون به ويَعكفون عليه.

    2. الوِفَادَة: الزيارة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 38
    --------------------------------------------------------------------------------



    [ 2 ]
    ومن خطبة له (عليه السلام)
    بعد انصرافه من صفين


    [وفيها حال الناس قبل البعثة وصفة آل النبي ثمّ صفة قوم آخرين]

    أحْمَدُهُ اسْتِتْماماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، واسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَئِلُ(1) مَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ; فَإِنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ.

    وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا(2)، نَتَمَسَّكُ بها أَبَداً ما أَبْقانَا، وَنَدَّخِرُهَا لاَِهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا، فَإِنَّها عَزيمَةُ الاِْيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الاِْحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمنِ، وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ(3).

    وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أرْسَلَهُ بِالدِّينِ المشْهُورِ، وَالعَلَمِ المأْثُورِ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، وَالاَمْرِ الصَّادِعِ، إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالايَاتِ، وَتَخْويفاً بِالمَثُلاَتِ(4)، وَالنَّاسُ في فِتَن انْجَذَمَ(5) فِيها حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي(6) اليَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ(7)، وَتَشَتَّتَ الاَْمْرُ، وَضَاقَ

    ____________

    1. وَألَ: مضارعها يَئِلُ ـ مِثل وَعَدَ يَعِدُ ـ نجا ينجو.

    2. مُصَاصُ كل شيء: خالصُهُ.

    3. مَدْحَرَةُ الشيطان: أي أنها تبعده وتَطْرُدُهُ.

    4. المَثُلات ـ بفتح فضم ـ: العقوبات، جمع مَثُلَة بضم الثاء وسكونها بعد الميم.

    5. انْجَذَمَ: انقطع.

    6. السّوارِي: جمع سارية، وهي العَمُود والدِّعامة.

    7. النّجْر ـ بفتح النون وسكون الجيم ـ: الاصل.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 39
    --------------------------------------------------------------------------------

    الْـمَخْرَجُ، وَعَمِيَ المَصْدَرُ، فَالهُدَى خَامِلٌ، واَلعَمَى شَامِلٌ.

    عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الاِْيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ(1) سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ(2).

    أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ(3)، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، في فِتَن دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا(4)، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا(5)، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا(6)، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، في خَيْرِ دَار، وَشَرِّ جِيرَان، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْض عَالِمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ.


    ____________

    1. دَرَسَت، كانْدَرَسَتْ: انطَمَستْ.

    2. الشّرُك: جمع شِراك ككتاب وهي الطريق.

    3. المَنَاهِلُ: جمع مَنْهل، وهو مَوْرِد النهر.

    4. الاخْفَاف: جمع خُفّ، وهو للبعير كالقدَم للانسان.

    5. الاظلاف: جمع ظِلْف ـ بالكسر ـ للبقر والشاة وشبههما، كالخفّ للبعير والقدم للانسان.

    6. السّنَابك: جمع سُنْبُك ـ كقُنْفُذ ـ وهو طَرَفُ الحافر.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 40
    --------------------------------------------------------------------------------



    ومنها: ويعني آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

    هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ(1) أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ(2) عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ(3) حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِه، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ(4).


    منها: يعني بها قوماً آخرين

    زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ(5)، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد(عليهم السلام)مِنْ هذِهِ الاُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبَداً.

    هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ اليَقِينِ، إِلَيْهمْ يَفِيءُ الغَالي(6)، وَبِهِمْ يَلْحَقُ التَّالي، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الوَصِيَّةُ وَالوِرَاثَةُ، الاْنَ إِذْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ.


    ____________

    1. اللّجَأ ـ محرّكةً ـ: المَلاَذُ وما تلتجىء وتعتصم به.

    2. العَيْبَةُ ـ بالفتح ـ: الوعاء.

    3. المَوْئِلُ: المَرْجِع.

    4. الفَرَائص: جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف لاتزال تُرْعَدُ من الدابة.

    5. الثّبُور: الهلاك.

    6. الغالي: المبالغ، الذي يُجاوز الحد بالافراط.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 41
    --------------------------------------------------------------------------------



    [ 3 ]
    ومن خطبة له (عليه السلام)
    المعروفة بالشِّقْشِقِيَّة


    [وتشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له]

    أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها(1) فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ(2) دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً(3)، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ(4)، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة(5) عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ.


    [ترجيح الصبر]

    فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى(6)، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذىً، وَفي الحَلْقِ شَجاً(7)، أرى تُرَاثي(8) نَهْباً، حَتَّى مَضَى الاَْوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا(9)إِلَى فلان بَعْدَهُ.

    ثم تمثل بقول الاعشى:


    شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا(10) * وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ


    ____________

    1. تَقَمّصَها: لبسها كالقميص.

    2. سَدَلَ الثوبَ: أرخاه.

    3. طَوَى عنها كشحاً: مالَ عنها.

    4. الجَذّاءُ ـ بالجيم والذال المعجمة ـ: المقطوعة.

    5. طَخْيَة ـ بطاء فخاء بعدها ياء، ويثلّثُ أوّلها ـ: ظلمة.

    6. أحجى: ألزم، من حَجِيَ بهِ كرَضيَ: أُولِعَ به ولَزِمَهُ.

    7. الشّجَا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه.

    8. التراث: الميراث. 9. أدْلَى بها: ألقى بها.

    10. الكُور ـ بالضم ـ: الرّحْل أوهو مع أداته.


    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 42
    --------------------------------------------------------------------------------

    فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها(1) في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا(2) ! ـ فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا(3)، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ(4)[فِيهَا] وَالاْعْتَذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ(5)، إِنْ أَشْنَقَ(6) لَهَا خَرَمَ(7)، وَإِنْ أَسْلَسَ(8) لَهَا تَقَحَّمَ(9)، فَمُنِيَ

    ____________

    1. يَسْتَقِيلها: يطلب إعفاءه منها.

    2. تشطرا ضرعيها: اقتسماه فأخذ كلّ منهما شطراً، والضرع للناقة كالثدي للمرأة.

    3. كَلْمُها: جرحها، كأنه يقول: خشونتها تجرح جرحاً غليظاً.

    4. العِثار: السقوط والكَبْوَةُ.

    5. الصّعْبة من الابل: ما ليستْ بِذَلُول.

    6. أشْنَقَ البعير وشنقه: كفه بزمامه حتى ألصق ذِفْرَاه (العظم الناتىء خلف الاذن) بقادمة الرحل.

    7. خرم: قطع.

    8. أسْلَسَ: أرخى.

    9. تَقَحّمَ: رمى بنفسه في القحمة أي الهلكة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 43
    --------------------------------------------------------------------------------

    النَّاسُ(1) ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْط(2) وَشِمَاس(3)، وَتَلَوُّن وَاعْتِرَاض(4).

    فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الِْمحْنَةِ، حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَة زَعَمَ أَنَّي أَحَدُهُمْ. فَيَاللهِ وَلِلشُّورَى(5)! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هذِهِ النَّظَائِرِ(6)! لكِنِّي أَسفَفْتُ(7) إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا(8) رَجُلُ مِنْهُمْ لِضِغْنِه(9)، وَمَالَ الاْخَرُ

    ____________

    1. مُنيَ الناسُ: ابتُلُوا وأُصيبوا.

    2. خَبْط: سير على غير هدى.

    3. الشِّماس ـ بالكسر ـ: إباء ظَهْرِ الفرسِ عن الركوب.

    4. الاعتراض: السير على غير خط مستقيم، كأنه يسير عَرْضاً في حال سيره طولاً.

    5. أصل الشّورى: الاستشارة، وفي ذكرها هنا إشارة إلى الستة الذين عيّنَهم عمر ليختاروا أحدهم للخلافة.

    6. النّظَائر: جمع نَظِير أي المُشابِه بعضهم بعضاً دونه.

    7. أسَفّ الطائر: دنا من الارض.

    8. صَغَى صَغْياً وَصَغَا صَغْواً: مالَ.

    9. الضِّغْنُ: الضّغِينَة والحقد.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 44
    --------------------------------------------------------------------------------

    لِصِهْرهِ، مَعَ هَن وَهَن(1).

    إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ، نَافِجَاً حِضْنَيْهِ(2) بَيْنَ نَثِيلهِ(3) وَمُعْتَلَفِهِ(4)، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ(5) مَالَ اللهِ خَضْمَ الاِْبِل نِبْتَةَ(6) الرَّبِيعِ، إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ(7)، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ(8)، وَكَبَتْ(9) بِهِ بِطْنَتُهُ(10).


    ____________

    1. مع هَن وَهَن: أي أغراض أخرى أكره ذكرها.

    2. نافجاً حضْنَيْه: رافعاً لهما، والحِضْن: ما بين الابط والكَشْح، يقال للمتكبر: جاء نافجاً حِضْنَيْه.

    3. النّثِيلُ: الرّوْثُ وقذَر الدوابّ.

    4. الـمُعْتَلَفُ: موضع العلف.

    5. الخَضم: أكل الشيء الرّطْب.

    6. النِّبْتَة ـ بكسر النون ـ: كالنبات في معناه.

    7. انْتَكَثَ عليه فَتْلُهُ: انتقض.

    8. أجهزَ عليه عملُه: تَمّمَ قتله.

    9. كَبَتْ به: من كبابِه الجوادُ: إذا سقط لوجهه.

    10. البِطْنَةُ ـ بالكسر ـ: البَطَرُ والاشَرُ والتّخْمة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 45
    --------------------------------------------------------------------------------



    [مبايعة علي(عليه السلام)]

    فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ(1)، يَنْثَالُونَ(2) عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ(3)، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ(4).

    فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالاَْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ(5)، وَمَرَقَتْ أُخْرَى(6)، وَفَسَقَ [وقسط ]آخَرُونَ(7) كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَاِللَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ

    ____________

    1. عُرْفُ الضّبُع: ماكثر على عنقها من الشعر، وهو ثخين يُضرب به المثل في الكثرة والازدحام.

    2. يَنْثَالون: يتتابعون مزدحمين.

    3. شُقّ عطفاه: خُدِشَ جانباه من الاصطكاك.

    4. رَبيضَةُ الغنم: الطائفة الرابضة من الغنم.

    5. نَكَثَتْ طَائفة: نَقَضَتْ عهدَها، وأراد بتلك الطائفة الناكثة أصحابَ الجمل وطلحةَ والزبيرَ خاصة.

    6. مَرَقَتْ: خَرَجَتْ، وفي المعنى الديني: فَسَقَتْ، وأراد بتلك الطائفة المارقة الخوارج أصحاب النّهْرَوَان.

    7. قَسَطَ آخرون: جاروا، وأراد بالجائرين أصحاب صفين.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 46
    --------------------------------------------------------------------------------

    سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا(1) في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا(2)!

    أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ(3)، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ(4)، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ(5)، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا(6) عَلَى كِظَّةِ(7) ظَالِم، وَلا سَغَبِ(8) مَظْلُوم، لاََلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا(9)، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاََلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز(10)!


    ____________

    1. حَلِيَتِ الدنيا: من حَليتِ المرأهُ إذا تزيّنَت بِحُلِيّها.

    2. الزِبْرِجُ: الزينة من وَشْي أوجوهر.

    3. النَسَمَة ـ محركة ـ: الروح وهي في البشر أرجح، وبَرَأها: خلقها.

    4. أراد «بالحاضر» هنا: من حضر لِبَيْعَتِهِ.

    5. أراد «بالناصر» هنا: الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة.

    6. ألاّ يُقَارّوا: ألاّ يوافقوا مُقرّين.

    7. الكِظّةُ: ما يعتري الاكل من الثّقَلِ والكَرْب عند امتلاء البطن بالطعام، والمراد استئثار الظالم بالحقوق. 8. السَغَب: شدة الجوع، والمراد منه هضم حقوقه.

    9. الغارب: الكاهلُ، والكلام تمثيلٌ للترك وإرسال الامر.

    10. عَفْطَة العَنْز: ما تنثره من أنفها. وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة وإن كان الاشهر في الاستعمال «النّفْطَة» بالنون.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 47
    --------------------------------------------------------------------------------

    قالوا: وقام إِليه رجل من أهل السواد(1) عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته، فناوله كتاباً، فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عباس: يا أميرالمؤمنين، لو اطَّرَدت مَقالتكَ(2) من حيث أَفضيتَ(3)! فَقَالَ(عليه السلام):

    هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاس! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ(4) هَدَرَتْ(5) ثُمَّ قَرَّتْ(6)!

    قال ابن عباس: فوالله ما أَسفت على كلام قطّ كأَسفي على ذلك الكلام أَلاَّ يكون أميرالمؤمنين(عليه السلام)بلغ منه حيث أراد.

    قوله (عليه السلام) في هذه الخطبة: «كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم» يريد: أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئاً مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال: أشنق الناقة: إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه، وشنقها أيضاً، ذكر ذلك ابن السكيت في «إصلاح المنطق».

    وإنما قال(عليه السلام): «أشنق لها» ولم يقل: «أشنقها»، لانه جعله في مقابلة قوله: «أسلس لها»، فكأنه(عليه السلام)قال: إن رفع لها رأسها بالزمام يعني أمسكه عليها.

    وفي الحديث: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خطب الناس وهو عل ناقة قد شنق لها وهي تقصع بجرّتها.

    ومن الشاهد على أنّ أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي:


    ساءها ما بنا تبيّن في الايدي * وأشناقها إلى الاعناقِ


    ____________

    1. السّوَاد: العراق، وسُمّيَ سواداً لخضرته بالزرع والاشجار، والعرب تسمي الاخضر أسود.

    2. اطّرَدَتْ مقالتك: أُتْبِعَتْ بمقالة أُخرى، من اطّراد النهر إذا تتابع جَرْيُهُ.

    3. أفْضَيْتَ: أصل أفضى: خرج إلى الفضاء، والمراد هنا سكوت الامام عماكان يريد قوله.

    4. الشّقْشِقَةُ ـ بكسر فسكون فكسر ـ: شيء كالرّئَهِ يخرجه البعير من فيه إذا هاج.

    5. هَدَرَتْ: أَطْلَقَتْ صوتاً كصوت البعير عند إخراج الشِقْشِقَةِ من فيه، ونسبة الهدير إليها نسبة إلى الالة.

    6. قَرّتْ: سكنت وَهَدَأتْ.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 48
    --------------------------------------------------------------------------------



    [ 4 ]
    ومن خطبة له (عليه السلام)


    [وهي من أفصح كلامه(عليه السلام)، وفيها يعظ الناس ويهديهم من ضلالتهم، ويقال: إنه خطبها بعد قتل طلحة والزبير]

    بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ العلْيَاءَ(1)، وبِنَا انْفَجَرْتُم عَنِ السِّرَارِ(2)، وُقِرَ(3) سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةَ(4)، كَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ(5) مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ؟

    ____________

    1. تَسَنّمْتم العلياءَ: ركبتم سَنامها، وارتقيتم إلى أعلاها.

    2. السِّرار ـ ككتاب ـ: آخر ليلة في الشهر يختفي فيها القمر، وهو كناية عن الظلام.

    3. وُقِرَ: صُمّ.

    4. الواعية: الصارخة والصراخ نفسه، والمراد هنا العِبرَة والمواعظ الشديدة الاثر ووُقِرَتْ أُذُنُهُ فهي مَوْقُورة، وَوَقِرَت كسَمِعَتْ: صُمّتْ، دعاء بالصّمَم على من لم يفهم الزواجر والعبر.

    5. النّبْأة: الصوت الخفي.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 49
    --------------------------------------------------------------------------------

    رُبِطَ جَنَانٌ(1) لَمْ يُفَارِقْهُ الخَفَقَانُ.

    مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ(2) بِحِلْيَةِ الـمُغْتَرِّينَ(3)، سَتَرَني عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ(4)، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ، أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الحَقِّ في جَوَادِّ الـمَضَلَّةِ(5)، حيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرُونَ وَلا تُميِهُونَ(6).

    اليَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ العَجْمَاءَ(7) ذاتَ البَيَان! عَزَبَ(8) رَأْيُ امْرِىء تَخَلَّفَ

    ____________

    1. رُبط جنانه رِباطةً ـ بكسر الراء ـ: اشتدّ قلبه.

    2. أتَوَسّمُكُم: أتَفَرّس فيكم.

    3. حِلْيَةُ المغتَرّينَ: أصل الحِلْية الزينة، والمراد هنا صفة أهل الغرور.

    4. جِلْبَاب الدّين: ما لبسوه من رسومه الظاهرة.

    5. جَوَادّ الـمَضَلّة: الجوادّ جمع جادّة وهي الطريق. والمضَلّة ـ بفتح الضاد وكسرها ـ: الارض يضل سالكها.

    6. تُميهُون: تجدون ماءً، من أماهوا أرْكِيَتَهُمْ: أنْبَطُوا ماءها.

    7. العَجْماء: البهيمة، وقد شبه بها رموزه وإساراته لغموضها على من لا بصيرة لهم.

    8. عَزَبَ: غاب، والمراد: لا رأي لمن تخلّف عني.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الصفحة 50
    --------------------------------------------------------------------------------

    عَنِّي، مَا شَكَكْتُ في الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً(1) عَلَى نَفْسِهِ، أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ! اليَوْمَ تَوَاقَفْنَا(2) عَلَى سَبِيلِ الحَقِّ وَالباطِلِ، مَنْ وَثِقَ بِمَاء لَمْ يَظْمَأْ!


    [ 5 ]
    ومن كلام له (عليه السلام)
    لمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)
    وخاطبه العباس وأبوسفيان في أن يبايعا له بالخلافة


    [وذلك بعد أن تمّت البيعة لابي بكر في السقيفة، وفيها ينهى عن الفتنة ويبين عن خلقه وعلمه]


    [النهي عن الفتنة]

    أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الـمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الـمُفَاخَرَةِ.

    أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءٌ آجِنٌ(3)، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا(4) كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.


    [خلقه وعلمه]
     

مشاركة هذه الصفحة