قصة ناجده ...للأديب الكبير لابيرنث

الكاتب : سحابه صمت   المشاهدات : 520   الردود : 0    ‏2004-09-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-09-17
  1. سحابه صمت

    سحابه صمت قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-24
    المشاركات:
    13,628
    الإعجاب :
    0
    لقد اعدنا نشر هذه القصه للأديب الكبير لابيرنث لما وجدنا فيها من مأساة وظلم كبير لهذه المرأه ولما تحتويه من عبارات رهيبه جدا فمن إعجابي الشديد بها قررت أن انشرها مرارا وتكرارا فعندما قرأتها انا واخي صدام شعرت بحزن كبير يعتصرني وتأثرت بها كثيرا وقيدت حروفي وتناثرت دموعي فقررنا انا وصدام إعادة نشرها لكم احبائي
    لابيرنث أي أديب انت؟
    اي حس تملكه ؟


    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إليكم القصه:
    هذه قصة الفتها قديما .. ولم استطع الكتابة بعدها ..
    كان شعوري بالعجز عن الاتيان بفكرة مثلها يقيدني ..
    اعرضها عليكم الان بعد ان عدلت فيها وهذبتها وعالجت بعض اخطائها ..
    مع دعوة للنصح ؟؟ هل هذه القصة تصلح لأن تكون رواية ؟؟ ام انها بقالبها هذا تكفي وفكرة تحويلها الى رواية فكرة لا تخدم القصة ؟؟
    اقرأوا واحكموا ..

    @@@@@@@@



    اذا احدث عن صنعاء يا أبت *** مليحة عاشقاها السل والجرب
    ماتت بصندوق وضاح بلا ثمن *** ولم يمت في حشاها العشق والطرب

    دوماً صنعاء … ودوماً أبيات البردوني هي ما يتبادر إلى ذهني كلما تذكرتها …


    رحلة طويلة هي صنعاء …

    كانت صنعاء دوماً هي اجمل وارق الذكريات …
    ذكريات استقلال الشخصية والاعتماد على الذات …
    ذكريات الحب الأول … بحلوه ومره ..
    ذكريات صداقات لن تنسى ….
    لكن ذكرى واحدة لن تنسى على مدى العمر …
    إنها ذكرى الخالة ناجدة …

    * * * * *

    كنت قد انتقلت إلى صنعاء لإكمال دراستي الجامعية … ولحسن حظي حدث ما تمنيته وسكنت إحدى دور صنعاء القديمة … مع مجموعة من الأصحاب والأصدقاء …
    كانت تسكن في الدار المجاورة لدارنا … وقد فتحت في اسفل الدار دكاناً تبيع فيه مختلف الأشياء … من أدوات البقالة إلى مستلزمات التجميل والحناء وخلافه …
    كانت امرأة قد تجاوزت الخمسين من العمر وان كنتَ لا تدرك هذا إلا حين تخبرك به …
    فجسمها الرشيق وقوتها التي تبدو جلية و هي تحمل البضائع تجعلك تدهش من قوتها وهي في هذه السن …
    ورغم أنها كانت تضع البرقع على وجهها إلا انه قد تأسرك عيونها العسلية الواسعة التي تلمع بقوة تنم عن شخصيتها القوية … وكان ما يزيد سحر شخصيتها ستارة تلفعت بها مغطية جسمها ..
    كانت انطوائية وحذرة من الجميع ولم تكن تحتك بأحد … كان الدخول الى عوالم ثقتها ضربا من المستحيل ..
    لا انكر انني حاولت حتى يأست من هذا حتى تركت الأمر برمته تاركا للأيام ان تذيب الحواجز التي بنتها الخالة ناجدة لتحميها من العالم حولها ..
    لكنني مع الزمن استطعت أن اكسب ثقتها … وبعد أن وقفت بجانبها في إحدى المشاكل التي حدثت لها مع التموين انهار آخر حاجز من التحفظ … وصارت تعتبرني مثل ولدها الذي علمت أنه في أمريكا ليكمل دراساته العليا وتركها تعيش وحيدة … رغم أنها لا تهتم وتعتبر انه حر وأنها تفضل أن لا تحتاج إلى أحد …. حتى ولو كان ولدها …
    كانت غريبة في جمود عواطفها وقسوتها وسخريتها من كل من حولها ..
    حدثتني طويلاً عن قريتها التي تقع خارج صنعاء وعن طفولتها وعن حياتها …
    حدثتني عن زواجها من رجل يكبرها بأكثر من ثلاثين عاماً وكيف عاشت معه حياة مريرة أثمرت ولداً ورث جمال أمه وغباء أبيه ….
    حدثتني عن وفاة زوجها وعن سعادتها بوفاته وعن البصل الذي أجبرت نفسها على تنشقه لأجل انسكاب دموعٍ مزيفة تثبت أنها حزينة كي تسلم من ألسنة الناس … وضحكتُ كثيراً على تشبيهاتها الغريبة …
    حدثتني عن انتقالها إلى صنعاء مع زوجها الذي كان يعمل في صنعاء ولم تستطع ان تترك صنعاء بعد وفاته …
    قصص آلمتني و أمتعتني و أضافت عمراً إلى عمري …
    لكن كان اغرب ما سمعته منها هي قصتها مع هاني ..

    * * * * * *
    - كنتُ في السادسة عشرة من عمري … كنتُ اجمل فتاة في القبيلة بلا منازع … وكنتُ البنت الوحيدة بين تل من الأولاد … وكنت المدللة لدى والدي … وكانت غ
    كنا لا ندري ماذا يدور خارج القرية … سوى أن الجمهورية قامت والإمام قتل و أن جيشاً من مصر أتى لليمن ليساعد الجمهورية … وكلامٌ كثير لم اكن افهمه ولم اكن لاهتم به …
    لكن ما صار حديث القرية هو المعسكر الذي أقيم خارج قريتنا … انه مكون من جنود وضباط مصريين …

    اثار هؤلاء الغرباء فضولي الشديد .. كنت صغيرة ومحبة لمعرفة ما حولي .. لم ادخر وسيلة لمعرفة كنه هؤلاء الغرباء .. بدأت اسأل عن مصر .. سألت ابي وسألت الكثيرين لكنني لم اشبع فضولي ..

    كان معسكرهم يقع على الطريق المؤدية إلى البئر التي نستقي منها …
    وكنا نمر عليهم كلما استقينا …
    كانوا ينظرون إلينا بفضول … نراهم وقد توقفوا عن التدريب كلما مررنا بهم …
    وكانت كل واحدة منا تطرق برأسها إلى الأرض كلما مررنا بهم …وهي تحكم شد الستارة على جسدها …
    واعتدنا وجودهم مع الأيام كما اعتادوا وجودنا وصار الأمر مع الأيام عادياً لا يثير الفضول …
    ولكنني كنت قد تعرفت على هاني …
    كان شاباً وسيماً عينيه خضراوين … صادفته اكثر من مرة يشرب من البئر …
    كنت قد أدركت أنني قد أثرت انتباهه من دون الفتيات …
    ربما كان ذلك بسبب أنني المميزة من بينهن وأنني دوماً من أقودهن إلى البئر …
    وربما بسبب انه رأى وجهي في أحد الأيام عندما سقطت الستارة كاشفة وجهي له …
    أدركت انه يتعمد أن يذهب إلى البئر كلما رأى الفتيات يذهبن إلى البئر …رغم أن ذلك كان يثير استهجان الفتيات وحاولن اكثر من مرة إخبار آبائهن بذلك ولكنني منعتهن وقلت لهن انه غريب لا يدري عن العرف ولا عن عاداتنا وهددتهن بالعواقب التي ستحدث والمشاكل بين القبيلة والمعسكر …

    وفي أحد الأيام ذهبت إلى البئر لوحدي … لا ادري ما الذي دفعني للذهاب بمفردي …
    ووجدته كما توقعت عند البئر …
    وبكل جراءة تقدم ليساعدني … لكنني زجرته بعنف …
    فكأنه صدم لموقفي … فقال لي برقة :
    - لماذا هذه الشراسة … أردت فقط أن أساعدك …
    - لا تساعدني … أستطيع أن أقوم بأموري لوحدي … وخذها مني نصيحة … لا تذهب إلى البئر عندما ترانا ذاهبات إليه … بالكاد استطعت منع الفتيات من أن يشكونك إلى آبائهن .
    ابتسم وهو يقول :
    - ولماذا منعتهم ؟
    تلعثمت وأنا أقول :
    - لأنك غريب وربما لا تعرف التقاليد ولا أريد أن يصيبوك بأذى وأنت بيننا … ربما تحصل مشاكل مع المعسكر …
    - اشكر لك اهتمامك … ولن اذهب إلى البئر إلا في حالة واحدة .
    - ما هي ؟
    - إذا كنت لوحدك فقط .
    ضحكت ساعتها ثم استدركت و رسمت الغضب على ملامحي وقلت :
    - لا تذهب بتاتاً … لا تعتمد على طيبة قلبي …ولن تجدني متساهلة معك في المرة القادمة .
    - لا تغضبي … أنا اعرف انك فتاة طيبة … ما اسمك ؟
    وقعت في حيرة … هل أجيبه أم لا ..
    - سألتك عن اسمك فقط … لا تخافي لن أذيعه أمام الملأ ..

    لم اتمالك نفسي ان ركضت هاربة خائفة وكأنني كنت سأخبره عن سر الاسرار ..
    ورغم انني حاولت الامتناع عن الذهاب الى البئر .. لكنني ورغما عني وجدت قدماي تقوداني الى هناك ..
    ووجدته .. كان يكتب في دفتر صغير .. وكان منظره ساحرا وهويكتب .. كنت ارى فقيه القرية وهو يكتب الرسائل الى الاقارب المسافرين واراه كانسان خارق يفعل ما لا يستطيعه كثير من رجال القرية ..
    كانت عقلي يرفضه كغريب ولكنني لم املك دفعا لما احسه من رغبة في معرفة هذا الشاب ومعرفة بلده ..
    التفت فوجدني انظر اليه .. فتراقصت الفرحة على وجهه وهو يقول :
    ـ ها قد اتيت .. لقد غبت فترة طويلة ..
    ظللت جامدة في مكاني .. كانت الف فكرة وفكرة تدور في عقلي .. عن مدى الخطأ الذي ارتكبه الان .. ماذا لورآني احدهم .. مالذي افعله ..
    ـ الن تخبريني عن اسمك ؟
    - اسمي ناجدة .
    - اسم غريب … لكن له وقع على الأذن .. وأنا اسمي هاني .
    وضعت جرتي على رأسي وهممت بالانصراف .. لكنه قال فجأة :
    - هل سنتلاقى مرة ثانية ؟
    نظرت إليه نظرة خاوية … فأنا لا اعرف بما أجيبه … وأشحت بوجهي وانصرفت ..

    * * * * * *
    لم انم ليلتها من ارتباكي وحيرتي … كنت في حيرة من السعادة التي احسها كلما تذكرت شكله وكلامه واسلوبه في التحدث معي .. فلم اعتد من الرجال سوى صوت صراخهم واوامرهم .. كانت اول مرة يعاملني احدهم باحترام وتهذيب .. ولكنني كنت احس بالذنب لما فعلته وغاضبة من نفسي كيف سمحت له بالحديث معي …
    وأحسُ بالخوف كلما تذكرت والدي واخوتي … وماذا سيقولون لو رأوني معه …
    لكنني كنت قد استشعرت سعادةً عجيبة … لم استطع معها منع نفسي من مقابلته مرة أخرى .. وأخرى وأخرى …
    وحتى لا يراني أحد معه كنا نتقابل في تلة بعد البئر … و صرت احتال الحيل حتى اذهب إلى البئر بمفردي …
    حدثني كثيراً عن نفسه وعن وطنه … علمت منه كل شيء عن حياته … عن مدينته وعن دراسته … وكيف انه يتمنى أن يصير أديباً كبيراً …
    حدثني عن السينما والمسرح … وأشياء كنت لا اعرف معناها فتراه يشرحها لي ويرسمها بالرمل حتى افهمها …
    حدثني عن المدارس وعن الحرية الممنوحة للفتاة عندهم وأنها تذهب إلى المدارس وأنها تدرس مثلها مثل الولد .. بهرت بما كان يقوله ..
    تمنيت لو أنني هناك …
    وبنيت قصوراً من الأحلام وتخيلت نفسي امسك دفتراً وقلماً وأنني أستطيع أن اكتب كلاماً يفهمه الآخرون …
    و تذكرت أن اخوتي ذهبوا للكتاب للدراسة بينما منعوني من الذهاب لأنني بنت وسخروا مني عندما طلبت منهم أن يسمحوا لي بالذهاب …
    وكرهت نفسي وأحسست بالنقص والغيرة هو يحدثني عن الفتيات في وطنه …
    حتى انه عندما سألني في أحد الأيام :
    - هل تستطيعين القراءة يا ناجدة
    احترت بماذا أجيبه … هل أقول لا واخسر احترامه … وسيراني فتاة جاهلة لست مثل بنات مصر … ولن أحوز على إعجابه ورضاه …
    لم اكن لأخاطر بمثل هذا الاحتمال … أجبت فوراً :
    - أكيد أستطيع … هل تظنني جاهلة … أستطيع أن اقرأ أي ورقة واكتب كلاماً مفهوماً ..
    ضحك من تعبيري … وقال :
    - حسناً …هذا عظيم … لأنني لن أستطيع أن أقابلك في بعض الأيام بسبب التدريبات واحتمالات المعركة مع الملكيين وأعداء الجمهورية … لذا سأكتب لك رسائل وستردين علي بدورك ..
    اسقط في يدي … ولم ادر بما أجيبه …
    - لا لا … لا أستطيع أن اكتب لك … لو رآني أحدهم ومعي القلم والورقة سيشك في الأمر …
    لذا فقط سأستلم رسائلك وسأقرأها عندما اختلي بنفسي ..
    - حسناً كما تحبين …
    شردت نظراته وهو يقول :
    - سأكتب لك أروع القصائد … وسأخلد قصتنا برسائل كرسائل مي زيادة وجبران خليل جبران ..
    نظرت إليه بغباء … فمن هي مي وزيادة وجبران خليل … يبدو انهم جيرانه أو معارفه في مصر..
    وهكذا استمرت علاقتنا وكان يضع الرسائل تحت صخرة بجانب البئر وكنت أجدها عندما لا أجده …
    وكنت احتفظ بها كلها في صندوق احمل مفتاحه أينما ذهبت … وكان الفضول يقتلني لمعرفة ما يكتبه لكنني لم اجرؤ على الاستعانة بأي شخص لقراءتها … فالفتيات لا يستطعن القراءة … ولم اجرؤ على مصارحة أحد بسري ..
    كانت تلك اسعد أيام حياتي … كنت اكتسب كل يوم معلومة جديدة … وكان صبوراً معي إلى أقصى الحدود …
    كنت اسأله الأسئلة الكثيرة والتي كان يجيب عنها بكل رحابة صدر… ولم يقف جهلي حاجزاً بيننا …
    لكنني كنت أخشى المستقبل … فما مصيري لو علمت القبيلة أنني أقابله سراً …
    وما مصيره هو أيضا … أنا لا اهتم بمصيري وحياتي لا تهمني بقدر ما كنت أخاف عليه …
    كان قد اصبح أغلى ما في حياتي … تعلقت به وأحببته بجنون …
    وكان شاباً رائعاً … لم يلمسني حتى مرة واحدة … احترم تقاليدي وقناعتي ولم يفعل أي شيء يغضبني …
    كنت أتمنى لو نتزوج ويأخذني معه إلى بلاده … لكن هذا هو المستحيل بعينه …
    فلن توافق القبيلة على زواجنا … فتقاليدنا صارمة في هذه المسألة … ولا ادري ما سيكون مصيره لو طلب يدي … أكيد سيقتلونه … وستدور الشائعات عني وعنه ومصيرنا سيكون معروف حينها …
    و لكنني كنت على استعداد للهرب معه لو طلب مني هذا …
    كنت أقول لتذهب القبيلة إلى الجحيم … فكيف يمنعوني من السعادة …
    قد أصبحت بعد أن عرفت هاني فتاة أخرى … فتاة تتوق للحرية …
    تتوق لأن تتعلم وتخرج وتفعل ما تريد بحياتها …
    صرت أرى نفسي فتاة مقيدة …أسيرة القبيلة وتقاليدها … كرهت القبيلة و أهلها وصرت أتمنى اليوم الذي اهرب فيه منها …
    لكن يبدو انه قد كتب علي أن أظل أسيرة و مجبورة على فعل ما يطلبونه مني …

    * * * * *
    جاءني هاني إلى البئر ذات يوم وهو متغير اللون … يلهث وعينيه تدوران في محجريهما …
    أعطاني رسالة وقال لي وهو يلهث :
    - ناجدة … أقرئي الرسالة ونفذي ما فيها … لا املك الوقت الكافي للشرح ..
    فأحسست بقلبي يكاد يتوقف من الخوف وسألته :
    - ماذا حدث ؟؟ اخبرني .
    - لا يوجد وقت للشرح … اقرأيها ونفذي ما فيها وحسب … أرجوك يا ناجدة …
    - حسناً … ولكن اخبرني عن محتواها فقط ..
    - أقول لك لا وقت لدي ..
    وقبل أن يذهب نظر إلى عيني وكأنه يستجدي قبولي وقال :
    - أتمنى أن توافقي يا ناجدة … أرجوك لا تخذليني ..
    ثم ذهب وتركني حائرة … ماذا افعل ؟؟؟ ماذا بيدي …
    أمسكت بالرسالة بقوة … ماذا فيها ؟؟؟ كيف اعرف محتواها ؟؟؟
    لكنني عللت نفسي بأنه سيأتي غداً وسيشرح لي ما الأمر …
    لكنه لم يأتي …
    فوجئنا بأن المعسكر قد اختفى والجنود و الضباط قد اختفوا …
    وعلمنا بعدها أن المعسكر انتقل للقتال المباشر في منطقة أخرى …
    وانتظرت عودة هاني … انتظرت طويلاً …
    لكن الأيام كانت تمر … وتمر وهو لم يعد …
    حتى سمعت خبر أدركت منه انه لن يعود …
    تمت إذاعة أن الجيش المصري قد عاد لوطنه بعد أن انتهت مهمته …
    وعندها أدركت أن هاني لن يعود … لقد ذهب بدون عودة …
    هل مات ؟؟؟ هل عاد ؟؟؟
    هل نساني ؟؟؟
    أين هو ألان ؟؟ لا ادري …
    وعشت في بؤس وألم والذكرى تؤرقني .. وكانت صورته دائما في مخيلتي وفي احلامي .. وعندما اتذكره أحس بالألم في صدري …. و النوم يطير من عيني … عشت أسوء أيام حياتي …
    لكن الله سبحانه وتعالى أعطى قلوبنا السلوى …. مع الأيام هدأت حالتي التي حيرت أهلي وجعلتهم يعرضونني على الأسياد علهم يشفونني …
    وبعدها تقدم زوجي رحمه الله للزواج مني وعرض على اهلي الذهاب بي الى صنعاء حيث انه يعمل هناك فوافقوا ولم أمانع لعدم جدوى الممانعة …
    وعشت معه سنين طويلة … حتى توفاة الله … وأنت تعرف الباقي …

    * * * *
    لم ادري ما أقول لها … فما سمعته كان قد صدمني للغاية … فالذي لم يكن يدر في خلدي ولم أتخيله أن صنعانية تقع في الحب مع مصري … وان قصص الحب العذري التي طالما قرأت عنها ولم اصدق أن أراها …تتمثل أمامي … بصورة الخالة ناجدة …
    احتجت إلى فترة لاستيعاب ما قالته لي … ولما سألتها :
    - ألم تسمعي عنه أو تعرفي إن كان قتل أم لا ، وهل عاد إلى القرية مادمت خارجها …
    - لا ادري يا ولدي … مرت السنين وكنت أمني النفس أنني سألاقيه …
    حتى عندما انتقلت الى هذا البيت في صنعاء القديمة … كنت أقول أن الأجانب وغير اليمنيين لا بد لهم من زيارة صنعاء القديمة حيث أن السياح يتوافدون عليها بالمئات …
    كنت أقول ربما أصادفه … ربما يجمعنا القدر … قد يكتب لنا اللقاء حتى بعد طول الفراق .. لكن الأيام مرت وأدركت أن اللقاء لم يكتب لنا …فعشت على الذكرى
    - وأين هذه الرسائل يا خالة ؟
    - لا زلت احتفظ بها … ولك أن تتخيل كم عانيت في سبيل الاحتفاظ بها ..
    سألتها وقد بدأ الفضول ينتابني :
    - هل تسمحين لي بقراءتها ؟
    هزت رأسها بشدة وهي تقول :
    - لا لا أبدا … انه سري الذي احتفظ به ولم اطلعه على أحد ..
    - لكن يا خالة أنت قد أخبرتني القصة … وأنت أيضا تحتاجين إلى شخص تثقين به ليقرأ لك الرسائل ..
    كانت قد بدأت تفكر بكلامي .. ثم بدا عليها الاقتناع … ثم هزت رأسها بالموافقة …
    ثم دخلت البيت ولبثت دقائق ثم خرجت ومعها صندوق خشبي قديم … فتحته وأخرجت منه الرسائل …
    ناولتني الرسائل … كانت مترددة كأنها تناولني قطعة من جسدها …
    فتحت أول رسالة …
    قرأت الرسالة … قمة العذوبة والرقة …
    كلمات تفيض بالحب والرومانسية …
    ما أروع قلبك يا هاني … سكبت على الورق أروع الكلمات وسطرت معانٍ راقية في الحب …
    قرأت عليها الرسائل …
    كانت دموعها تسيل مع كل حرف وكل كلمة كنت اقرأها …
    حتى وصلت إلى ما صدمني …
    بل ما زلزل أعماقي …
    كانت رسالة ويبدو عليها أنها آخر رسالة …
    كانت تقول :
    ( حبيبتي ناجدة ..
    اكتب لك هذه الرسالة على عجلة … فالجيش سيرحل غداً إلى منطقة أخرى حيث ستبدأ المعركة …
    ولا ادري إن كنت سأعيش أم سأموت بعدها … إنها ليست معركتي وما دخلي إن كان الاخوة يتقاتلون … لماذا أموت في الدفاع عن أحدهم …
    لذا فقد اتخذت قراري … وطوال الأيام السابقة كنت اعد العدة للأمر ..
    سنهرب أنا وأنت … رتبت الأمر بحيث سمحوا لي بالعودة إلى مصر …
    واتفقت مع دليل من المنطقة دفعت له النقود … وسيقودنا إلى طريق الحديدة حيث سنركب إحدى السفن إلى مصر وسنتزوج هناك … وستعيشين معي بين أهلي …
    كل شيء قد تم إعداده ولا ينقصه سواك يا ارق مخلوقة في الوجود …
    أنا اعرف انك لا تمانعين هذا الأمر …. لذا سنلتقي في مكاننا المعهود في الفجر وسنتحرك من هناك إلى الحديدة على الفور …
    لا تحضري معك إلا الضروريات … فلا نريد أي شيء يبطئنا …
    أرجوك لا تخذليني … قلبي معلق بحضورك …
    إذا لم تحضري فلن تري وجهي بعد اليوم ….
    وسأشترك في المعركة و سأحاول أن تكون آخر معركة في حياتي …
    لأنني لن أتحمل العيش بدونك …
    إن أردت أن تنقذيني من الموت فأرجوك أن تحضري …
    قلبي معلق بين يديك يا حبيبتي ..
    المخلص / هاني )

    قبضت على الرسالة بكل قوتي … و بدون شعور صرت اردد :
    - مسكين يا هاني … مسكين يا هاني … ضاع كل شئ .. مسكين يا هاني .
    قالت الخالة ناجدة … وهي تحدق في وجهي بخوف :
    - ماذا هناك يا ولدي … طمئني … قلبي يكاد ينخلع من الخوف … ماذا في الرسالة ؟
    ماذا أقول لها … هل أقول لها أنها دمرت حياة حبيبها بجهلها وبكذبها عليه …
    ماذا بها لو قالت له إنها أمية جاهلة … إنها هي التي قتلته … هي السبب .
    نظرت إليها … لكن نظراتها المرعوبة … و عينيها الجاحظتين والدموع المتحجرة في مقلتيها أذابت قلبي اسىً ألما …
    أحسست بالحزن والألم لما بها … إنها أيضا ضحية مجتمعها وضحية للجهل والتخلف …
    لا داعي لان تعيش بقية أيامها في حزن وندم ..
    - لا شيء يا خالة … لكن آخر رسالة كانت مؤلمة …
    كان يخبرك بها انه مضطر للذهاب مع المعسكر … وانه حزين لفراقك … وانه سيعود إذا انتهت المعركة … ويتمنى ألا تنسيه .
    تنهدت الخالة ناجدة وهي تقول :
    - كيف أنساه وذكراه لا تفارقني … أنني أتنفس ذكراه كالهواء … انه شيء ليس بيدي ..
    آه يا ولدي إن في قلبي من الأسى على فراقه ما تنوء بحمله الجبال … لكنها إرادة الله ...
    - نعم يا خالة … إنها إرادة الله .

    ثم شردت وهي تقول بحزن عميق :
    - اذن فقد مات .. قال انه سيعود اذا انتهت المعركة .. لم يعد .. لكنه مات .. مات وتركني انتظر طوال هذه السنين ..
    - ربما لم يمت .. ربما اصيب ونقلوه الى بلده ولم يستطع بعدها العودة .. لكن هوني عليك يا خالة .. ما حدث امر مكتوب ولا حيلة لك في ذلك ..

    وناولتها الرسائل … وقعدت معها بعض الوقت لأسري عنها ثم ودعتها وعدت إلى منزلي …
    تفكرت فيما قالته لي الخالة ناجدة … وكيف كان الحب الذي لم اكن لأتصور وجوده لولا أن أخبرتني عنه بنفسها …
    لكن الامتحانات ومشاغل الدراسة شغلتني عن الخالة ناجدة … وبعد الانتهاء من الدراسة ودعت الخالة ناجدة وعدت أدراجي إلى مدينتي …
    وفي قلبي كنت احمل ذكرى باسمة ومليئة بالغرابة والإثارة …
    وكانت أروع ذكرى حملتها من صنعاء …
    وهي الذكرى التي اعتز بها إلى آخر العمر …

    ذكرى ناجدة .. [/grade]
     

مشاركة هذه الصفحة