البُعد الحضاري ودعوات التغريب

الكاتب : السيد رعد   المشاهدات : 447   الردود : 0    ‏2004-11-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-16
  1. السيد رعد

    السيد رعد عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    331
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    العروبةُ انتماءٌ يضرب جذوره في أعماق التاريخ وهو انتماء احتضن الإسلام، وانتقل به من أرض الجزيرة العربية إلى رحاب بعيدة واسعة، عُرفت باسم العالم الإسلامي، ثم تجاوز حدود هذا العالم حتى وصل إلى بقاع القارات الخمس، فغدا ديناً عالمياً يحمل في عالميته ثلاثة مفاهيم: هي عالمية الزمان،وعالمية المكان، وعالمية الحضارة، التي تتصل بالإنسان اتصالاً حميماً.‏

    والأمة العربية قد امتلكت تراثاً حضارياً تميز بالغنى والعراقة، وهو في تجاوزه الحدود القومية، قد وضع بصماته على كثيرٍ من الحضارات والأمم، وسعى إلى استمرارية الحضارة التي تثبت استقلال شخصية الأمة القومية، لكنّ العثراتِ التي ألمّت بها والنكبات التي ابتليت بها، جعلت هذه الحضارة تنحسر وتتوقف عند تلك الإشراقات التي غمرت العالم بوهجها في فترة من فترات التاريخ.‏

    ولدى النظر إلى خصائص الحضارةالعربية يبرز التساؤل الملحّ عن (الهوية) الخاصة بالأمة، ومكان التماس معالمها وقسماتها، فهل نجد في هذه الخصائص الحضارية في تراث الأمة الأصيل؟.. أم في الوافد الفكري الذي وفد إلينا منذ بدء الغزوة الاستعمارية الحديثة، ولا يزال يفد إلينا من خلال مايتم على أرضنا من (تحديث) مطبوع بالطابع الغربي التغريبي؟.. كما يبرز التساؤل عن الملامح التي تتكوّن منها (هوية) الأمة الحضارية، وهل الهوية هي كل التراث؟.. وإلى أي مدى يصيب التطوّر والتغيّر هوية الأمة الحضارية في مجرى التطور العام(1)؟...‏

    إن الهوية تعني حقيقة الشيء أو حقيقة الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية التي تتميز بها من غيره، والهوية الحضارية للأمة هي القدر الثابت والجوهري، والمشترك، من السمات والملامح العامة التي تميّز حضارتها من غيرها وتجعل للشخصية القومية طابعاً تتميز به عن الشخصيات القومية الأخرى.‏

    والعروبة بالمعنى الحضاري والفكري، وليس بالمعنى العرقي والعنصري، غدت هوية الجماعة البشرية التي تعربت بعد الفتح العربي الإسلامي والتي أصبح ولاؤها وانتماؤها لكل ماهو عربي، وليس للأطوار الحضارية غير العربية التي سبقت في تاريخها طور التعريب، ولقداستوت في هذا الولاء والانتماء للعروبة بأولئك الذين انحدروا من أصلابٍ عربية بالمعنى العرقي.‏

    فعروبة البشر... وعروبة الحضارة، هي سمةٌ من السمات الثوابت،التي غدت جزءاً من "الهوية" التي تُميّز أمتنا وحضارتنا عن غيرها من الأمم والحضارات.‏

    "وإذا كان "عموم" العروبة في الأمة -كجماعة بشرية- وفي حضارتها- بعلومها وفنونها وآدابها- هو مما لا يحتاج إلى إثبات أو إيضاح... فإن بعضنا قد يرتاب في "ثبات" هذه القسمة بوجه عوامل التطور والتغيّر، داخلية كانت أم خارجية، ومن ثم فإنه قد يرتاب في كون هذه "العروبة" واحدة من القسمات التي تمثل "هوية" لهذه الأمة في المستقبل، كما كانت في ماضيها وحاضرها‍‏

    ... وقد يحلو النظر إلى العروبة على أنها مجرد قسمة من قسمات "البناء الفكري القومي" الذي يصيبه التطور والتغير عندما يتطور ويتغير "البناء المادي التحتي"، للمجتمع، كما هو الحال مع بعض الأفكار "التي تتبع في البقاء أو الذهاب الظروفَ المادية التي تبعثها وتستدعيها‍..."(2).‏

    إن نظرةً متأملةً للتحديات التي جوبهت بها عروبة الأمة وعروبة حضارتها عبر تاريخنا المليء بالتحديات، ستجعلنا على يقين من أن "العروبة" هي "هوية"... وليست مجرد "بناء فوقي" يتغير بما يصيب "البناء المادي التحتي" من تطور وتغيير -حسب تعبير د.عمارة.‏

    لقد سيطر "الترك -المماليك" و"الترك -العثمانيون"، على مقدرات هذه الأمة العربية أغلب قرون تاريخها الإسلامي... وسيطر الاستعمار الغربي وهيمن على حياتنا قرابة القرنين من الزمان... وخلال هذه القرون الطويلة واجهت "عروبة الأمة.. وعروبة الحضارة" أقسى الامتحانات...‏

    ففي ظلّ "الترك -المماليك" الذين كانوا فرسان العصر الوسيط، وحماة الديار من الخطر الخارجي لقاء أن تصبح هذه الديار إقطاعاً حربياً لأمرائهم وأجنادهم!.. وظهرت دعوى عدم ارتباط العروبة بالإسلام!.. فلقد كان الحاكم غريباً عن الروح القومية للأمة، تجمعه بها وحدة الدين فقط، فشاعت المقولة التي تغض من شأن "العروبة" حتى لقد زعم بعضهم تناقضها مع الإسلام!....‏

    أما في ظل الهيمنة الاستعمارية الغربية فإن محاولات "فرنسة الجزائر" مثلاً و"تغريب" فكر الأمة، ومحاربة العربية، من خلال كتابتها بالحرف اللاتيني مرة.. واستبدال العامية بها مرة ثانية... والتخطيط لسيادة الجهل بها في كل الأحايين؟!....‏

    إن هذه المحاولات وأمثالها شواهد علىما جابه العروبة في تلك الحقبة من تحديات...‏

    لكن "العروبة" رغم هذه التحديات ظلت صامدةً شامخةً مستعصيةً على التحرك من موقعها الحصين... فليست هي إذن "بالبناء الفوقي" الذي يصيبه التغير بتغير الظروف... وإنما هي "جوهرٌ- ثابتٌ"، كما هي "عام وشامل".. له صفة "الاستمرار" إنها "هوية" وليست مجرد تراث!...‏

    وجدير بالذكر والتنويه أن هذه ليست خصوصيةٌ للأمة العربية، وإنما هي لازمةٌ من لوازم الإسلام.. فهي عروبة اللغة، التي يستحيل على المسلم من أي جنس أو لون أو قومية أن يفقه القرآن المعجز، فيبلغ في فقهه مرتبة الاجتهاد والتشريع دون أن يكون عربي اللغة، كما يستحيل على هذا المسلم، من أي لون أو جنس أو قومية أن يفقه علوم الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها الحديث النبوي وعلومه، ومدونات الفقه الإسلامي- وأغلبها عربي اللغة- دون أن يكون هذا الفقيه عربي الثقافة... فإذا لم تكن العربية شرطاً في التدين بالإسلام، فإنها شرط للتفقه والاجتهاد فيه.‏

    ومما يشاع عن بعض المبهورين بالغرب أن الأمة العربية لا يمكن لها أن تساير العصر مادامت منغلقةً على نفسها حتى ظن أولئك المبهورين أن الإسلام والمسلمين لا يمكنهم التكيف مع النقلة التقنية المعاصرة لإنهم "يعتقدون أن قيم الدين غير قيم الدنيا، وأن الدين بثوابته العقِدية لا يتمتع بالمرونة المطلوبة للتوافق مع المستجدات الطارئة، وهذا فهمٌ خاطئ سببه الجهل بالإسلام وحقائقه والتأثر بالثقافة الغربية "لأن الإسلام يتمتع بمرونة التعاطي مع المتغيّرات من خلال الاجتهاد البشري المنضبط، واحترام الإسلام للعقل أداةً للتفكير لمعرفة الله، وإعمار الأرض بالعقل والعلم بصورة متوازنة"..‏

    لقد أثبت الواقع التاريخي قدرةَ العرب على التكيّف مع كل المستجدات بوعي إيماني وحسّ يقوم على الشعور بالانتماء للعروبة. وبدوافع الإيمان، والقدرة على الفرز بين المعطيات الحضارية. تشهد على ذلك الجامعات في البلاد العربية والدول الإسلامية ونهضة أبنائها في دراسة جميع العلوم العصرية بكفاءة مشهودة، ولم يكن الإسلام في يومٍ من الأيام عائقاً في موجهة الدراسة، وإنما دعا في كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة إلى طلب العلم، ولو في الصين.‏

    "لقد ادعى بعض المتأثرين بالثقافة الغربية أن العرب لن يتقدموا حتى يفعلوا مافعل الغرب "أي نقصي الإسلام عن واقع الحياة ليتحرر العقل، وينطلق لبناء الحضارة، وهم الذين سمّوا أنفسهم الحداثيين المتنورين الداعين لقيام المجتمع المدني العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة، لأن الدين في نظرهم يعوق العقل عن الانطلاق ومن ثم يعوق التقدم والحضارة. وهؤلاء يتجاهلون تاريخ الأمة الإسلامية الحضاري عن عمد أو أنهم يجهلون فعلاً طبيعة الإسلام واختلافه عن المسيحية واليهودية، وربما يعرفون عن فلاسفة الغرب وتاريخ أوربا أكثر مما يعرفون عن دينهم وإسلامهم، فأنى لهم أن يحكموا حكماً عادلاً ومنطقياً على حركة الإسلام الحضارية؟‏

    هذا إذا سلمنا بسلامة القصد ونبل الدافع... لأن ولاء هؤلاء ليس للإسلام كمرجعية حياتية، وإنما للثقافة الغربية، لذلك يدعون المسلمون لتقليد النموذج الغربي"(3).‏

    إننا نوَّاجه اليوم غزواً استعمارياً جديداً يتميّز عن الاستعمار التقليدي، لأنّه يهجم علينا بمقاصد مستحدثة، لا تكتفي باحتلال الأرض ونهب الثروات وإنما تعمد إلى استعمار العقل العربي وذلك بتغريب الفكر كي تكون التبعية للمركز الغربي. خيارنا الذاتي حتى بعد جلاء جيوش الاحتلال.‏

    "لذلك جاءتنا هذه الغزوة -مع المدفع والبارود، وشركات الاستغلال والنهب الاقتصادي- بالبعثات العلمية، والمناهج الفكرية، ومؤسسات التعليم والثقافة والإعلام، التي تعيد صياغة العقل والوجدان في بلادنا، صياغة تجعل النموذج الغربي هوأداة الربط لعالمنا بالغرب، كالمركز الحضاري النموذجي القائد والوحيد!..‏

    ولهذه "النازلة" التي طرأت على الساحة الفكرية في بلادنا، لم تعد المرجعية الإسلامية -كما كانت عبر تاريخنا الطويل- هي المنطلق الوحيد لكل دعوات وحركات وأعلام التجديد والنهوض والتغيير، وإنما ازدوجت المنطلقات، وتعددت المرجعيات، فأصبح "النموذج الغربي"- بتياراته ومدارسه ومذاهبه- يزاحم "المرجعية الإسلامية"- في المنطلقات والفلسفات، وفي المقاصد والغايات-لدى التيارات الفكرية والسياسية الساعية إلى النهوض والتغيير.‏

    "وزاد من حدة الصراع حول "فلسفة المشروع الحضاري" بين دعاة التغريب وبين أنصار الإحياء الإسلامي، انتصار السلطة- التي ملكت ناصية الحكم وزمام الأمر وصناعة القرار، في دول من العالم الإسلامي- انتصارها لخيار تغريب مشروع النهضة والتحديث، حتى لقد بلغ الأمر بها حد "إلزام" بعض الدول بأن تسير سيرة الغرب في "الحكم والإرادة والتشريع"؟!.. وشهد بهذا "الإلزام" شاهد من أهلها... فكتب الدكتور طه حسين (1306-1393هـ/1889-1973م)، يقول: "لقد التزمنا أمام أوربا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع. التزامنا هذا كله أمام أوربا. وهل كان إمضاء معاهدات الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلاّ التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأن نسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو أننا هممنا الآن أن نعود أدراجنا وأن نُحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، ولوجدنا أمامنا عقباتٍ لا تُتجاوز ولا تُذلل. عقباتٍ نقيمها نحن وعقباتٍ تقيمها أوربا لأننا عاهدناها على أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة"!(4)..‏

    "لقد انعقد الإلزام والإلتزام، على اختيار النموذج الغربي للتحديث، سبيلاً للتقدم في بلادنا بين مؤسسات المشروع الغربي وبين بعض النخب الثقافية العربية والمسلمة، التي صنعها الاستعمار في بلادنا على عينه، وصاغ عقولها ووجداناتها وتوجهاتها وفق مسلمات مرجعيته الفكرية... فليبراليتنا... وشموليتنا... ورأسماليتنا... واشتراكيتنا.... ووضعيتنا... وماديتنا... ومثاليتنا....الخ.‏

    غدت امتداداً لأصولها ومذاهبها الغربية. بل لقد صنعوا لنا فكراً "إسلامياً" يحاكي (مذاهبهم) التي تقف عند خلاص الروح ومملكة السماء، وذلك حتى تكون "الدولة" و"الدنيا" و"العمران" تحت مظلة "العلمانية" التي تعزل السماء والشريعة والدين عن هذه الميادين".(5).‏

    لكن اقتحام النموذج لميادين "المرجعية" في بلادنا، لم يستطع إجلاء "النموذج الإسلامي"، من هذا الميدان، بل لقد استنفز هذا الاقتحام دعوات وأعلام الإحياء والتجديد الإسلامي للاجتهاد والإبداع في بلورة الفلسفة الإسلامية لمشروع النهضة وصياغة المعالم والسمات المحددة والمميزة للخصوصية الإسلامية في هذا المشروع. فلم تتوقف الصرخات التجديدية منذ رفاعة الطهطاوي وشكيب أرسلان إلى يومنا هذا على امتداد الأرض العربية والساحة الإسلامية الكبيرة.‏

    والدعوات إلى التغريب، سواء انطلقت من ألسنةٍ عربٍ أم من أفواه أولئك الذين يتحكمون في الغرب بصياغة النظريات الفكرية والسياسية الاستعمارية، فإنه لا يخفى على ذي بصيرة أن هذه الدعوات مهما كانت أساليبها التحديثية، فإنها تنطوي فيما تنطوي عليه على عداءٍ ظاهرٍ وخفي للعروبة والإسلام وليس أدلّ على ذلك من كتابٍ صدر مؤخراً في الغرب بعنوان "الإسلام كبديل" للدكتور مراد هوفمان يفضح هذا العداء وتلك النزعات العدوانية الحاقدة، مما أثار حفيظة الطغمة الاستعمارية الغربية، فقد أظهرت الصحافة الألمانية غضبها، وهي ترى الكتاب يُترجم إلى معظم لغات العالم، وثارت ثائرتها صباح الاثنين 23 آذار عام 1992 ودعت إلى مصادرة الكتاب وعدم السماح بتوزيعه، وجاءت عناوينها الرئيسة بالخطوط العريضة تدعو إلى الهياج والاحتجاج على سفير ألمانيا في المغرب.‏

    واستنكرت أن "يدعو سفير ألماني للإسلام ويروّج للقرآن ويدعو إلى ضرب الزوجات "ثم طالبت وزير الخارجية (غينشر) بالتدخل لعدم انتشار الكتاب وقالت نائبة رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي:"إن هذا الكتاب ماهو إلا مرافعةٌيشيب لها الولدان ضد العالم الغربي، وأن مؤلفه لم يعد ممثلاً لألمانيا، التي تدفع له عشرة آلاف مارك شهرياً بل أصبح ممثلاً للإسلام الذي آمن به وأصبح داعيةً له".‏

    لقد كان طبيعياً أن تظهر هذه الموجة الحانقة من الاحتجاجات لأن مؤلفه قد اعتنق الإسلام وكتب عنه بموضوعيةٍ وإنصافٍ، ولم يركب الموجة المشبوهة التي ركبها المستشرقون أولاً وعبّرت كتاباتُهم عن تصوّرٍ خاطئ لهذا الدين، ومن ثم ركبتها الفرق الدينية المنشقة عن جمهور المسلمين كالقادايانية والبهائية وغيرهما.‏

    لقد قدمت الدكتورة (آنا ماري شمل) لكتاب هوفمان بحديثٍ عن العداء التقليدي بين الغرب والإسلام بسبب جهلِ الغربِ لحقيقةِ الدين الإسلامي، لأن حقيقته تكمن في القوة الروحية والحضارية التي لا يمكن لمنصفٍ أن ينكر ما أحدثه الإسلام من انقلابٍ في ميدان التصوّرات الفكرية، حيث ثار على كل المفاهيم الجاهلية التي هبطت بالإنسان إلى أدنى الدرجات وارتقى به هادفاً من ذلك عودة الإنسان إلى إنسانيته الصحيحة.‏

    لقد درس هوفمان الدين الإسلامي بمنطق العاقل الواعي لا بمنطق الحاقد الجاهل، وتطلّع إلى الحق كما فعل سواه من أمثال بريفولت، وجورج سارتون، وكريس موريسون ومن قبل (غوته) صاحب الديوان الشرقي الذي جاء فيه "إنْ يكن الإسلام معناه القنوت فعلى الإسلام نحيا ونموت".‏

    وقد أعلن هوفمان بكل جرأةٍ وصراحة أن الإسلام، بديلٌ صحيحٌ عن حضارة الغرب المادية التي عجزت عن تقديم ما يُسعد الإنسانية، وبهذه الموضوعية يصبح الإسلام هو البديل الوحيد كنظامٍ شاملٍ لحياة. إنسانِ القرنِ الحادي والعشرين نظراً لما يذخر به من طاقات روحية ومادية يسعد الإنسان في ظلّها بعد أن اكتوى بنيران المذاهب المادية التي جعلته يعيش في حالة اضطرابٍ وقلق دائمين.‏

    لقد اختمرت في وجدان الإنسان الغربي بذور العداء تجاه العرب والمسلمين وأوجد لذلك المسوغات النفسية التي ترى أن الإسلام هوذلك الدين الذي انتزع من الغرب زمام القيادة السياسية والسيادة، ولذلك تمكّن هذا العداء من النفوس حين رأت أن بعض الحركات السياسية التي تتزيّا بالإسلام تمارس في نظر الغربيين لوناً من الممارسات الشاذة، لكن الحقيقة كما يقول هوفمان هي في أن جهلّ الغرب بالإسلام وطبيعتهِ من جهةٍ، وخَلْطهِ بين الإسلام كمنهجٍ ربانيٍ. وبين بعض الممارسات التي قد يظهر منها مايكون سبباً للتفسير المشار إليه من جهة أخرى، هو الذي يوقع في هذا الإشكال واللبس.‏

    ومع كل هذه الإشكالات، فإن العروبة بجوهرها الثابت، وعموميتها وشمولها واستمراريتها هي (هوية) وانتماء، لكنّ مستقبل المد القومي والإسلامي الذي نعيش فوق موجة من موجاته رهنٌ بتدارك الإشكالات، وهو تدارك لا يحتمل الانتظار، لأن نهضة المشروع الحضاري لا تتمّ في فراغ، وكثيرون هم الحريصون على إفراغ هذا المدّ من محتواه وتوجيهه إلى حيث يغدو سراباً.‏

    "وإنما يفتح أبواب الأمل عندنا في مستقبل هذا المدّ العربي الإسلامي، ما نراهُ من بعض مظاهر القدرة على (النقد الذاتي) ونموّ القدرة على التصويب والتصحيح الداخلي، وهذه القدرة هي شرطُ استمراريةِ الحياةِ في الكائناتِ العضوية، والمؤسساتِ الاجتماعية [إضافية إلى الترابط العضوي العربي] وما أحوج هذا المدّ إلى قياداتٍ تلحّ في إصرارٍ [على استقلالية قراراتها] وتُعين بذلك هذا المدّ على أن يصير صحوةً [قوميةً] حقيقيةً تأخذ بيد [الجماهير العربية] على هدى وبصيرةٍ إلى حيث المزيد من العدل، ومن الحرية، ومن الاستمتاع بالطيبات، ومن حرارة علاقات المودة بين الناس، وهل [العروبة] والإسلام إلاّ ذلك كله؟؟!"(6).‏


    المصدر!‏
    جريدة الاسبوع الادبي
    البُعد الحضاري ودعوات التغريب ـــ محمد قرانيا
     

مشاركة هذه الصفحة