إيمان آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم

الكاتب : مزحاني حر   المشاهدات : 603   الردود : 2    ‏2004-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-10-01
  1. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    1.إن آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم جميعهم مؤمنون موحّدون، مِن لَدُن آدم إلى عبدالله عليهم سلام الله، والدليل على ذلك:

    ـ قوله تعالى: « وممّن خَلَقْنا أُمّةٌ يَهدون بالحقِّ وبه يَعدِلون ». الأعراف / 181
    فلابد أن يوجد في كل عصر، منذ بدء الخليقة، مَن يهدي للحقّ والعدل والتوحيد. وتوضّح الآيات والأحاديث التي سنذكرها أن الأمّة المقصودة في هذه الآية الكريمة تشمل آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أو تخصّهم.

    2 ـ قوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم: « وتَقَلُّبَكَ في الساجِدين ». الشعراء / 219
    . قال: يرى تقلّبه في أصلاب النبيّين من نبيّ إلى نبيّ، حتّى أخرجه مِن صُلب أبيه مِن نكاح وغير سفاح من لَدُن آدم. وقيل: معناه: وتقلبك في أصلاب الموحّدين من نبيّ إلى نبيّ، حتّى أخرجك نبيّاً، عن ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة، وهذه الرواية اتت عن أبي جعفر وأبي عبدالله صلوات الله عليهما. (مجمع البيان 207:7).

    قال الرازي إن المراد تقلّبه أي النبيّ تنقّله صلّى الله عليه وآله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية. وهو الوجه الأولى بالقبول من وجوه تفسير الآية، فقد أخرج ابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله تعالى: « وتقلُّبَك في الساجدين » من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي، حتّى أخرجتك نبيّاً، ففسّر تقلّبه في الساجدين تنقّله في أصلاب الأنبياء .

    قال " الحافظ شمس الدين بن ناصر الدمشقي .

    تَنقَّلَ أحمدٌ نوراً عظيماً......تلألأ في جباه الساجـدينا

    تقلّبَ فيهمُ قَرناً فقَرناً......إلى أن جاء خيرُ المرسَلينا


    3 ـ وحمل الآية على أعمّ منهم وهم: المصلّون الذين لم يزالوا في ذريّة إبراهيم، أوضح ليشمل غير الأنبياء، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريح في قوله تعالى:« ربِّ اجعلني مُقيمَ الصلاةِ ومِن ذريّتي ربَّنا وتقبّلْ دُعاءِ » إبراهيم / 40. قال: فلا يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى.


    4 ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد في قوله تعالى: « وجَعَلَها كلمةً باقيةً في عَقبهِ » الزخرف / 28، وعن قتادة في الآية: هي شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لا يزال في ذريته ـ أي إبراهيم ـ من يقولها بعده.
    أقول: هذه الآية تشمل آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم الذين هم من ذرية إبراهيم عليه السّلام.

    5ـ ولقوله تعالى لإبراهيم عليه السّلام: « قال إنّي جاعلُك للناس إماماً قال ومِن ذريّتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين » البقرة / 124.

    • فالظالم لا يناله عهد الله تعالى ( لأنه مشرك ) حيث ورد في الآية الكريمة:
    « يا بُنيَّ لا تُشرِكْ باللهِ إنّ الشركَ لَظُلمٌ عظيم » لقمان / 13. فليس في هذه الذرية النبويّة ظالم، لقوله تعالى: « وبارَكْنا عليه وعلى إسحاقَ ومِن ذريّتهِ مُحسنٌ وظالمٌ لنفسِه مُبين » الصافّات / 113.

    إذ المقصود: أنّ مَن كان محسناً من هذه الذرية ففيه النبوة، لأن الظالم لا يناله عهد الله ولا يكون نبياً أو إماماً لأنه مشرك كما أسلفنا.

    • وليس فيها اي الذرية المطهرة من يضلّه الشيطان أو تضلّه الأصنام والأوثان، لقوله تعالى على لسان إبراهيم: « ربِّ إنهنّ أضْلَلْنَ كثيراً من الناس » إبراهيم / 36. فآباء الرسول الكريم هم من القليل الذي لم يكن ضالاً.

    • وليس فيها من يتخلّى عن عقيدة إبراهيم عليه السّلام وهي التوحيد، لقوله تعالى، على لسان إبراهيم: « فمَن تَبِعني فإنّه مني ومَن عصاني فإنّك غفور رحيم » إبراهيم / 36. فليس هناك من عاصٍ بين آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، لأنّ العصاة مصيرهم إلى النار ـ والعياذ بالله تعالى.

    • وليس فيها من يرغب عن ملّة إبراهيم عليه السّلام، لقوله تعالى: « ومَن يَرغبُ عن مِلّة إبراهيمَ إلاّ مَن سَفِهَ نفسَه » البقرة / 130. والأنبياء بعيدون عن السَّفَه؛ لأنّهم مثال الكمال.

    • وليس فيها العمل غير الصالح، لقوله تعالى: « إنّه ليس من أهلِكَ إنّه عملٌ غيرُ صالح » هود / 46. وهو وإن كان ابنَه حقيقةً إلا أنه نفاه من أهله لأنه ظالم، قال تعالى: « ولا تُخاطِبْني في الذين ظَلَموا إنّهم مُغرَقون » هود / 37. وقال تعالى:

    « وقيل يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ ويا سماءُ أقلِعي وغِيضَ الماءُ وقُضيَ الأمرُ واستَوت على الجُوديِّ وقيل بُعداً للقومِ الظالمين » هود / 44.

    • وليس فيها فاسق، قال تعالى: « ولقد أرسَلْنا نوحاً وإبراهيمَ وجعلنا في ذريّتِهما النبوةَ والكتابَ فمنهم مُهتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون » الحديد / 26. فالكثير الفاسق لا يمكن أن تكون فيه النبوّة التي بقيت في المهتدين الذين منهم آباء الرسول الكريم.

    • وليس فيها مشرك؛ لأن الشرك يُحبط العمل، قال تعالى: « ولقد أُوحيَ إليك وإلى الذين مِن قبلِك لئن أشركتَ لَيحبَطَنّ عملُك ولَتكونَنّ من الخاسرين » الأنعام / 56.

    وقال تعالى: « ذلك هُدى الله يهدي به مَن يشاءُ مِن عبادِه ولو أشركوا لَحبِطَ عنهم ما كانوا يعملون » الأنعام / 88.

    • وتوجد الهداية في هذه الذريّة النبويّة، قال تعالى: « أولئك الذين هَدى اللهُ فبِهُداهم اقْتدِهْ ». الأنعام/90.

    6 ـ ولدعاء إبراهيم عليه السّلام، قال تعالى: « ربِّ اجعلْني مُقيمَ الصلاةِ ومِن ذريّتي ربَّنا وتقبّلْ دعاءِ » إبراهيم / 40. « ربِّ اجعَلْ هذا البلدَ آمناً واجنُبْني وبَنيَّ أن نعبدَ الأصنام » إبراهيم / 35.

    7ـ ولدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام، قال تعالى: « وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تقبّلْ منّا إنّك أنت السميعُ العليم * ربَّنا واجعلْنا مسلمَينِ لك ومِن ذريّتِنا أمّةً مسلمةً لك وأرِنا مناسكَنا وتُبْ علينا إنك أنت التوّاب الرحيم » البقرة / 127 ـ 128.

    فمَن زعم ـ بعد تلاوة هذه الآية من كتاب الله تعالى ـ أن النبيّ عليه السّلام وُلد من كفّار، فقد زعم أن الأمة المسلمة من ذريّة إسماعيل قد انقطعت في وقت من الأوقات، ومن زعم أنّها انقطعت في وقت من الأوقات، فقد زعم أنّ دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام لم تُستَجب.. ومن قال بذلك فما آمن بالله ولا برسوله صلّى الله عليه وآله وسلم، ولا عرف حقّ أنبيائه ولا منازل حُججه، وكفى بهذا ضلالاً لمن اعتقده.

    فهذا جميعه دليل على إيمان عبدالله بن عبدالمطّلب وآمنة بنت وهب، وعبدالمطّلب بن هاشم وأبي طالب بن عبدالمطّلب رضي الله عنهم.

    8ـ ولدعاء امرأة عمران لابنتها مريم عليهما السّلام، قال تعالى:
    «... وإنّي أُعيذُها بك وذرّيتَها من الشيطانِ الرجيم » آل عمران / 36.

    9 ـ ولدعاء زكريا عليه السّلام، قال تعالى: « هنالك دعا زكريّا ربَّه قال ربِّ هَبْ لي من لَدُنك ذريةً طيّبةً إنّك سميعُ الدعاء » آل عمران/ 38.

    10ـ ولوصيّة إبراهيم ويعقوب عليهما السّلام، قال تعالى: « ووصّى بها إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ يا بَنيَّ إنّ اللهَ اصطفى لكمُ الدِّينَ فلا تَموتُنَّ إلاّ وأنتم مسلمون » البقرة / 132.

    11ـ ولوصيّة يعقوب عليه السّلام، قال تعالى: « أم كنتم شهداءَ إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبَنيهِ ما تعبدون مِن بعدي قالوا نَعبدُ إلهَكَ وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهاً واحداً ونحن له مسلمون » البقرة / 133.

    12 ـ ولقوله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام: « ووهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ وجعَلْنا في ذريّتهِ النبوةَ والكتاب » العنكبوت / 27.

    13 ـ وأكّد يوسف عليه السّلام إيمان آبائه عليهم السّلام، قال تعالى: « واتَّبعْتُ ملّة آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ما كان لنا أن نُشركَ باللهِ مِن شيءٍ ذلك مِن فضلِ اللهِ علينا وعلى الناس ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يَشكرون » يوسف / 38.

    14 ـ وحين طلب إبراهيم من الله عزّوجلّ: « ربَّنا وابعَثْ فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتِكَ ويعلّمُهمُ الكتابَ والحكمةَ ويُزكّيهم إنك أنت العزيز الحكيم » البقرة / 129.
    إستجاب الله عزّوجلّ دعاءه فبعث سيّدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأرسله رحمة للعالمين. ( ابن الذبيحين إسماعيل وعبدالله عليهما السّلام )اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد، عددَ ما ذَكَرك الذاكرون، وغفَل عن ذِكرك الغافلون.

    وقد ذكرنا الآيات المتعلّقة بيعقوب وإسحاق ويوسف وزكريا ومريم عليهم السّلام، لأنّ جميع آباء الأنبياء مؤمنون، ولأنّ الذريّة تكون أيضاً من ناحية الأم، قال تعالى: « وتلك حُجّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومِه نرفعُ درجاتٍ مَن نشاء إنّ ربَّك حكيمٌ عليم * ووهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ كُلاً هدينا ونوحاً هدَينا من قَبلُ ومِن ذريّته داوودَ وسليمانَ وأيوّبَ ويوسُفَ وموسى وهارونَ وكذلك نجزي المحسنين * وزكريّا ويَحيى وعيسى وإلياسَ كلٌّ من الصالحين * وإسماعيلَ واليَسَعَ ويونُسَ ولوطاً وكلاً فضَّلْنا على العالمين * ومِن آبائِهم وذريّاتهم وإخوانِهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراطٍ مستقيم » الأنعام 83 ـ 87.

    وقد احتجّ بهذه الآية الكريمة يحيى بن يعمر حين قال له الحجّاج: أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين وَلَدا رسول الله، فأجابه: بل الله يقول ذلك، فقال له الحجّاج: إن أتَيتَني بآية من كتاب الله تقول أنّ الحسن والحسين ولدا رسول الله ـ غير آية المباهلة ـ أعطيتك عشرة آلاف دينار، وإلاّ ضربتُ عُنقك. فقال يحيى: وإن كانت آية المباهلة نِعمَ الشاهد، إلا أني آتيك بغيرها. فقرأ الآيات من سورة الأنعام، وقال: يا سُبحان الله! إذا كان عيسى هو ابن إبراهيم من أمه مريم؛ لأنه لم يكن له أب، فكيف لا يكون الحسن والحسين ابنَي رسول الله من أمهما فاطمة، وهي ابنة محمّد بدون واسطة ؟!

    فبُهت الحجاج، وقال ليحيى: خذ الدراهم لا بارك الله لك بها. وكان قد استدعاه ليذبحه بدل الأضحية في العيد.


    وفي ( شرح النهج، لابن أبي الحديد 334:20 ): أن عمرو بن العاص أرسل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام يعيبه بأشياء منها: أنه يسمّي حسناً وحسيناً ولدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال عليه السّلام لرسوله ـ أي لرسول عمرو ـ: قل للشانئ ابن الشانئ: لو لم يكونا ولدَيه لكان أبتر ـ كما زعم أبوك.

    15ـ وقد صحّ في أحاديث كثيرة أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:
    • نُقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة.
    • لم أزل أُنقَل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات حتّى أُسكنت في صلب عبدالله ورحم آمنة.
    • لم يزل الله تعالى ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات حتّى أخرجني إلى عالمكم هذا.
    فكان ذلك من أوضح الدليل على إيمان المشار إليهم ـ عليهم السّلام ـ شهادة الرسول الصادق بالحق، والناطق بالصدق لهم بالطهارة، وقد أخبر الله تعالى عن الكافرين بالنجاسة، فقال: « إنما المشركون نَجَس » التوبة / 28.

    والنجَس بخلاف الطاهر، فبيّن عليه السّلام أنهم مؤمنون غير مشركين؛ لأنهم لو كانوا عنده ـ عليه السّلام ـ مشركين لما شهد لهم بالطهارة بعد حكم الله عليهم بالنجاسة.
    فإن قيل: إنما أراد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالطهارة، خلوَّهم عن المناكح الفاسدة التي كانت الجاهلية تستعملها، ولم يُرد الطهارة التي هي الإيمان.

    قلنا: شهادته صلّى الله عليه وآله وسلّم بالطهارة لهم عامّة في الإيمان والمناكح الصحيحة، فمن خصّها بأحد الوجهَين دون الآخر طُولب بالدليل.

    وأيضاً: لو كان عليه السّلام أراد بذلك لوجب أن يُبيّنه في حديثه لكي لا يقع فيه الإبهام أنّه شهد لمن سمّاه الله تعالى في كتابه نجَساً بالطهارة.

    • ما وُلدتُ من بَغِيّ قطّ منذ خرجت من صُلب آدم، ولم تزل تتنازعني الأمم كابِراً عن كابر حتّى خرجت من أفضل حَيَّين من العرب هاشم وزهرة.
    ورحم الله القائل:

    قريشٌ خــيار بنــي آدمِ....وخير قريش بنو هاشمِ
    وخير بني هاشم أحـمدٌ...رسولُ الإله إلى العـالَمِ

    16ـ ويقول عليّ عليه السّلام في نهج البلاغة عن آباء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:
    • فاستودَعَهم في أفضل مستودَع، وأقرّهم في خير مقرّ، تناسختْهم كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلّما مضى منهم سَلَف قام منهم بدِين الله خلف، حتّى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأخرجه من أفضل المعادن مَنبتاً، وأعزّ الأرومة مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أُمناءه.

    • وقال عليه السّلام: واللهِ ما عبد أبي ولا جدّي عبدالمطلب، ولا هاشم ولا عبدمناف، صنماً قطّ، قيل له: فما كانوا يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السّلام متمسّكين به).

    17ـ وقد صحّ من طرق صحيحة: أن الأرض لم تَخلُ من سبعة مسلمين، فمن ذلك ما أخرجه عبدالرزاق وابن المنذر بسند صحيح على شرط الشيخين عن عليّ رضي الله عنه قال: « لا يزال على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك لهلكت الأرض ومن عليها ».

    وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس، قال: « ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض ».

    18 ـ وأخرج البخاري حديثاً: بُعثتُ من خير قرون بني آدم، قَرناً فقرناً، حتّى بُعثتُ من القرن الذي كنت فيه.

    فإذا قارنت بين هاتين المقدّمتين ـ أعني: بعثت من خير قرون بني آدم... الخ، و: ان الأرض لم تخل من سبعة مسلمين... الخ ـ

    انتج ما قاله الفخر الرازي من أن آباءه صلّى الله عليه وآله وسلّم كلهم موحّدون، لأنه إن كان كلّ جدّ من أجداده السبعة المذكورين في زمانهم، ففيه المُدّعى ـ أي المطلوب ـ وإن كان غيرهم، فإما أن يكونوا على الحنيفيّة ( ملّة إبراهيم عليه السّلام ) فهو المدّعى أيضاً ـ أي المطلوب ـ وإما أن يكونوا على الشرك، فيلزم أحد الأمرين:

    إمّا أن يكون غيرُهم خيراً منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح من أنهم من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً.

    وإمّا أن يكونوا خيراً وهم على الشرك، وهو باطل بالإجماع، قال تعالى: « ولَعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ مِن مُشرك » البقرة / 221.

    فثبت أنهم على التوحيد، فيكونون خير أهل الأرض في زمانهم، وقد ذكر البرزنجي والسيوطي وغيرهم ممن ألفّوا في نجاة آباء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمّهاته، وفي أنهم كلّهم على التوحيد.. دلائلَ وبراهينَ على ذلك، وأفردوا كل واحد من الآباء بترجمة.

    19ـ وقد قال أبو طالب عليه السّلام مادحاً الرسول الكريم:

    أنت النبيُّ محمّدُ....قَرم أغــــــرُّ مُسَوَّدُ
    لمسوّدين أكارمٍ....طابوا وطاب المولدُ
    نعم الأرومة أصلُها..عمرو الحطيم الأوحدُ

    20 ـ ولسيّدنا عبدالله عليه السّلام والد الرسول الكريم هذه الأبيات:

    لقد حكم السارون في كلّ بلدة...بأنّ لنا فضلاً على سائر الأرضِ
    وأن أبي ذو المجد والسؤدد الذي ..يُشار له ما بين نشرٍ إلى خفضِ
    وجَــدّي وآباءٌ لــه أثِلوا الــعلا قديماً بطِيب العُرف والحسَب المحضِ

    21ـ ومدح العبّاس بن عبدالمطلب رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قائلاً:
    مِن قبلها طِبتَ في الظلال، في مستودعٍ حيث يُخصف الورقُ

    22 ـ وقال البوصيري مادحاً الرسول الكريم:

    لم تزل في ضمائر الكونِ... تُختار لك الأمّهاتُ والآباءُ
    وبدا للوجود منك كــريم ....مــن كريم آباؤه كــــرماءُ
    نسَب تحسب العلا بحلاه....قـلّدتها نجومُـــها الجوزاءُ
    حبّذا عِقدُ سُؤددٍ وفَخارٍ.....أنت فيه اليتيمة العـصـماءُ

    23ـ ومعلوم أن النبوة اصطفاء واجتباء واختيار وإنعام، قال تعالى: « إن اللهَ اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عمرانَ على العالمين * ذُريّةً بعضُها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم » آل عمران / 33 ـ 34. « أولئك الذين أنعمَ اللهُ عليهم مِن النبيّين مِن ذريّةِ آدمَ وممّن حَمَلْنا مع نوحٍ ومِن ذرّية إبراهيمَ وإسرائيلَ وممّن هدَيْنا واجتبَيْنا إذا تُتلى عليهم آياتُ الرحمنِ خَرّوا سُجّداً وبُكِيّا » مريم / 58. « الله يَصطفي من الملائكةِ رُسُلاً ومن الناس » الحج / 75.

    24ـ يتّضح مما ذكرنا أن النبيّ أو الرسول يجب أن يكون طيّب الأصل طاهر المولد، بعيداً عن الشرك الذي هو ( الظلم والنجَس )، يتكرّم الله عزّوجلّ عليه بالعصمة ليكون أهلاً لحمل الرسالة وأداء الأمانة، قال تعالى لرسوله الكريم: « إنا سنُلقي عليك قَولاً ثقيلاً » المزمّل / 5.

    فتلقّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الرسالة لأنّه طاهر من طاهرين، لم تدنّسه الجاهلية بأنجاسها ولم تُلبسه من مُدْلهمّات ثيابها، ولم يكن للشيطان سبيل عليه، وصدق الله عزّوجلّ حيث يقول: « اللهُ أعلمُ حيث يجعلُ رسالتَه » الأنعام / 124.

    25ـ قال السيّد زيني الدحلان: وقد ذكر البرزنجي في أول رسالته في مبحث نجاة الأبوين، نجاة جميع الآباء وأنهم كانوا على التوحيد، ثمّ قال في مبحث نجاة أبي طالب: لم يُنْقَل من أعمام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: ( لِمَ تسبّ آباءنا وتشتم آلهتنا، وتسفّه أحلامنا )، كما قالته بقية قريش، فلو عرفوا عن آبائهم ذلك لقالوا: اترك ذِكر آبائك بسوء.


    26 ـ وقال الماوردي في كتاب (أعلام النبوة ): وإذا اختبرتَ حال نسبه صلّى الله عليه وآله وسلّم وعرفت طهارة مولده، علمت أنه سُلالة آباء كرام، ليس فيهم مرذول، بل كلّهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوّة.

    27ـ وقال بإيمان آباء الرسول الكريم الامامية الاسماعيلية والاثنى عشرية ، والزيدية وأكثر علماء المعتزلة، وقال بإيمانهم الكثير من علماء السنة، وألّفوا في ذلك الكتب العديدة، نذكر منها للسيوطي:
    1 ـ مسالك الحنفا في والدَي المصطفى.
    2 ـ الدرج المنيفة في الآباء الشريفة.
    3 ـ المقامة السندسيّة في النسبة المصطفويّة.
    4 ـ التعظيم والمنّة في أنّ أبوَي رسول الله في الجنّة.
    5 ـ نشر العَلَمَين في إحياء الأبوَين.
    6 ـ السُّبُل الجلية في الآباء العلية(18).

    وللسيّد محمّد بن رسول البرزنجي كتاب في نجاة أبوي الرسول الكريم، وتوجد مؤلفات أخرى لم نتمكّن من ذكرها.

    اما ماذكر عن « آزر » عمّ إبراهيم عليه السّلام
    إن كل ما ورد حول « آزر » الذي لم يكن مؤمناً، يفيد أن المعنيّ بذلك ليس والد إبراهيم الصُّلبي، وإنما المقصود به عمه أو زوج أمّه.أو جده لامه والدليل على ذلك:

    1ـ لم ترد كلمة « والد » في الآيات المتعلق بـ «آزر» وإنما وردت كلمة «أب».
    2 ـ إن ذكر كلمة « آزر » في الآية الكريمة: « وإذ قال إبراهيمُ لأبيه آزرَ أتتّخذُ أصناماً آلهةً إنّي أراك وقومَكَ في ضَلالٍ مبين » الأنعام / 74.دليل على أن المقصود هو غير والده الصُّلبي، لأنه لا يوجد لإبراهيم غير والد صلبي واحد، وانظر إلى قوله ( إنّي أراك وقومَك ) فلم يقل ( وآباءك ) حيث أن بعض الروايات تقول: إنّ عم إبراهيم تزوّج والدته بعد وفاة أبيه.

    3ـ ذكر المؤرّخون أن والد إبراهيم يُدعى « تارخ ».

    4 ـ أن العرب تطلق كلمة الأب على العم، قال تعالى: « أم كنتم شهداءَ إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبَنيهِ ما تعبدون مِن بعدي قالوا نعبدُ إلهَكَ وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاق » البقرة / 133.
    وإسماعيل هو عمّ يعقوب عليهما السّلام.

    5 ـ إن إبراهيم كان يذمّ آزر وقومه، ويعيب آباءهم وأجدادهم لعبادتهم الأصنام، ولم يوجّه النقد أو ينسب العيب لآبائه أو أجداده هو، قال تعالى: « وإذ قال إبراهيمُ لأبيه آزرَ أتتّخذ أصناماً آلهةً إنّي أراك وقومَك في ضَلالٍ مُبين » الأنعام / 74.

    وقال تعالى: « ولقد آتينا إبراهيمَ رُشدَه من قَبلُ وكنّا به عالِمين * إذ قال لأبيه وقومِه ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجَدْنا آباءَنا لها عابِدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبين » الأنبياء / 51 ـ 54.

    وقال تعالى: « واتْلُ عليهم نبأَ إبراهيمَ * إذ قالَ لأبيه وقومِه ما تعبدون * قالوا نعبدُ أصناماً فنَظَلُّ لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تَدعُون * أو ينفعونَكم أو يَضرّون * قالوا وَجَدنا آباءَنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤُكمُ الأقدمون * فإنهم عدوٌّ لي إلاّ ربَّ العالَمين » الشعراء / 69 ـ 77.

    فلم يقل إبراهيم آبائي أو أجدادي، وإنما قال لهم: أنتم وآباؤُكم.

    6 ـ إن حادثة إبراهيم عليه السّلام مع آزر وقومه جرت أو تكررت وإبراهيم متقدّم بالسن ـ وهي تحطيم الأصنام ـ ووالده الصلبي كان قد توفّي، والدليل على ذلك قوله تعالى: «وأعتزِلُكم وما تَدعُون مِن دونِ اللهِ وأدعو ربّي عسى أن لا أكونَ بدُعاءِ ربّي شقيّاً * فلمّا اعتزَلَهم وما يعبدون مِن دون اللهِ وَهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ وكلاً جعَلْنا نبياً» مريم / 48 ـ 49.

    وقد وُلد إسحاق وإبراهيم شيخ وزوجته عجوز، قال تعالى: « قالت ـ ( أي زوجة إبراهيم للملائكة ) ـ يا ويلتى أألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بَعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب * قالوا ـ ( أي الملائكة ) ـ أتعجبين مِن أمرِ اللهِ رحمةُ الله وبركاتُه عليكم أهلَ البيتِ إنّه حميد مجيد » هود / 72 ـ 73.

    ويؤكّد تقدّم إبراهيم بالسنّ عند وقوع الحادثة قولُه تعالى: « الحمدُ للهِ الذي وَهَبَ لي على الكبَرِ إسماعيلَ وإسحاقَ إنّ ربّي لسميعُ الدعاء » إبراهيم / 39.

    7 ـ لم يقل آزر لإبراهيم ولدي أو ابني، وإنما سمّاه باسمه، قال تعالى: « قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم » مريم / 46.

    8 ـ والدليل على إيمان والدَي إبراهيم الصلبيين، دعاؤه عليه السّلام، قال تعالى: «ربَّنا اغفِرْ لي ولوالدَيَّ وللمؤمنين يومَ يقومُ الحساب» إبراهيم / 41.

    فعطف والديه على المؤمنين، واستغفاره لهما دليل على إيمانهما، وكذلك الأمر بالنسبة لوالدي نوح عليه السّلام، فإنهما مؤمنان بدليل دعاء نوح عليه السّلام لهما. قال تعالى: « ربِّ اغفرْ لي ولوالدَيَّ ولمَن دخلَ بيتيَ مؤمناً وللمؤمنين والمؤمناتِ ولا تَزدِ الظالمين إلا تَبارا » نوح / 28.
    فاستغفاره لهما، ونفي الظلم عنهما دليل إيمانهما ( لأنّ الشرك ظلم عظيم )، فقد نفى عنهما الشرك، فآباء جميع الأنبياء والمرسلين مؤمنون موحّدون طاهرون، بدليل ما قدّمنا.

    ومما لا يجوز معه أن يكون آزر المشرك والداً صُلبيّاً لإبراهيم عليه السّلام، يقول زيني دحلان عن البرزنجي: قال: وما تقدّم من أنّ آزر عمّ إبراهيم وليس بأبيه، وهو القول الصحيح، قال ابن حجر الهيثمي: إن أهل الكتابين أجمعوا على أن آزر لم يكن أباً لإبراهيم حقيقة، وإنما كان عمه، وقد سمّاه الله في القرآن أباً لأنّ العرب تسمّي العم أباً، وجزم بذلك الفخر الرازي، وقال: جاء في القرآن تسمية العم أباً، قال تعالى: « إلهَك وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيل » البقرة / 133.فقد بان الحق وتبلج

    مع أن الكلام مع أولاد يعقوب، وإسماعيل عم يعقوب، وقد سبق الرازي جماعة من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وابن جرير والسدي، قالوا: ليس آزر أباً لإبراهيم وإنما هو عمه، لأن إبراهيم أبوه « تارخ » وممّن وافق الرازيَّ الماورديُّ من أئمّة الشافعية.

    وقال السيّد فخر: فإن احتجّ المخالف لنا في إيمان آباء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بما حكاه الله عن إبراهيم عليه السّلام وأبيه، قلنا: إن إبراهيم عليه السّلام إنما كان يخاطب بتلك المخاطبة عمَّه آزر بن ناحور، فأما أبوه فكان اسمه تارح بن ناحور بإجماع أهل العلم: فكان أبوه قد مضى فتزوّج عمّه آزر بأمه وربّاه يتيماً في حِجره، وكانت السُّنّة في ذلك العصر وبعده إلى مبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أن كلّ مَن ربّى يتيماً في حَجره سُمّي ابناً له وجُعل من يربّيه له أباً، على أن العرب تسمّي العمَّ أباً، وابن الأخ ابناً، وقد نطق القرآن بذلك، وتكلّمت به العرب، فقال الله تعالى:

    « أم كنتم شهداءَ إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيهِ ما تبعدون من بعدي، قالوا نعبد إلهَك وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهاً واحداً ونحن له مسلمون » البقرة / 133.فجعل إسماعيل أباً ليعقوب ـ وهو عم يعقوب؛ لأن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام، وإسماعيل بن إبراهيم عليه السّلام. وكذلك سبيل إبراهيم عليه السّلام ـ فيما اختصّه الله تعالى من دعوته لأبيه أنه كان يخاطب عمه على ما بيّناه من جواز تسمية عمّه بأبيه ـ من جهة أن العمّ يُسمّى أباً ـ على ما نطق به القرآن، ومن جهة أنه كان زوج أمه وتربّى يتيماً في حجره .

    فهذا ما اقتضا بيانه وأكثر المسلمين سنه وشيعة كما بينا يعتقدون بأيمان اباء النبي صلى الله عليه وآله ، بأستثناء الفرقة الأموية .. نسأل الله ان يوفق للحق عباده ويهديهم الى سواء السبيل . وحسبنا الله ونعم الوكيل . والسلام عليكم ..







    ///////////////////////////////////////
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-10-06
  3. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    أرجوا أن أكون قد أقمت الحجة على من قال بكفرهم
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-10-07
  5. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    توهم نفسك فقط يامزحاني حر بأن قد اقمت الحجة ....

    وانا لااحب الخوض في هذا الموضوع لان الله اعلم وادرى بهم مني ومنك ولن نستفيد من هذا الموضوع اي شئ
     

مشاركة هذه الصفحة