محاضرة للحبيب علي الجفري: شهر رمضان موسم لتزكية النفس الأمّارة بالسوء

الكاتب : الميزان العادل   المشاهدات : 2,940   الردود : 0    ‏2001-11-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-11-13
  1. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    الحبيب علي الجفري محاضراً عن درس الصيام وأثره في سلوك المسلم:
    شهر رمضان موسم لتزكية النفس الأمَّارة بالسوء


    رأى الحبيب علي بن زين العابدين الجفري، الداعية وعضو هيئة التدريس بدار المصطفى في حضرموت، أن المسلم يتعلَّم من صيامه سر الاقتدار، أي أن يكون قادراً بالمقتدر جلَّ جلاله، واستدلّ على ذلك بالأفعال الظاهرة من امتناعه عن الطعام والشراب والمعاشرة في نهار رمضان، وبالابتعاد عن منازعة الخلق في الحياة، والإقلاع عن كل ما نهى الله عنه، والاقتراب من كل ما أمر به.
    وتعجَّب الجفري من خضوع النفس المتغطرسة لله أثناء صيامها، فتتوجَّه له -سبحانه- بالمفاجأة والتأدب، وقال: إذا غضب الإنسان، فإنه بقوله: إني صائم، إني صائم، يتقوَّى على نفسه لتجنُّب عمل الخطأ انسياقاً للغضب، وأكَّد على ضرورة استشعار القلب للمعنى المقصود بالصيام.

    ودعا العلامة الجفري، في محضارة مستضافة بالمجمَّع الثقافي، تحت عنوان: درس الصيام وأثره في سلوك المسلم*، إلى الاعتبار وتعلُّم الدروس من هذا الشهر الكريم، بأن يأخذ العقل نصيبه منها، وكذلك القلب، والنفس، والروح، وأن يدرك فيه الإنسان معنى إنسانيته.

    وأشار إلى أن مراتب المقبلين على مائدة الصيام تتفاوت بتفاوت المدرك من هذا الصيام، وفهم البشر لمعاني الإدراك يكون على مراتب، فالكافر الذي حُرِم من الإيمان، إدراكه مقصور على ما ارتبط بالحواس الخمس، في إطار ما سُمِّي في علم النفس التجربة الغريزية أو الدواعي الإنسانية، ولا يعدو كونه متَّصفاً بالمحدودية التي لا تتجاوز التجربة أو الحدس الخاص بالإنسان منقطع الصلة عن الرب.

    وذكر أن مراتب الإدراك لا تتوقَّف عند هذا الحد فقط، بل تتجاوزه إلى معنى الخلافة في هذا الوجود، مما يؤدِّي إلى اتساع معاني الإدراك، من العقلي القائم على الحواس والتجربة، والطبيعي القائم على تركيبة النفس الإنسانية، إلى الإيماني القائم على فهم المؤمن لمعاني عقله ونفسه وروحه على مائدة قلبه لتصحيح علاقته بربه، وقسَّم الإدراك إلى ثلاث مراتب: الهم، الهمَّة، المهمة.

    واعتبر أن مَن همّه بطنه وفرجه، لم يرتقِ عن مستوى البهيمية في همِّها، بل إن البهيمية ترتقي عنه في أدائها ما كُلِّفت به وخُلقت من أجله، ومَن همّه الله فإن إدراكه يرتقي إلى أعلى المراتب، فهناك فرق كبير بين من همّه المال والشهوات ومَن جعل منتهى همّه الخالق جلَّ جلاله، فمَن همّه الطعام والشراب تكون همّته على قدر ذلك، ومَن همّه منزلة بين الناس فهمّته غايتها وسقفها الخلق.

    وتعجَّب الجفري من السر العجيب الذي وضعه الله في الإنسان، حيث تكون الهمَّة على قدر المهمة، تحفزه على تجاوز المصاعب على قدر استطاعته، وأعظمها هي المهمة التي من أجلها خلق الإنسان، التي هيَّأته ليكون على قمة هذا الكون والجميع (حجر، نبات، حيوان، شياطين، ملائكة) مسخَّرون لهذا العنصر الإنساني لأداء مهمته، وارتقاء الإنسان في فهم المهمة وأدائها، مرجعه إلى فهمه لله، ولأبعاد مهمّة الخلافة في الأرض، ولذلك فإنه أكَّد، بالنسبة لفهم الإنسان لدرس الصوم، على التلازم بين المعرفة بالله والقيام بالمهمة.

    وركَّز، الشيخ الجفري في حديثه عن درس الصيام، على الموعظة والاعتبار من موضوع النفس الأمَّارة بالسوء، التي دعا إلى تزكيتها وترويضها وكبح جماحها، وأشار إلى أنها قد أودعت من القابلية والتهيُّؤ ما يجعلها أرقى شيء في الوجود، ،،،،فالنفس مؤشِّر السعادة أو التعاسة في الإنسان، والقلب، وإن كان القائم على توجيه الإنسان، غير أنه لا يرتقي إلاَّ بمقتضى تزكية هذه النفس، والروح لا يتأتَّى لها بمعاني نورانيتها إلاَّ بمقدار تزكية النفس وأدائها لمهمتها، فمبتدأ النفس وحالها أن تكون على سعادة أو سوء، كما أن السعي لتزكية النفس تجعل للإنسان همَّة ومهمّة ينشغل بها في حياته، تثمر عن سرعة ارتقائه لنفسه.

    وأكَّد أن درس الصيام جاء ليروِّض العبد نفسه على أن يترك ما يريد، إلى ما أمر الله به النفس البشرية ونهاها عنه، وفي ذلك حضٌّ على طاعة الله وترك المعاصي، ورأى أن المسلم يتعلَّم من صيامه سر الاقتدار، فإذا جاء موسم الصيام ليتذوَّق مع فعله الظاهر ترك الطعام والشراب (توأم الحياة)، والمعاشرة (حفظ الصنف الإنساني)، وترك المشتهيات ومنازعة الخلق في الحياة (شتم، سب، رفت، صخب)، فإنه يتعلَّم أن يكون قادراً بعد العجز، فيصير قادراً بالقادر جلَّ جلاله.

    ونوَّة إلى أن الإنسان الملتزم بآداب شهر رمضان، إذا غضب فإنه يتقوَّى على نفسه بالقول: إني صائم، إني صائم، لعدم عمل الخطأ انسياقاً للغضب، وفي ذلك تأديب لنفسه بالصيام، بكبحه جماح مادة الهوى: هوى الشهوة، وهوى الغضب، وهوى النفس، وفي ذلك تدريب وتعليم للإنسان لفترة ما بعد الصوم وما بعد شهر رمضان، وهو أساس الإدراك المقصود من الصيام.

    وميَّز العلاَّمة الجفري بين ثلاثة أنواع من الصيام، فهناك صوم العوام: بالامتناع عن المحرَّمات وتحسُّس مخافة الله في كافة الأفعال والأقوال، وهناك صوم الخواص: بالابتعاد عما لا يرضي الله، وهناك صوم خواص الخواص: بالصوم عما سوى الله، والصوم خاص لله، وهو العبادة الوحيدة العملية التي لا يمكن أن يقوم بها الإنسان إلاَّ خالصة لله تعالى، معاملة مع الله تدعو إلى خلوص القصد، وهذا مفتاح تذوُّق دروس الصيام.

    وأشار إلى أن من دروس الصيام أن يتذكَّر الإنسان قِصَر مدَّة الحياة كقِصَر يوم الصيام، بل إن يوم الصيام معلوم الانتهاء، وعمر الإنسان غير معلوم، ويمكن أن ينتهى قبل انتهاء يوم الصيام.

    وردّاً على بعض التساؤلات من جمهور الحاضرين، قال الشيخ الجفري إن الإنسان ابتلي بالشياطين التي توَسْوِس له، غير أن حقيقة السوء الذي يفعله في رمضان، ليس من هذا الباب، لأن الشياطين تكون مصفَّدة بالأغلال، وإنما من باب النفس الأمَّارة بالسوء، لذلك -أوضح المحاضر- من غير المنطقي أن يرمي الإنسان سائر أخطائه وغضبه وسوئه على الشيطان، وإنما النفس التي في حاجة إلى تصفيد ذاتي بالتزكية والتأديب.

    وصرَّح بضرورة استشعار القلب للمعنى المقصود بالصيام، كي يستمر عطاء الإنسان بعد رمضان، وحذَّر من مجرَّد أداء معاني الصوم (طعام، شراب، صلاة،،،) كأن الإنسان يريد التخلُّص من التزام عليه وكفى، وأكَّد على استمرارية نورانية الصوم في المعاملات والعادات بعد الإفطار وبعد رمضان.
    وفي ختام محاضرته دعا الشيخ الجفري إلى ضبط النفس وتزكيتها، والقيام على المناسك والفروض الشرعية، وحضَّ على حسن تربية الأبناء التربية السليمة، واغتنام شهر رمضان كفرصة مناسبه للاهتمام بهم، وحذَّر من أولئك الآباء والأمهات الذين لاهمَّ لهم سوى إطعام أبنائهم وتوفير وسائل الرفاهية المادية لهم وكفى، ولا يحسنون تربيتهم، وفي ذلك ميَّز بين أسلوب البهيمة أو الكافر، وبين الأسلوب الذي يعلِّمه شهر رمضان للوالدين من ضرورة دعوة أبنائهم للحفاظ على الصلاة والصيام والالتزام بمكارم الأخلاق ومعرفة السلالم الشرعية في مراتب الأحكام بما تتضمَّنه من فرائض ومحرَّمات ومباحات ومرغبات.

    * ألقيت بتاريخ9/12/2000.
     

مشاركة هذه الصفحة