دراسة خطيرة لدبلوماسي أمريكي: المسلمون قادمون

الكاتب : مواسم الخير   المشاهدات : 655   الردود : 4    ‏2004-09-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-09-12
  1. مواسم الخير

    مواسم الخير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-08-20
    المشاركات:
    1,225
    الإعجاب :
    0
    تيموثي سافيج

    على الرغم من الهيمنة الغربية وتوسيع سيطرة الولايات المتحدة والعديد من القوى العظمى في العالم، فإن العديد من المحللين يعتقدون أنه لن يكون للإمبراطورية الأمريكية الجديدة، ولا حتى لدول الاتحاد الأوروبي التأثير الرئيس على مستقبل أوروبا. وعلى غير المتوقع فإنه سيكون للمسلمين والإسلام الدور الأساسي. ويقدر البعض أنه ومع انتصاف القرن الحادي والعشرين سيكون الإسلام العامل الأبرز في تحديد ونحت معالم أوروبا، سواء أكانت موحدةً أم دولاً.

    وفي هذا الإطار تأتي الدراسة الخطيرة التي أعدها الدبلوماسي الأمريكي "تيموثي سافيج"، تحت عنوان (أوروبا والإسلام.. الهلال المتنامي وصدام الثقافات)، ونشرتها المجلة الفصلية (ذي واشنطن كوارترلي) في عددها لصيف 2004م.

    ولا شك أن الذي يطَّلع على الدراسة يقف عند حقائق خطيرة كثير منها مدعوم بإحصائيات دقيقة، وليس ذلك بغريب، لاسيما أن "تيموثي سافيج"- معد هذه الدراسة- يعمل في قسم الدراسات التحليلية المتعلقة بأوروبا، والأكثر من ذلك أنه عمل كقنصل عام للولايات المتحدة الأمريكية في ألمانيا، ولعل ذلك مكَّن صاحب الدراسة من الاطلاع عن قرب على أوروبا عمومًا، والحضور الإسلامي فيها خصوصًا؛ حيث يرى "تيموثي سافيج" أن التحدي الإسلامي الذي تواجهه أوروبا اليوم له بُعدان:

    - الأول: تحدٍ داخلي، ويقتضي من أوروبا إدماج الأقليات الإٍسلامية التي تعيش في عزلة (في الجيتوهات) إلا أنها تتزايد ديموجرافيًّا، بشكل سريع جدًّا، وهو ما يعتبره كثير من الأوروبيين مهدِّدًا للهوية الجماعية الغربية- حسب الكاتب- ولقيم المجتمع الأوروبي (رغم أننا نتساءل: هل المجتمعات الوروبية تتوحد على أساس قيم ثقافية أم أن وحدتها المأمولة والتي .

    - الثاني: تحدٍّ خارجي، ويقترح الكاتب أن تبلور أوروبا طريقةً للتعامل والتعاطي مع مجموع الدول الإسلامية غير المستقرة، والمحاذية لأوروبا جنوبًا وشرقًا، والتي تمتد من الدار البيضاء جنوبًا إلى القوقاز شرقًا، ولعلَّ تفعيل الإستراتيجية الأمنية "أوروبا آمنة في عالم أفضل"، ومبادرة "أوروبا الواسعة- وجوار جديد" يكتسي أهميةً قصوى في ظل التحديات الراهنة.

    إن المعطى الإسلامي- كعنصر إضافي في التأثيرعلى المشهد الداخلي وفي رسم السياسة الخارجية لأوروبا- سيكون أكثر من مجرد تأثير ديموجرافي وجغرافي، وإن العلاقة بين أوروبا والتصاعد الإسلامي تولِّد العديد من الظواهر الجديدة، من حيث بروز موجة جديدة من العداء للسامية، وتحوُّل العديد من الأحزاب الأوروبية إلى اليمين، ومراجعة للحسابات السياسية في المؤسسات الأوروبية، وإضافةً تعقيدات جديدة قبل الوصول إلى الوحدة، وإمكانية الحاجة إلى إعادة النظر في أسس السياسة الخارجية.

    وعلى الرغم من أن التعاون الأوروبي الإسلامي يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية على العالم- إذا تم استحداث أفق جديد في التعامل مع هذا النمو الإسلامي- فإن الدراسة تشير إلى أن الدول الأوروبية ما زالت حذرةً، وتُفضِّل الحفاظ على الوضع القائم بمعادلاته التقليدية، ولعل نفس المنطق سيقود الأقليات المسلمة نفسها في الغرب.

    ويعتقد الدبلوماسي الأمريكي أن التمنع عن الاندماج والوصول إلى صيغ مثلى للتعايش، في وقت تحدث فيه تحولات ديمجرافية داخل أوروبا- وأهمها تنامي عدد المسلمين- من شأنه أن يسلم أوروبا إلى حالة من الاضطراب، والاهتزاز الاجتماعي، بل ويفتح الأبواب أمام صراعات داخلية، تجعل أوروبا ضعيفة أمام التحديات الدولية.

    حركة ديموجرافية في صفوف المسلمين

    لا تزال قلة من الدول الأوروبية فقط تقوم بتشكيل قاعدة معلومات حول عدد المسلمين، وطبيعة حضورهم داخل هذه البلدان، بل وثمة عدد من البلدان الأوروبية على غرار بلجيكا، والدانمارك، وفرنسا، وإيطاليا، واليونان، والمجر، وليكسنبورج، وإسبانيا، لا تزال هذه الدول تمنع إثارة أو إدراج أسئلة حول الديانة في سجلاَّتها الإدارية، أو في أي من البيانات الأخرى الرسمية.

    وهناك 13 دولة أوروبية لا تعترف بالديانة الإسلامية، على الرغم من أن الإسلام يحتل المرتبة الثانية من حيث عدد معتنقيه في أكثر من 16 دولة من مجموع 37 دولة أوروبية، ففي العديد من الدول الأوروبية تعاني الأقليات المسلمة من التهميش وعدم الاعتراف بها، والحرمان من كل الحقوق التي تتمتع بها أي أقلية أخرى داخل أوروبا، والكثير من هذه الأقليات المسلمة يخضع للتمييز؛ بسبب عدم انطباق القوانين المناهضة للتمييز عليها، والتي تتأسس على مقاييس عرقية وإثنية بالدرجة الأولى، في حين أن الأقليات المسلمة من أعراق وإثنيات مختلفة.

    وإذا كانت التقديرات الأوروبية تحصي عدد المسلمين بما يترواح بين 13 إلى 18 مليونًا، اعتمادًا على تقديرات إعلامية وبحوث غير مكتملة، فإن التقرير الأمريكي المتعلِّق بالحريات الدينية- الصادر عام 2003م- يقدر عدد المسلمين في أوروبا بأكثر من 23 مليون نسمة، أي حوالي 5% من عدد السكان.

    وتشير الدراسة- التي أعدها الدبلوماسي الأمريكي- إلى أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يقفز بعدد المسلمين إلى أكثر من90 مليونًا، بما نسبته 15% من عدد سكان أوروبا، وتوضح أن عدد المسلمين زاد إلى أكثر من الضعف خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وأن نسبة المواليد في صفوفهم مرتفعة جدًّا، وعلى الرغم من سياسة غلق الأبواب في بداية السبعينيات في وجه العمال المهاجرين عقب حصار النفط الذي أربك اقتصادات الدول الأوروبية، إلا أن التقديرات تشير إلى أن أكثر من 500 ألف مهاجر يصلون إلى الدول الأوروبية سنويًّا، وأكثر من 400 ألف يتقدمون بملفات لجوء لهذه الدول، غالبيتهم مسلمون، من الجزائر والمغرب وتركيا ودول يوغوسلافيا القديمة.

    ويُرجِع صاحب الدراسة موجةَ الهجرة وطلبات اللجوء المتزايدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- المنطقة التي تحتل المرتبة الثانية عالميًّا من حيث الخصوبة- إلى تزايد سوء الأوضاع في هذه المنطقة، وليس إلى حاجة أوروبا لليد العاملة، وهي التي تحتل أدنى مرتبة في العالم من حيث الخصوبة، وتقدِّر الدراسة أن عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيتضاعف خلال العقود الثلاث القادمة، في حين يتراجع التزايد السكاني في منطقة أوروبا، وسيؤدي هذا الاختلال في النمو الديموجرافي بين الشمال والجنوب إلى تزايد عدد المهاجرين، وهو توجيه يكاد يصبح حتميًّا مع حاجة أوروبا إلى يد عاملة شابة.

    وقد قدر مشروع- أشرفت عليه الأمم المتحدة سنة 2000م- أن الدول الأوروبية تحتاج توازنًا ديمجرافيًّا نتيجة شيخوخة سكانها، وأن ذلك يمكن أن يتم عبر استقدام ما يقدر بحوالي 949 ألف مهاجر، وذلك للحفاظ على عدد سكانها، أو إلى المليون والنصف مليون للمحافظة على نسبة السكان الذين هم في سن العمل، وتصل حاجة أوروبا إلى 13.5 مليون مهاجر للحفاظ على مجتمع متوازن غير مختل التركيبة بين الشيوخ والشباب.

    وتشير التقارير حول المسلمين في غرب أوروبا اليوم أن50% منهم مولودون في هذه الدول الأوروبية، والأهم من ذلك تزايد نسبة المواليد في صفوف المسلمين اليوم أكثر ثلاث مرات من معدل المواليد بين غير المسلمين، وهو ما سيساهم في تزايد عدد المسلمين في أوروبا، ويشكِّل المسلمون الفئة العمرية الشابة مقارنةً بغيرها من الفئات.

    وتقول الدراسة: إن ثلث عدد المسلمين في فرنسا- البالغ عددهم 5 مليون نسمة- هم تحت سن العشرين يمثِّلون 21% من إجمالي سكان فرنسا، وفي ألمانيا فإن من بين عدد المسلمين البالغ 4 ملايين نسمة فإن ثلثهم أقل من 18 سنة من العمر، يمثلون 18% من إجمالي سكان ألمانيا تحت هذا السن، وفي المملكة المتحدة (بريطانيا) فإن عدد المسلمين يقدر 1.6 مليون نسمة، ثلثهم تحت سن 15 سنة، يمثلون20% من إجمالي البريطانيين من نفس الفئة العمرية، ونفس النسبة تقريبًا توجد في بلجيكا التي يقدَّر عدد المسلمين فيها بحوالي 364 ألفًا، ثلثهم دون سنِّ 15 سنة.

    وتؤكد الدراسة أنه على الرغم من أن دخول الأوروبيين المسيحيين في الإسلام ما زال يمثِّل معطًى بسيطًا في تزايد عدد المسلمين إلا أن من شأنه أن يتحول إلى محرك فاعل في حضور المسلمين في الغرب، خصوصًا إذا ما اتجهت الأوضاع إلى الاعتراف بالإسلام كدين، وإقامة مؤسسات إضافية للتعبير عنه، وإذا كانت التقديرات تشير إلى أن عدد المسلمين في أوروبا سيتضاعف في عام 2015م فإن نفس التقديرات تشير إلى تراجع عدد الأوروبيين غير المسلمين بنسبة 3.5%، بل تشير التوقعات إلى أن عدد المسلمين سيصل مع منتصف القرن- 2050م- إلى 20% من إجمالي سكان أوروبا.

    وتذهب بعض التقديرات إلى أن ربع سكان فرنسا سيكون من المسلمين مع حلول 2025م، وأنه في حال استمرار نسب التزايد بين المسلمين فإن عددهم قد يفوق عدد غير المسلمين في فرنسا والعديد من دول أوروبا الغربية، وعلى الرغم من أن هذه الأرقام يُحتمل أن يكون فيها مبالغةٌ، خصوصًا أن بعض القائمين على إعدادها يقدمونها تخويفًا من المارد الإسلامي إلا أن معطيات أخرى لا تنحو بعيدًا في تأكيد هذا المستقبل لأوروبا، ففي فرنسان يمثِّل المسلمون من الفئة العمرية بين 16-25 أي حوالي 15% من إجمالي هذه الفئة، وتبلغ نسبة المسلمين في بلجيكا 25% ولهذه الأرقام دلالات كبيرة، خصوصًا أن العدد السكاني للمجتمع الأوروبي سائر إلى التراجع لضعف نسب المواليد، وتقدِّر الأمم المتحدة أن العدد الإجمالي لسكان أوروبا سوف يتراجع بحوالي 100 مليون فينزل من 728 مليونًا في عام 2000م إلى حوالي 600 مليون، ويمكن أن ينخفض العدد ليصل إلى أقل من 565 مليونًا خلال عام 2050م.

    الانعزالية والتهميش الاجتماعي

    على الرغم من الحضور الكبير للمسلمين في الغرب إلا أن ثمة نزوعًا بينهم إلى التمركز في مدن محددة، وخصوصًا العواصم والمدن الصناعية، كما هو الحال في برلين الألمانية، وباريس الفرنسية، أو لندن البريطانية، وتكاد أحياؤهم تكون مغلقةً ومنفصلةً عن مسار الحياة الاعتيادية لبقية المجتمع الأوروبي، فمثلاً نجد 2/5 من المسلمين في المملكة المتحدة يعيشون في منطقة لندن الكبرى، و1/3 المسلمين في فرنسا يعيشون في باريس وضواحيها، و1/3 من المسلمين في ألمانيا يتمركزون في النطقة الصناعية (روهر)، ويشكِّل المسلمون اليوم في مرسيليا أكثر من 25% من عدد سكانها و20% من بروكسل، ونفس النسبة في برمنجهام شمال بريطانيا وفي العاصمة الفرنسية باريس، و10% من سكان لندن وأمستردام، وروتردام، وهيغ، وأوسلو، وكوبنهاجن.

    وتسجل الدراسة أن التزايد الديموجرافي للمسلمين في أوروبا تركَّز أساسًا في أوروبا الغربية، فبعد عقد على سقوط حائط برلين فإن عدد المسلمين في أوروبا الغربية تزايد ستَّ مرات أكثر مما هو الحال في شمال أمريكا، والمثير أن الدراسة تشير إلى أن السكان الأصليين في أوروبا الجنوبية انخفض بنسبة تصل إلى 15% خلال العشرين سنة الماضية، وذلك بسبب هجرة الأتراك من بلغاريا والألبان إلى كل من إيطاليا واليونان، فضلاً عن حملة التطهير العرقي التي حدثت في البلقان وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين، أما بالنسبة لأوروبا الوسطى والشرقية فيبقى عدد المسلمين محدودًا أو يكاد يكون معدومًا.
    إشكالية الاندماج والحفاظ على الهوية

    ومن الملاحظ أن طبيعة الوجود الإسلامي في الغرب شهدت تحولاً، فمن مجرد عمال مهاجرين يبحثون عن العمل والإقامة المؤقتة تحول المسلمون إلى جزء من التركيبة المجتمعية السكانية، ويمكن القول بأنهم تحولوا من جالية مسلمة إلى أقلية مسلمة، وأصبح بديهيًّا الحديث اليوم عن بداية تأسيس الإسلام في أوروبا، بل وكذلك إعادة توعية المسلمين بهويتهم ودينهم، إلا أنه يبقى الحديث عن أقلية مسلمة ككتلة واحدة منسجمة وموحدة أمرًا يفتقر إلى الكثير من الدقة، بل إن هذا الاختلاف داخلهم يشير إلى إمكانية استمراره عقودًا أخرى.

    على الرغم من ذلك فإن ثمة ما يشير إلى أن ما يعرّف المسلم اليوم في أوروبا ليس عائلته، أو بلده الأصلي، أو عرقه، وإنما يتزايد تعريف المسلمين لأنفسهم من خلال الإسلام، ويُلحظ في هذا الصدد زوالُ العديد من الحواجز بين المسلمين، خصوصًا الشباب منهم، وتفسر الدراسة الأمر بوجود قيادات مسلمة جديدة لا ترتبط ضرورةً بدولة إسلامية معينة، بل على العكس من ذلك فهي تنمِّي في الشباب المسلم وعيًا جديدًا، باعتبارهم أبناء البلدان التي يقيمون فيها وجزءًا لا يتجزأ من تركيبته المجتمعية.

    ولعل نشأة الشباب المسلم في الغرب جعلته أسهل وأسرع في تقبل مثل هذا الخطاب الجديد، فأصبح يتجه لأن يكون جزءًا من هذا النسيج.. ولم لا وهو الذي وُلد ودَرس هناك، ولا يتقن جيدًا إلا هذه اللغة الأوروبية أو تلك؟! غير أن الأمر يبدو كذلك عند الحديث عن الاتجاه العام للمسلمين في أوروبا؛ حيث لا تزال الغالبية لا تشعر بأنها جزء من المجتمعات الأوروبية، ولا تجد همومها ضمن هذه المجتمعات، وحتى الأجيال الجديدة على الرغم من حملها جنسية هذه البلدان إلا أنه ما زال يُنظر إليها من الرأي العام الأوروبي على أنهم أجانب أو مهاجرون.

    وتبقى نسبة الحاملين للجنسية أو المؤهَّلين للحصول عليها- على الرغم من ذلك- في تزايد، خصوصًا مع تزايد أعداد المولودين في أوروبا، والتسهيلات الممنوحة في بعض بلدان أوروبا للحصول على الجنسية، وهو ما سيُسرع عملية اندماج المسلمين كأقلية في المجتمع الأوروبي.

    وتسجِّل الدراسة- اعتمادًا على بعض الإحصائيات- أن 3/5 من المسلمين يحملون جنسيةَ أيٍّ من هذَين البلدَين، وفي ألمانيا فإن نسبة الحاملين للجنسية الألمانية تترواح بين 15 و20%، في حين أن 11% تقدموا بطلبات في هذا الشأن، ويخطط 48% من المسلمين في ألمانيا إلى التقدم بطلبات الحصول على الجنسية، وذلك حسب مسح أجرته إحدى المؤسسات البحثية في عام 2001م، وتعني هذه الإحصائيات أن 2.4 مليونًا سيضافون إلى عدد الألمانيين الذين يحق لهم الانتخاب، وهو الأمر نفسه الذي قد ينسحب على إيطاليا التي لا يحمل إلا 10% من مسلميها الجنسية الإيطالية.

    وبصفة عامة فإن عدد المسلمين الحاملين جنسيات دول أوروبية قد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في المدى المنظور إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تسهيلات الحصول على الجنسية، ومرور المدة القانونية المطلوبة للحصول عليها بالنسبة لمئات الآلاف من المسلمين.

    واللافت للنظر أنه على الرغم من تزايد عدد حاملي الجنسية الأوروبية فإن الشباب المسلم في أوروبا يبدي تمنُّعًا ملحوظًا عن الذوبان في المجتمع الأوروبي بقيمه العلمانية، بل هؤلاء الشباب أظهروا تمنُّعًا لم يبدِه حتى آباؤهم وأجدادهم القادمون إلى أوروبا، وبقدر ما يبدي الشباب المسلم اليوم إيجابيةً في الاندماج في المجتمع الأوروبي، ويحترم التصورات الوطنية والمعايير القومية فإنه يميل في نفس الوقت إلى التعبير عن هويته الثقافية الإسلامية، والتزامه بالتوجهات العامة لدينه، وينظر الكثير منهم إلى أن الاندماج الكامل مع المجتمعات الأوروبية من شأنه أن يسلبهم هويتهم الثقافية، بل يعتقدون أن هذا هو الثمن الذي تطلبه الحكومات الأوروبية للتعايش معهم، وقد كشفت دراسات حول هذا الموضوع أن الأجيال المسلمة من الجيل الثاني والثالث أقل قابليةً للانصهار في المجتمعات الأوروبية من الآباء المهاجرين السابقين، وتشير الدراسة إلى الضجة والإصرار التي عبرت عنه الشابات المسلمات؛ تمسكًا بغطاء الرأس أو الحجاب، ولقد ساهم التمييز في المجتمعات الأوروبية- في مجال التشغيل والتعليم والسكن، وحتى مجال ممارسة الشعائر الدينية- ساهم في تحصن وهروب الشباب المسلم إلى الإسلام كعلامة ومعقل الهوية الصلب.

    تحول النظم السياسية إلى اليمين

    شهد العقد الأخير تنامي التيارات اليمينية في أوروبا وموجة الخوف من الإسلام، أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا؛ بسبب تزايد الحضور الإسلامي في الغرب، وسجلت التيارات اليمينية حضورًا يبعث على القلق، فظهر- على سبيل المثال- فلاميش بلوك في بلجيكا، والحزب القومي البريطاني، وحزب الشعب الدنماركي، والجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة جون ماري لوبان، ورابطة الشمال الإيطالية، وحزب الشعب السويسري، ولعل العديد من الحكومات الأوروبية اليوم تضم تيارات يمينية ضمانًا للأغلبية البرلمانية، على الرغم من العداء العلني الذي تبديه هذه التيارات للإسلام والمسلمين، وقد ارتفعت العديد من الأصوات في أوروبا تطالب بحماية المصالح الأوروبية لتمرير خطابها المناوئ للوجود الإسلامي، فبدأت الحملة للحد من الهجرة، والمطالبة بسن قوانين تحظر الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة، وتشديد قوانين اللجوء.

    وتشير الدراسة إلى أنه على الرغم من هذه المخاوف فإن حضور المسلمين السياسي يبقى محدودًا في الغالب، ويكاد يكون معدومًا في كثير من الأحيان.. فنسبة الشباب المسلم الذي يشارك في الانتخابات لا تتجاوز 37% من عددهم في فرنسا، وقد عبر نصف المستجوبين في المملكة المتحدة أنهم لن يشاركوا في انتخابات مايو 2004م، وذلك في استطلاع أجرته صحيفة (لوفيجارو) الفرنسية في مارس 2004م، وتقول الدراسة إن الخلاصة العامة أن المسلمين إما غير ممثلين في المؤسسات أو أن حضورهم ضئيل جدًا، وعلى الرغم من بعض الدعوات لاستيعاب المسلمين في الأحزاب المحافظة الأوروبية على غرار الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة فإن هناك تردُّدًا ومخاوف، خصوصًا مع العداء الذي تبديه أحزاب أقصى اليمين للمسلمين، وتقدر الدراسة أنه ومع تزايد المسلمين وفشل تأسيس أحزاب إسلامية في الغرب فليس أمامهم سوى الانخراط في الأحزاب الموجودة على قاعدة ما تحقق لهم من مصالح، على غرار ما فعلته الأقليات اليهودية وغيرها.

    إعادة الحسابات السياسية الأوروبية

    بدأ السياسيون الأوروبيون يأخذون بعين الاعتبار هذا الحضور الإسلامي في الشارع، بل وحتى في صناديق الاقتراع، وتَعتبر الدراسة أن مواقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك تبدو واعيةً بهذه الحقيقة، ولعله الشأن نفسه بالنسبة للمستشار الألماني جيرهارد شرودر، خصوصًا إذا علمنا أن هذين البلدين تضمَّان أكبرَ نسبة من المسلمين في أوروبا، ولعل بلدًا مثل بريطانيا يبدو فيه دور المسلمين في الانتخابات متزايد التأثير والأهمية، خصوصًا مع تقلص الفوارق بين حضور الأحزاب الكبرى على الساحة الانتخابية.

    وفي الأفق المنظور يبدو التأثير غير ذي فاعلية كبيرة في مستوى القضايا الخارجية، ويبدو المحدود الذي يمارسه المسلمون على المستوى الداخلي بالدرجة الأولى، ولكن تقدِّر الدراسة أنه مع التنامي المطَّرد للمسلمين ووعيهم بحجمهم، واندراجهم في الأحزاب والمنظمات الأوروبية سيجعل- ولا شك- حضورَهم في القضايا الخارجية ظاهرًا، ويبدو أن تبنِّي المسلمين في أوروبا قضايا ذات شأن دولي- خصوصًا تلك التي تتعلق بدولهم الأصلية، أو ذات العلاقة بهم كمسلمين كالمسألة الفلسطينية، أو ما حدث في البوسنة والشيشان والحرب الأخيرة على العراق- جعلهم يتمكنون من التأثير بدرجات أكبر على السياسات الخارجية لبعض الدول الأوروبية، ولا يمكن اعتبار أن تجنيد الرابطة الإسلامية في بريطانيا- متحالفة مع منظمات أخرى لأكثر من مليون شخص في مسيرة هي الأكبر في تاريخ البلاد- مجرد حدث بسيط.

    وإذا كانت الاستجابة لبعض مطالب المسلمين الأوروبيين لن تكون مكلفةً على المستوى المالي فإنها لا شك لها أبعادها ومعانيها الرمزية والسياسية، علمًا أن أوروبا تجاور حِزامًا من الدول المسلمة شمالاً وشرقًا، وهو ما يتطلب منها أخذ ذلك بعين الاعتبار في التعامل، ليس فقط مع تلك الدول وإنما أيضًا مع المسلمين لديها؛ تحقيقًا للاستقرار والأمن القومي والدولي.

    مخاوف أوروبية من عدم استقرار إستراتيجي

    كثيرًا ما ترفض الدول الأوروبية أو تتردد في دعم- أو حتى مجرد الاعتراف- بتغييرات يمكن أن تحدث في مناطق مثل شمال إفريقيا، أو الشرق الأوسط، أو القوقاز، حتى وإن كان معلومًا لديها أن الحكومات والأنظمة المستهدفة بالتغيير فاسدة واستبدادية، ومنبع ذلك أنها لا تغامر بدعم أي تغيير من شأنه أن يحمل معه مجرد احتمالات عدم الاستقرار في العلاقة مع الدول الأوروبية، وتبدو أوروبا قانعةً بالتعامل مع الحكومات والأنظمة الموجودة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومحاولةً الاستفادة منها في محاربة الهجرة غير القانونية وما يعرف بالتطرف الإسلامي.

    ومن المثير أنه في الوقت الذي تفضل فيه الدول الأوروبية محيطًا أوروبيًّا مزدهرًا اقتصاديًّا شفافًا وخاليًا من الفساد، وفي الوقت الذي تعرب فيه عن استعدادها للمساعدة على ذلك في أوروبا الوسطى والشرقية دعمًا لاقتصادات هذه البلدان، وتشجيعًا على سياسات أكثر احترامًا لحقوق الإنسان والديمقراطية.. فإن هذه الدول الأوروبية وغيرها لا تبدو مستعدةً للدخول في شراكة جادة مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قائمة على نفس المبادئ وليس غريبًا في هذا الصدد أن البرنامج الأورومتوسطي المعروف لدعم اقتصادات وبرامج تنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يشترط استحقاقات سياسية وحقوقية تلتزم بها الدول المستفيدة من البرنامج، في الوقت الذي يقوم برنامج شبيه موجَّه لأوروبا الوسطى والشرقية على اشتراط ومتابعة مدى التزام هذه الدول المستفيدة، بالإصلاحات السياسية واحترام المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما يعرف بمعايير كوبنهاجن للأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي.

    أما داخليًّا فتعمل الدول الأوروبية على محاولة "تبيئة" الإسلام واستيعابه من منظور وطني أو علماني؛ بحيث يصبح تابعًا للدولة وخاضعًا لمعايير التعامل مع الظواهر الثقافية والأديان، ولعل استحداث بعض المؤسسات الناطقة باسم المسلمين أو الممثلة لهم إحدى التعبيرات الأساسية على هذا التوجه، وبدلاً من الاندماج والإدماج تحولت هذه المؤسسات الإسلامية إلى التعبير عن قضايا المسلمين من وجهة نظرهم هم لا الحكومات، فبدأت المطالبة بمدارس إسلامية، وهياكل تقدر الدراسة أنها تُزيد من تشكيل المسلمين وتُزيد عزلهم خارج المجتمع الأوروبي.
    لعل وضع المسلمين في أوروبا لم يصل بعدُ إلى مرحلة مفصلية، ولكن الثابت أن أوضاع المسلمين- حجمًا ووضعًا واجتماعيًا بدأت تأخذ بُعدًا لا يجب تجاهله، وعدم الوعي بذلك أو سوء التفاعل معه من شأنه أن يفجِّر العديد من المشكلات قد يصل مداها إلى ما وصلت إليه بعض الأحداث العنصرية في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة من القرن الماضي، فالتهميش الاقتصادي والاجتماعي للمسلمين قد يتحوَّل إلى لغَم ينفجر في كل وقت، خصوصًا مع التزايد الملحوظ في أعدادهم، وتردد المسلمين في الاندماج هو أيضًا من شأنه أن يعقِّد الأمور وينحرف بها عن مسارها الطبيعي، وتقدِّر الدراسة أن ما يُعرف بالحوار بين المسلمين وغيرهم ما زال هامشيًّا، وفي الحقيقة لا يتجرأ على القضايا الجوهرية المختلف حولها.

    إن اعتبار فرنسا الحجاب- غطاء الرأس- أمرًا يهدد الجمهورية، أو اعتبار بعض الصحف الألمانية أن حصول آلاف المسلمين على الجنسية الألمانية أمرٌ مخيفٌ.. إن مثل هذه الأمور تحتاج للوقوف عندها.. إنها تعكس حالةً من الخوف من المسلمين الإسلاموفوبيا، وهي مواقف غير منعزلة في الحقيقة، وإنما تمتد عبر أوروبا بأسرها، وهو يذكر بمقولة (صراع الحضارات) التي طلع بها هنتنجتون في نهاية القرن الماضي، وما تزامن معها من خطابات تضع الإسلام بديلاً عن الشيوعية الهالكة، وسواء أصابت هذه الدراسة غير المتفائلة بمستقبل العلاقة الأوروبية الإسلامية أم لا، فإننا نختم بخلاصات مختلفة عما تذهب إليه الدراسة.
    لعل أوروبا تتجاوز كل هذا الأفق السلبي، وتجعل من الحضور الإسلامي لديها فرصةً لتأسيس نهضة جديدة على غرار تلك التي أسستها في النصف الثاني من الألفية الثانية، وكان فيها للإسلام دورٌ بارزٌ لا ينكره مؤرِّخو هذه القارة، وإذا كانت نهضة أوروبا الماضية قد تأسست على التصارع والتشابك مع الإسلام، فلا مناص لها اليوم من أن تؤسس نهضتها الجديدة على التحاور ومعانقة الإسلام، وكما بدأت الألفية الماضية بالحرب الصليبية فإن الألفية الجديدة تؤشر على بدايات مختلفة، خاصةً مع انغراس الإسلام في قلب العواصم الأوروبية.

    المصدر : جلال ورغي في مجلة المجتمع almujtamaa-mag.com في 7/8/2004
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-09-12
  3. يمن الحكمة

    يمن الحكمة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-07-16
    المشاركات:
    12,156
    الإعجاب :
    0
    مشكور اخى مواسم الخير على هذا الطرح الرائع ولطول الموضوع ساعود ثانية
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-09-12
  5. أبوحميد

    أبوحميد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    1,246
    الإعجاب :
    0
    الله يعزالاسلام والمسلمين
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-09-12
  7. محمدعلي يافعي

    محمدعلي يافعي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-04-13
    المشاركات:
    800
    الإعجاب :
    0
    [all1=000000]حاول تكون تختصر عشان ماعندنا وقت نكون نقراء مواضيع طويلــــــــة[/all1]
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-09-13
  9. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    موضوع جدير بالقراءة والتأمل
    ولكن للأسف مازال غالبيتنا
    لايقرأون
    وإذا قرأوا لايفهمون
    وإذا فهموا لايعملون
    وإذا عملوا لايتفنون
    وإذا اتقنوا لايخلصون
    ويوم أن تصير غالبيتنا غير ذلك
    يومئذ نقول المسلمون قادمون
    وهم قادمون بوعد الله
    بنا او بغيرنا
    ولك الشكر اخي مواسم الخير
    على نقل هذه الدراسة القيمة
    ولك التحيات المعطرة بعبق البُن
     

مشاركة هذه الصفحة