هل يشكل الاسلام تهديدا للغرب ؟

الكاتب : أبو احمد   المشاهدات : 1,091   الردود : 0    ‏2004-10-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-10-03
  1. أبو احمد

    أبو احمد عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-09-16
    المشاركات:
    377
    الإعجاب :
    0
    من خلال محاولاتنا لتفنيد هذه الآراء المختلفة سنسعى لإظهار صورة واضحة لهذا الموقف وما إذا كان الإسلام يمثل تهديدا حقيقيا للغرب بعيدا عن الخيال الروائي والأنماط المألوفة أم لا؟ وبعبارة أخرى إن فرضيتنا - على عكس ما يقوله صموئيل هانتينجتون - مبنية على أن مصدر الصراع يكمن فيما يسمى بـالنظام العالمي الجديد، والذي يقوم فيما يقوم على الاهتمام بالنزعة القومية وتوازن القوى أكثر مما يقوم على التقسيمات الثقافية والدينية؛ وحتى نتمكن من بناء فرضيتنا على أعمدة راسخة سنلخص الأبعاد التاريخية والمواجهات مع ذكر خاص لمصادرنا الهامة ثم يسبق الخاتمة عرض إطار واضح للتهديد الإسلامي المزعوم.
    هل يشكل الإسلام تهديدا للغرب؟ قبل أن نجيب على هذا التساؤل لابد أن نلقي نظرة مبسطة على مفرداته، حيث ينوه أندريا لوج عن عدم توافق مفردات المصطلح قائلا ليست المفارقة بين الإسلام والمسيحية أو الغرب والشرق ولكنه الإسلام والغرب :أي دينٌ ومنطقة جغرافية، وفي ذات السياق يوضح برنارد لويس (أحد الباحثين البارزين في مجال الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية) في كتاب له قائلا هناك حالة من اللا تناظر بين هذين المصطلحين 'الغرب' و'الإسلام' فالأول تعبير جغرافي والآخر دين ويستطرد موضحاً على الرغم من أن الغرب وأوروبا يشكلان مفهوما للثقافة والدين والسياسة والحضارة، فالإسلام بالنسبة للمسلمين ليس مجرد منظومة قوامها العقائد والعبادات كاحتواء للحياة ولكنه ماهية الحياة وقواعدها التى تتضمن القانون الوضعي والدستور. هذا بالإضافة إلى أن مصطلح 'الإسلام' لا يقابل مصطلح 'المسيحية' فقط وإنما عالم المسيحية ككل، وبالتالي فهو ليس مجرد دين من وجهة نظر الغرب الضيقة ولكنه حضارة متكاملة تطورت تحت مظلة هذا الدين.
    ربما لم تفرز بعض - أو أي - من العلاقات الدولية أساطير مثل تلك الأسطورة التي تدور حول التهديد الإسلامي المزعوم لدول الغرب، فمنذ أواخر السبعينيات - ربما منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 تحديدا - أصبح الإسلام وتهديده للغرب أمراً ذا ثقل عالمي يشغل الساسة في دول غرب أوروبا من ناحية وبعض القادة الإسلاميين من ناحية أخرى. هذا بالإضافة إلى أن رجالات الدولة والباحثين الذين ينتمون للعالمين الغربي والإسلامي، قدموا بيانات وآراء متناقضة دارت حول مفهوم واه هو صراع الحضارات.
    في أعقاب الحرب الباردة ظهر اتجاه بارز في تعريف الإسلام على أنه العدو الجديد للغرب أو مصدر التهديد خلفا للنظام الشيوعي السوفيتي وخاصة بعدما أعلن كل من دان كويلي نائب رئيس الولايات المتحدة وولي كليس زعيم حلف شمال الأطلنطي أن الإسلام هو خليفة الشيوعية والمهدد الأول لأمن الغرب وبالتالي اكتسب السياق الذي يتداول فكرة صراع الحضارات أهمية براقة في وسائل الإعلام الغربية وإفرازاته الأدبية. وفي محاولة لتقدير فحوى هذا الفكر الغربي عن الإسلام افترض بعض الباحثين فرضية (العدو الحتمي) حيث قام يوشن هبلر واندريا لوج بتفنيد هذه الفرضية منطقيا بقولهما لم يعد لدينا الاتحاد السوفيتي أو الشيوعية حتى نعتبر كليهما أعداء فنبرر لأنفسنا وللعالم ظاهرة التسليح المكثفة الباهظة، وبالتالي في منتصف الثمانينيات وبالتحديد خلال الثلاث سنوات الأخيرة بدأ البحث الدؤوب عن أعداء جدد كذريعة لاعتماد ميزانيات كبيرة للتسليح وسياسات ردود الأفعال العسكرية، وعلى ذلك في البداية اعتبروا أن الإسلام جزء من التهديد الشيوعي ثم ما لبثوا أن نصبوه مكانه. ويختلف فريد هاليداي أحد الباحثين البارزين في هذا المجال معهما بافتراضه أن المجتمع الغربي عامة والرأسمالية الغربية خاصة لم يكونا أبدا في حاجة إلى العدو الحتمي المزعوم.
    مما لا شك فيه أن فرضية العدو الحتمي ليست مجرد عذر أو مسبب للتهديد الواضح الذي يفترضه الغرب ولكن في حقيقة الأمر لابد أن نضع العمق التاريخي لهذا الموضوع في اعتبارنا لكي تتكشف لنا حقيقة الموقف الغربي. تمتد جذور الصراع بين عالم الغرب والمسيحية والإسلام إلى ما يربو على قرن من الزمان، فقد ظهر واحتدم هذا الصراع منذ غزو إيبريا في القرن السابع الميلادي مرورا بالحروب الصليبية التي بدأت في القرن الحادي عشر وتناحر الولايات المكونة للإمبراطورية العثمانية التي تضاءلت قوتها في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حيث فرضت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا سيطرتها على معظم مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط. هذا بالإضافة إلى تفاقم العلاقة بين الغرب المحتل ورعايا الدول المحتلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث اتخذت شكل المواجهة من خلال فترات التحرير وصراعات الاستقلال. كما ازداد الأمر سوءا بعد اصطناع دولة إسرائيل وغزو بريطانيا وفرنسا لمصر عام 1956والتدخل الأمريكي في لبنان عام 1958 وتكوين حلف بغداد واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة عام 1967وحرب يوم كيبور (أكتوبر/عيد الغفران) في عام 1973ومشكلة النفط وغزو إسرائيل واحتلالها للبنان وظهور الأسطول الأمريكي في مياه الخليج والتفجيرات التي قامت بها الولايات المتحدة في ليبيا. كل هذا ساهم في تصعيد فكرة التهديد المتبادل بين الإسلام والغرب كما ساهمت بدورها الحركات الإرهابية في الشرق الأوسط ومشكلة الرهائن واختطاف الطائرات في الثمانينيات في تدعيم هذه الرواية. ولكن هذه الحرب بين المسلمين والغرب انحصرت نوعا ما في عام 1990 عندما أعلنت الولايات المتحدة عزمها الأكيد على طرد صدام حسين من الكويت، وما لبث أن ازداد الموقف اشتعالا بعد تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك والحرب الأهلية بين مسلمي حكومة الخرطوم والمسيحيين وأقليات جنوب السودان، والهجمات الإرهابية من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة في مصر، والصراع الدائم بين الجماعات الإسلامية المتطرفة والحكومة في الجزائر، وظهور الإسلام في وسط آسيا، بالإضافة إلى ثورات الفلسطينيين الدائمة، وحديثا معاناة المسلمين في البوسنة والشيشان وكوسوفو. هذا هو التاريخ الدموي لألف وأربعمائة سنة من المواجهات والصراعات بين الغرب والشرق وتحديدا خلال العقود القليلة الأخيرة حيث أكد الباحثون في الدول الإسلامية والغربية على هذه الجذور التاريخية السالف ذكرها بأنها المبرر الرئيسي للتهديد الإسلامي أو التهديد الغربي وعلي الرغم من ذلك لا يمكن أن ننكر أن ما يحدث علي مسرح العالم الإسلامي منذ الثورة الإيرانية كان له دور واضح في تشكيل هذه الظاهرة المعاصرة. وعلى سبيل المثال يحفل الأدب الغربي، الذي يدور عن السياسة الإسلامية بمدارس متعددة لها اتجاهات ومناهج متشعبة ولكن هناك مدرستين كبيرتين تناقشان التهديد الإسلامي أو التهديد الغربي وهما مدرسة المستشرقين الجدد ومدرسة العالم الثالث الجديد . وفيما يلي نتعرف علي هاتين الفئتين المتنازعتين .
    صراع الحضارات:
    منظروا العالم الثالث الجدد فى مواجهة المستشرقين الجدد
    المجموعة الأولى يطلق عليها اسم منظروا العالم الثالث الجدد وهي فلسفيا أقرب إلى ما يسمي بموروث العالم الثالث للمنح الغربية التي ازدهرت في الستينيات والسبعينيات حيث يعزو هؤلاء الباحثون جذور مشكلة الغرب مع الدول الإسلامية إلى الماضي الاستعماري والطبيعة الإمبريالية للغرب، أما المجموعة الأخرى والتي يمكن أن نسميها بالمستشرقين الجدد فأرجعت سلوكيات الدول الشرقية وخاصة العربية والإسلامية منها لبعض خصائص الثقافة الإسلامية. وانتهجت هاتان المدرستان مناهج مختلفة للصراع الجاري بين الحضارتين، وبتعبير آخر هي محاولة لفهم العلاقات بين الدول الإسلامية والغرب. وبينما يؤكد المستشرقون الجدد الأبعاد التي تنطوي على الصراعات في علاقة الغرب بالإسلام يرحب منظروا العالم الثالث الجدد بسياسة التوفيق وخاصة أن جبهة المواجهة تفضل أن تعبر عن الخلافات والاعتداءات والتاريخ المفعم بالحروب وعدم تصالح أو مواءمة منهج الإسلام مع القيم الغربية الجديدة مثل التقدم والديمقراطية والإلحاد وحقوق الإنسان … الخ. أما جبهة التوفيق ، فتؤكد علي مظاهر المماثلة بين الادعاءين في سبيل حل مؤقت لحين الوصول لتسوية نهائية مشروطة بالتعايش السلمي الذي يمكن أن يتوصل إليه الإسلام والغرب.
    يفضل جون إسبوزيتو تسمية هذين المنهجين بـ'الطريق السهل' و'الطريق الصعب' فالطريق السهل ينظر للإسلام وإحياء منهجه كتهديد أحادي وعدوا تاريخيا ذا ثقل لا يستهان به، أما الطريق الصعب فيتخطى إلى أبعد من الأنماط المتعارف عليها والإجابات المفتعلة والصور الممسوخة، وبالتالي فان تعريف إسبوزيتو لماهية المنهجين تنصب باحثين مثل لويس وهانتنجتون ودانيل بايبس ومارتين كرامر أبطالاً على رأس الطريق السهل بينما تعتبر شرين هانتر وإسبوزيتو نفسه وهبلر ولوج من المفضلين للطريق الصعب .
    فلنتخذ برنارد لويس كواحد من أنصار جبهة المستشرقين الجدد الذي قدم مفهوم صراع الحضارات قبل السقوط الأخير للاتحاد السوفيتي ولكنه لم يلق استحسانا من جمهور المتلقين وهو الأمر الذي جعل صموئيل هانتنجتون يسعى إلى نشر هذا الفكر من خلال مقال له في دورية الشئون الخارجية عام 1993، حيث طرح فكرة صراع الحضارات على أنها اتجاه الإسلاميين لكراهية الغرب. وفي مقال آخر بعنوان جذور الغضب الإسلامي المنشورة في جريدة الأطلنطي الشهرية عام 1990 يقول لويس ليس هذا مجرد صراع حضارات بل ربما يكون رد فعل غير متأن وربما تاريخيا لندٍ عتيق ضد ميراثنا المسيحي واليهودي وحاضرنا الوثني والامتداد العالمي لكليهما. كما يتناول هانتنجتون تيمة صراع الحضارات موضحا أنها مشتقة من حالة اللا توافق بين الإسلام والمفاهيم الفلسفية الغربية مثل الديمقراطية والحداثة .
    وعلي خلاف ما ذكره هذان الباحثان يتجه منظروا العالم الثالث الجدد إلى اتهام كل من يتبنى ويساند الطريق السهل أو السطحي بأنه عنصري الثقافة ، وفي هذا السياق يعلق لوج وهبلر على النواحي الجديدة التي ذكرها هانتنجتون فيما يخص صراع الحضارات حيث يقولان …مهما كانت عقلانية إدراكه لهذا التهديد فهو ليس مبنيا على تحليل اهتمامات أو سياسات الدول أو القوى السياسية في الشرق الأوسط ولكنه مبنى على مفهوم هانتنجتون عن تضارب أسس تكوين الجماعات الأساسية، فبالنسبة له ليس تضارب الاهتمامات هو الذي يؤدي للصراع ولكن الاختلافات بين الحضارات هي التي تؤدي إلى الحرب. وإلى حد ما يمكننا إطلاق اسم العنصرية الثقافية على نقاشه الذي يفترض مثلا أن المسلمين (أو الصينيين) مختلفون عنا وبالتالي هم مصدر خطر، فعلى عكس العنصرية الكلاسيكية فإن التفرقة هنا ليست على أساس الجنس وإنما الثقافة. الحلول العسكرية فقط هي التي يمكن أن تعد بنتائج. من جانبنا لابد أن نوضح أن النقد الذي يقدمه كل من لوج وهيبلر يبالغ أو على الأقل يعطي أهمية زائدة لما يقوله هانتنجتون في مقاله وخاصة وأنه يذكر أن الصراع لا يجب أن يكون عدوانيا بالضرورة، وعلى الرغم من ذلك في هذه المرحلة لابد أن نوجه الانتباه لكلمتين هامتين في الفقرة السابقة وهما الاهتمامات والقوة فبالنظر لنظرية العالم الثالث الجديد يمكن أن نظل نُسَلِّم بأن الاهتمام القومي أو توازن القوى العالمي هو المحرك الأول لسياسات الدولة الخارجية وليس الحس الديني أو الثقافي.
    على عكس افتراضات هانتنجتون تؤمن مدرسة منظرى العالم الثالث الجدد بأن المسبب الرئيسي للصراع بين الإسلام والغرب ليس هو اللاتوافق الحضاري وإلا أصبحت العلاقة بين الدول الغربية وكل العالم الإسلامي علاقة عدوانية. وعلى سبيل المثال قامت الولايات المتحدة بمساعدة وتمويل معظم الحركات الإسلامية المتعصبة الناجحة مثل انقلاب أفغانستان على حكومتها الموالية للاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، هذا بالإضافة إلى دفاع الغرب عن موقف السعودية ضد العراق وعلى ذلك يمكن أن نخلص إلى نتيجة هامة وهي أنه كلما تعلق الأمر بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج لا يصبح الدين هو صاحب الأهمية القصوى وإنما مراكز القوى والاهتمامات الاستراتيجية؛ فالغرب يخشى فقط التهديد الإسلامي داخل السياق الديني عندما يهدد اهتمامات مادية معينة.
    ختاماً لهذا الجزء يجب علينا إعادة بعض النقاط الهامة فكما يقول جراهام فولر تصادم الحضارات ليس مجرد صراع حول يسوع المسيح والنبي محمد ولكن الصراع الدائم هو ذلك التناحر على توزيع قوى العالم والثروات والنفوذ غير العادل، انه حقا ذلك الصراع بين هؤلاء الذين يملكون القوة وهؤلاء الذين لا يملكونها، هؤلاء الذين يسيطرون على مصائر العالم وهؤلاء الذين يخضعون لهذه السيطرة. وباختصار فإن العنصر الذي يحدد العلاقة بين تهديد الغرب واهتماماته وتحديد ردود أفعاله لم يكن أبدا هو الطبيعة الدينية أو اللادينية للحركات السياسية في العالم العربي والدول الإسلامية، ولكن ميلهم لتحدي التواجد الغربي في المنطقة والنظام العالمي الذي يقوم على سيادة الغرب.
    التهديد الإسلامي؟
    في هذا الجزء سوف نحاول أن نحدد ما إذا كان الإسلام يشكل تهديدا للغرب ولاهتماماته متخذين من ادعاءات كل من المستشرقين الجدد ومنظرى العالم الثالث الجدد قاعدة لنا، وفيما يلي عرض للتهديدات الحقيقية التي سوف نحللها:
    التهديد السياسي والاقتصادي والعسكرى
    بالإشارة إلى مصطلحات مثل 'قمة الأحداث' و'الانتفاضة العالمية' يوضح المستشرقون الجدد أن العالم الإسلامي بكامله، والغني بالبترول، والذي يضم بليون فرد ويملك أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى يمكن أن يصبح ندا قويا يمكنه أن يصبح مصدر تهديد لاهتمامات الغرب. وبالرغم من هذه الادعاءات المبالغ فيها يوضح منظروا مدرسة العالم الثالث الجدد أن نظرة القوة التي يتمتع بها الإسلام ظاهريا ما هي إلا قيام ديكتاتوريو المنطقة بتقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق عرقية واتجاهات أيديولوجية متناقضة؛ وبالتالي لا يمكن أن نشهد ما يسمى بالتهديد الإسلامي الكبير ليس فقط لأن الدول الإسلامية سوف تبقى دوما أضعف من مثيلاتها في الغرب وإنما لأن الدول الإسلامية لا تمثل كياناً مترابطاً وتحالفاً ينظر له العالم بعين الاعتبار.
    منذ الثورة الإيرانية عام 1997كان هم الغرب الأول هو إمكانية أن تصدر إيران ثورتها لباقي الدول الإسلامية في المنطقة، وخاصة تلك الدول المليئة بالشيعة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي. وكواحدة من أدواتها أو من أدوات سياساتها الراديكالية أصبحت إيران من أنشط الدول التي تمول الإرهاب العالمي مثلها مثل العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان؛ وهذا معناه أنه طالما تصر هذه الدول على الارتكان إلى العنف والإرهاب سيظلون يفرضون تهديدا خطيرا لاهتمامات الغرب على مستوى العالم أجمع.
    تمثل الجماعات المتطرفة مجموعات صغيرة في الحركة الإسلامية ولكن - وتحديدا في التسعينيات - تحولت الحركات الإسلامية من حال إلى حال. فبعدما كانت قاصرة على جماعات صغيرة هامشية في المجتمع أصبحت جزءا من مجتمع التيار الإسلامي واحتوت جزءا من المناخ السياسي والقانوني داخل الدول الإسلامية. ومن ثم تحولت إلى ظاهرة جديدة في بعض الدول الإسلامية التي تتمتع بقدر نسبي من الحرية والانفتاح ونظام الانتخاب، وبالتالي لم تعد أقوى الجماعات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط اليوم وهي التي تستطيع أن تقتل وتقوم بالأعمال الإرهابية ولكنها بعيدة عن مناصب الحكم؛ وإنما أكثر الجماعات الإسلامية خطورة هي تلك المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين مثلا التي تآلفت مع النظام الديمقراطي نظريا فقط والبعض منها نجح في العمليات الانتخابية بجدارة وتولوا مناصب في الحكومة. وكما يقول إسبوزيتو إن هذه التداعيات التي أظهرها التيار الإسلامي في التسعينيات لا تشكل تهديدا بقدر ما تشكل تحديا للغرب؛ كما يشاركه هنتر في هذا الرأي مؤكدا أنه فضلا عن التحدى، فإن الجبهة الإسلامية الجديدة ستفرض تهديدا لنفوذ الغرب داخل الأسواق الإسلامية، هذا بالإضافة إلى تحكم المسلمين في تسعيرة البترول وحصة الغرب منه.
    إن أي حديث عن إمكانية استغلال البترول كسلاح استراتيجي من قبل الدول الإسلامية تجاه الغرب محكوم عليه بالفشل حيث يوضح منظروا العالم الثالث الجدد أنه على فرض أن الإسلاميين تقلدوا مناصب الحكم فإنهم سوف يواجهون أوجه العجز الاقتصادي والتكنولوجي التي تواجهها الحكومات الحالية, فعلى سبيل المثال لم تفكر إيران أبدا خلال الثمانينيات أن تتدخل في التدفق الطبيعي للبترول، وهذا يستتبع فشل الإسلاميين في التحكم في سعر السوق. والخلاصة، أنه مهما كانت طبيعة الحكومات في الدول العربية والشرق أوسطية سيظل المسلمون في حاجة لبيع بترولهم.
    وأخيرا، بالنظر إلى قوة العالم الإسلامي العسكرية كإيران وبعض الدول غير المسلمة المعادية للحكومات الغربية في الشرق الأوسط مثل العراق وسوريا وليبيا نجدهم يملكون أسلحة الدمار الشامل أو على الأقل لديهم هذه البرامج التي استعانوا على تنفيذها بالمساعدات التقنية من روسيا والصين، ومن ناحية أخرى يؤكد منظروا العالم الثالث الجدد أن فكرة تحول العالم الإسلامي إلى ندٍ يملك أسلحة نووية فكرة مبالغ فيها جدا وهذا يرجع إلى أن الحكومات في الدول الإسلامية لن تجعل الفرصة سانحة أمام الجبهة الإسلامية لامتلاك مثل هذا النوع من السلاح، كما أن الظروف الاقتصادية والسياسية وضغوطها الملحة حاليا والتي سوف تزيد مستقبلا ستمنع الدول الإسلامية من امتلاك هذه الأسلحة خاصة إذا ما وصل الإسلاميون للحكم، وأخيرا هو ضرب من المستحيل أن نسلم بأن القنبلة النووية لأي دولة إسلامية هي قنبلة إسلامية مثلما نقول - عبثا - أن قنبلة الولايات المتحدة هي قنبلة مسيحية أو أن قنبلة إسرائيل قنبلة يهودية.
    التهديد الأخلاقي والديموغرافي
    إن هجرة الشعوب من دول الشرق الأوسط إلى غرب أوروبا ساهمت كثيرا في تصعيد حركة العداء بين الإسلام وتهديده للغرب. فهذه الموجات الكبيرة خلقت مشكلات اقتصادية وأخلاقية وسياسية في عدد من دول الغرب وخاصة فرنسا وألمانيا في وقت كانت فيه هذه الدول تعاني من حالة بطالة متفشية. وفي هذا الإطار، نجد أن التهديد الآتي من الدول الإسلامية
    التي تموج بحركات العنف مثل الجزائر ومصر وبعض الدول العربية الأخرى ستؤدي بدورها إلى حركة متتابعة من الهجرات نحو الغرب مثلما حدث مع الثورة الإيرانية.
    ومن ناحية أخرى، نجد أن المسلمين المقيمين في الدول الغربية مثل ألمانيا وفرنسا يمثلون تهديدا أخلاقيا لحضارة الغرب، وربما يكون هذا النوع من التهديدات هو أكثرها شيوعا من حيث تأثيره على الثقافة والحضارة الغربية. ففي فرنسا على سبيل المثال وألمانيا أصبح الجدال حول طبيعة الزي المدرسي الذي ترتديه الفتيات المسلمات مثل غطاء الرأس داخل المدارس معضلة أخلاقية للغرب. وحقيقة هذا التهديد أجبر الدول الغربية على إعادة النظر في قيمها الأخلاقية والحياتية مثل احترام الأديان وحرية التعبير والحقوق الإنسانية وحتى الديمقراطية والتعددية الحزبية.
    التهديد الأيديولوجي
    والاجتماعي والثقافي
    نتيجة لمفهوم المركزية الأوروبية الذي يميز الحداثة اتجه العديد من الباحثين إلى استخدام كلمة التغريب (نسبة للغرب) كمرادف للحداثة، وبالتالي عندما اتجه الإسلاميون إلى تأكيد مخالفتهم للغرب أطلق عليهم المستشرقون تسمية أعداء الحداثة. وفي هذا السياق يقول معلقو الغرب أن الصراع الأساسي هو هدف الإسلاميين في خلق مجتمعات وحكومات تحكم بالقانون الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى النموذج الغربي الجديد والرغبة الملحة في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالتالي فان الإسلام يفرض تهديدا أساسياً للغرب ونظمه وقيمه.
    وفي حقيقة الأمر، ينقسم الغرب بين مؤيد ومعارض حول ماهية الإسلام وكونه منظومة تحرض على الديمقراطية أم لا؟ ولكن الكيل هنا بمكيال الغرب في مفهوم طبيعته الديمقراطية يعد ظلما للإسلام. وفي هذا الصدد ، يقول بيرلموتر آموس ليست المسألة هي مسألة الديمقراطية ولكنها طبيعة الإسلام، وبالتالي نطرح التساؤل 'هل الإسلام متوافق مع ديمقراطية الغرب وحريته وحقوق الإنسان التي منحها لمواطنيه؟ والإجابة واضحة جلية 'لا' مؤكدة.
    أما موقف منظرى العالم الثالث الجدد فمغاير تماما إذ يقولون أن هناك إمكانية لتطوير نموذج من الديمقراطية الإسلامية بعيدا عن النظام الحكومي في الدول الشرق أوسطية ولكن هذا لم يُعَدًّ واقعا إذ أن الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسة. فنظريا - على الأقل - يعتبر الله والقرآن والشريعة هم المصادر الوحيدة للقانون، ومرة أخرى يؤكدون أن قلة الوعي بماهية الإسلام هي التي تخلق هذا النوع من عدم تقدير كم الديمقراطية التي يسمح بها الإسلام. هذا بالإضافة إلى الواقع الاقتصادي المتردي والجهل ونسبة البطالة العالية بين جيل الشباب التي تزيد الموقف سوءا بالإضافة إلى فقدهم الثقة في الحكومة.

    الخـــاتــمــة

    ختاما لكل ما تقدم نرى أنه سواء الإسلام أو الغرب لا يقيمان سياساتهما على أساس ديني خالصٍ وهذا ما يؤكده صناع السياسات في العالم الغربي فهم لا ينظرون للإسلام على أنه العدو الجديد الذي سينغمس في حرب طاحنة مع الغرب وهذا أيضا ما يؤكده خطاب للحكومة الأمريكية عام 1992 حيث جاء فيه إن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر إلى الإسلام على أنه الأيديولوجية الجديدة التي ستهدد أمن العالم أجمع والغرب بصفة خاصة. وهذا ليس معناه أن الحكومات الإسلامية والنمو المتزايد لعدد المسلمين فى الغرب والجماعات الإرهابية لا يشكلون أى تهديد أو لا يثيرون أى مشاكل أمنية للدول الغربية.
    المصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدر:
    مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية
     

مشاركة هذه الصفحة