قائد قال لا حين كانت الـ نعم هي المنجاة: عرفات: ترجّل الناجي والإرث رهن بالخواتيم

الكاتب : مواسم الخير   المشاهدات : 459   الردود : 0    ‏2004-11-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-15
  1. مواسم الخير

    مواسم الخير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-08-20
    المشاركات:
    1,225
    الإعجاب :
    0
    قائد قال لا حين كانت الـ نعم هي المنجاة: عرفات: ترجّل الناجي والإرث رهن بالخواتيم
    2004/11/12

    صبحي حديدي ہ
    زيارة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929 ـ 2004) الأخيرة إلي فرنسا، محمولاً علي نقّالة طبيّة، لا تشبه البتة زيارته الرسمية الأولي في ربيع 1989 محمولاً علي الأكتاف والأكفّ، وضيفاً علي سيّد الإليزيه آنذاك فرانسوا ميتيران. وأما الجالية اليهودية فلم تقصّر في احتلال ساحة الكونكورد، علي مبعدة أمتار من المسلّة المصرية المسروقة، والمرابطة أمام فندق كريون بلافتات تحمل عبارات مقذعة ضدّ الإرهابي و القاتل الملفّع بكوفية دامية ، علي الرغم من أن السيدة ماري ـ كلير منديس فرانس (اليهودية، أرملة السياسيّ الفرنسي الشهير) كانت الجندي المجهول وراء معظم ترتيبات الزيارة.
    في تلك الأيام كانت أزمنة المنظمة حبلي بالمتغيرات الدراماتيكية. فالمجلس الوطني الفلسطيني وافق علي صيغة الدولتين، وأعلن ولادة دولة فلسطين المستقلة. وعرفات كان قد حقّق انتصاراً أدبياً علي وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جورج شولتز، حين انتقلت الأمم المتحدة إلي جنيف لسماع خطبته بعد أن رفضت الإدارة الأمريكية منحه تأشيرة دخول إلي نيويورك. كذلك كان الحوار الأمريكي ـ الفلسطيني قد بدأ، وإدارة جورج بوش الأب تحتفل بتدشين عهدها علي وقع المطارق التي تعمل هدماً في المعسكر الاشتراكي ونظام القطبين. آنذاك أيضاً، أطلق وزير خارجية أمريكي آخر، جيمس بيكر، تصريحه الصاعق الذي ذكّر فيه الإسرائيليين بأرقام هواتف وزارة الخارجية الأمريكية إذا قرّرت الدولة العبرية تنحية فكرة اسرائيل الكبري جانباً.
    كان زمناً حافلاً، إذاً، بدت فيه سياسة منظمة التحرير أشبه بكيس بابا نويل المتخم بالهدايا والمفاجآت! وعلي ذمة دافيد ماكوفسكي، الكاتب الإسرائيلي وأحد أبرز معلّقي صحيفة جيروزاليم بوست ، كان رولان دوما، وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، قد عقد جلسة خاصة مع عرفات طالبه فيها أن يقدّم إلي ميتيران هدية لا تقلّ في قيمتها عن هدية المنظمة إلي أمريكا (أي خطاب جنيف الذي ينبذ الإرهاب، أو إعلان ستوكهولم السرّي الذي يؤكد استعداد المنظمة للعيش بسلام مع إسرائيل، وإدانة جميع أشكال إرهاب الدولة والأفراد، وامتناع المنظمة عن اللجوء إليه في كل حال...).
    وعلي ذمة ماكوفسكي أيضاً، حدّد رولان دوما طبيعة المطمع الفرنسي، وزوّد عرفات بالكلمة الذهبية التي ستجعل من الهدية قنبلة مدوية وجزاء وفاقاً لحسن الوفادة الفرنسية. وأما الهدية فهي نعي الميثاق الوطني الفلسطيني الذي ينصّ علي الكفاح المسلح كأداة لتحرير كامل التراب الفلسطيني، ويعتبر الصهيونية حركة عنصرية فاشية. وأما الكلمة الذهبية فقد كانت Caduc، المصطلح القانوني المراوغ الذي يشتمل علي أكثر من معني، ولكنه يصف محتوي واحداً وحيداً هو أنّ الميثاق باطل أو في حكم الباطل، لأنه تقادم بذاته، ولأن الزمن عفا عليه وألغاه قبل أن تلغيه شرائع البشر.
    والأرجح أن الزعيم الفلسطيني الراحل ضحك في عبّه وقال ما معناه: غالي والطلب رخيص! وبالفعل، في مؤتمر صحفي حاشد أطلق الختيار الكلمة التي تؤكد علي ختيرة الميثاق، وفي الأساس كان مندوب المنظمة في باريس آنذاك، ابراهيم الصوص، قد اعتبر الميثاق باطلاً بحكم الأمر الواقع وبحكم قرارات المجلس الوطني في الجزائر، كما يشير محمد حسنين هيكل في كتابه الأقنية السرية . باطل بالتقادم والختيرة. باطل بحكم الأمر الواقع. باطل لأن حكاية الكفاح المسلح دخلت متحف التاريخ من الأبواب الخلفية. وباطل لأن الأمم المتحدة سحبت قرارها الشهير الرجيم الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية.
    يخطر لي، من باب التخمين الصرف بالطبع، أنّ عرفات استعاد برهة العام 1989 حين حلّقت طائرته في سماء باريس للمرّة الأخيرة قبل أيّام معدودات. صحيح أنّ هذه ليست أبرز محطات حياته الحافلة، وثمة ما يفوقها أضعافاً مضاعفة في الرمز والمعني والدلالة والعاقبة، غير أنّ المكان بالمكان يذكّر، والسياق بالسياق أيضاً! ها هو الرجل يأتي من حصار ضيّق في مبني المقاطعة في رام الله، وكان سنة 1989 قد أتي من حال مشابهة تمزج المنفي بالحصار. وها هي الولايات المتحدة تقاطعه علي نقيض من العالم بأسره تقريباً، مع فارق أنّ فرنسا الرسمية لا تستقبله اليوم سياسياً كما فعلت في الزيارة الأولي، بل طبيّاً وإنسانياً.
    في كلّ حال، استرجعت شخصياً ذكري تلك الزيارة الأولي، وأنا أتابع مشاهد النقالة التي كانت تحمل عرفات إلي مستشفي بيرسي، وكان من الواضح أنه لن يعود إلي فلسطين المحتلة إلا في الأكفان. وإذا كنت قد اختلفت مراراً، في العمق وفي الجوهر، مع الكثير من خيارات الراحل السياسية والفكرية وحتي التنظيمية، فإنني في العمق وفي الجوهر أيضاً أخذت أنظر باحترام عميق إلي عرفات الأخير: القائد السياسي الذي رفض إحناء الرأس في كامب دافيد، صيف 2002، طيلة تسعة أيّام من الضغط الهائل الذي مارسه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، علي نحو غير مسبوق في تاريخ علاقة البيت الأبيض بقضايا الشرق الأوسط.
    حين وصلت تفاصيل التسوية إلي حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، خصوصاً القدس وحقّ العودة والاستيطان، قال عرفات لا مدويّة ثابتة راسخة و... مدهشة إذْ تصدر عن رجل مولع بـ سلام الشجعان دون سواه! ولقد استحقّ سخط واشنطن مذاك، ثم تكفّل المجتمع الإسرائيلي بانتخاب أرييل شارون لكي يذيق عرفات المزيد من ألوان الضغط والمهانة والعزل والحصار، وفي غضون السيرورة بأسرها كان النظام العربي يُجْهز علي ما قد يتبقي في نفس الرجل من علائم أمل ومظاهر صمود. قال لا حين كانت الـ نعم هي المنجاة والإجابة الوحيدة في آن، ولو أحني الهامة فلعلّنا ما كنّا سنبصره محمولاً هكذا علي نقّالة طبيّة، وما كان سيلزم المقاطعة محاصَراً، والأرجح أنه كان سيواصل تجواله في عواصم العالم، علي متن طائرة أفضل وأحدث، معززاً مكرّماً أكثر بكثير من كلّ أقرانه الحكّام العرب، الذي مسحوا رقم هاتفه في رام الله، راغبين أو مُكرهين!
    ولسوف يسيل، كما سال من قبل، مداد كثير في وصف محاسن ومساويء هذا الزعيم، خصوصاً تلك الحلقة الضيّقة التي قرّبها منه وأطلق لها اليد في الفساد والإفساد والتسلّط والترهيب ومحاكاة مختلف جرائم الاستبداد العربي. ولكنّ الأخلاق البسيطة، فضلاً عن موضوعية الوقائع ذاتها، تقتضي عدم التقليل أبداً من حجم المأزق الذي كان عرفات يعيشه خلال السنوات الماضية من جانب أوّل، ومقدار المرّات التي دُفع فيها إلي الجدار الأخير أو حُشر في الزاوية الأضيق من جانب ثانٍ. وصفة الناجي لم تلتصق بالرجل دون عشرات الأسباب والوقائع والأزمات والمآزق التي تبرّر ــ منفردة أو مجتمعة ــ أحقية الرجل بهذه الصفة الحمّالة لأكثر من معني.
    لكنّ عرفات، ومنذ رفضه الخنوع لاشتراطات كامب دافيد ـ 2 وحتي حصاره في مبني المقاطعة بعد صعود شارون، دُفع إلي حافة اتخاذ القرار الأخطر في حياته قاطبة: إمّا الخضوع والإستسلام وبيع التضحيات الفلسطينية الجسيمة بثمن بخس ليس بينه وبين الهزيمة سوي فارق ضئيل، أو الصمود مرّة أخري ــ كانت الأخيرة، كما يتضح اليوم ــ علي الخطّ المبدئي الذي اختاره في كامب دافيد وطابا، حين كانت ضغوطات كلينتون ـ باراك السياسية لا تقلّ شراسة عن ضغوطات بوش ـ شارون العسكرية.
    ذلك إنّ عرفات كان يعرف، تماماً كما كان يعرف الساسة ورجال الأمن الفلسطينيون الفاسدون المحيطون به والمنخرطون اليوم في خيار وقف الإنتفاضة مجاناً وتصفية المقاومة الفلسطينية، أنّ شارون لا يريد السلام ولم يكن في أيّ يوم عضواً في معسكر السلام. فما الذي كان سيحصل عليه مقابل إرضاء شارون وبوش؟ طائرة هليكوبتر جديدة، أم تنفيذ توصيات لجنة ميتشل؟ مدرّج مطار جديد، أم دولة فلسطينية حقّة؟ زيارة البيت الأبيض، أم صفحة غير سوداء في سجلات التاريخ؟ وما الذي كان سيتغيّر حقاً علي صعيد السلطة الوطنية الفلسطينية إذا استجابت لمطالب شارون الخمسة، وكيف وبأيّ معني ستبقي هذه السلطة وطنية حقاً، وفلسطينية؟
    شارون كان يريد التالي من عرفات: تنفيذ حملة اعتقالات فعلية، شاملة، ساحقة، وماحقة؛ تجريد جميع المنظمات الإرهابية من أسلحتها، والدولة العبرية هي وحدها التي تعرّف الإرهاب والإرهابيين؛ جمع هذه الأسلحة وتدميرها بمعرفة المخابرات الإسرائيلية، أو عن طريق وسطاء أمريكيين؛ التعهد بعدم تكرار العمليات الإنتحارية، وضمان ذلك عن طريق خطة أمنية دائمة يكون الضباط الإسرائيليون جزءاً لا يتجزأ من هيكلية تنفيذها؛ إنهاء كلّ أشكال التحريض ضدّ الدولة العبرية، في المساجد ووسائل الإعلام كما في الكتب المدرسية وشاشات التلفزة الدولية...
    وماذا كانت السلطة الوطنية الفلسطينية ستجني مقابل ذلك؟ وماذا عن الألف شهيد فلسطيني خلال انتفاضة الأقصي هذه؟ وماذا عن آلاف الشهداء الفلسطينيين في انتفاضات ونضالات أخري عديدة قريبة أو بعيدة؟ ماذا عن الصمود في واي بلانتيشن وكامب دافيد وطابا؟ العودة إلي طاولة المفاوضات في أفضل الحالات، كأنّ الدولة العبرية تأتي إليها للمرّة الأولي، أو كأننا نعيد عقارب الساعة عشر سنوات إلي الوراء حين كان مجرّد اللقاء مع ممثّل لمنظمة التحرير الفلسطينية جريمة نكراء يعاقب عليها القانون الإسرائيلي.
    وكيف يعقل أن يتنازل عرفات، علي نقيض من إرادة الشعب الفلسطيني، في ظلّ هذه المعطيات الإسرائيلية بالذات، حين يتبادل جميع الإسرائيليين مواقع جميع الإسرائيليين: شارون في عباءة بيريس، وبيريس في عباءة شارون، والحاخام عوفاديا يوسف في عباءة الحاخام كاهانا، وحزب العمل يغطي الليكود، والليكود يغطي حزب العمل، والدولة العبرية ــ بأسرها أو تكاد ــ تعود القهقري إلي ذاكرة مسعدة والحصار الدائم والضحيّة المدافعة عن وجودها بالنواجذ والأسنان، بالدبابات والحوّامات والمدافع والقاذفات، صفّاً واحداً متحداً؟
    فإلي مَن كان يتوجّب أن ينحني عرفات؟ إلي شارون، أم إلي بيريس، أم إلي الجمع الإسرائيلي العجيب وقد ارتدي دروع الحرب وحدها وضرب عرض الحائط بكلّ المحرّمات... كلّ المحرّمات حرفياً؟ أم تراه كان سينحني، وينقلب علي شعبه وأهله استطراداً، لأنّ البعض ما يزال يأمل خيراً في الجثة الهامدة التي كانت تُدعي اتفاقيات أوسلو؟ أم أنّ الآمال تبخّرت هناك واستقرّت في جثة أخري هي تقرير ميتشل أو خارطة الطريق ؟ أم انّ الآمال كلها كانت قد تلاشت تباعاً، بالفعل، ولم يبق سوي مبدأ الخضوع للضغوطات، مجاناً... مجاناً تماماً؟
    هذه أسئلة ينبغي أن تكون مدوّنة، بأحرف بارزة، في أجندات كامل الرهط الذي يتولي إرث عرفات اليوم، وتؤول إليه مقاليد أمور السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والساحة الفلسطينية. المعركة (تماماً كما خلّفها عرفات، أو أسوأ ربما بسبب غيابه) ما تزال تدور حول الجوهري الأساسي، وينبغي أن يصمد ورثة عرفات مثلما صمد الرجل، بل أكثر منه ربما... وأكثر من أيّ وقت مضي. وحتي ساعة كتابة هذه السطور كان الورثة قد تصرّفوا علي نحو مسؤول، سياسياً وتنظيمياً وأخلاقياً، يسير علي نقيض تامّ مع كلّ تقاليد انتقال السلطة في النظام العربي، ويبشّر بالأمل. الأمور، مع ذلك، تظلّ رهن خواتيمها!
     

مشاركة هذه الصفحة