الاعراض عن هذه الدنيا والعمل للاخره

الكاتب : الجزري   المشاهدات : 1,279   الردود : 2    ‏2001-11-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-11-23
  1. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيد الأولين والآخرين.
    روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَنكِبي فقال: كن في الدنيا كأنَّكَ غريبٌ أو عابِرُ سبيلٍ وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ وإذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ وخُذْ من صحتكَ لِمَرَضِكَ ومنْ حياتِكَ لِمَوتِكَ. وأخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد عن ابن عمر وزاد فيه وعُد نفسكَ في أهلِ القبور وزاد في كلام ابن عمر فإنكَ لا تدري يا عبدَ الله ما اسمكَ غدا وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر بلفظ يا عبد الله كنْ في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو كأنكَ عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسكَ من أهلِ القبورِ وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى.
    هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا له ومسكنا فيطمئن فيها ولكن ينبغي أن يكون على جناح سفر وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم قال الله تعالى {إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} وقال الله تعالى{إنما الحياةُ الدنيا لعِبٌ ولَهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموالِ والأولادِ كمَثلِ غيثٍ أعجبَ الكفّارَ نباتُهُ ثُمَّ يهيجُ فتراهُ مصفَرَّا ثمَّ يكونُ حُطاماً وفي الآخرةِ عذابٌ شديدٌ ومغفرةٌ من الله ورِضوانٌ وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغُرورِ} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا والدنيا إنما أنا والدنيا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثمَّ راحَ وتركها أخرجه ابن ماجه وقد روي عن المسيح عليه السلام أنه قال لأصحابه اعبروها ولا تعمروها وروي عنه أيضا من ذا الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا وقال ذو النون المصري يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما رواه البخاري ارتحلتِ الدنيا مُدبِرةً وارتحلتِ الآخرةُ مُقبلةً ولكلِّ واحدةٍ مِنهُما بَنونَ فكونوا من أبناءِ الآخرةِ ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليومَ عملٌ ولا حسابَ وغداً حِسابٌ ولا عملَ. وفي لفظ عند أبي نعيم: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة الحديث .وقال بعض الحكماء مما أخذه من قول علي عجبتُ ممن الدنيا مُوليةً عنه والآخرة مُقبلة إليه يشتغل بالمدبرة ويُعرض عن المقبلة
    وأما قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل قال ابن دقيق العيد في شرحه على الأربعين قال العز علاء الدين بن يحيى بن هبيرة رحمه الله: في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض على التشبه بالغريب لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولا يجزع أن يُرى على خلاف عادته في الملبوس ولا يكون متدابرا معهم وكذلك عابر السبيل لا يتخذ دارا ولا يلج في الخصومات مع الناس يشاحنهم ناظرا إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة.اهـ
    فينبغي على المؤمن أن يترك نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره وهو الموت ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا ولهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب وفي ذلك قال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على أهلها منها الظعن فكم من عامر موثق عن قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.اهـ وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر رضي الله عنهما أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين فأحدهما أن يترك المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة لكن في بلد الغربة فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.
    وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وأن الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يُدرك قبل ذلك، وهي مأخوذة أيضا من الحديث الذي رواه البخاري في الصحيح: نِعْمَتانِ مَغْبونٌ فِيهِما كثيرٌ منَ الناسِ الصَّحةُ والفراغُ. قال القسطلاني في شرحه على البخاري قال في الكواكب: فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له رأي في ذلك البتة فقد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لاشتغاله بالمعاش وبالعكس فإذا اجتمع الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح ومزرعة للآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربـحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة مولاه فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه شغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم.اهـ
    وجاء في مستدرك الحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك. قال القسطلاني في شرحه على البخاري بعد ذكره الحديث فالعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد فمن لم ينتهز الفرصة يندم.اهـ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-11-24
  3. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك يا سيدّي الجزري

    وقد وصف الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه الفئة الصالحة من الأمة فقال:

    إنّ لله عبادا فُــطنا ***** طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا
    نظروا فيها فلما علموا ***** أنها ليست لحيّ سكنا
    جعلوها لجّة واتخذوا ***** صالح الأعمال فيها سفنا

    ورحم الله ساداتنا الصوفية الذي كان شعارهم قول بعضهم:

    لا تنظرنّ إلى القصور العامرة ***** واذكر عظامك حين تمسي ناخرة
    وإذا ذكرت زخارف الدنيا فقل ***** لبيك إنّ العيش عيش الآخرة

    وقال جلّ ذكره: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} سورة الكهف-47

    اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك. آمين

    خادمكم / الميزان العادل
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-11-24
  5. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    سيدي واستاذي الطيب المطيب الميزان العادل

    أحبكم لله سيدي-------احب ميزانكم العادل
    الله يحسن اليكم ايها الطيب المطيب الاخ المزان العادل تشرفت والله بردكم.
    خويدمكم الجزري.
     

مشاركة هذه الصفحة