قنوات" لا تصفد في رمضان

الكاتب : يمن الحكمة   المشاهدات : 385   الردود : 0    ‏2004-10-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-10-26
  1. يمن الحكمة

    يمن الحكمة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-07-16
    المشاركات:
    12,156
    الإعجاب :
    0
    حين تصبح الأشياء السيئة مألوفة فما التالي؟"
    إعلام: الحرية في اختيار طريق البناء لا إباحة وسائل الهدم
    ربما يشعر "مردة الشياطين" المصفدين حاليا بمناسبة "رمضان" بالسعادة، لأن هناك من يقوم بدورهم.
    فلدينا اليوم مردة غير مصفدين على ما يبدو، وهم من بني البشر، ويبذل هؤلاء جهدهم لجعلنا نتحدث كل عام بأن الشهر الكريم يفقد روحانيته.
    في العام الماضي كانت القنوات الفضائية موجودة. أما الجديد هذا العام فعشرات القنوات الأكثر سوءاً في كل الأوقات، والتي لم تتوقف حماقاتها في رمضان كما كان متوقعا.
    إنها تقتحم المنازل حاملة معها مساحات مباحة بشكل مستفز، وبلا هدف، كل ما هنالك مزيداً من الأموال التي يمكن أخذها من جيوب المراهقين.
    في هذه المساحات تنساب رسائل غير مراقبة يبعثها مشاهدون، وتتضمن عبارات تشعركم بالحرج.
    ورغم أن تسعين في المائة مما تبثه هذه القنوات يعد شيئا سيئا وغير ذي قيمة، إلا أن هذه المساحات الجديدة أكثر خطورة لقدرتها على رفع درجة الفضول لدى المشاهد الصغير خصوصا، ومباشرتها في التخاطب معه لتجعله جزءاً منها.
    وكانت أخبار مدهشة حذرت قبل شهر ونصف من رسائل "الشات" التي تبثها قنوات فضائية مهمتها الغناء، أو هكذا تتظاهر.
    وقالت الأخبار التي اعتمدت على ما يبدو على "تقارير أمنية" بأن تجار المخدرات ومهربي السلاح يستخدمون "الشات" التلفزيوني للتواصل فيما بينهم.
    الأخبار التي ظلت ترددها قناتان عربيتان موثوق بها طيلة أحد أيام السبت الشهر الماضي لم تتطور، فقد لحقتها فترة صمت مثل تلك التي تلي إشاعة سيئة.
    بعض من جربوا إرسال الرسائل إلى "روتانا" أو "ميلودي" فضلوا عدم تصديق هذه الأنباء، فتجار الأشياء السيئة سيسلمون أنفسهم للشرطة إذا قرروا الاعتماد على "شات" التلفزيون.
    واحد من رجال الأمن كان معنا في تجربة إرسال الرسائل إلى "شات" تلفزيوني أثناء مقيل قال: "إنك لا تدري متى تصل رسالتك بالضبط وتفقد عنصر الدقة"، وهذا من وجهة نظره كاف لجعل تجار المخدرات يتجاهلونه.
    واحدة من السيئات
    لكن النقاش الذي دار يومها وجد الطريق سالكا لرصف عشرات المشاكل التي باتت ترسل إلى منازلنا.
    وحسب أحد أساتذة الإعلام في جامعة صنعاء فإن تلك الرسائل ليست سوى: "واحدة من سيئات تلفزيون اليوم".
    أصبح لدينا عشرات القنوات التي تجبرك على التسمُّر أمامها ببلاهة، ليس لأنها تقدم شيئا، ولكن لأنها تتمكن من تشتيت ذهنك لدرجة تفقد معها القدرة على اتخاذ قرار سريع.
    أمامها لا تدري ما الذي تتابعه، هل تقرأ أشرطة الشتائم في الأسفل.
    أحد الصحفيين المتخصصين في قضايا الإعلام قال: "لست مأخوذا بأهمية ما تراه، لكنك مشتت أمام أكثر من شيء غريب في شاشة واحدة دفعة واحدة".
    من وجهة نظر كثيرين، ليست الرسائل الشيء السيء الوحيد في فضائيات غايتها جمع المال ولا تهمها الوسيلة.
    إنها تحصل على ما تبقى في جيوب مراهقين يشعرون بالفراغ مقابل الكثير من الإثارة السيئة.
    لقد مرت حتى الآن ساعتان و "الخارق" يلاحق "مزيونه" برسائله أسفل شاشة إحدى القنوات: "يا المزيونة.. وينك، ردي على الخارق.. أنا أحبج وأبي أتعرف".
    لكن "مزيونة" تتجاهله لانشغالها بغزل حبيب وهمي، فيقرر هو العبث مع "نوارة الـ..." التي أطلت رسائلها للتو معلنة: "نوارة الـ... تصبح وتمسي على كل الحبايب الحلوين في الشات".
    هروين
    حين كان الحديث يدور عن تجار المخدرات قال أحدهم فيما يتابع واحدة من تلك القنوات: "هذا هروين يمكن إدمانه بسهولة". فقد وجد نفسه غارقا لا يريد التوقف عن إرسال رسائله، وفي اليوم التالي كان عليه تقبل نبأ فصل هاتفه المحمول حتى سداد الفاتورة.
    باحثة اجتماعية أشارت إلى "الأثر الاقتصادي" لمثل هذه الوسائل التي تستنزف الأموال من المشاهدين دون طائل، غير أن ما يثير مخاوفها شيء آخر.
    وتعترف الباحثة في مقالة نشرها أحد مواقع الأنترنت ضمن عدد من المقالات التي تحدثت عن هذه القنوات:"هناك سلوك اقتصادي سيء تمارسه الكثير من قنوات التلفزة وحتى الشركات الأخرى يعتمد على الإثارة لتحقيق المكاسب".
    لكن هناك الأثر بعيد المدى على مساق الأخلاق الاجتماعية، وهو الأكثر خطورة من وجهة نظرها.
    وقالت: "حين تصبح الأخطاء الصغيرة مألوفة، نقترب من تقبل الأخطاء الكبيرة"، إنها تراقب "تلفزيون اليوم" منذ فترة، وتخطط لبحث آثاره على توجيه سلوك المراهقين مستفيدة من دراستها الجامعية لعلم النفس.
    لديها أفكارها المتعلقة بالأثر بعيد المدى، فهذه الرسائل تبث عبارات كانت تصيبنا بالخجل في السابق، لكن جيل اليوم سيعدها أمرا طبيعيا إذا استمر تعرضه لها بهذا الشكل المسف.
    وأضافت: "إننا نقترب من تقبل ما كنا نعده جريمة على أنه أمر ممكن، أو خطأ صغير في أحسن الأحول".
    خطر في غرفنا
    دواليك معادلتها تأخذنا إلى آخر شيء يمكن أن يكون له علاقة بالقيم الاجتماعية العربية، فالحب الذي عاركه ابن شداد وابن الملوح سيغدو مختلفا بعد أن استباحته وسائل العصر.
    لن يكون عذريا على الإطلاق، فلن تقبل ابنتك أن توصف بأنها "معقدة" لأنها ترفض القبل.
    عميد كلية الإعلام في جامعة صنعاء الدكتور أحمد عقبات لا يشك فيما ستتركه هذه الرسائل من آثار سلبية، وتكمن خطورتها أنها تستخدم التلفزيون الموجود في كل غرفنا.
    قال: "بصورة عامة فتح المجال أمام مختلف الشرائح الاجتماعية للتحدث في الشاشة باللغة التي يريدونها وبالألفاظ التي يريدونها دون هدف لن يخلق إلاّ مشاكل ونقل سلوكيات خاطئة من أناس يشعرون بالفراغ".
    وعبثا يمكن محاصرة الأمر في "شات" التلفزيون، "إنه واحدة فقط من الظواهر السيئة التي باتت تشاركنا أوقاتنا العائلية".
    حين يبدأ الأمر يتحدثون أيضا عن أغاني هابطة تستنسخ كل يوم وتتفنن في تصوير مشاهد العري، وإعلانات باتت تتجرأ قنوات عربية على بثها.
    من وجهة نظر عقبات يعاني الإعلام العربي أزمة حرية، وبات الأمر مجرد بحث عن أرباح مالية من أقصر وأسهل الطرق، وقال: "ما الذي ننتظره حين تغيب الرقابة".
    إن الحرية لا تسمح بذلك، إنها بالنسبة له تسمح باختيار الطريق الذي نسلكه لبناء المجتمعات وليس هدمها، وقال: "حريتك تتوقف عندما تبدأ في إيذائي".
    تفريغ خطر
    كثير من المختصين في مجالات شتى لم يشاهدوا هذه الرسائل حتى الآن، لكن أستاذ الاجتماع في كلية الآداب في جامعة صنعاء الدكتور عبدالجبار ردمان وصفها بأنها: "تشبه نوعاً من أنوع التفريغ لحالات الكبت والشعور بالفراغ".
    وكان بمقدوره التحدث عن الكثير من الآثار السلبية بحماس، وقال أنها تستفزه، ويستفزه أكثر السكوت عنها، ويعتقد أنه إذا لم يجد جيل اليوم ما يحصنه فإنه "سيفقد كل مفردات قيمه الاجتماعية".
    يرى ردمان أن لكل جيل مساقاته الثقافية، ومفرداته الخاصة التي يتعامل بها في حياته اليومية.
    وجيل اليوم ليس بحاجة إلى أن يمنع من استخدام الهاتف، أو الانترنت، أو مشاهدة التلفزيون، إنه بحاجة ليتعلم كيف تغدو هذه الأشياء إيجابية.
    وأضاف ردمان: "لا يجب أن تترك هذه الأشياء للتعبير عن غرائزه الداخلية".
    ارتفاع نسبة الأمية في السابق، وبقاء نسبة منها اليوم أحدثت نوعا من الخلل في التنشئة الاجتماعية من وجهة نظره، وقال: "كنا في الماضي نعيش بالبركة، لكن البنية الاجتماعية المتماسكة كانت تحمينا من كثير من الأخطاء".
    وبعد أن تسببت كثير من العوامل في تكسر هذه الروابط الاجتماعية أصبح جيل اليوم أكثر عرضة للخطر، فما الذي يجعل أحد أبنائك مستعدا للبقاء أمام الشاشة لساعات يرسل رسائل لا فائدة منها وباهظة التكاليف.
    التغيير
    لا يمكن إيقاف التغيير، إن المجتمع يتشكل اليوم بشكل مختلف، لكن في ظل قصور دور الأسرة، ووسائل الإعلام، والمدرسة، والجامعة، فإن نتيجة التشكل الجديد ستفضي إلى مسخ مشوّه.
    ويعتقد ردمان إنها "مسؤولية أنظمة وأدواتها، لكن هذه كلها لا تملك رؤية محددة، وربما لديهم تحديد انطباعي فقط، وليس وسائل عملية".
    وقال: "إذا بقينا على هذا النحو فإننا كل يوم سنبتعد عن مساقاتنا الاجتماعية الجميلة، وننجرف وراء أي شيء ومن أي مكان".
    لكم إذا أن تتخيلوا مجتمعا مبنيا على أنقاض أخلاق متفسخة، وبشكل عشوائي أيضا.
     

مشاركة هذه الصفحة