الحساب ام الرؤيه

الكاتب : مزحاني حر   المشاهدات : 740   الردود : 1    ‏2004-11-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-10
  1. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    الرسالة اللازمة في صوم شهر رمضان وحينه

    تألبف الشيخ الجليل والداعي الكبير حجة العراقين سيدنا حميد الدين أحمد بن عبد الله الكرماني قدس الله روحه ونور ضريحه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبطاعة أوليائه تعم البركات، وصلى الله على رسوله وعبده خير الأنام، وفخر من تقدمه من الرسل الكرام، وعلى أبرار عترته الطاهرين منار الهدى، وأقمار الدجى، وسلم تسليما.

    أما بعد: أيها الأخ فانك كتبت تذكر أن أهل الفرقة والاختلاف فيما جرت به عادتهم من الوقيعة في أهل الحق والائتلاف قد كثرت أقاويلهم طعنا منهم على الجماعة، وتعييرا لها في دخولهم الصوم قبل العامة، وسألت أن أشرح لك أمر الصوم في دخول جماعة شيعة أمير المؤمنين سلام الله عليه فيه قبل دخول أولئك، وخصوصا صوم سنة أربعمائة التي أوجبت الأوامر الواردة من الحضرة الطاهرة الدخول فيه بيومين قبل رؤية الهلال عيانا، والعلة فيه، ببيان وإيضاح وبرهان، فأحببت أن أجعل ذلك في رسالة أورد فيها من البراهين الشافية ما ترتع نواظر أولي النهى في نظام مبانيه، وتسخن أعين المخالفين لالتئام معانيه، ففعلت مستعينا بالله وبأوليائه في أرضه، سلام الله عليهم، ووسمتها بـ "الرسالة اللازمة في صوم شهر رمضان وحينه"، لأن الذي ضمنتها حجج تلزم الكافة من المسلمين، ولا مخلص لهم منها في مبادئ العقل، والحس، والله ولي حسن التوفيق في الإصابة.

    اعلم عصمك الله من سنة الجهالة، ووقاك من عمى الضلالة، أن القوم المخالفين لو كان لهم تمييز وبصيرة، أو كان لهم في العقل والفهم نصيب وقسمة، لكان كيد الشيطان عنهم مدفوعا، وهمهم إلى الحق مصروفا، ولكانوا من جملة من استثناهم الله في كتابه بقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربي) الآية، لكنهم لما ركبوا مطية الأهواء، وترامت بهم أسباب الآراء، سول لهم الشيطان فاتبعوه، إلا فريقا من المؤمنين، وحق فيهم قول الله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) فهم فيما هم فيه كالأنعام، بل كالموتى، وهـم لا يشعرون وكما قال الله تعالى: (أموات غير أحياء وما يشعرون)، قد ماتوا عن معرفة الحقائق وعموا عنها باستكبارهم على أهل الحق، وبغيهم واختلافهم فصاروا كالبهائم في اختلافاتهم يترددون، وفي عماياتهم، من غير تمييز ولا بصيرة، يرتكضون فلم يقعوا فيما هم فيه من الاختلاف والاقتراف الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) إلا ببغيهم، واستكبارهم، وحسدهم، واستنكافهم عن طاعة من أوجب الله طاعتهم، من ولاة الأمر الذين أمر الله تعالى كبريائه بالرجوع فيما اختلفوا فيه إليهم، بقوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، فمن جانب الاستكبار، والبغي، والحسد، وأطاع أهل الحق وقف على الحقائق، وخرج من جملة أهل الجهالة، ومن عاند أهل الحق، وأصر على ما هو عليه من الارتكاض في العمى والضلالة، أداه ذلك إلى الهلاك، وسوء المقالة، وحقت عليه كلمة العذاب، واستحق به العقاب، نعوذ بالله من ذلك، ومن الفرقة بعد الائتلاف، ومن الطغيان بعد الإيمان، ومن العصيان في أوليائه صلوات الله عليهم بعد التسليم والإيقان، وإياه نسأل أن يجعلنا من الفائزين برحمته، القائمين بطاعته، وطاعة أوليائه صلوات الله عليهم أنه خير مسئول.

    ثم أن الله تعالى أوجب على عباده في نص كتابه الصوم بقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات). وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: شعبان شهري، ورمضان شهر الله، وصومه فرض. وقالت الأئمة عليهم السلام: صوم رمضان فريضة على كل مسلم ولما فرض الله تعالى صوم شهر رمضان على عباده، لم يتركهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العمى عن معرفة وقته وحينه، كما لم يتركهم في الجهالة بمعرفة غيره من الفرائض من أعداد الصلاة وأوقاتها حين فرضها، وكمية الزكاة في أعيان الأشياء حين أوجبها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. وهذه الرواية لا تكاد يقع فيها خلاف بين الفرق من المسلمين، وهي عماد أهل الظاهر في احتجاجهم، فنقول: أن الله تعالى خلق الأشياء كلها أزواجا، ليكون المتفرد بالوحدانية هو فلا يشاركه فيها شيء، فقال تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) الآية. وقال تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)، فلما كان ذلك كذلك ورأينا الأشياء كلها أزواجا وأشكالا كالجوهر والعرض، والسماء والأرض، والبر والبحر، والسهل والجبل، والليل والنهار، والخير والشر، والروح والجسد، والظاهر والباطن، والدنيا والآخرة، والذكر والأنثى، وغير ذلك مما يطول ذكره، ورأينا النبي صلى الله عليه وآله جعل أساس شريعته وقاعدتها على الزوجية حـين قرن الأوامر والفرائض بأقرانها، دلالة على ما قلناه من تجريد توحيد الله تعالى، مثل الصلاة التي قرنها بالزكاة والآذان الذي قرنه بالإقامة، والحج الذي قرنه بالعمرة، والصفا الذي قرنه بالمروة، والفريضة التي قرنها بالسنة، والركوع الذي قرنه بالسجود، وشهادة أن لا إله إلا الله، التي قرنها بشهادة أن محمدا رسول الله وأشباه ذلك، مما يطول ذكره، قلنا: إن الرؤية أيضا رؤيتان: أحدهما الطبيعية، وثانيهما النفسانية، كل واحدة مقرونة بالأخرى، فالرؤية الطبيعية ما تكون بالعين، وهي التي تدرك الألوان من بياض وسواد، وحمرة وصفرة، وغيرها، والأشكال من تدوير، وتثليث، وتربيع، وتخميس، وغير ذلك، والاحتجاج على ذلك مستغني عنه لوقوعه تحت الحس، والرؤية النفسانية ما يكون من جهة العلم بالقلب والنفس، وهي تدرك ما لا تدركها الرؤية الطبيعية من الأسباب التي تغير عن إدراكها إياها، قال الله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى)، وقال: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا)، وقال: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل).

    وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن في زمان أصحاب الفيل فيراهم، وإنما المراد به رؤية النفس التي تكون من جهة الفؤاد، والعلم، ويقال أيضا في المثل فلان أعمى القلب، بمعنى أنه بليد متأخر عن معرفة الأشياء، ورؤيتها على حقيقتها، فلما صح بما أوردناه أن الرؤية رؤيتان، كالأشياء كلها فيما ينقسـم إليه من حالين ووجهين، ليخلص توحيد الله تعالى فلا يشاركه في الوحدانية شيء، قلنا: لما كانت الرؤية الطبيعية التي هي من جهة العـين لا تدرك من الأشياء إلا ما كان جسمانيا واقعا تحـت الحـد والزمان، مثل الألوان، والأشكال، وكانت الرؤية النفسانية التي هي من جهة الفؤاد والعلم، مدركة لما لا تدركه الرؤية الطبيعية، وما تعجز عن إدراكه مما يغيب عن الإبصار جميعا، كان منه القضية بأن الرؤية النفسانية التي تكون من جهة الفؤاد والعلم أجل من الرؤية الطبيعية، التي تكون من جهة العين والبصر، وألطف إدراكا، إذ كان فعلها في معرفة الأشياء وإدراكها على حقائقها لا كالبصر، فإن إنسانا لو أخذ من غدير ماء قطرة حكمت الرؤية النفسانية بأن كمية ذلك الماء قد انتقصت بقدر القطرة، ورأت ذلك رؤية صحيحة، وكان ذلك النقصان للحس من جهة العين والبصر غير واقع، فلما كانت الرؤية النفسانية أدق وألطف إدراكا، كان الأخذ في أداء فرائض الله تعالى بها ألزم من الأخذ بغيرها وأولى، فإن الاقتصار على غير الأفضل مع وجود الأفضل من قضايا الجهل لا من قضية العقل، وهو الذي يلزم الناس بالحقيقة، أعني الأخذ بالأدق والأفضل الذي هو رؤية العلم والنفس.

    ثم إن إنسانا لو عرف بقلبه، ورأى أن وقت الصلاة من الصلوات قد أتاه، ولم يسمع صوت الآذان لكانت الصلاة لازمة له، كما أن المتسحر للصوم لو رأى بقلبه، وعلم أن الفجر قد طلع، وبصره ممنوع عن رؤية لحائل قد حال لكان الإمساك عن الطعام لازما له، وإن كان بصره لم يره، وإذا كان ذلك كذلك، وقد لزم الصوم المتسحر والإمساك عن الطعام، لعلمه أن الفجر قد طلع، وإن كان بصره ممنوعا عن رؤيته بمانع منع فكذلك، نقول إن دخول الصوم لازم مع حصول المعرفة بأن علة الصوم التي هي مفارقة القمر النير الأعظم عند اجتماعهما قد حصلت، وإن كان البصر ممنوعا عن رؤية الهلال بحال من الأحوال، من ضوء، أو غيم، أو غبار، أو جبل، إذ من المتعالم أن العلة إذا حصلت وجب بوجوبها معلولها، فلا يتقدم أحدهما على الآخر، إلا بالمرتبة، فإذن أهل الدعوة في دخولهم الصوم بحكم الرؤية النفسانية التي لا يكاد يقع فيها خطأ على بيان ومعرفة، ثم أنه لما كان الرسول صلى الله عليه وآله أوجب الصوم في بعض شهور السنة، وأخبر أن الله تعالى قد جعل الشمس والقمر سببا إلى معرفة السنين والشهور، وأوقاتها، وأهلتها، فقال: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)، وقال: (يسألونك عن الأهلية قل هي مواقيت للناس والحج). وكانت السنة اثني عشر شهرا، كما قال الله تعالى: (ن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم)، وهي لا تتم إلا بانقضاء عدتها، وكان كون الشهر لا يكون ولا تتم أيامه إلا بمسير القمر من المكان الذي يكون هو والشمس منه في درجة ودقيقة واحدة، وذلك هو الاجتماع عند أهل النجوم، إلى أن يقطع الفلك كله، ويعود إلى التضميم والاجتماع، كان من ذلك العلم بأنه إذا صارت درجته ودقيقته من البروج مثل درجة الشمس ودقيقتها منه، فقد تم مسيره للشهر الماضي، وإذا فارق الشمس كان مسيره للشهر المستقبل، وإذا كان مسيره للشهر المستقبل وكان له في مسيره إلى الاجتماع والمفارقة حالات بانتقاص ضوء نصف جرمه مما يلي المركز هو الأرض إلى أن يضمم، وإضاءة نصف جرمه الأعلى عند ذلك مما يلي المحيط كإضاءة كل نصف جرمه ليلة استقباله مما يلي المركز، وظهور الضياء في نصف جرمه عند المفارقة، وتزايده بقدر تباعده، وأسباب يعجـز البصر عن إدراكها كلها، قلنا: إنه لم يقع عجز البصر عن درك هذه الأحوال كلها منه، ورؤية المضيء من جرم القمر عند مسيره إلى اجتماع في آخر الشهر، وعند مفارقته في أول الشهر، إلا لمحل ضوء الشمس المانع للبصر عن الإدراك، فإن الضوء في منعه البصر عن رؤيته حينئذ كغيره من الأسباب التي تحول وتمنع البصر عن رؤيته وعلمه، مثل الغيم، والغبار، والحائط، والجبل. ألا ترى أن الكواكب بالنهار لا ترى لضياء الشمس واستتارها به، وإذا انكسفت أدرك البصر رؤيتها، وذلك لنقصان الضوء بانكسافها، فإذن قد صح أن قدر المضيء من جرم القمر عند مفارقته للشمس لولا ضوء الشمس وشعاعها لكان يرى بالعين، فان الضوء هو الحائل والمانع لغيره من الغيم، وكدورة الهواء.

    ولما كان البصر ممنوعا بضوء الشمس عن رؤية الهلال بعد مفارقته إياها، كانت النفس من جهة العلم غير ممنوعة من رؤيته على حقيقته، فلزم الصوم برؤية العلم التي هي أجل على ما أقمنا عليه من الدلالات.

    فإذن بهذه الشواهد أهل الدعوة الهادية في دخولهم الصوم بالرؤية النفسانية على حقيقة وصواب، وإذا كانوا هم على الصواب كان من خالفهم على الخطأ.

    ثم نقول للناصبة وغيرهم من المخالفين: من أين أوجبتم أن الرؤية رؤية البصر من دون رؤية الفؤاد والعلم؟ وقد قامت الدلائل على أن الرؤية على وجهين، لا يجحد ذلك إلا مكابر ظاهر المكابرة؟ فإن قلتم إن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بعد وقوع البصر عليه، وأنه إذا أبصره قام له حكم رؤية العلم به. قلنا: احتجاجكم ذلك فاسد، لا يصح من جهات، أحدها أننا إن قلنا لكم هل رأيتم الله يلزمكم على هذا الأصل أن تقولوا لا. فنقول: فلم أقررتم به وقد أوجبتم أن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بعد وقوع بصره عليه، ولم يقع بصركم عليه تعالى فيلزمكم أن ترجعوا عن القول بالبصر إلى حديث العلم، فتقولوا: علمنا، وصح عندنا بالبراهين، فأقررنا به. وهو قولنا، وأصلنا، وثانيها أمر العالم في حدثه لو سئلتم عنه للزمكم أن تحكموا على حدثه بحكم رؤية العلم والبرهان، لا بحكم رؤية البصر، وهو قولنا، وثالثها أن نقول ما تقولون في رجل أفطر ولم ير الهلال ببصره لحائل حال، وقد انقضى ثلاثون يوما من شهر رمضان، هل كان إفطاره حقا، أم لا؟ فان قلتم كان حقا، قلنا: كيف؟ ولم يبصر الهلال؟ وأصل مذهبكم الصوم والإفطار لا يجوز إلا بعد رؤية الهلال بالبصر، فيلزمكم أن تقولوا إننا علمنا أن الهلال بعد ثلاثين يوما يرى، وإنما الحائل حال عن رؤيته، قلنا لكم: قد تركتم حكم رؤية البصر، ورجعتم إلى حديث رؤية العلم ضرورة، وهو قولنا، وان قلتم لم يكن الإفطار حقا لزمكم ما لزمكم.

    وبعد، فما لا يعلم من الأشياء إلا من جهة الحواس التي تجمع البصر وغيره، فهو ذات الأشياء الجسمانية في هيئتها وكيفيتها فقط، والنفس تستغني بعد الاستعانة بالحواس في معرفتها دفعة واحدة عن الاستعانة بها أخرى، ومآل الحواس ومحصولها وقوع الاستغناء عنها بقيام النفس بذاتها مقامها، وذلك أن النفس في الإنسان أجل الآلات التي بها يدرك الأشياء، كالسمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، ولها مزية ليست لسائرها بقيامها مقام جميعها بعد مصير صور محسوساتها فيها، وهي في إدراك ما لا يدرك السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، كالسمع في إدراك ما لا يدركه البصر، والشم، والذوق، واللمس، وكالبصر في إدراك ما لا يدركه السمع، والشم، والذوق، واللمس، وكالشم في إدراك ما لا يدركه السمع، والبصر، والذوق، واللمس، وكباقي الحواس حكمة من الله تعالى لئلا يفوت الإنسان شيء لا يدركه مما أبدعه من العالمين، ومدركها غير مدرك لغيرها من الحواس كغيرها، وإدراكها إدراكان، إدراك بواسطة الحواس الخمس، كإدراكها الألوان، والأشكال من جهة البصر، والأصوات الدالة وغير الدالة من جهة السمع، وغير ذلك مما يتعلق إدراكه بالحواس الأخر، وهو الذي منه يقع استدلالها في إدراك ما لا تدركه الحواس، وإدراك بذاتها من طريق الاستدلال الذي يقوم مما تدركه من جهة الحواس كإدراكها حدث العالم بعد إدراكها إياه من جهة الحواس، وما تدركه بذاتها من طريق الاستدلال، فلا طريق للحواس إليه، وما تدركه من جهة الحواس فهي تستغني عنها في أول ما تدرك بها عن إدراك ثانٍ من جهتها عند الحاجة إلى معرفته لقبولها صورة ذلك الشيء المدرك بالحواس على هيأته في أول إدراكها ووجودها له في ذاتها ماثلا لها، متى رجعت إلى هويتها من غير حاجة في إدراكها إلى الاستعانة بالحواس في إدراكها آنفا، كصورة الكواكب في ذاتها وكيفيتها إذا أدركتها من جهة البصر، استغنت بتلك الرؤية عن رؤية ثانية بحصول الصورة في ذاتها وانحفاظها بقبولها إياها، وقامت بعد مقام الحواس بذاتها، كنفس من تسمل عيناه المستغنية بما عرفته من صور ما أدركته من جهة عينيه عن إدراك ثان لقبولها تلك الصورة، وكون تلك الصورة فيما يختص به قائمة على هيأتها من غير استحالة عنها، عند إدراك ثان بالبصر، وليس المراد في طلب الهلال ورؤيته بالبصر في كل سنة وشهر أن تعرف هيئته في صورته، ودقته، وغلظته، فيحتاج في معرفة ذلك إلى البصر الذي هو الآلة في إدراك مثل ذلك، بل المراد في طلبته معرفة هلية كونه في المغرب يتعلق بالنفس لا بالبصر، إذن البصر مع ارتفاع الموانع لا يدرك إلا الأشكال والألوان فقط، ولما كان البصر لا يدرك إلا الأشكال، والألوان، وكان طلب الهلال لمعرفة شكله ولونه، إذ لو كان يطلب لمعرفة شكله ولونه لكان من المحال طلبه مع حصول العلم بكيفية صورته، وهيئته، ولونه، بما تقدم من رؤيته بالبصر، وقيام الثقة بأنه لا يعدم ما دامت السموات والأرض، فإنه لا يتغير عما يتصور من صورته بما أدرك من جهة البصر، من حال التدوير في الشكل وإضاءة جزء الجرم إلى حال التربيع في الشكل، وإضاءة الجرم، ولا كان أيضا طلبه لتعلق وجوب الصوم بشرط الدقة في الجرم المضيء، والغلظة فيه، إذ لو كان يطلب لمعرفة دقته وغلظته لكان من المحال أن يصوم الرائي إذا كان دقيقا والشرط غلظته، أو يصوم إذا كان غليظا والشرط دقته، وكان هذا الشرط من الشكل، واللون، والدقة، والغلظة، غير موجود في وجوب الصوم، بطل أن يكون تعلق وجوب الصوم بإدراك الهلال بالبصر، وإذا بطل ذلك ثبت تعلقه بادراك النفس إياه في كونه أمام الشمس، إذ قد قامت الدلالة على أن الإنسان قد يعرف من جهة الاستدلال مما أدركه من الذوات الجسمانية بحواسه ما لا يدركه بها، وأن المراد في طلب الهلال لا لمعرفة ذاته، ودقته، وغلظته، فيكون العلم لا يقع إلا بالبصر، وأن تعلق الصوم برؤية النفس لا بغيرها.

    وأن أهل الدعوة في أخذهم بموجب رؤية النفس في دخولهم الصوم على منهاج قويم وصراط مستقيم، ثم أن رؤية البصر قد يقع من جهتها الخطأ في رؤية الأشياء على حقائقها من أعراضها فيرى الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والدقيق غليظا والغليظ دقيقا، وربما لا يرى إلا من قريب، أو لا يرى إلا من بعيد، ولا تكاد رؤية العلم تخطئ فيما تحيط به، والأخذ بما لا يخطئ في قضاء الفرائض عند أولي الألباب أحق من الأخذ بما يخطئ، فإذن أهل الدعوة الهادية في دخولهم الصوم أخذا بما لا يخطئ على بيان وحقيقة. ثم أن قول النبي صلى الله عليه وآله: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" في الظاهر لا يخلو من وجهين: أما أنه صلى الله عليه وآله وسلم، أراد بقوله ذلك، أن يكون صوم الأمة من وقت رؤية الهلال عيانا، كقول المخالفين، أو يرى الهلال عيانا والأمة صائمة، كقولنا، فإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكون صوم الأمة من وقت رؤية الهلال بالبصر فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم "لرؤيته"؟ وما السبب في اقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم من جميع وجوه الإعراب مع افتخاره وقوله: "أنا أفصح العرب ولا فخر" على اللام من دون الحروف الأخر التي تستعمل في الإعراب؟ و هل كان استعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الكلام في هذا الموضع بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيته من دونها إلا لأن تكون الأمة صائمة عند رؤية الهلال بالبصر، وذلك أن المعنى في اللام المستعمل، والمراد فيه أن يكون الفعل متقدما على المفعول، مثل ما يقال لجماعة أصلحوا الشيء الفلاني لمجيء فلان، بمعنى أن يكون الشيء مصلحا لوقت مجيئه، ومثل ما يقال القوا للقاء فلان شعرا تقرأونه عليه، بمعنى أنهم يلقونه، والشعر مؤلف مقول، لا أنهم يقولونه من وقت لقائه، ومثل ما يقال اعملوا للآخرة، بمعنى أن يقدموا العمل قبل حين الآخرة، فمعلوم أن في الآخرة لا عمل فإذن بهذه الشواهد قد صح أن حرف اللام لم يستعمل إلا لأن يكون القوم صائمين عند رؤية الهلال عيانا، فإن كان المراد للنبي صلى الله عليه وآله أن يرى الهلال والأمة صائمة فهو ما قلنا، وأتينا بالبرهان عليه، فإن عارضنا معارض فقال ما تنكرون أن يكون اللام من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيته كاللام من قول الله تعالى: (لدلوك الشمس إلى غسق الليل)، فلا يجب تقديم الصوم على الرؤية كما لا يجب تقديم الصلاة على دلوك الشمس. قلت: إن القول في لام قول الله تعالى لدلوك الشمس كالقول في لام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيته، وذلك أن دلوك الشمس زوالها من قبة السماء على ما فسروا، إدراك الزوال إدراكان: إدراك نفساني، وإدراك طبيعي، والإدراك النفساني يتقدم على الإدراك الطبيعي، وذلك أن زوالها بالحقيقة في قبة السماء لا تدركه إلا الرؤية النفسانية من جهة العلـم. لأن الرؤية الطبيعية تضيق عن إدراكه إلى أن تفارق نقطة السمت هابطة، وتحصل من نطاقها في الهبوط عند تقاطع خط الدائرة، والخط المستقيم على ما بيناه في هذه الصورة الثابتة في الصفحة التالية. [لم ندرج الصور التوضيحية لزوال الشمس ضمن هذه الرسالة لصعوبة تنفيذها على ملفات الـ Html ، ومن أراد التوسع فليراجع الأصل]. فحينئـذ يدركه الحس، لان حركة الشـمس وظلهـا إنما وقـع تحـت الحس بارتفاعهـا في الهبـوط عنـد طلوعهـا من شرقهـا وهبوطهـا فيهـا إلى مغربها، فما كان لها ارتفاع وهبوط فالحس يدرك انتقاص الظل وزيادته، فإذا حصلت في السمت حيث الارتفاع لها، وهي إلى الزوال والهبوط، فالحس يكل عن إدراك سيرها وحركتها، لأنها قد حصلت في السمت عند الزوال، بحيث تخفى حركتها على الحس، وتغيب عنه، فيقدر من لا علم له أنها قد وقفت، وإنما خفي ذلك عن الحس، لأنها قد سامتت الموضع الذي هو منها في أبعد بعد، علوا عليه، فصارت حركتها في ممرها في السمت من خط الدائرة على خط مستو منها ا، حيث يماس سطح خط الدائرة المستقيم، وهو من موضع خط (أ) مكان تقاطع خط الدائرة، وخط المستوى من الجانب الشرقي إلى خط (ج) من الجانب الغربي، فلا يتبين للحس انتقاص الظل وزيادته، إذ انتقاصه أنما يكون بالارتفاع في العلو، والهبوط، وليس هناك للشمس ارتفاع ولا هبوط، بل هي في خط مستوى، وإذا كان ذلك كذلك فالزوال الحق الذي تجب به الصلاة عند حصول قرص الشمس من خط الدائرة في خط (ب) المرئي بالرؤية النفسانية، الذي هو علامة خط النصف مما يقطعه بالنهار لا عند حصولها في خط (ج) الذي بالرؤية الطبيعية الذي هو أكثر من النصف، فإن من وقت بلوغها خط (ب) تأخذ قي الهبوط، وان كان حسا ليس يدرك ظلها ولا حركتها بمكانها، ولحصولها في خط مستوٍ، ولا يبين ذلك للحس إلا بعد حصولها في تقاطع خط الدائرة والخط المستوي.

    فإذن الكلام في لام (لدلوك الشمس) كالكلام في لام (لرؤيته)، ووجب أن يكون الظل إذا فاء فالمصلي في صلاته كما أن الهلال إذا أهل وأدركه الحس فالصائم في صومه ليكون أحفظ في أداء الفرائض، فما دفعنا حكم رؤية العين، لأن هاتين الرؤيتين أصلان في أداء الفرائض، وأحدهما أفضل من الأخر، والأفضل للخاص الذي يتقدمون بعلمهم على غيرهم، وهم أولوا العلم، والآخر للعام الذي يلزمهم بجهلهم اتباع أهل العلم، وهم العراة من الفهم، والحال بين الرؤيتين مثل وقتي الصلاة اللذين أولها أفضل من الآخر، ومثل الأمور كلها، فأنها أمران خفي وظاهر، فالخفي لا يعرفه إلا الخواص الفضلاء، والظاهر يعرفه الخاص والعام جميعا، ويلزم الخواص القيام بلوازم ما قد علموه، كما يلزم العوام القيام باللوازم مما قد عرفوه، وإذا كان ذلك كذلك، فما تنكر أن يكون العالم بفضل علمه يلزم الصوم بالرؤية النفسانية الخفية، والجاهل يلزم اتباع العالم في ذلك كما أن المتسحر العالم بعلمه الخفي يعلم أن الفجر قد طلع يحرم عليه الأكل، والشرب، والنكاح، ويلزمه الصوم، وعلى المتسحر الجاهل بالفجر الإقتداء بالعالم في ذلك، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما. لا يكاد يصح عند الاعتبار أن مراده صلى الله عليه وآله وسلم فيه رؤية العين، وذلك أن الصوم برؤية البصر مع ارتفاع الموانع من سحاب وغيم لا يكاد يكون أيامه أبدأ ثلاثين يوما، فقد تكون تسعة وعشرين يوما. وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمل أمته في أمر من أوامر الله تعالى على قاعدة قد يحدث فيها شك، فتكون علة لزيادة في فريضة أو نقص منها، وتصير أمته في أدائها في عشواء، ولا أن يأمر أمته بصوم يوم زائد في شهر من الشهور الناقصة بحدوث غيم، لم يكن، لكان يعلم أن ذلك اليوم يحرم الصوم فيه، والإفطار، لأن الصوم عبادة لله، وهو من الدين الذي يدان الله به، والعباد مأمورون بالإخلاص فيه، بقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)، والإخلاص غير الشك والشبهة، وإذا كان الإخلاص غير الشك والشبهة، وكان الشك والشبهة قد خلتا بهذه القاعدة، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع أحدا من الناس في عبادة الله تعالى إلى الشك، ولا إلى ما منه تقع الشبهة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع إلى الشك والشبهة، فاقتصاره من أيام الشهر على الأكمل والأتم من دون الأنقص والأقل، مع جواز كون أيام الشهر أن يكون ناقصا بموجب رؤية البصر، ووقوع الشك فيه، لم يكن إلا للدلالة على رؤية النفس، التي لا تزيد أعدادها ولا ينقص، والحث على الأخذ بما دعا الله تعالى إليه، من إكمال العدة، بقوله: (ولتكملوا العدة).

    ثم نقول: من أين الثقة للقوم الذين يكون صومهم عند حدوث غيم أو مانع؟ على موجب ذلك بان اليوم الذي عدوه من رمضان أومن شعبان، - بغيم يكون في السماء - هو كما عدوه وحسبوه، وذلك اليوم بعينه عند قوم آخرين مثلهم من مذهبهم في الأخذ برؤية البصر بخلافه بارتفاع الموانـع عندهم من سحاب وغيره، مثل ما يكون مثلا بكرمان غيم فيكون صومهم بخلاف صوم أهل شيراز الذي لا يكون مثلا عندهم غيم، ولو جاز أن يكون وقـت الصـوم في أهـل إقليم واحـد يتفاوت، حتى انه يجب على قوم الصوم في يوم، وعلى قوم آخرين في غد ذلك اليوم، لجاز أن يكون وقت الصلاة أيضا في أهل بلد واحد يتفاوت حتى تكون الصلاة الواحدة تلزم واحدا في وقت وتكون تلزم تلك الصلاة بعينها آخر في وقت آخر. ولما كان ذلك غير جائز، إذن الصلاة إذا جاء وقتها لزم الأمة إقامتها، أقامها من أقامها وتركها من ترك، لزم الصوم أيضا الأمة إذا جاء وقته صامه من صام، وأفطر فيه من أفطر، وإذا كان ذلك كذلك، فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله دلالة منه صلى الله عليه وآله وسلم حين علم أن الخطأ قد يقع في رؤية العين على ما لا يقع فيه الخطأ من رؤية النفس التي هي العلم، وعدتها التي هي من قضاياها بالمندوب إليها من إكمال العدة.

    ثم إن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فان غم عليكم فعدوا ثلاثين" يقتضي في دخول الصوم أن يكون العد من أيام شعبان، وفي الخروج منه بالإفطار، أن يكون العد من أيام رمضان، ومعلوم أن العد غير ممكن إلا بحصول أعداد، ومعرفة بأولها، ثم معلوم أنه قد يقع في الأكثر أن لا يرى الهلال في أوائل الشهور بموانع تمنع البصر عن رؤيته خاصة في الموضع الكدرة الهواء، مثل طبرستان، وجيلان، والسواحل، وجزائر البحر. وإذا كان ممكنا أن لا يرى الهلال في أول شعبان بالعين، ولا يرى لعارض يقع، ولا يعلم أوله فكيف يعد منه؟ أم كيف يعد من رمضان ثلاثون وأوله لم يتحقق؟ وجمل هذا الخبر على أن المراد فيه رؤية العين يقتضي أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوقع أمته في الخلاف، ودعاهم إلى ما لا استطاعة لهم فيه من عد أيام شهر لا يعلم أوله، ولا يرى الهلال فيه، والله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ولما كان ذلك غير متوهم في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منزه عنه، وتقدس عن أن يكلف عباد الله ما لا يستطيعونه، ويوقعهم في الخلاف، وجب أن يكون الخبر، "فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما" غير صحيح. وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال، فالواجب أن يؤخذ بالوجه الذي يصح ويحسم مادة الشناعة دون غـيره، وإذا كان ذلك واجبا، وكانت الشهادات قد قامت على أن الصحيح المندوب إليه الخلق رؤية النفس العلمية، قلنا أن الكلام إذن قد أسفر عن أن المراد غير رؤية العين، وأن العوام الأقلاء المعرفة عليهم الإتباع، وبطلت المعارضة في ذلك.

    ثم نقول: وأي شيء من الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما هو من دعائم الإسلام جعل أمره إلى الأمة غير المعصومة الواقعة تحت الزلل والخطأ: الصلاة، أم الزكاة، أم الحج، أم الجهاد؟ حتى يكون الصوم أيضا موكولا إليهم في طلب هلاله، ومعرفة أوقاته. أليست الصلاة عماد الدين، ووجه الإسلام، وجميع أعمالها من تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، والسجود، والتسليم، موكولا إلى الإمام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة بالناس من دون المأمومين؟ وعلى المأمومين اتباع الإمام في هذه الأعمال من غير أن يتبعوا. مرادهم في تقديم عمل من أعمالها، وتأخير واحد منها، ومن فعل منهم ذلك من تقديم أو تأخير فصلاته خداج. أليس الزكاة جبايتها إلى الإمام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك تركها والعدول بها عنه غير جائز، وتفرقة ما يحصل منها في المستحقين إليه من دون الأمة كما كان في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أعطى زكاته غير القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعليه قضاؤها ثانيا؟ كما أن واحدا لو أعطى زكاته في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره عليه السلام لكان يلزم أن يؤديها ثانيا إليه بوضعه إياها غير موضعها؟ أليس الحج لا يتم إلا بالإمام الذي يتقدم على الجماعة فيلزمهم أن يتبعوه فيما يفعله من المناسك، ومن يتفرد بتقديم أحد المناسك على الآخر وتأخيره، فحجه خداج؟ أليس تدبير الجهاد في سبيل الله تعالى إلى المتولي لأمر المسلمين المجاهدين في حفظ نظامهم، وجمع شتاتهم، والتقدم بهم في القتال، والرجوع، وطلب المصلحة في الهدنة والقتال، وعلى الأمة المجاهدة اتباع الأمر فيهم بأمر الله تعالى من دون أتباع أهوائهم في الصلح والقتال، ومن فعل شيئا من القتال من ذلك بغير أمره، وسفك دماء بغير أذنه، فهو مأخوذ به، فإذا كان ذلك كذلك، وكانت أصول الإسلام موكولة إلى من يحفظها، وعلى الأمة أن يتبعوه فيها، فمن أين جاز لهؤلاء القوم أن يتبعوا في دخول الصوم الذي هو من الأصول آراءهم، من غير اتباع للقائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل فعلهم ذلك، ودخولهم للصوم باجتهادهم الذي يؤديهم إلى إيجاب ما ليس بفريضة فريضة، وترك فريضة أو عدها سنة إلا تجريا على الله تعالى، أو خروجا من عصمة الأمر، نعوذ بالله من ذلك.

    فإن قال قائل على أصلك الذي أصلته في دخول الصوم الذي هو الاجتماع والمفارقة يجب أن يكون يوم يتفق فيه الاجتماع والمفارقة بعضه من شعبان، وبعضه من رمضان، ويلزمهم صوم ذلك البعض، وهذا خلف لم يأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قلنا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض الفرائض عن الله تعالى، وجعل لكل فريضة منها علتين بهما تجب، وتفرض أحدهما علة سابقة بها يصح العلة الثانية التي يتبين بها إحدى الفرائض من الأخرى، وهي عامة، بمعنى أن تلك العلة السابقة علة لها ولغيرها من الفرائض، ولا يؤخذ في أدائها إلا بالثانية، وثانيهما تالية للعامة وهي خاصة، بمعنى أنها تختص بتلك الفريضة من دون غيرها، وبها تنفصل عما سواها، وذلك مثل الصلاة الأولى التي فرضها في النهار لا في الليل، فقلنا: إن هذه الصلاة لما كانت لا تفترض إلا بالنهار، والنهار علة لها سابقة عامة، بمعنى أنها علة لهذه الصلاة ولغيرها من الصلوات التي تقتضى بالنهار، ثم لما لم تكن هذه الصلاة تفترض مع حصول هذه العلة المتقدمة التي هي النهار إلا عند زوال الشمس عن القبة، قلنا إن هذه علة ثانية تفترض، وبها يؤخذ في أدائها، وهي خاصة، ومثل الزكاة التي فرضها، فقلنا أن الزكاة لما كانت لا تفترض إلا عن المال، فالمال علة لوجوب الزكاة، وهي علة سابقة عامة، ثم لما لم تكن تفترض الزكاة مع حصول العلة المتقدمة التي هي المال إلا أن يحول عليه الحول، فالحول علة ثانية بها يجب ويؤخذ في أدائها وهي خاصة، ومثل الحج الذي فرضه، فقلنا أن الحج لما كان لا يفترض إلا بالإمكان، فالإمكان علة له، وهي سابقة عامة، ثم لم يكن يجب أن يحج إلا مع حصول الإمكان، والذي هو العلة المتقدمة إلا في اليوم الأكبر بمكة، فقلنا أنه علة ثانية بها يؤخذ في قضائه وهي خاصة، ومثل الجهاد الذي فرضه الله تعالى على الأمة، فقلنا أن الجهاد لما كان لا يفترض إلا بحصول الخلاف، وقيام شنار العصيان، والنكول عن الطاعة، والخـلاف علـة سابقـة عامة، ثم لما لم يكن يفترض من الجهاد مع وجود الخلاف والنكول عن الطاعة، إلا بقيام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو رئيس يقود الأمة إلى القتال، قلنا أنه علة ثانية وهي خاصة، فلما كان ذلك كذلك، قلنا أن الصوم أيضا له علتان أحدهما سابق عام، وهو مفارقة القمر الشمس، وثانيهما خاص، وهو وقت طلوع الفجر الذي فيه الدخول في الصوم، فلما أنه لم يفترض الصلاة مع كون النهار إلا عند الزوال، وذلك وقته، ولا الزكاة مع كون المال إلا عند حول الحول عليه، وهو وقته، ولا الحج مع حصول الإمكان إلا بمكة في اليوم الأكبر وهو وقته، ولا الجهاد مع كون الخلاف إلا بالرئيس المدبر القائم مقام خليفة رب العالمين، وهو عماده، كذلك الصوم لا يفترض مع كون مفارقة القمر إلى شمس إلا عند الفجر بعدها، وهو وقته، وإذا قد بطل قوله في معارضة أن بعضه من شعبان، وبعضه من رمضان، وأنه يجب صوم ذلك البعض، والذي يزيد إيقانا بذلك مع قيام البراهين عليه من الظاهر الشهادة العظمى التي هي الناطقة بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به عن الله تعالى من توازن، ما وضعه من الشريعة والرسوم الدينية، ومما خلق الله تعالى وفطره من الآفاق والأنفس، المنصوص عليه بقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)، الذي ليس في استطاعة بشر أن يحاكيه في فعله إلا من كان لجسده في حظيرة القدس نسبة، ولنفسه في قبول وحي الله تعالى تهيؤ وأهبة، [ثم ذكر قدس الله روحه بعض المقابلات الشريفة لم أر في إيرادها كبير فائدة للقارئ المبتدئ، ومن أراد الإطلاع على الأصل وجده مبذولا لمستحقيه].

    وأما شهر رمضان سنة أربعمائة واتفاق دخول أهل الحق في صومه قبل رؤية الهلال بالعين بيومين مع المتعالم أنه لم يكن فيما مضى من التفاوت بين صوم أهل الحق، وصوم أهل الخلاف إلا يوما واحد، فالأمر لعمري يشتبه إلا على العقلاء، وذلك أن الاجتماع الكائن لشهر رمضان اتفق في ليلة الاثنين، وكان يوم الاثنين أوله، ولم ير الهلال ليلة الثلاثاء برؤية البصر، لاستعلاء الضوء على جرمه، فإنه كان منها على وقت غروبها على ست درج ودقائق، وعلى مثل هذا البعد الذي هو نصف جرمه الأعلى لا يلحقه البصر، لحصوله تحت الشعاع المانع للبصر عن عمله، فلم يجز الإفطار في ذلك اليوم الذي كان القمر من الشمس في آخره على مثل تلك الدرج، فلو أفطر لكان الذي يمكن أن يصام من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما، لأن اجتماع الشمس والقمر لشهر شوال كان ليلة الأربعاء على ساعتين ودقائق منها، فكان يوم الأربعاء، يوم العيد المحرم صومه، ولكان الإخلال بفريضة من الفرائض قد وقع، إذ شهر رمضان ثلاثون يوما من غير نقصان بقول الموالي صلوات الله عليهم: "ما تم شعبان ولا نقص رمضان". وأول الدليل على صحة دخولنا الصوم في يوم الاثنين قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يوم صومكم يوم نحركم"، والنحر بالحرم يوم الاثنين العاشر من ذي الحجة سنة أربعمائة على موجب رؤية العلم، وهو التاسع منه على موجب رؤية العين، والأمر على ذلك مستمر في كل عام كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من غير خلاف يقع.

    فإن قال قائل: إن ما أوردته من حديث الشمس والقمر والدرجات والبعد والساعات وجعلته حجتك ودليلك هو من علم النجوم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأخذ به والنظر فيه. قلنا: كيف صار الاستدلال في تحقيق وقت الصوم ومعرفته عن طريق الشمس والقمر اللذين هما علة الشهور والسنين، - ولا يكون ذلك إلا لحركتهما ومسيرهما واجتماعهما، وافتراقهما - لنا منهيا عنه، والاستدلال في تحقيق القبلة، وأوقات الصلوات ومعرفتها، التي هي مثل الصوم بكونه من دعائم الإسلام من طريق منازل القمر، وارتفاع الشمس بالمقاييس التي نصبتموها لكم مأمورا به، وهل ذلك إلا قسمة ضيزى؟ هذا ولم يكن نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك إلا لحال، وذلك إن من ابتدأ في طلب العلوم بتعلم علم النجوم من غير أن تتقدمه العلوم الدينية الشرعية أداه ذلك إلى الإلحاد، على ما عليه اعتقاد أصحاب بطليموس والقائلين بالهيئة، فأما من تقدمه العلوم الدينية الشرعية فالمعرفة بكيفية الأفلاك والكواكب فيما ركبت له فإنها تزيد النفس في توحيد الله تعالى إيقانا، ويكسب تصورها في وحدانيته إيمانا، ولذلك قال الله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)، وليست الآفاق إلا السموات وما فيها، ثم لو كان الأمر على ما قالوا لما أقسم الله تعالى بالنجوم، ولما وصفها بالدلالة على وحدانيته في كتابه بقوله تبارك وتعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا)، ولما أقسم فقال: (فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)، وقال: (فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس). وقال: (فالمدبرات أمرا)، وقال: (والسماء ذات البروج)، وقال: (والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها)، وقال: (وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب). قلنا فأي منقبة أجل من معرفة ممرات الكواكب في دوائرها، ومواضعها في أوجاتها وحضيضها، الناطقة بصحة ما أسسه الله تعالى من دينه، الشاهدة بصدقه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء به عن الله تعالى، أم أي علم أجل بعد التوحيد، ومراتب الحدود، ومن علم ما يحدث بانتقالات الكواكب في أبراجها جنوبا وشمالا، واتصالات أنوار بعضها ببعض في عالم الكون والفساد من ظهور المواليد وغيرها، من الحوادث الدالة على مراتب أولياء الله تعالى، فهل يستوي الظلمات والنور؟ أم هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولوا الألباب. فقد صح إذن بما أوردناه من الشواهد ظاهرا وباطنا، أن الرؤية رؤيتان، وأن الأخذ بالأفضل منهما في أداء الفرائض أولى، وان مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في استعماله حرف اللام بقوله لرؤيته، هو الدلالة على رؤية العلم الذي يوجب أن يكون القوم صائمين عند رؤية الهلال بالبصر من دون غيره فاعرف أعانك الله تعالى على طاعته، وطاعة أوليائه، معاني ما أوردته، واستعن بالله في جميع أمورك، وتقرب إليه بإخلاص النية والطوية في عبادته، وطاعته، وطاعة أوليائه، فنعم المعين على ما يراد معرفته من الحقائق، واشكر الله تعالى على النعمة الواصلة إليك من جهة أمنائه.

    وبعد فقد ختمت الرسالة بالحمد لله العلي الأعلى، وبالصلاة على النبي محمد المصطفى والولي على المرتضى، والأئمة الطاهرين أقمار الدجى، وإمام الزمان مولانا وهادينا، وولي نعمتنا، المنصور أبي علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، وبالسلام والتحيات الطيبات عليهم أجمعين، وحسبنا الله، ونعم الوكيل، وإياه نستوهب، ونسأله أن يثبتنا على طاعته وطاعة أوليائه، وينور عقولنا وبصائرنا بمنه وكرمه، وقدرته أنه خير مسئول، وأكرم مأمول، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-11
  3. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة