صدام حسين وتشاوشيسكو أشادا قصورهما بأموال الشعب وباسمه

الكاتب : اليافعي2020   المشاهدات : 544   الردود : 0    ‏2004-11-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-13
  1. اليافعي2020

    اليافعي2020 قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-09-01
    المشاركات:
    3,478
    الإعجاب :
    0
    ظهر مفهوم الشمولية (التوتاليريزم)، أول مرة في عهد موسوليني في إيطاليا عام 1925 عندما شرع يتكلم عن (الإرادة الشمولية) للفاشية الثورية. وهكذا تلاقفت بطانته المصطلح وبثوه بروح رمزية جديدة، وأولهم كان الفيلسوف (جنتيله)، عندما عقد المقارنة بين ذلك المفهوم في الدولة وبين الديمقراطية البرجوازية، وحالة «تغريب المجتمع». ثم طار المفهوم لتتلقفه النازية الألمانية، وتبث به روحا وتحثه درسا وبحثا وكان (أرنست يونكر Junger Ernst) ممن تبناه وحذق به، ووهبه صيغ حركية مثل مفهوم (الحرب الشمولية، والتعبئة الشمولية). ولكن من أكثر الباحثين الألمان قد أقترن أسمه بهذا المفهوم هو (كارل شميت Carl Schmidt) الذي قفز بالمفاهيم السابقة من خلال هيكلية العلاقات السياسية الجوهرية بين (الصديق ـ العدو)، ثم مفهوم «الانتماء الشمولي بين الدولة والمجتمع». وبعيد التعاهد السوفياتي الألماني شرعت الثقافة «الأنكلوسكسونية» تورد في أدبياتها مصطلحا «الشمولية» و«البلشفية». وثبت الأمر واعتبر مفهوما سلبيا مسلما به، ولاسيما بين الشمولية والفاشية. وفي سياق الفكر الشمولي ثمة تهاجن بين الطغاة والعمارة. فقد كان هاجسهم التاريخي، وحالة الذعر الداخلي من مجهول مصيرهم، يدفعهم غريزيا إلى تقمص روح حماة الحضارة ورجال التاريخ البنائين، الأمر الذي دفع صدام أن يبني له قصرا في وسط أطلال بابل، والأنكى حينما نقش أسمه على أحجارها المرممة. وفي الفكر الشمولي ثمة تطابق في السجايا بين أقطابها موسوليني وهتلر وفرانكو وستالين وشاوشيسكو وآخر وليس الأخير من سقط منهم صدام. وإذ نلمس تجلي نتاجها المعماري في صروح «فرعونية»، مبثوثة اليوم في مدائن قد أبتليت بها. فقد ترك موسوليني حيا يقبع اليوم في روما ينعت ذلك التوجه. وأعتمد هتلر على خياله ونزعته الفنطازية في البناء «القومي»، وحتم ذلك تسيير العمارة المنتجة في ألمانيا. وبالنتيجة ألغي كل نزعة عاقلة ومبادرة شعبية، مسترسلة من الماضي الحضاري الذي أنتجته حقبة (التنوير) وفلسفاتها في المانيا. ومن ضمن ما اقترف: إلغاؤه مدرسة (الباوهاوس) التي تأسست عام 1929، ورامت ربط الحياة الصناعية العصرية بالعمارة. وأنتجت فكرا ناضجا مازال مؤثرا في الفكر المعماري العالمي. وقد أدى ذلك الى هروب خيرة معماريي ألمانيا من أساطين الباوهاوس الى أميركا ومنهم التقني (فالتر كروبيوس) والزاهد (ميس فان درروه)، وتأسيسهم لثورة معمارية على الجانب الآخر من الأطلسي. وقد اعتمد هتلر على بعض المعماريين الخانعين والموافقين دائما على ما يأمرهم به. وينطبق الأمر على المعمار البرت سبير (Albert Speer)، الذي اعتمده في تصميمه «الحلم» أو بناء صرح المستشارية (Conselaria) الذي كان إنجازه يدغدغ شغاف قلب هتلر.
    وفي شجون (الشمولية) المتأخرة نرصد جمعا عجيبا بين طاغية العراق صدام مع طاغية رومانيا تشاوشيسكو، فكلاهما انتهى مأساويا، وكلاهما مكث في السلطة 24 عام تحيدا، والأهم في تلك المقاربة هو تطابق السجايا ووحدة الصفات ومحاكاة عجيبة في الأصول الوضيعة والتسلق المشترك من قاع المجتمعات، وحالهما يوحي بلعنة سماوية على شعوب تمادت في غيها. فشاوشيسكو ولد من أب سكّير، مات ولم يعلم بميلاد إبنه، ومات ولم يعيره الولد أهمية. وعمل نيكولاي فلاحا في قريته المعدمة (سكورنيجيشت)، وأرقى ما تبوأه هو حرفة إسكافي.
    ولم يكن تشاوشيسكو يحمل أي مؤهل علمي بالرغم من إنتفاخه زهوا حينما كنّوه بـ«المعمار». و تسلق إلى السلطة بمباركة سوفياتية، على خلفية نشاطه الشيوعي، بعدما أبدلت البيادق في عالم ما بعد الحرب. وحينما حل الشاب نيكولاي بالعاصمة بوخارست، أعجبه رخائها وأبهره مظهر طبقة المترفين من أهلها، حينما سميت بوخارست بـ(باريس الثانية). وقد أثرت تلك الخلفية البائسة في عميق نفسه، بما ولد تباعا روحا عدوانية تروم الإنتقام لنفسها، مستغلة حجة (الصراع الطبقي)، وتجسد ذلك في قمع من دون هوادة، للمدينة وأعرافها وتراثها وعمرانها وفنونها من خلال قمع طبقاتها المترفة المتحضرة، وتحديدا القاطنين في الأحياء الراقية.
    والأمر عينه ينطبق على حياة صدام، من ناحية الإنحدار العائلي، والطبقي والثقافي والأهم السلوكي والنفسي. فقد جاء صدام إلى بغداد وعاش على هامش مدينة مترفة (ميتروبوليتانية)، وربما لقى نوعا من الإزدراء من أهلها (المتبغددين)، ومازال يتذكر من بقى حي يرزق من معارفه القدماء، كيف كان هذا البدوي لائذا مرعوبا من أهلها. والأهم في تلك المحاكاة إنتقامه المنظم من العراق وعاصمته وأهله، وتنكيله بعمرانه وتقويضه لتراثه وإهماله لما تبقى، حتى أضحى يحاكي أفقر حواضر الدنيا.
    وثمة محاكاة عجيبة بين الطغاة، فما حدث في ألمانيا ورومانيا حدث في العراق. فمن تداعيات تنكيل السلطة البعثية، هرب من العراق خيرة معمارييها، وعلى رأسهم أساطين العمارة: الدكتور محمد صالح مكية (مولود 1914) ورفعت الجادرجي (مولود 1927). فقد لاذ الأول بالفرار منذ بواكير إنقلاب البعث 1968، والثاني بعد أن أجحف بحقه صدام وسجنه (1982 ـ 85). وتسنى لهؤلاء تأسيس نشاط معماري في المهاجر، افتقده العراق في خضم حاجته للبناء الذاتي. وحصل الأمر عينه للمعماريين الرومان، فأتذكر كم كانت خشية سلطات المخابرات والشرطة السرية وأجهزة الحزب الشيوعي، من السفرات المنظمة او مشاركة المعماريين بالمؤتمرات، بسبب هروبهم ومكوثهم في دول الغرب. وأذكر في هذا السياق هروب أستاذي (ميرجه لوبو). وبالنتيجة فقدت سلطات الطغاة من هتلر وتشاوشيسكو وصدام الكثير من قدرات شعوبها الخلاقة. وصنفت السلطات الشيوعية من ضمن الأنظمة الشمولية وتقمصتها بشكلها الستاليني تحديدا، ومارس في حيثياتها عمليات منظمة لتقنين وقولبة فكر الإنسان وأفق إبداعه المعماري. ونلاحظ اليوم أن آثارها المشتركة طبعت شجون الحياة والعمارة بنفس الدمغة في شتى الأقطار الشيوعية والإشتراكية. وعلى خلاف (الفكر البعثي) الذي لم ينتج منظومة فكرية البتة، وبالنتيجة عمارة بعينها، فقد كان للسلطات الشيوعية خط وباع وممارسة معمارية ممنهجة. حيث أريد لتلك الحركة غطاء (علمي) مثلما اقترن بأسمها. فانطلقت وعمت مسوغات الحداثة، وطفقت تجسد الطراز العالمي الإختزالي، بالرغم من أن القوم استندوا على طراز نشأ في روسيا في بواكير الثلاثينات أسموه (الهيكلية أو البنائية constuctivism) وحبذوا تسميتها «الواقعية الاشتراكية». وتكمن خصوصيتها أنها تعتمد على هيكلية البناء وتقنياتها العالية من دون النظر الى الجانب الفني والتزيقي والجمالي. ثم تطور الأمر، وتبناه ستالين وبثه في صروح متراكبة تنازليا بالحجوم، ويعلوها برج سامق وسارية تتوجه نجمة حمراء كما الحال في مباني جامعة موسكو ومجمع الصحافة الشرارة )كاسا سكنتيا) في بوخارست أو المجمع الستاليني في وارشوا. واليوم نجدها حائرة تذكر بالطغاة وحقبهم، ويجهل مصيرها. ومن مواصفات تلك العمائر أنها كانت تقترن بمنهجية بوليسية، كنهها السرية والتكتم فجاءت ثقيلة خالية من روح شفافة وجمالية وانفتاح، بما يحاكي النزعة في النأي عن سوي الأمور وصراحتها، حينما لجأ الطغاة الى التكتم كوسيلة لتمرير ما اقترفت أيديهم من آثام ومهازل وكوارث. وهكذا تبدوا هذه المباني مخيفة وصماء ومكتومة.
    ويعتبر تشاوشيسكو أحد الوجوه الاكثر جلاء في تلك الصورة القاتمة، كونه دفع حياته ثمنا مقابل صرح معماري أراد أن يدخل التاريخ من تحت بوابته، ودون أن يهنأ يوما واحدا بسكناه. وكان قد كنى هذا البلاط (انتصار الاشتراكية) لكنه أمسى بعد سقوطه المأساوي في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1998 (قصر الشعب)، وهي تسمية عادلة وعاقلة، بالمقارنة مع ما ذهب إليه العراقيون اليوم في تسمياتهم لأحياء وشوارع ومعالم بغداد. و(قصر الشعب) هذا دار منيفة تقع موقع القلب في العاصمة بوخارست، على ربوة من الأرض كان قد أختارها الرئيس بنفسه، تشرف على المركز التاريخي والديني للمدينة، ونهر (دنبوفيتسا) المخترق للمدينة. وبما ان ذلك التل «الأكروبولي» كانت تتربع عليه كنائس المدينة القديمة واحيائها التي تضررت من جراء الزلزال الذي ضربها في مارس (أذار)1977. وكان ذلك مبررا كافيا لأن يعلن عن خطته في تقويض المنطقة التاريخية. وهكذا حقق ما تمناه بالانتقام المزدوج من المدينة وأهلها ومن ثم بناء صرحه على تلها.
    وموقع البلاط كان حتى نهاية عقد السبعينات من أرقى أحياء العاصمة بوخارست. فهدمه وشتت أهله وأسكنهم عمارات بائسة على أطراف المدينة. وكانت ترتع في الحي أجمل عمائر المدينة، وأقدم كنائسها الأرثوذوكسية، ومنها: كنيسة أيني (Enei) المبنية عام 1724 وكنيسة القديس أيليا في راهوفا المبنية عام 1747، وكذلك دير (Manastir) الاقطاعي (ميخاييل فودا) المبنية عام 1589. وبيت شركس التركي المبني على الطراز القوطي الجديد، ناهيك عن ثروة أركيولوجية تذكر بماضي المدينة العثماني الإسلامي، وخاناتها ومساجدها وأسواقها وقيسارياتها التي كان قد شرع بتقويضها إبتداء منذ خروج العثمانيين عام 1878. وهكذا الحال مع ما فعله صدام في شارع حيفا (الكارثي) حينما هدم أحياء تاريخية برمتها (الشواكة والرحمانية والكرخ)، وانشأ عمارات باسقة سمجة لا تنسجم مع بنية المدينة ومقياسها وتراثها ليسكن به ثلته، ومقربيه، ومرتزقته الذين نسمع عن أخبارهم اليوم بما يدعى «مقاومة». وقصر تشاوشيسكو يشكل جزءا من مجمع حضري متكامل يتضمن ميدان موشح بالأشجار والنافورات ومراكز تجارية وسكنية تخص الطبقة السياسية والامنية والحاشية، وجلهم ممن جلبه تشاوشيسكو معه من أهل الريف الروماني. وهؤلاء كانت تهبهم السلطات الشيوعية كل الامتيازات، مثلما نجده اليوم في الأحياء التي بناها صدام، وهكذا مكثوا يدافعون عن امتيازاتهم بعد سقوط «ولاة النعم».
    ويحتوي قصر تشاوشيسكو على الف ونيف من الحجرات والقاعات ومزود بأحدث مرافق الحماية ومنها نفق يمتد الى 40 كلم. وقد شغل القصر مساحة من الأرض قدرها 508,000م2، أما مساحة البناء فقط فكانت265,000 م2 وأبعاده 270*240 وارتفاعه 84م. وعمل به 17000 الف عامل إبتداء من العام 1984، بعدما كان قد رصد له كل طاقات رومانيا المعمارية والتخطيطية والتنفيذية ناهيك عن المالية، فقد طلب من الشعب مقابل أن يسمو قصره أن «يشدو الحزام» الى الحد الذي جعلهم يتضورون جوعا ليشتري بأموالها مستلزمات السلطة وتجهيزات البناء، وتمادى به الحال حتى استورد كميات هائلة من الاسمنت من أستراليا.
    وفي الجانب المعماري فقد سخر له كل خبرات رومانيا وطاقاتها بحالة استنفار وعمل دؤوب جعله يغير رأيه في المشروع 12 مرة ليعاد العمل به من جديد. وتخبرنا السيدة (مونيكا إيفانتش) إحدى المشاركات في المشروع: انها وزملاءها، وطمعا في إرضاء نهمه في التغيير والإبهار، فقد كانوا يحثون الخطى ويغنون الحالة الإلهامية في سرائرهم من خلال بحثهم الدؤوب فيما بين دفات الكتب القديمة، التي كانت تشرح نزوات القائد النازي هتلر المعمارية، وما يعتمده في تصميمات معماريي الرايخ الألماني.
    وقد فاق صدام زميله تشاوشيسكو ببناء القصور، فقد بني حوالي 22 قصراً وزعها في جميع المحافظات، مع اهتمام وتركيز خاص على قصور بغداد من الناحيتين الأمنية والجغرافية. وكانت قد قررت قوات الاحتلال في العراق تهديم عشرة قصور تعود لزوجة صدام ساجدة خير الله وبناته الثلاث رنا ورغد وحلا ونجليه عدي وقصي وعدد من أشقاء صدام. وتقع هذه القصور المتقاربة إما في منطقة العوجة أو الضياعي على بعد عشرة كيلومترات، جنوب أو جنوب غربي تكريت. وقد بنيت القصور بين عامي 1994 و2000 وزودت بأثاث وبخدمات فاخرة، خلال سنوات الفاقة والحصار حينما تضور العراقيون جوعا. وتستخدم قوات الإحتلال اليوم ثلاثة قصور الأول في بغداد ويقع في منطقة الكرادة وتقع فيه الإدارات بما كان يسمى (القصر الجمهوري) وهو الوحيد الذي بني قبل صدام، ولكنه أضاف إليه عدداً من القصور الصغيرة ليصبح أحد المجمعات الرئاسية الكبيرة. وحولت قيادة القوات البريطانية قصر صدام الواقع على شط العرب في البصرة كمركز لها، فيما تم تحويل قصر تكريت إلى منتجع للقوات الأميركية. ومن المضحك المبكي أن صدام أراد من العامة حماية قصوره وأن يستعملهم (دروعا بشرية) عام 1998، وأطلق عليها في حينها (قصور الشعب)، ولكنه فاجأ جياع العراق بما بذخه فيها.
    وقصور صدام نموذجية في النزعة الخيلائية، وتشكو عمارتها من فقدان التوازن الشكلي والفوضى البصرية فعناصرها متراكمة ومفرداتها غريبة وقيل جزافا إنها مستلهمة من الطرز المحلية أو الإسلامية. ولم نطلع قبل صدام على مبنى يعلو مدخله تمثال لراس الطاغية يعتمر خوذة.
    والحال سيان لدى تشاوشيسكو حينما أراد أن يجمع في قصره «الحلم» كل طرز العالم المعمارية، من (تيان آن من) الصيني حتى قصر (ونزر) الأنكليزي، ورام أن يفوق عليها. فجاء طراز القصر خلاسيا ملقطا ونشازا في أكثر أجزائه بالرغم من البذخ والاختيال والصرحية التي يتمتع بها. ويذكر العاملون بأنهم هدموا إحدى السلالم ثماني مرات وفي التاسعة وافق عليه، بعد أن استشار زوجته (إلينا) في الأمر. وعلى العموم فان طراز بناء قصر تشاوشيسكو يحوي في ثناياه عناصر معمارية شرقية كالقناطر والمعالجات ببعض العناصر الزخرفية الناتئة.
    لقد شارف تشاوشيسكو على نهاية المشروع قبيل لحظة إطلاق الرصاص عليه. وخلال فترة الستة أعوام التي أستغرقها المشروع لم يعرف الشعب الروماني شيء عن ذلك، وقد أدى التكتم على ما يجري في داخل الورشة الى حبس العمال في داخل سور ومنعهم من الهذير والتعبير. وعندما سقط صريعا وفتحت الأبواب، وقف الشعب مدهوشا في طابور أطول من الطوابير التي كان ينتظر بها على الخبز والبطاطا. فحدقوا مليا في تلك الأبهة والزخرف التي قارنوها بالحرمان الذي خطه الطاغية حولهم وجعله قدرهم. لقد فاق الشعب من غيبوبة النفاق والتصفيق للقائد «الضرورة» والحزب والبيارق الحمراء. وضرب الرومانيون للعراقيين وغيرهم مثالا، وبشروهم مبكرا، بغروب شوط الطغيان ومكوث الأوطان. وهكذا الحال مع صدام فلم يهنأ في قصوره العراض ردحا، وها هو يقبع اليوم في محبس مساحته 12م مربعا، بعد أن فقد كل شيء، وأحرق عائلته وشتتهم بعدما أحرق العراق وشتت شمل أهله. وبالمقارنة مع تشاوشيسكو فقد ترك العراق هباء منثورا بينما ترك تشاوشيسكو بلده غير مدان، ولديه فائض في اقتصاد الدولة وفضلة من المساكن العمومية، وشوارع ومدن وبنية تحتية مقبولة. لكن الاثنان تركا قصورهم «الفرعونية» مجهولة المصير، فقصر تشاوشيسكو وظفته السلطة لأغراضها، أما قصور صدام فما زال العراقيون يضربون بشأنها أخماسا بأسداس. وعسى أن توظف تلك الصروح مدنيا وتسخر لخدمة ومتعة الناس، وتهيأ مساحاتها الخضراء للعامة، يهنأون مع عوائلهم وأطفالهم، فهم أحق بها من أي جهة حتى الحكومة. وربما يوظف جزء من حدائقها، كمقبرة عصرية جميلة خضراء يانعة يحفها النخيل ويأطرها الجوري والدفلة والشقائق، ويسجى في ثراها رفاة ضحايا المقابر الجماعية إكراما وإجلالا وقدسية لأرواحهم وأجسادهم، وحسبنا أنهم أولى بها من قبر ميشيل عفلق على تخومها. وغرضنا أن يشكو الراقدون فيها ما أصابهم، عند لقائهم مالك الملك يوم الحساب.. ليصرخوا عاليا: ها نحن نأخذ حقنا، ونسكن قصورك يا صدام.
     

مشاركة هذه الصفحة