الوجود والعدم و الأمراء العرب والشانزليزيه.. موضوع يستحق القراءة.

الكاتب : البرقُ اليماني   المشاهدات : 613   الردود : 1    ‏2004-09-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-09-08
  1. البرقُ اليماني

    البرقُ اليماني قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-05-05
    المشاركات:
    11,474
    الإعجاب :
    0
    رغم أن ما كتبه سارتر حول الوجودية قد تبلور في مجمله بمقاهي السان جرمان بالحي اللاتيني، إلا أنه عندما أراد أن يشرح مفهوم العدم / المقابل والمعاكس لمفهوم الوجود الذي استندت إليه هذه الفلسفة بالكامل، اختار بالأحري الشانزليزيه بالذات، أو مقاهي هذه الجادة الشهيرة كخلفية وجودية لما أراد تجسيده حول هذا المعني: كأن تدخل أحد المقاهي بالشانزليزيه، وتدير نظرك في المكان باحثا عن صديق، و لا تجده، أو أنك تجد المكان فارغا منه، فإن ذلك الإحساس بالخواء، وغياب وجود الصديق الذي يصعد لرأسك، هو بذاته معني العدم .

    هذا التفسير الوجودي للغياب أو لعدم الوجود، سيكون صالحا الساعة، بكل مرارة الإحساس بالحنق والاختناق، لأن يستشعره أي زائر يلقي به القدر إلي أحد مقاهي الشانزليزيه هذه الأيام ، ليس لغياب الناس الذين قد يبحث عنهم هنالك ولكن لغياب المكان الذي يمكن له الجلوس فيه. ولا يعود ذلك لاكتظاظ العاصمة الفرنسية بالسواح، وازدحام مقاهيها، فإن في ذلك بعض العزاء لمن حاول اللجوء إلي جمال هذه الجادة الخرافية ، ومحاولة شرب فنجان من القهوة العربية علي أرصفتها الضاجة بكل ما هو جميل ورقيق في الوجود، علي العكس ستبدو المقاعد فارغة أمام الزائر، والطاولات تكاد تناديه إليها، إلا ان ما سيفصل بينه وبينها رغم ذلك مجرد عبارة كئيبة مكتوبة بالخط العريض:

    محجوز ؟

    بطبيعة الحال لن تجدي محاولة المرور بنفس المقهي في اليوم التالي أو الذي يليه عل المناسبة التي تم حجز الأماكن من أجلها تكون قد مرت،....... لأن الذي حجز المكان سيتضح إنه أحد الأمراء العرب ، وانه قد حجزه للشهر بأكمله؟ أكان موجودا علي الجادة أم في مكان غيرها ، لأنه، إذا ما احتاج أن يأتي ويتباهي أمام الخلق بأنه جالس علي الشانزليزيه يريد أن يكون مكانه في انتظاره؟

    و إذا تصور المرء أن جلسة غداء علي أحد هذه المقاهي الفاخرة تكلف ما يفوق راتب شهر كامل لأغلب عمال العالم الثالث ، وربما غذاء سنة بتمامها لأسرة أفريقية ، سيتضح حجم الفجيعة لهذا الترف المأسوف عليه الذي يمارسه أمراؤنا وأثرياؤنا علي جادة الشانزليزيه، و التي يحولونها خلال موسم الصيف الباريسي إلي ساحة للتباهي لمن يدفع أكثر، ولمن يلفت الأنظار أكثر ولمن تكتب عنه الصحافة أكثر.....، بحيث يتحول الصراع التعس علي اصطياد مركز الاهتمام عند هؤلاء إلي معارك خفية ومعلنة بين رجال النخبة الأثرياء أو الأمراء العرب، وبعض رجال العسكر ممن رضت عنهم القيادات العربية فصارت لهم القدرة كذلك علي الدخول في هذه المنافسة الصيفية علي أرصفة مدن الشمال.

    المواكب ورجال الحرس

    وفي الوقت الذي تتجول فيه ملكة النرويج وحدها في السوق لشراء الكعك لإفطار الصباح وينام عمر الخطاب متوسدا حجرا ، يحتاج أمراؤنا في تجوالهم علي الشانزليزيه لكوكبة من الحاشية ورجال الأمن، والحراس الشخصيين ومن رجال الإعلام،... وكأن هيبة صاحب الشأن لا تتأكد إلا بانتفاخ حجم الموكب الذي يسايره الخطو، ويضمن له لفت الأنظار، أو كأن الأمير سيفقد إمارته علي الشانزليزيه لو اكتفي بالسير وحده بين ربوعها الآمنة والجميلة، كما يفعل بقية خلق الله.

    كإكسير سحري تصعد إلي رأس بعض أمرائنا نشوة الإحساس بالثراء والقدرة علي شراء الناس والأماكن وجرسونات الشانزليزيه أو الحي اللاتيني، وامتلاكهم القدرة علي رسم الحدود، ورصد الأمكنة... وإرضاء تلك الغريزة البدائية في التملك، والتباهي بالنعم والثروة والكبرياء المريض.

    سمو الأمير هنا ، سمو الأمير هناك.... لن يكون في الإمكان سماع غير هذا علي تلك الأرصفة الوردية الواسعة ، وكأنها عبارات ضرورية لإرضاء تلك الرغبة النزقة في التحول الي مركز الكون ولو لظل أمسية عند كل صاحب جاه وسلطان من أعيان جزيرة العرب! مقابل القذف في وجه الريح ببعض الدولارات أو اليورهات أو أي عملة كتب لها أن تقع بين أيديهم، لتتساقط تحت أقدام القادمين والذاهبين والمبجلين لهم من خلف ابتسامات استخفاف لا تخطئها العين اليقظة.

    وكأن المال العربي لم يجد قضية ينفق عليها أو يمنحها شيئا من كرمه الصحراوي، خاصة وأن أغلب هؤلاء الأمراء - إن لم نقل جميعهم - لا يترددون في رمي أي من أبناء أمتهم ممن قد يقصدونهم في باريس لطلب العون، أو الإحسان في سبيل الله لبناء مسجد أو مدرسة أو سقف لنشاط يخدم الهوية، بنظرات من التكبر والاستعلاء والفوقية المريضة.

    هم هنا للراحة لا غير وللعطلة و التعطل ، ولا يجب تعكير صفو البال الأرستقراطي الرفيع بأي احتجاج أو مطلب قاعدي يبحث لاستفزاز الفعل العربي أو الإسلامي، وهل ستطاردهم المظاهرات هنا أيضا؟

    علي الجادة يحتاج هؤلاء للجلسات المزركشة، الكبيرة والمعبرة/ الصاخبة، ملؤها التعبير علي إمكانية تحقق أو تحقيق أي رغبة وأي نزوة أو تطرف......، وخاصة مكللة بباقات مختارة من جميلات البلد، الشقراوات بالذات حيث لن تكتمل بطولة السلطنة العربية وفحولة فعلها التاريخي بدون انتصارات ذات دلالة علي ساحة الجواري والمدللات. - مع ملاحظة أن هذا لا يتم في موسم الصيف فقط، فإن النخبة القادرة من أثرياء العرب لن يفوتوا موعدا رسميا: اقتصاديا كان أو اجتماعيا أو سياسيا قد يجمعهم بأحد من أهل البلد بدون أن يكون معهم شقراوات يطرزن حضورهن بشيء من جمال الشمال -، واللواتي يكون لهن الحق بطبيعة الحال في التدخل في تفاصيل السر وسر السر العربي، وبأي لغة كان الحوار أو اللقاء.

    علي الجادة يحرص أمراؤنا بشكل فجائعي أيضا علي عرقلة المرور وكسر حاجز الأمن المضروب علي المنطقة لوجود قصر الرئاسة علي أطرافها، حيث يحرصون علي ركن سياراتهم الفاخرة والتي تحمل في أغلبها اللوحات الدبلوماسية في وسط الطريق وأمام المقهي الذي حجز صاحب السمو أغلب مقاعده وجرسوناته أو ربما اشتري رأسماله،... خاصة وأن استثمار الأمراء العرب علي جادة الشانزليزيه صار علي أشده هذه الأيام.

    كيف يمكن أن تقرأ هذا المشهد العربي المطرز بالنعم؟ وكيف يمكن أن تفهم هذا البذخ العربي الفاجر والكافر وبعض أبناء الأمة وأبناء الإنسانية يموتون جوعا وبؤسا وغربة؟

    كيف يمكن أن نقبل بمزيد من السقوط العربي والأمة ترزح تحت وطأة السقوط؟ وتجاه من يذهب هذا الخيلاء والتعجرف الظالم؟ هل هو تجاه أهل البلد؟ إنهم بحق لا يعبرون ولو بظل فكرة هذه المسرحيات الهزيلة المستوي التي يلعبها الثراء العربي علي ساحة الشانزليزيه، ولا يذهب أهل الشأن من الفرنسيين لهذا الحي البرجوازي إلا نادرا، ولعلها لمرة واحدة في العام قد تكون رأس السنة؟ وهم لا يحبون الأثرياء، ولا يقدرون الترف المسكين الكئيب المجعد الوجه،... فالفرنسيون بالأحري يقدرون الثقافة والأدب والفن ، ويذهبون للمسارح والمتاحف ومقاهي النخبة المثقفة الفقيرة والكادحة والمناضلة.

    هنالك لا يأتي الأمراء ولا نجدهم في فضاءات الفعل الثقافي الفرنسي ولم نشاهدهم مرة واحدة في اللوفر أو في جامعة السربون أو حتي في معهد العالم العربي في قلب الحي اللاتيني..... دون أن أنكر أنني رأيت البعض منهم يأتي لصلاة الجمعة بالمسجد الكبير في باريس علهم يسعون لغسل بعض من خطايا التكبر وصرف النظر عما أوصي به الله إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-09-09
  3. سعدون العواجي

    سعدون العواجي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-06-14
    المشاركات:
    232
    الإعجاب :
    0
    يبدو ان الكاتب يلمح من بعيد الى ابناء الخليج

    ولكن الا ترى ان من تعاليم ديننا الحنيث ( ان الله يحب اذا انعم على عبده نعمة ان يرى اثرها عليه )
     

مشاركة هذه الصفحة