بالقاصعـــــــــة ..... و ما ادراك مالقاصعـــــــة ...؟؟

الكاتب : مزحاني حر   المشاهدات : 428   الردود : 0    ‏2004-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-10-01
  1. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    نطرح لكم خطبة القاصعة للامام علي بن ابي طالب عليه السلام ... وسميت القاصعة ( من قصع فلان فلانا : أي حقره .. لانه عليه السلام حقر فيها حال المتكبرين .. أو من قصع الماء عطشه إذا أزاله لأن سامعها لو كان متكبرا ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب الماء بالعطش )......

    قــــــــال عليه السلام :

    [grade="8B0000 FF0000 FF7F50"]الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء ... واختارهما لنفسه دون خلقه .. وجعلهما حمى وحرما على غيره .. واصطفاهما لجلله .. وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده .. ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين .. ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ... فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب ( للملائكة اني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس ) } ص: 71-73{ ... اعترضته الحمية .. فافتخر على آدم بخلقه .. وتعصب عليه لأصله .. فعدو الله إمام المعتصبين .. وسلف المستكبرين .. الذي وضع اساس العصبيه ونازع الله رداء الجبرية .. وادرع لباس التعزز .. وخلع قناع التذلل ...
    ألا ترون كيف صّـــغره الله بتكبره ... ووضعه بترفـــّعه .. فجعله في الدنيا مدحورا .. وأعد له في الاخرة سعيرا ...
    ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه .. ويبهر العقول رواؤه .. وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل ... ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعه .. ولخفت البلوى فيه على الملائكة ... ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون .. أصله تمييزا بالاختبار لهم .. ونفيا للاستكبار عنهم .. وإبعادا للخيلاء منهم ...
    فاعتبـــــروا بما كان من فعل الله بابليس .. إذ احبط عمله الطويل .. وجهده الجهيد .. وكان قد عبد الله ستة الآف سنة لا يدري أمن سني الدنيا أم من سني الاخرة .. عن كبر ساعه واحده .. فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمثل معصية ..؟؟ كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر اخرج به منها ملكا إن جكمه في أهل السماء وأهل الارض لواحد .. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمة على العالمين ......

    فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه .. وان يستفزكم بندائه .. وأن يجلب عليكم بخيله ورجله .. فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد .. وأغرق لكم بالنزّع الشديد ... ورماكم في مكان قريب .. وقال ( قال رب بمآ أغويتني لأزيّنن لهم في الارض ولأغوينهم أجمعين )} الحجر 39 { .. قذفا بغيب بعيد .. ورجما بظن مصيب ... صدّقه به ابناء الحميــّة وإخوان العصبية .. وفرسان الكبر والجاهلية .. حتى إذا انقادت له الجامحة منكم .. واستحكمت الطـــّماعية منه فيكم ... فنجمت الحال من السّر الخــفــّي الى الامر الجليّ ... أستفحل سلطانه عليكم .. ودلف بجنوده نحوكم ... فأقحموكم ولجات الذل .. وأحلوكم ورطات القتل .. وأوطأوكم إثخان الجراحة طعنا في عيونكم ... وحزّا في حلوقكم .. ودقا لمناخركم .. وقصدا لمقاتلكم ... وسوقا بخرائم القهر الى النار المعدّة .. فأصبح أعظم في دينكم جرحــا .. وأورى في دنياكم قدحا .. من الذين أصبحتم لهم مناصبين .. وعليهم متألبين ... فاجعلوا عليه حدّكم ... وله جدكم ... فلعمر الله لقد فخر على أصلكم .. ووقع في حسبكم .. ودفع في نسبكم .. وأجلب بخيله عليكم .. وقصد برجله سبيلكم ..يقتنصونكم بكل مكـــان .. ويضربون منكم كل بنان .. لا تمتنعون بحيلة .. ولا تدفعون بعزيمة .. في حومة ذلّ .. وحلقة ضيق .. وعرضة موت .. وجولة بلاء .. فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية ... فإنما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونفثاته .. واعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم .. وإلقاء التعزز تحت اقدامكم .. وخلع التكبر من اعناقكم .. واتخذوا التواضع مسلحّة ... بينكم وبين عدوكم ابليس وجنوده .. فإن له من كل أمة جنودا واعوانا .. ورجلا وفرسانا .. ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ... وقدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ... ونفخ الشيطان في انفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله بهد الندّامة ... وألزمه آثام القاتلين الى يوم القيامة ...

    ألا وقد أمعنتم في البغي وأفسدتم في الارض مصارحة لله بالمناصبة ... ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة .. فالله الله في كبر الحميّة ... وفخر الجاهلية فإنه ملاقح الشنآن .. ومنافخ الشيطان التي خدع بها الامم الماضية والقرون الخالية حتى أعنقوا في حنادس جهالته .. ومهاوي ضلالته .. ذللا على سياقه , سلسا في قياده .. أمرا تشابهت القلوب فيه وتتابعت القرون عليه وكبرا تضايقت الصدور به ....

    ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم .. الذين تكبروا عن حسبهم وترفعوا فوق نسبهم وألقوا الهجينة على ربهم وجاحدوا الله ما صنع بهم .. مكابرة لقضائه ومغالبة لآلآئه .. فإنهم قواعد أساس العصبية .. ودعائم اركان الفتنه وسيوف اعتزاء الجاهلية فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمة الله أضدادا ولا لفضله عندكم حسّادا ولا تطيعوا الادعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم .. وخلطتم بصحتكم مرضهم .. وأدخلتم في حقكم باطلهم وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق .. اتخذهم ابليس مطايا ضلال .. وجندا بهم يصول على الناس .. وتراجمة ينطق على ألسنتهم ..إستراقا لعقولكم ودخولا في عيونكم ونفثا في أسماعكم .. فجعلكم مرمى نبله .. وموطئ قدمه ومأخذ يده .. فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته .. ووقائعه ومثلاته .. واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع جنوبهم واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر .. لو رّخص الله في الكبر لأحد من عباده لرّخص فيه لخاصة انبيائه وأوليائه .. ولكنه سبحانه كره اليهم التكابر ورضي لهم التواضع .. فألصقوا بالارض خدودهم وعفرّوا في التراب وجوههم .. وخفضوّا أجنحتهم للمؤمنين وكانوا أقواما مستضعفين وقد اختبرهم الله بالمخمصة وابتلاهم بالمجهدة وامتحنهم بالمخاوف ومخضهم بالمكاره فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنه والاختبار في مواضع الغنى والاقتدار .. وقد قال سبحانه وتعالى ( أيحسبون أنما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) } المؤمنون: 55 -56{ فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في اعينهم ....

    ولقد دخل موسى بن عمران ومع اخوه هارون عليهما السلام على فرعون .. وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصّي .. فشرطا له إن اسلم بقاء ملكه ودوام عزّه فقال ( ألا تعجبون من هاذين .. يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل .. فهّلا ألقي عليهما اساوره من ذهب ) .. إعظاما للذهب وجمعه واحتقارا للصوف ولبسه .. ولو اراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان .. وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الارض لفعل ,, ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحلت الانباء ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ولا لزمت الاسماء معانيها ... ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ... وخصاصة تملأ الابصار والاسماع أذى ....

    ولو كانت الانبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام وملك تمتد نحوه اعناق الرجال وتشّد اليه عقد الرحال .. لكان ذلك أهون على الخلق في الإعتبار وأبعد لهم في الاستكبار ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة ولكن الله أراد ان يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام لطاعته ,, أمورا له خاصة .. لاتشوبها من غيرها شائبة وكلما كانت البلوى والاختيار اعظم ,, كانت المثوبة والجزاء أجزل .....

    ألا ترون أن الله سبحانه وتعالى اختبر الاولين من لدن آدم صلوات الله عليه الى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع .. فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا وأقل نتائق الارض مدرا وأضيق بطون الاودية قطرا بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف .. ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع أسفارهم وغاية لملقى رحالهم تهوي اليه ثمار الافئدة من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهّلون لله حوله ويرملون على اقدامهم شعثا عبرا له .. قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم إبتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختيارا مبينا وتمحيصا بليغا .. جعله الله سببا لرحمته ووصله الى جنته ... ولو أراد سبحانه ان يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار وسها وقرار .. جّم الاشجار داني الثمار ملتّف البنا متصل القرى بين برّة سمراء وروضة خضراء وأرياف محدقة وعراص مغدقة ورياض ناضرة وطرق عامرة .. لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء .. ولو كان الأساس المحمول عليها والاحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء لخفــّـف ذالك مسارعة الشك في الصدور ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ولنفى معتلج الريب من الناس ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بأنواع المجاهد ويبتليهم بضروب المكاره إخراجا للتكبر من قلوبهم وإسكانا للتذلل في نفوسهم وليجعل ذالك أبوابا فتحا الى فضله وأسبابا ذللا لعفوه فالله الله في عاجل البغي وآجل وخامة الظلم وسوء عاقبة الكبر فإنها مصيدة إبليس العظمى ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة فما تكدي أبد ولا تشوي أحدا لا عالما لعلمه ولا مقلا في طمره وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين وتخشيعا لأبصارهم وتذليلا لنفوسهم وتخفيضا لقلوبهم وإذهابا للخيلاء عنهم لما في ذلك من تعفي عتاق الوجوه بالتراب تواضعه والتصاق كرائم الجوارح بالارض تصاغرا ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الارض وغير ذلك الى أهل المسكنة والفقر ...

    انظروا الى ما في هذه الافعال من قمع نواجم الفخر وقدع طوالع الكبر ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشيء من الاشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء أو حجة تليط بعقول السفهاء غيركم فإنكم تتعصبّون لأمر لا يعرف له سبب ولا علة .. أما إبليس فتعّصب على آدم لأصله .. وطعن عليه في خلقته فقال : أنا ناري وأنت طينيّ ....

    وأما الاغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النعم فقالوا ( نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبّين ) { سبأ : 35} فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبّكم لمكارم الخصال ومحامد الافعال ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل بالاخلاق الرغيبة والاحلام العظيمة والاخطار الجليلة والآثار المحمودة .. فتعصبّوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام والطاعة للبر والمعصية للكبر والأخذ بالفضل والكف عن البغي والإعظام للقتل والإنصاف للخلق والكظم للغيظ واجتناب الفساد في الارض .. واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات بسوء الافعال وذميم الاعمال فتذكروا في الخير والشر أحوالهم واحذروا أن تكونوا أمثالهم .. فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم .. وزاحت الأعداء له عنهم ومدّت العافية فيه عليهم وانقادت النعمة له معهم .. ووصلت الكرامة عليه حلبهم من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة والتحاض عليها والتواصل بها واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم وأوهن منتّهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور وتدابر النفوس وتخاذل الأيدي وتدبرّوا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمّحيص والبلاء .... ألــــم يكونوا أثقل الخلائق أعباء وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدنيا حالا .. اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب وجرّعوهم المرار .. فلم تبرح الحال بهم في ذّل الهلكة وقهر الغلبة .. لا يجدون حيلة من امتناع ولا سبيلا إلى دفاع . حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم على الاذى في محبته والاحتمال للمكروه من خوفه .. جعل لهم من مضايق البلاء فرجا فأبدلهم العزّ مكان الذلّ .. والأمن مكان الخوف ..فصاروا ملوكا حكّاما وأئمة أعلاما وبلغت الكرامة من الله لهم ما لم تبلغ الآمال اليه بهــــــــم .....

    فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والاهواء متفقة والقلوب معتدلة والايدي مترادفة والسيوف متناصرة والبصائر نافذة والعزائم واحدة .. ألم يكونوا اربابا في أقطار الارضين وملوكا على رقاب العالمين .. فانظروا الى ما صاروا اليه في آخر أمورهم حتى وقعت الفرقة وتشتت الألفة واختلفت الكلمة والافئدة وتشعبّوا مختلفين وتفرّقوا متحازبين .. قد خلع الله عنهم لباس كرامته وسلبهم غضارة نعمته .. وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين ..

    فاعتبروا بحال ولد اسماعيل وبني إسحاق وبني اسرائيل عليهم السلام ... فما أشد اعتدال الاحوال وأقرب اشتباه الأمثال ....

    تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الاكاسرة والقياصرة اربابا لهم .. يختارونهم عن ريف اآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا الى منابت الشيّح ومهافي الرّيح ونكد المعاش .. فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر .. أذل الامم دارا وأجدبهم قرارا .. لا يأوون الى جناح دعوة يعتصمون بها ولا الى ظل ألفة يعتمدون على عّزها .. فالاحوال مضطربة والايدي مختلفة والكثرة متفرقة .. في بلاء أزل وإطباق جهل !! من بنات موؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا الى مواقع نعم الله عليهم حين بعث اليهم رسولا .. فعقد بملته طاعتهم وجمع على دعوته ألفتهم .. كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها والتفّت الملّة بهم في عوائد بركتها .. فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين قد تربعت الامور بهم في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال الى كنف عز غالب .. وتعطّفت الامور عليهم في ذرى ملك ثابت فهم حكام على العالمين وملوك في اطراف الارضين يملكون الامور على من كان يملكها عليهم ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم .. لا تغمز لهم قناة ولا تقرع لهم صفاة ..

    ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية .. فإن الله سبحانه قد امتّن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون الى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر ...

    واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ... وبعد الموالاة أحزابا .. ما تتعلّقون من الاسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الايمان الا رسمه ....

    تقولون النـــار ولا العــــار .. كأنكم تريدون أن تكفئوا الاسلام على وجهه إنتهاكا لحريمه ونقضا لميثاقه الذي وضعه الله لكم حرما في ارضه وأمنا بين خلقه ... وإنكم إن لجأتم الى غيره حاربكم أهل الكفر .. ثم لا حبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم الا المقارعة بالسيف حتى يحكم الله بينكم ...

    وإن عندكم الامثال من بأس الله وقوارعه وأيامه ووقائعه .. فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه وتهاونا ببطشه ويأسا من بأسه فإن الله سبحانه لم **** القرن الماضي بين ايديكم الا لتركهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي والحلماء لترك التناهي ....

    ألا وقد قطعتم قيد الاسلام وعطّلتم حدوده وأمّتم أجكامه ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الارض فأما الناكثون فقد قاتلت وأما القاسطون فقد جاهدت وأما المارقة فقد دوّخت .. وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجّة صدره .. إلا ما يتشّدر في أطراف البلاد يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا ....

    أنا وضعت في الصغّر بكلاكل العرب .. وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر .. وقد علمتم موضعي من رسول الله عليه وعلى آله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة .. وضعني في حجره وأنا ولد يضمنّي الى صدره .. ويكنفني الى فراشه .. ويمسنّي جسده ويشمّني عرفه .. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه .. وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم .. ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ... يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما .. ويأمرني بالاقتداء به ... ولقد كان يجاوز في كل سنة بحراء فأراه ولا يرى غيري .. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وانا ثالثهما ... أرى نور الوحي والرسالة .. وأشمّ ريح النبوة ...

    ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي صلى الله عليه وآله .. فقلت يا رسول الله ما هذه الرنــّة ؟؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته .. إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي .. ولكنك وزير وإنك لعلى خير .. ولقد كنت معه صلى الله عليه وآله لمذا أتاه الملا من قريش فقالوا له : يا محمد إنك قد ادعّيت عظيما لم يدعّه آباؤك .. ولا أحد من بيتك .. ونحن نسألك أمرا إن اجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول .. وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاّب ... فقال صلى الله عليه وآله : وما تسألون ..؟؟ قالوا تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك .. فقال صلى الله عليه وآله : إن الله على كل شيء قدير .. فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق ..؟؟ قالوا : نعم ,, قال فإني سأريكم ما تطلبون .. وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير .. وإن فيكم من يطرح في القليب .. ومن يحزّب الاحزاب .. ثم قال صلى الله عليه وآله : يأيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدّي بإذن الله .. فوالذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دويّ شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مرفرفة وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله صلى الله عليه وآله .. وببعض أغصانها على منكبي .. وكنت عن يمينه صلّى الله عليه وآله .. فلمّا نظر القوم الى ذلك قالوا - علوّا واستكبارا - : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها .. فأمرها بذلك ,, فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّ دويّا .. فكادت تلتفّ برسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا - كفرا وعتوّا - فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمره صلى الله عليه وآله .. فرجع ,, فقلت أنا : لا إله الا الله فإني أوّل مؤمن بك يا رسول الله وأوّل من أقرّ بأن الشجرّة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا بنبوّتك وإجلالا لكلمتك .. فقال القوم كلهم : بل ساحر كذاّب .. عجيب السّحر خفيف فيه .. وهل يصدقك في أمرك إلأ مثل هذا ( يعنوني ) .. وإنيّ لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم . ..سيماهم سيما الصدّيقين .. وكلامهم كلام الابرار .. عمّار الليل ومنار النهار ... متمسّكون بحبل القرآن .. يحيون سنن الله وسنن رسوله .. لا يستكبرون ولا يغلون ولا يغلوّن ولا يفسدون .. قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل ...[/grade]
     

مشاركة هذه الصفحة