عرفات الحاضر دائما في وجدان امته ... د. عبد العزيز المقالح

الكاتب : الفلوجة 2004   المشاهدات : 495   الردود : 1    ‏2004-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-12
  1. الفلوجة 2004

    الفلوجة 2004 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-11-09
    المشاركات:
    35
    الإعجاب :
    0
    الرئيس عرفات.. وداعا

    يصعب علينا، وربما علي الكثيرين من امثالنا، أن نتصور عالما عربيا بدون ياسر عرفات بكوفيته وعقاله وعناقاته وقبلاته الحارة وبزته العسكرية، التي لم يغيرها علي مدي خمسة وثلاثين عاما، ومواقفه السياسية التي يصعب التنبؤ بمعظمها مسبقا.
    الرئيس عرفات اعطي الحياة السياسية العربية نكهة خاصة، اتفق معه البعض او اختلف، وتصدر دائما العناوين الرئيسية في الصحف ونشرات الاذاعة والتلفزة، وكان الاقرب الي قلب الصحافيين، مثلما كان موضع نقدهم وتهجماتهم ايضا، لانه المسموح انتقاده بل والتطاول عليه.
    شرعية الرئيس عرفات لم تأت بالوراثة، ولا عبر انقلاب عسكري، وانما من فوهة البندقية التي حملها علي مدي اربعين عاما ثائرا مقاتلا مجاهدا من اجل تحرير المقدسات، واقامة الوطن الفلسطيني المستقل. ثم تعززت هذه الشرعية عبر صناديق الاقتراع من خلال انتخابات حرة نزيهة باشراف دولي.
    حياة الرئيس عرفات كانت دائما ترانزيت يتنقل من منفي الي آخر، متطلعا الي مستقره النهائي في مدينة القدس، ومن المفارقة ان حالة الترانزيت هذه لازمته حتي في مماته، فها هو تابوته ينتقل من مطار باريس الي مطار الماظة العسكري في القاهرة، الي مطار العريش، واخيرا الي مقر المقاطعة في رام الله، حيث سيدفن ايضا في قبر مؤقت.
    الرئيس عرفات يظل بشرا، والبشر خطاءون، ومن الطبيعي ان يرتكب اخطاء كثيرة في مسيرته النضالية، ومن هو المعصوم عن الخطأ غير الانبياء، ولكن ابرز خطأين ارتكبهما في حياته كانا زواجه من السيدة سهي عرفات، وتوقيع اتفاقات اوسلو، والخطآن أجبر علي ارتكابهما اجبارا، ولهذا حاول اصلاحهما في مرحلة لاحقة من حياته، فقد انفصل عن زوجته اكثر من اربع سنوات، واطلق العنان للانتفاضة الثانية لنسف اتفاقات اوسلو من اساسها، وجدد شباب حركة فتح وطهرها تماما من تبعات تلك الاتفاقات وادرانها عندما انجب كتائب شهداء الاقصي من رحمها الجهادي الطاهر.
    محطات كثيرة في حياة الرئيس عرفات محفورة في كتب التاريخ الحديث، لكن المحطة الابرز تظل مفاوضات كامب ديفيد الثانية، فقد تحمل وعلي مدي اسبوعين الضغوط الامريكية والعربية، ورفض ان يتنازل عن اهم ركنين من اركان القضية الفلسطينية وهما حق العودة والسيادة الكاملة علي القدس.
    الرئيس عرفات هو الزعيم العربي الوحيد الذي قال لا للولايات المتحدة الامريكية في عقر دارها، قالها وهي القوة الاعظم الوحيدة في العالم، ولهذا ظل دائما محط احترام شعبه، بمن في ذلك الذين اختلفوا معه.
    كان اداريا سيئا.. نعم.. لم يبن مؤسسات حقيقية.. ايضا نجيب بنعم، تستر علي الفساد والفاسدين.. هذه حقيقة مثبتة، ولكن لا يستطيع احد ان يقول انه لم يكن وطنيا، اهتدي دائما ببوصلة شعبه وامته وناور في الهوامش ولكنه لم يتنازل عن الثوابت، وتهرب دائما من الاتفاقات النهائية.
    نكتب عن الرئيس عرفات ونحن الذين اختلفنا معه، وتعرضنا لتهديداته، بعد ان انتقدنا بحدة فساد بطانته، وطالبناه بالاستقالة، وحل السلطة الفلسطينية كاحد الاسلحة النضالية، بعد ان فقدت قيمتها وشرعيتها المهلهلة، واصبحت توفر غطاء شرعيا للاحتلال الاسرائيلي، وتعفيه من مسؤولياته القانونية التي اقرتها الشرعية الدولية.
    شارون لم يهزم الرئيس عرفات، وانما الزعماء العرب، اذا صح اطلاق صفة الزعامة عليهم، فهؤلاء، او الغالبية الساحقة منهم باعوا انفسهم، وكل قضايا الأمة، وركعوا عند اقدام الولايات المتحدة طالبين الاملاءات كوسيلة لنيل الغفران والبقاء في الحكم وتوريثه بعد ذلك لنسلهم الفاسد المدلل.
    في ايامه الاخيرة لم يتفضلوا بالاتصال به ولو هاتفيا خوفا من شارون اولا وسيد البيت الابيض ثانيا، ومن اتصل به منهم فمن اجل اقناعه بالتنازل عن ثوابته، وحثه علي ذبح المقاومة التي سموها ارهابا، ووقف الانتفاضة، والعودة الي مائدة المفاوضات وفق الشروط الاسرائيلية.
    الرئيس عرفات ترك ارثا ثقيلا للذين ارادوا خلافته وهو حي وفشلوا، ويستعدون لوراثته وهو ميت، وابرز ملامح هذا الارث رفضه التنازل عن القدس وحق العودة، وهو الرفض الذي ادي الي اعتقاله واحتجازه ثلاث سنوات في مكتبه في مدينة رام الله.
    الرئيس عرفات سيظل يحكم الشعب الفلسطيني من قبره المؤقت لسنوات قادمة، مثلما يحكم الرئيس حافظ الاسد سورية علي مدي السنوات الاربع الاخيرة. فالزعماء الكبار لا يختفون بسهولة، وتظل شرعيتهم مستمرة حتي بعد انتقالهم الي جوار ربهم.
    نشعر بالألم، وخيبة الأمل، عندما نشاهد هذه الحفاوة الفرنسية الرائعة بالرئيس الفلسطيني حيا ومريضا وميتا. فرنسا تبز الزعماء العرب جميعا، بهذا التشييع المشرف للرئيس الفلسطيني، وهو تشييع لا يحظي بمثله الا الرؤساء الفرنسيون البارزون. كان الرئيس جاك شيراك عظيما في سلوكه الانساني والوطني الذي تمثل في زيارته للرئيس عرفات في مرضه وبعد وفاته، وارسال رئيس وزرائه للانابة عنه في حفل التشييع الرسمي في مطار باريس العسكري.
    نقارن بين سابقة الرئيس شيراك ومراسم تشييعه المشرفة للرئيس عرفات، وبين الترتيبات التي اعدها الرئيس حسني مبارك لتشييعه، ونجد الفارق عظيما، ومخجلا في الوقت نفسه، مخجلا لاننا لم نكن نتصور ان مصر التي احبها الرئيس عرفات وعاش قسطا من طفولته وشبابه علي ارضها، وقاتل كضابط احتياط في السويس دفاعا عن ارضها، وتحدث بلكنتها، مصر الرئيس مبارك هذه رتبت له جنازة ترانزيت سرية بعيدة عن مشاركة الشعب المصري، وفي مطار عسكري في قلب الصحراء؟!
    الرئيس عرفات كان عقبة فعلا امام السلام الاسرائيلي، ولكن رحيله لا يعني اعطاء الضوء الاخضر لخلفائه بالتفريط، والقبول بهذا السلام المسموم، فالشعب الفلسطيني اذكي من ان تخدعه قيادة يحدد مواصفاتها البيت الابيض وشارون لانهاء انتفاضته، وقمع مقاومته المشرفة.
    ختاما نقول ان امنية الرئيس عرفات بالموت شهيدا قد تحققت، في ليلة القدر، لاننا لا يمكن ان نصدق انه لم يمت مسموما، ومن دس له السم هو من فرض عليه الاعتقال في مكتبه، ومن حاول تسميم خالد مشعل زعيم حركة حماس من قبله.
    عزاؤنا ان هناك رجالا ما زالوا يحملون رايات المقاومة، ويرفضون الرضوخ والاستسلام: في فلسطين والعراق والجزيرة العربية وافغانستان.
    وامة علي هذا القدر من الايمان بثوابتها وعلي هذا القدر من الاستعداد لتقديم الشهداء لا يمكن ان تهزم.


    عبد الباري عطوان
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-12
  3. الفلوجة 2004

    الفلوجة 2004 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-11-09
    المشاركات:
    35
    الإعجاب :
    0
    من المؤكد انه لا حدود للتداعيات التي سيتركها غياب الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بعد ان كان في حياته الممسك الوحيد بخيوط القضية، واللاعب الماهر وسط الامواج والعواصف العنيفة التي احاطت بفلسطين والفلسطينيين في المرحلة الصعبة والمثيرة، التي وضعته الاقدار في مواجهتها علي مدي ما يزيد عن ثلث قرن من السنين.
    ومهما تكن الملاحظات التي ساقها خصومه الاقربون علي قيادته، فقد اثبتت الايام، والي آخر لحظة في حياته، انه فلسطيني ملتزم لم يفرط ولم يساوم، وانه استطاع بحنكته ونفاذ بصيرته ان يحقق بعض الانتصارات، وان يحفظ للقضية توهجها وسخونتها في ظروف كانت هي الاقسي والاسوأ ليس في تاريخ فلسطين والامة العربية وحسب، وانما في تاريخ الانسانية. وربما اخطأ عرفات التقدير في بعض المواقف، او تجاوز صلاحيته في هذا الشأن الصغير او ذاك، الا انه ظل حريصا ووفيا للمبدأ العام، ولدماء مئات الآلاف من الشهداء، وحاول ان تكون سياسته انعكاسا لما تتطلبه الاغلبية من ابناء شعبه من ناحية، ولما يتطلبه الوضع العربي والدولي من ناحية ثانية.
    واذا كانت الظروف العربية، ومن ثم الدولية قد ساعدته علي الاستمرار بعض الوقت في خوض معركة البقاء، وتحقيق الحد الادني من الانتصارات، فان هذه الظروف نفسها قد كانت له ولشعبه بالمرصاد في العشر السنوات الاخيرة التي اشتدت فيها الاختلافات العربية ـ العربية، وكاد زمام الموقف فيها يفلت من يديه اكثر من مرة الا ان تجربته الطويلة في ممارسة العمل السياسي وعدم الاعترافات لهزيمة تجاه خصوم الداخل والخارج، فضلا عن ذكائه المعروف في التعامل مع الفصائل الفلسطينية المتناقضة من منطلق سياسة ارخاء الحبل او شده، قد أبقي علي الحد الأدني من التقارب معها تحت كل الظروف، وهو الامر الذي يتميز به، ولا طاقة لغيره من القادة الفلسطينيين الآخرين علي القيام به.
    لقد عرفت ياسر عرفات عن قرب، وجلست اليه طويلا. وتناولت معه طعام الغداء والعشاء في منزله الصنعاني اكثر من مرة، حيث جمعتنا اولا معرفة سابقة بدأت من القاهرة ثم جمعنا في صنعاء الجوار حيث يقع بيته الصنعاني الي جوار بيتي، فضلا عن المشاركة في اكثر من فعالية ثقافية من اجل فلسطين والانتفاضة، وكلها عوامل جعلتني اقترب من الرجل الي حد كبير، وميزته انه لم يكن سياسيا متحفظا او كتوما تجاه الاوضاع العامة العربية والفلسطينية، وكان دائما ما يضع النقاط علي الحروف مع كل القضايا والمستجدات، وفي خلافاته الهادئة او الحادة مع بعض العواصم العربية. وكانت له ـ رغم تنازلاته الضرورية ـ معاييره الثابتة التي لا يساوم فيها، مع هامش واسع للمناورة والاخذ والرد، ولعل موضوعي العودة والدولة الفلسطينية الحرة المستقلة الفاعلة كانا في مقدمة ما كان يحافظ عليه من ثوابت وطنية وما كان ليتنازل عنها تحت كل الضغوط والظروف، وهو ما اعطاه احترافا عربيا وعالميا من جهة، وما جعل الفلسطينيين بما فيهم المخالفون له يتقبلون مواقفه باعتبارها الحد الادني الممكن في كل الظروف.
    ان حيرة الشارع الفلسطيني الان لا تقل عن حيرة الشارع العربي حول ما سوف يسفر عنه الغياب المفاجئ للقائد ياسر عرفات، وما سوف يترتب علي اختيار القيادات الجديدة التي يرضي عنها الشعب، ولا تقبل بالمساومة علي الثوابت، تلك التي لم تكن ثوابت فلسطينية وحسب، بل عربية ايضا.
    وتبقي الاشارة الي ان ياسر عرفات شأن بقية التاريخيين سيرحل بجسده وستبقي روحه ملهمة ومهيمنة علي مسار الاحداث لوقت ليس بالقصير، ولن تستطيع قيادة جديدة ان تغيب الثوابت التي آمن وتمسك بها، لأنها ثوابت كل فلسطيني في الداخل والخارج مهما كانت الضغوط والاجتهادات.

    تأملات شعرية:

    ما الذي تفعله بالناس
    بي،
    هذي الجريدة؟
    ما الذي تفعله الأخبار
    بالقلب، وبالعين
    وبالروح العنيدة؟
    ما الذي تفعله بالكلمات
    وتبديه وتخفيه
    احترافات القصيدة؟!
     

مشاركة هذه الصفحة