الشعر الحُمَيني في اليمن ..

الكاتب : حنان   المشاهدات : 1,310   الردود : 10    ‏2004-08-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-31
  1. حنان

    حنان عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-31
    المشاركات:
    114
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    من فنون الادب الشعبي اليمني ( الشعر الحميني ـ بضم الحاء وفتح الميم ) وهو عبارة عن نظم جميل يخلط بين العامية والفصحى ، ويتكون من البيت والتوشيح والتقفيل ، مثل قول والدي د/ علي يحيى بن محمد الخزان :

    اولا / البيت :
    هجرتني يا حبيبي *** بالله قلي لمه *** قسيت فجأة كذا
    وكنت لين بقربي *** وكنت لي كالامه *** مسرع بقيت هكذا ؟
    هاجر ورافض تلبي *** مطلوب لي يلزمه *** جواب كذا او كذا
    مالك تحولت سلبي ؟ *** هل سر لا أعلمه ؟ *** خليك تكيل لي الأذى

    ثانيا / التوشيح :
    فكيف يجوز قد اموت *** من طول هذا الصموت *** وابقى ضحية سكوت *** كفاكمُ جبروت *** كفاكمُ قد اموت

    ثالثا / التقفيل :
    خافوا من الله غيروا طبعكم *** عودوا الى الماضي الى حبكم
    وانا اعاهدكم وأحلف لكم *** بالاخذ بالرأي السديد منكم

    وهذا الفن في الادب يغنى ويلحن مثل قصيدة الشاعر اليمني ابن شرف الدين والتي تُغنى في لبنان ، ومن ابياتها :

    عليك سموني وسمسموني *** وبالملامة فيك عذبوني *** وجروا المصحف وحلفوني
    حلفت ما احبك فكذبوني *** وقبل ذا كانوا يصدقوني *** هم يحسبوني اضمرت في يميني
    الله في ما بينهم وبيني

    هناك فن ثالث في اليمن هو ادب العامه او ما نسميه بالادب الشعبي ، مثل البيت التالي :

    هنيت لك يا مشرب المداعه *** تقبل المحبوب كل ساعه

    والمعنى ان صاحب هذا البيت يهنئ مشرب الارجيله لانها تلاصق شفة الحبيب بصورة دائمه .

    ومثل :
    يا عصفرة يا شاهدة على السر **** هو الذي لاحق وسار يفشر

    والمعنى ان العشيقة هنا تعاتب عن طريق العصفورة التي كانت ثالثهما لان المعشوق ربما ذهب وافتخر ( يفشر )
    ولكن دعونا ننظر الى البيت والتوشيح والتقفيل في الجزء الثاني من قصيدة الوالد الحمينية :

    مسحتني من حياتك *** وانا الصديق الصدوق *** على الحياة السلام
    وفي حياتي ثباتك *** وانت وافي شفوق *** مش هكذا يا سلام
    وفي نجاتي نجاتك *** وانت حالي خلوق *** تعال وقلي تمام
    وكم نعدد صفاتك *** فانت شمس للشروق *** ومثل بدر التمام
    لكن اكيد مش انا *** من يستحق الفنا *** والهجر ما هو لنا *** يكفي خلاص خلنا *** نكمل طريق الهنا
    وانت والله والله في حياتي حبيب *** وسيرتك يعرفوها كلهم يا لبيب
    والله يشهد اني محظوظ بهذا النصيب *** فعدلنا عدلنا وارحم فؤادي الكئيب


    هذه نبذة مخترصة جداً عن فن الشعر الحميني في اليمن ، وهو من اجمل وارق الفنون الشعبية اليمنية ، وفرسان هذا الفن :
    [movek=left]ابن شرف الدين والقاضي الانسي [/movek]

    مع احلى المنى
    حنان
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-08-31
  3. بسيم الجناني

    بسيم الجناني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-16
    المشاركات:
    10,620
    الإعجاب :
    0
    تسلمي اختى على الموضوع والجهد الراائع :)
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-08-31
  5. الوحدوي

    الوحدوي شاعر شعبي

    التسجيل :
    ‏2002-04-13
    المشاركات:
    4,703
    الإعجاب :
    18
    [m3ft1][gdwl]تسلم عزيزي على اتحافنا بذه الد رر[/gdwl][/m3ft1]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-09-01
  7. العمري1

    العمري1 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-11
    المشاركات:
    33
    الإعجاب :
    0
    ياسلااااااااااااااام يسلمووووووو
    نريد المزيد
    موفقه
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-09-01
  9. ابوعاهد

    ابوعاهد عبدالله حسين السوادي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-11-28
    المشاركات:
    10,212
    الإعجاب :
    15
    جميل جداً ومفيد ورائع ماخطته يمناك اختي العزيزة حنان ... والحقيقة استفدنا كثير ...

    وفعلا الفنون في اليمن اللوان ومشارب متعددة ..
    ولكن كلها روعة تقف امامها العقول مندهشة من جمالها ورعتها..

    عموما اتمنى ان يكون هذا هو الجزء الأول ... وتكملي معنا المشوار لنستفيد اكثر..

    ولك ولوالدك اجمل التحية والمنى ..

    وياهلا وغلا
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-09-01
  11. صلاح اليافعي

    صلاح اليافعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-19
    المشاركات:
    4,198
    الإعجاب :
    0
    لك مني جزيل الشكر اختي الفاضلة


    على هذه المعلومات حول الالوان الشعرية في اليمن

    وكما قال الاخ ابو عاهد فكلها رائعة ووكلها تجيب الدهشة ..


    ولك عاطر تحياتي..
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-09-01
  13. ابو عيبان

    ابو عيبان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-01-26
    المشاركات:
    5,201
    الإعجاب :
    2
    يا سلام وهل هناك اجمل من الشعر الحمينى على الاطلاق
    نعم استاذه حنان شرح ممتاز وموضوع جميل جدا
    ان شا الله نسمع منك المزيد
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-09-02
  15. الجنيد

    الجنيد عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    104
    الإعجاب :
    0
    العمود الشعري : بين (السيمترية)والتحديث

    العمود الشعري : بين (السيمترية)والتحديث

    شعر العروض ، قصيدة البحر ، الشعر العمودي ، القصيدة البيتية : هذه كلها مسميات لشكل واحد ،
    أو لقالب واحد من القوالب الشعرية ، وهو ذلك الشكل الذي يعتمد على وحدات وزنية متكافئة ( عدداً ) في الصدر ، والعجز وله قافية موحدة ، ذات روي واحد . وعناصر من نحو :" الوزن ، القافية ، الشطر ، العجز ) .هي مكونات أساسية لهذا القالب الشعري ( ) الذي إذاما أمعنا فيه وجدناه قالباً رباعياً . وبوصفنا له قالباً نكون قد حددنا معياراًبصرياً يقربه من معنى الوعاء الذي نستطيع أن نضع بداخله مانشاء من موضوعات : رثاء ، فخر ، غزل ، مديح ، وعظ … الخ ، وقد ظل هذا الشكل الشعري لدى العربي هو السائد لما يقارب الألف ، والأربعمائة عام ؛ إذْ في فترة (ما)بدأ الشاعر العربي يضيق بهذا القالب بحجة أنه لم يعد يحقق مطالبه الآنية ، أو لأن الإنسان – بطبعه – ينقب دوماً عن الاستقلالية ، بأن تكون له بصمته الخاصة ، واستقلاليته ، وابتكاره ، بحيث لايخضع – كلياً – إلى سلطة ، أو قوانين الأقدمين ، واستطاع في وقت (ما) أن يحدث تمرداً على القالب ( الأب ) بإحداث بعض التغييرات عليه ، ونتج عن ذلك التعديل قالباً (ابناً) للأب (العمود) فكانت قصيدة " التفعيلة " أو " الشعر المنطلق ".( ) بتخلص الشاعر من نظام البحر البيتي إلى نظام تفعيلة العروض فتخلص – بالتالي – من كثير من الرتابة الحادة للقصيدة الأب ، ومن كثير من " السيمترية "، والصرامة التي تميز بها العمود الشعري الأب . لكن – بالرغم من ذلك – فقد ظل ثمة شعراء – وإلى الآن – متمسكون بالنظام القديم للقصيدة، ووجد البعض أنفسهم يكتب في كلا النظامين ، وإلى يومنا – هذا - . وقد أردت من خلال التقديم السالف أن أثير سؤالين متلازمين ؛ لغرض مناقشتهما ، والتوصل إلى أسباب بعينها تبرّر إجابة كل سؤال منهما :
    - فأولاهما : لماذا نرفض العمود الشعري؟
    - وثانيهما : متى يجب أن نتقبل العمود الشعري ؟
    وحتى نجيب على التساؤل الأول كان لابد من حصر بعض الأبعاد الموضوعية ، والنفسية ، والبصرية ، والبصرية النفسية ، لسردها – معاً – مجتمعة ، وعلى ضوئها نصل إلى عناصر التقاء تدليلية .
    v الأبعاد الموضوعية :
    - وأولاها : أن شعر العمود ، وبسبب من وحدة الوزن ، والقافية ؛ كل قصيدة منه تحيلنا إلى أكثر من قصيدة ذات البحور المتحدة الوزن ، فتتحد الإيقاعات بسبب من ذلك ، لاسيما إذا تحدت القوافي .ونحن – مثلا – إذا ما اقتطفنا أبياتا من قصائد مختلفة متحدة الوزن ، قدلا نفرق بينها ، ولانشك أنها لأكثر من شاعر. ولنأخذ مثلا على ذلك الأبيات الأتية :
    -" إذاالشعب يوماً أرادالحياة فلابـدأن يستجيب القــدرْ"
    -"ولابـد لليـل أن ينجلي و لابـد للقيـد أن ينكسر "
    -"فياشوكة في حلوق الذئاب منعتهمو أن يسيغوا الشـراب"
    -"وأن يضعوا لقمة تحت ناب وأن يكسبواالقوت في أي غاب"
    ولولا إدراكنا أن البيتين الأولين هما للشابي ، والأخيرين هما للزبيري لقلنا أنها لشاعر واحد ؛ للإيقاع الواحد . فما بالك إذا اتحدت القوافي – مثلاً – ؛ ذلك أن الأصل لتنوع النغم هو أن تتشتت التفاعيل ، لا أن تتحد .
    وثانيهما : أن القالب العمودي يتميز بالحدة الموسيقية ، والسيمترية الشديدة ، المتولدة من هذا النظام القالبي ، وهذه الحدة الموسيقية تطغى أحيانا على الصوت ، أو الإيقاع النفسي نحو قول الزبيري :

    "سجل مكانك في التاريخ ياقلم فهاهنا تبعث الأجـيال والأمـم"
    " هنا البراكين هبت من مواضعها تطغى وتكتسح الطاغي ، وتلتهم "
    فنحو هذه الجلجلة الموسيقية ، وحدة الجرس الموسيقي ، وعلوه تطغى على الصوت النفسي ، والانفعال ، وإن كان الانفعال هنا : انفعال حماسة ؛ إلا أن الجرس الموسيقي " كان هو الأعلى صوتاً ، وليس الشعر هو الموسيقى ، وحسب .
    وثالثها : أن الشكل القديم يحتاج إلى التكلف في كثير من الأحيان؛ لذلك تجد فيه كثيراً من الحشو الذي يحاول به الشاعر أن يسد أجزاء الوزن ؛ لتكتمل الوحدة الوزنية ، وتتكافأ إلى جانب التكلف الذي قد يظهر على مستوى اختيار القافية ، بوضع قوافٍ قد لاتتناسب مع وحدة المعنى أو دقته ، ومن أمثلة الحشو قول الشاعر
    ……………. " يامن شجاها وأجرى دمعها القدر "( )
    إن ملفوظ : أجرى دمعها ، تركيب حشوي لايفيد بُعداً جماليا جديدا، كما لايفيد بعداً ذا معنى إضافي إلى " الشجو " ذلك أن " شجاها" مُرسلة لغوية تحمل في طيها معاني الحزن ،والهم اللذان بدورهما تابعا ن لمفهوم " البكاء " من خلال تعبير جريان الدموع ، بما يعني عدم الاستفادة من هذا التعبير الذي لايثير شيئاً لدى القارئ ؛ لأن لفظ " الشجو " كان قد أوصل المعنى قبل تقريره حشواً .
    ومن أمثلة القافية المتكلفة قول الشاعر :
    " رأيت وجه علي المنجزات به كأنما هو قرص الشمس في الأفق "( )
    فلفظ في الأفق " من الألفاظ " الحشوية " التي لاتعطي أبعاداً جديدة للمعنى ، لأن الشاعر أعطى من خلاله معلومة يعرفها الطفل والكبير ، العاقل ، والأحمق ، أو ليست الشمس موقعها الأفق ، وقرصها (كذلك) أين يرى ، أوليس في الأفق أيها الشاعر ؟ حتى وإن اختلف موقع الأفق (لغوياً ) ، فالمعنى خالٍ من أبعاده الشعرية .
    v الأبعاد النفسية :
    من الأبعاد النفسية أن الشعر العمودي ارتبط بأذهاننا من خلال مواضيع بعينها نحو : الغزل ، الرثاء ، المديح ، الفخر … الخ . وبما أن هذه المواضيع - في العصر الحديث – لاتمثل حقيقة الشعر برمته ، فقد أدى نحو هذا الارتباط إلى نفور منه ، ومن الأبعاد الأخرى : ارتباطه – أي القالب العمودي – وثيقاً بالمعاني المكشوفة ، والتي تنحو إلى التقريرية غالباً ، وإلى التراكيب ، والأخيلة الفنية البسيطة الفهم. وبسبب من هذا الارتباط النفسي ، والموضوعي – معاً – فقد بدأ الشاعر يزيح العمود لاعتقاده أنه لايستطيع حمل الأعباء اللغوية الجديدة .
    v أبعاد بصرية نفسية :
    من الأبعاد التي ترتبط شديداً بالرؤية " الكاليغرافية " والتي تنعكس بدورها على النفسية القارئة ، أو الشاعرة : أن الشكل يمثل وعاء للمضمون ، ومهما كان المضمون جميلاً ؛ فلا يمكن صبه في إناء قديم مع وجود قوالب جديدة فمثلاً أن تكتب قصيدة على رقعة من جلد يختلف بُعدياً ، وجماليا عن كتابتها في ورق حديث مصقول ومزركش ، فمن الأبعاد البصرية التي يقوم عليها العمود : ( التوازي ) – شطر ، عجز - وهذا التوازي أضحى رتيباً لكثرة مشاهدته ؛ لذلك فإن بيتاً عمودياً نحو قول الشاعر :
    "شف قلبي فكأني لم أعد مثلما قد كنت من طين وماء" ( )
    يبتاً نحو هذا سوف نتخلص من كثير رتابته البصرية إذا وزعناه هكذا:
    "شف قلبي
    فكأني لم أعد
    مثلما قد كنت
    من طين
    وماء".
    ………………..
    وإذا كنا قد قررنا بان الشكل العمودي مجرد قالب يضع فيه الشاعر مايشاء من الموضوعات ، والمعاني ، إلا أن ثمة جوانب وأبعادا موضوعية، ونفسية ، وبصرية ؛ قد تحول دون انتفاضه وثورته ؛ وجعله قابلا للحراك ، والحياة في وسط جديد ، ومعاصر ؛ مما يستدعي إزالة نحو هذه العوائق ؛ لاسيما تلك التي تبدو نفسية مع وضع مؤسسات محددة وضوابط بعينها لاحتواء بعض العوامل الموضوعية التي قد تؤثر على العامل التجديدي ؛ لتضيء الطريق أمامه. ولعلي – هنا – وفي هذا المقام أقدم بعض الاقتراحات لأولئك الذين يكتبون العمود بلا جدوى من هذا العمل ؛ ماداموا سائرين في حلقة الأوائل وفي سننهم الشعرية حذاء بحذاء .. وأهم هذه الاقتراحات :
     عدم اتخاذ الشعراء للعمود قالباً للتقليد المحض . كأن يستلهم الشاعر الحديث معاني القدماء ، أو صورهم ، أو أساليبهم ، أو يعارض بعض قصائد الأقدمين . بحيث لايأتي شاعر بعد ألف وأربعمائة عام ؛ ليقول :
    - أخصلة طارت على خدها أم ظبية من سربها تشرد ( )
    فتصوير المحبوبة بالظبية ( ) تصوير من يحيا في بيئة صحراوية، ولايتناسب مع شاعر يحيا في الألفية الثالثة للميلاد، وفي مجتمع مدني لايعرف الظباء ، ولا يراها إلا في ( المرناة ) – التلفزيون - . ناهيك عن ابتذالية نحو هذه الصورة المستهلكة والتي عفا عليها الزمن .
     البعد عن التقريرية الصفيقة ، والتراكيب العادية أو الابتذالية. والتركيز فقط على دور اللغة وغناها .
     توظيف العمود في قضايا ذاتية وتأويلية حديثة ؛ تلعب فيه اللغة واللون النفسي دوراً بنائياً وأساسياً .
     ضرورة كسر الصرامة الوزنية ، والموسيقية ؛ من خلال إدخال بعض التشكيلات الوزنية الفرعية التي يرفضها القدماء؛ نحو أن يبدأ الشاعر بتفعيله فعْلن /5/5 في بحر (المتدارك مثلا) أو يلغي التفعيلة الأساسية للبحر ويكتفي بأفرعها. وهذا من شأنه أن يخفف من الحدة الموسيقية . وبمعنى آخر : لماذا لانجيز في العمود مانجيزه في شعر التفعيلة على مستوى الوزن ؟ .
     عدم التكلف في الوزن حتى يكون الإيقاع النفسي ظاهراً ومنسجما مع العروض ؛ فلا يطغى واحد منهما على الآخر .
    وحتى أثبت إمكانية القبول بالعمود في حال التزامه بشروط محددة ، ومنها الشروط السابقة ؛ فإنني أحيل القارئ إلى بيت شعري واحد اقتطعه من قصيدة الشاعر " علوان الجيلاني " وهو قوله :
    ( انا المعنى بترتيب الفضاء لمن غابت وشباكها في القلب مفتوح ..( )
    هذا البيت الشعري مرسل إلينا عبر قالب قديم هو القالب الرباعي( ) . لكن ألا يتفق معي القارئ على أن ثمة جمالاً ينسرب إلى النفس وينفذ رائقا إلى شفاف الوجدان؟.
    لماذا لانحاول أن نفكك نحو هذا البيت ، في محاولة لاستكشاف سر هذه الجاذبية التي تنبعث منه ، ولنبلور السر الذي كان دافعا لإثارتنا، وإمتاعنا ونحن نقرأ :
    ( أنا المعنى بترتيب الفضاء لمن غابت ، وشباكها في القلب مفتوح ..).
    ولنبدأ من ( النواة الوزنية ) ، أو النواة الموسيقية ؛ فنقول : إن البيت ينتمي إلى البحر البسيط ذي التكوين المركب والمؤلف من تفعيلتين أساسيتين ( مستفعلن فاعلن ) مكررتان لثمان مرات .
    ولكن ماعلاقة الوزن – هنا - بالجمال المثار في البيت المقصود؟ .
    ثمة بعدان لذلك أولهما : أن الوزن إذا لم يصاحبه انفعال حقيقي كان الإيقاع النفسي باهتا ، ورهِقا – بكسر الهاء -. وأعنى بالإيقاع النفسي: ذلك الشيء الخفي الذي يبعث في القارئ متعة نفسية لا يدرك مصدرها .
    يقول الشاعر،والناقد الإنجليزي تي.سي.اليوت ": الموسيقى في الشعر هي التي تمكن ألفاظ الشاعر من تعدي عالم الوعي والوصول إلى العالم الذي يجاوز حدود الوعي التي تقف عندها الألفاظ المنثورة" ( )
    وحتى تتمكن الموسيقى من تحقيق هذا الهدف ، فلابد أن ينظُم الشاعر ألفاظه في ساعة إلهام ، وانفعال ؛ تحقق له هذه المعادلة . وسوف أورد بيتاً شعرياً حمينياً ( ) مشهوراً استفاد منه الشاعر دون قصد والقائل " قال المعنى سمعت الطير يترنم فهيج اْشجان كان القلب ناسيها " .
    هذا البيت له نفس الوزن الذي اعتمد عليه شاعرنا في البيت الشاهد ولكن ثمة فارقاً كبيراً بينه ، وبين البيت ، موضوع الشاهد : إيقاعاً ، وتأثيراً . فالإيقاع النفسي لهذا البيت يخالف موضوعه ؛ لأن إيقاعه يميل إلى الفرح بينما موضوعه هو (الحزن ) ؛ مما يخرجه عن الشاعرية ، والصدق الانفعالي .
    بينما في البيت الشاهد لانجد هذا الانفصام ونحن نخضعه للتذوق الشعري ؛ حين نكتشف بأن له إيقاعا نفسيا مضطرماً ويميل إلى الحزن وهو مايتواءم مع موضوعه الداخلي ؛ مما يعني تحقق شرط العفوية في الوزن ، وصدق الانفعال النفسي أثناء كتابة النص كاملا.
    وإذا ما انتقلنا إلى الأنوية الصوتية والإيقاعات المفردة ؛ سنجد عجباً . ففي حين تألف البيت الشعري من ستة وثلاثين حرفا شعرياً ( ) وجدنا بأن أربعة وعشرين منها ، هي أصوات مجهورة . فما علاقة هذه الأصوات بالبعد الجمالي للبيت المستشهد به ؟ لاسيما إذا ما أدركنا أن الأصوات المجهورة – في تعريفها – تلك التي تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق بها ( ). إن هذا يساعدنا لاشك على الدرجة الانفعالية التي سيطرت على الشاعر .ومن خلال الكشف عن معنى البيت في الشطر الأول منه سوف يتجلى لنا هذا العجب ونحن نقول : إذا كان " المـُعَــنّى " في تعريفه اللغوي : هو ذلك الشخص الذي يكلف بما يشق ويصعب ؛ فإن لا أشق ولا أصعب – من وجهة نظر شعرية – من ترتيب الفضاء ، بعد تبعثره وتشظيه وتكسره تكوينيا ؛ بما يستدعي مقدرة ( نفسية ) لا اعتيادية لاسيما وقد كان هو المقصود والمكلف دون غيره . بما يوحي بنوع من الاضطراب والصوت المتعالي، البارز من خلال ما تمثله هذه الاحرف التي تمركزت في الشطر الأول بنسبة 80% ؛ لتعبر عن درجة محددة من الصوت الذي صاحب نفسية الشاعر . لكن من المدهش – أكثر- أن ننتقل إلى الشطر الثاني وقد حوصر بالأحرف المهموسة أكثر ، وكادت أن تختفي في الشطر الأول . لاغرابة في ذلك إذا ما أدركنا أنه – أي الشاعر – كان في حضرة الأنثى ، وفي مقامها ؛ لذلك خفَضَ جناحيه ، وسكنت نبرته، حيث استكانت حروفه كذلك وتهامست . وهو جانب راق من جوانب المواءمة بين الداخل والداخل والخارج والخارج ، والداخل والخارج . وثمة جانب إيقاعي مفرد تآزر مع هذه الأصوات ؛ تمَـثّل في تكرار حرف ( النون ) بآلية تبعث على الأريحية . وحتى تتكشف هذه الحقيقة لنكرر الشطر الأول لمرات عدة ونقرأه قراءة متذوقة ؛ وسوف يشعرنا بهذه الأريحية، إلى جانب أنه سوف يبعث في داخلنا إيحاء ما ، قد لاندرك كنهه ، إلا أنه صدى خافت لأنين بعيد يتداخل مع البنائيات الأخرى ، فيشع فيها تأثيراً آسرًا . وهذا هو الحلول الشعري : حيث يحل الشاعر في كلماته وأحرفه فيضحى جزءا منها : يتألم فتتألم ويأسى فتأسى ويبسم فتبسم .
    وما أردأ حينها قول شاعرنا القديم :
    " وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد( ) "
    فالشاعر ( في نحو هذا البيت ) لاعلاقة له بالحلول أو بالانفعال : صدقه من كذبه ؛ ( بدليل أنه يعبر عن شهوة حسية في مقابل حزن ، فلم يبق من بيته الشعري سوى الموسيقى الحادة ، والفتنة البلاغية .
    يتبقى لنا أن نعرج إلى دور اللغة في البيت الشاهد لنؤكد على دور الإيحاء ، والمعاني الانزياحية المتآزرة مع البنائيات الأخرى ؛ لخلق الكمال والانسجام فيما بينها.
    البيت الشعري بدأ بجملة خبرية ( أنا المعَنّى) وقلنا بأن المعنى في مفهومه اللغوي : هو المكلف بما يشق ويصعب عليه ، وقد جاءت هذه الجملة تمهيدية لما سيليها ؛ لذلك خلت من التخييل . وقد لجأ الشاعر –هنا– إلى لغة الاستعارة والتشييء بتعبير ( ترتيب الفضاء ) . إذ أن هذا الترتيب أحالنا إلى أشياء مبعثرة،ومتشظية،ومتكسرة ، تحتاج إلى جهد لإعادة ترتيبها ، وهو مادعا الشاعر إلى اختيار لفظ ( المعنى ) دون غيره؛ لأنه الأصلح للتعبير عن فعل (الجهد) ، موائما بذلك مع التركيب المجازي ( ترتيب الفضاء ) .
    وبانتقالنا للشطر الآخر ، نجده مفتتحا بجملة خبرية -كذلك-:( غابت) منتقلاً إلى تركيب مجازي أطول نسبياً من الأول بقوله :( شباكها في القلب مفتوح ) . وفيه يجعل من القلب بيتاً مغلق النوافذ عدا واحدة . ولهذه النافذة ظل كنائي رامز إلى ( الذكرى ) مما يعني : أننا أمام مجاز المجاز. وقوله ( مفتوح ) – كذلك – فيه إحالة إلى معنى التواصل مع هذه الذكريات ، وعدم التسليم بنسيانها أو تركها .
    في هذا الشاهد بدأ الشاعر تصاعدياً من الأسهل تركيباً إلى الأعقد . وهذا أعطى للقارئ فسحة للقراءة المتأملة ، حيث أثارت فيه نزعة الإثارة ، وهو مانريده من الشاعر الذي يريد أن يحيـي دور العمود ؛ وإلا وجب عليه أن ينقب عن أشكال أو قوالب أخرى سهلة الموالج ؛ تتواءم مع قدراته . لأن إخضاع العمود للعصر وللحداثة أمر شاق بحاجة إلى " مُعَـنّى" ، ولايقدر عليه إلا فحول الشعراء .
    الهوامش:
    - لم اقل الوزن ، والقافية ، والمعنى ؛ لأن المعنى ليس خاصاً بالشعر وحده ، وإنما ركزت على خصوصيات العمود وحسب .
    2 -كان الدكتور : محمد النويهي أول من اقترح نحو هذه التسمية ، وقيل بل أحمد باكثير .
    3- علوان الجيلاني ، ديوان غناء في مقام البعد ، ط1 2000م ، منشورات مؤسسة العفيف . صنعاء .2 - حسن الشرفي ، المجلد الثالث .
    4- محمد جميح ، قصيدة " هتف الشوق " ، ديوان أودية العشق ، ط1 ، 1999م.
    5- من ديوان . غناء في مقام البعد .
    6- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
    7 - من ديوان . غناء في مقام البعد .
    8- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
    9 - من ديوان . غناء في مقام البعد .
    10- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
    11- أغني بالشعر الحميدي، الفصيح غير المعرب.
    12- بإسقاط الحروف التي لا تقرأ.
    13- علم اللغة للدكتور محمد السعران.
    14- للشاعر أبو الوأوا.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-09-02
  17. الجنيد

    الجنيد عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    104
    الإعجاب :
    0
    ئد مسورة بتاريخ صنعاء - بين القصيدة والمدينة.. آصرة بقاء ورحيل -

    ئد مسورة بتاريخ صنعاء - بين القصيدة والمدينة.. آصرة بقاء ورحيل -

    هنالك مدن ارتبطت بأسماء شعراء وكتاب مثل الاسكندرية التي ارتبطت باسم (كافافيس) و(غرناطة) باسم (لوركا) و(دبلن) باسم (جيمس جويس) التي جعلها مسرحا لروايته ذائعة الصيت (عوليس) حتي قيل لو هدم زلزال هذه المدينة لاستطاع المهندسون والبناءون اعادتها وفق الخريطة التي رسمها لها (جويس) في روايته.
    لذلك اصبحت المدينة تحتفل كل عام باليوم الذي تدور فيه احداث الرواية و(البصرة) باسم محمد خضير صاحب كتاب (بصر ياثا) اما صنعاء فقد ارتبطت باسم شاعرها عبدالعزيز المقالح ليس كحضور جغرافي ووجداني اذ انه لم يغادرها منذ اكثر من عشرين سنة بل كحضور ابداعي، فقارئ شعر (المقالح) يلاحظ كثرة استخداماته لرموز صنعانية كنقم وقصر غمدان وباب اليمن وعيبان وما الي ذلك من اسماء شوارع وجبال ووديان فكل زاوية في صنعاء تنبض بالتاريخ والشعر ويكفي ان اسم مقبرة خزيمة دخل العديد من النصوص الشعرية ومن زار صنعاء وذهب الي باب اليمن سيشاهد بالتأكيد جمل معصرة الزيت الذي يدور منذ سنوات بعيدة هذا الجمل ذكر في العديد من النصوص الشعرية والكتابات القصصية والصحفية.
    ويأتي كتاب صنعاء الصادر عن دار رياض الريس بيروت للشاعر عبدالعزيز المقالح ليقدم قراءة شعرية لكل تفاصيل هذه المدينة العريقة لامسا احجارها ونقوشها وترابها ورائحة التاريخ التي تفوح من زواياها واحزانها وجراحات حيطانها ومنذ الكلمة الاولي يدخلنا في جو اسطوري من خلق الشاعر ليوهمنا بأن صنعاء:
    كانت امرأة
    هبطت في ثياب الندي
    ثم صارت
    مدينة
    وتتكرر هذه الابيات في خاتمة الكتاب لتكتمل دورة الاسطورة وما بين فاتحة الكتاب وخاتمته تدور مخيلة الشاعر في فلك اسطوري يمتزج فيه التاريخ والجغرافيا:
    ذات حلم هبطت
    علي سلم من اساطير
    محفورة في ضمير الزمان
    فصنعاء بالنسبة للشاعر اكثر من مدينة تحتوي علي أزقة ودروب واسواق وحارات وفتيات جميلات يوكل اليهن اعداد بنت الصحن اكثر من بائعة الملوج في سوق القاع التي تعرض للبيع رائحة الخبز الصنعاني وحفلا من العسل (الدوعني) والقهوة اليمنية والزبيب في سوق الزبيب انها حلم الشاعر المبهم:
    هي واضحة مثل كف صغير لطفل
    ومبهمة كالأساطير
    لذلك يبحر الشاعر عبر الأزمنة متجاوزا لحظته الحاضرة مستشرقا آفاق الغد فاتحا خزائن ذاكرته باحثا عن ايامه في شتاء الطفولة وهناك يعثر علي وجه (مريم) الطفلة التي تعلق بها قلب الشاعر عندما كان صغيرا لكن (التيفوئيد) أخذها منه فبقي اسمها محفورا في وجدانه ليلفه حزن عميق فيقف مبكراً امام حقيقة الموت:
    هل تستطيع ذاكرة المقابر
    الواقفة عند تخوم المدن
    ان تقول لنا شيئا عنهم؟
    هل يتذكرنا الموتي كما نتذكرهم
    وهل تطاردهم مثلنا أظافر الكهولة
    وأنياب الشيخوخة؟
    هل ظهرت التجاعيد علي وجه (مريم)؟
    وكتاب صنعاء كتاب مديح يبلله عشق صنعاء وهو كتاب تاريخ وجغرافيا واساطير وفنون وعلوم لذلك اطلق الشاعر علي مؤلفه اسم كتاب ولم يسمه (ديوانا) لان تسميه كتاب شاملة تتجاوز الحدود الضيقة للديوان الذي تقتصر علي الشعر وكذلك اراد ان يعطي عمله نوعا من الفخامة التي تجد صداها في وجدان المتلقي لها لهذه التسمية من وقع مقدس علي مسامعنا ولكي يعطي الشاعر صفات الكتاب علي مؤلفه وضع له مقدمة وعرضا وخاتمة وعمد الي حذف اسماء القصائد ليستعيض عنها بالارقام كتابة وبذلك تتجانس كتابة الارقام واسم الكتاب الذي جاء علي شكل قصيدة طويلة مبوبة الي قصائد قصيرة مرقمة وتلي كل قصيدة مقطوعة نثرية وفي ذلك كسر لما اعتاد الشعراء عليه بتقديم قصائدهم ببضعة سطور نثرية فالمقالح في هذا الكتاب يقدم الشعر علي النثر لمكانته السامية في وجدان القارئ العربي فالشعر ارقي من النثر كما وصف النقاد القدماء وتمييزا لها عن الشعر جعل طباعتها بحرف اسود بارز وهي لاتشرح ما سبقها من شعر موزون بل تعمق الافكار وتوسع من ابعاد معانيها عبر تساؤلات تنقلنا الي جو مليء بالتأملات الصوفية:
    أهي طعنات التاريخ في حاضرة الجبل
    ام عيون الكبرياء منحوتة في جوف صخر لا يتألم؟
    في هذه الجيوب الصخرية تخبئ الجبال
    مفاتيح المدينة
    وتطوي اسرار القرون
    وكأنه اراد بوضع هذه المقطوعات النثرية نقل خطابه الشعري الي مستوي تعبيري اخر للتنقيب في طاقة اللغة عن المخبوء من اسرارها الكامنة وعبر هذا التنويع في الاداء يحاول الشاعر الاحاطة بتفاصيل غائصة في اعماق هذه المدينة التي هي عاصمة الروح.
    ابوابها سبعة
    والفراديس ابوابها سبعة
    كل باب يحقق امنية للغريب
    وهي ذاكرة تتحرك وهي سيدة الضوء وهي في عمر سام بن نوح وهي لي ولكم وهي صنعاء لا تعرف الليل وهي سمسرة للنحاس وللفن وهي واضحة مثل كف صغير لطفل وهي مؤمنة يتدفق ايمانها كالنوافير وهكذا يفتتح الشاعر العديد من قصائده بضمير الغائب المؤنث هي تذكيرا للقارئ بمفتتح الكتاب الذي وضعه ليسرد حكاية امرأة هبطت في ثياب الندي ثم صارت مدينة فضمير الغائب هي يعود علي تلك المرأة التي اصبحت مدينة ويعمد الي تكرار الضمير هي في مفتتح بعض القصائد تأكيداً لغياب احاط بالشاعر من كل صوب غياب حبيبة.. اصدقاء.. دروب قديمة وهذا الغياب الممزوج بغيبوبة الشاعر المغرم بعشق هذه المرأة والمدينة التي يلفها الغموض:
    يالصنعاء
    سيدة لا تبيح السفور
    وترفض ان تقرأ الشمس
    ان يقرأ الليل اوراقها
    او يلامس سر الطلاسم في اللوحة الغامضة
    اما (هو) فيصف نفسه بقوله هو مجذوب صنعاء
    يمشي علي قلبه
    ويسافر فوق بساط من الشطحات الجميلة
    لا اصدقاء له غير توت البيوت
    يناوش اطفالها وعجائزها بالاساطير
    لذا فكتاب صنعاء كتاب عشق امراة تحولت الي أحجار وبوابات قديمة تطل علي الماضي الموصول بخيط خفي ينفتح علي المستقبل حيث يري الشاعر بوابات هذه المدينة المسورة بالتاريخ تنفتح علي شمس تفخر حجارتها لتعيد تشكيل المدينة الي امرأة ترتدي ثياب الندي وقد كتبه المقالح ليؤكد لنا ان الشعر العربي ما يزال بخير وان تجربته الشعرية تحقق قفزات عريضة في أفق الحداثة الشعرية العربية.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-09-02
  19. الجنيد

    الجنيد عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    104
    الإعجاب :
    0
    هوامش على ملتقى الرواية العربية والألمانية في اليمن

    هوامش على ملتقى الرواية العربية والألمانية في اليمن

    حوارات ساخنة حول السؤال الراهن: هل نعيش زمن الشعر أم زمن الرواية؟)
    حين وصلتني دعوة الشاعر الكبير د.عبدالعزيز المقالح ـ رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني للمشاركة في «ملتقى الرواية العربية والالمانية» لم اتردد لأكثر من سبب. فهي دعوة من كريم ودعوة الكريم لا ترد. ولأهمية هذا الملتقى ايضا الذي يكاد يكون عالميا وليس عربيا، فأهم ضيوفه الكاتب الالماني العالمي ـ غونتر غراس ـ الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1999. كما حضرت وفود من المانيا، النمسا، وسويسرا. كل وفد يمثل باقة مبدعين. من قصاصين مثل إلغو شوالتسه الذي كانت روايته «قصص بسيطة» احد مصادر شهرته. والكاتبة يوديت هيرمان وهي الآن نجمة الشباب في كتابة القصة. وهما المانيان. والكاتبة النمساوية كاترين روغلا. والعديد من المستشرقين والسينمائىين والشعراء. اما وفود الدول العربية فقد شارك نخبة من المبدعين. من مصر ميرال الطحاوي، احمد الشهاوي، جمال الغيطاني. من تونس الكاتب حسن بن عثمان. من لبنان حسن داوود وهدى بركات. مبارك ربيع من المغرب ومن العراق شارك كتاب كبار مثل فؤاد التكرلي ومهدي عيسى صقر وطه الشبيب وعبدالرحمن مجيد الربيعي. ومن الكويت ـ بكل تواضع ـ كنت المدعوة. وقد شجعتني هذه القائمة على الحضور. فليس هناك من «دخلاء» سواء ممن ليس لهم علاقة بالابداع او ممن هم على هامش الثقافة ويفرضون حضورهم ويحرجون اصحاب الدعوة. وحين حدث هذا في هذا الملتقى، ورغم ان ـ الحاضرة ـ روائىة وصحافية معروفة ادعت ان اسمها سقط سهوا من البرنامج، اعلنت الشاعرة امل جبوري (المسؤولة عن التنظيم) بأنها غير مدعوة. وكونها حضرت للاستماع فأهلا بها. وكم اتمنى لو تملك بعض ـ الملتقيات ـ جرأة «هذه الأمل». ما حفزني ايضا لتلبية الدعوة.. انها المرة الاولى التي ازور فيها اليمن وما ندمت على ذلك.

    لم يكن الملتقى يشبه ما اعتدنا عليه من الملتقيات الثقافية العربية، ففي اليمن لا يثقلونك بالوجبة قبل ـ طبق فتح الشهية ـ فقبل الدخول الى معمعة العمل من قراءات ومناقشات كان البرنامج فاتحا للشهية. ومن خلال تعرفنا على حضارة اليمن، تراثها، فنونها وجمال طبيعتها الساحر.

    افتتاح مختلف

    حفل الافتتاح كان هو الآخر مختلفا عن كل ما اعتدنا عليه. لم يكن في قاعة احد الفنادق الكبرى. مما جعل الكاتب ـ غونتر غراس ـ ان يعلق على ذلك بقوله: «وهل هناك مفارقة أكثر من ان يتم افتتاح هذا الملتقى الادبي في صالة اكاديمية الشرطة؟».

    كلمات الافتتاح كانت غير التي اعتدناها في كل الملتقيات. والتي يقف فيها الداعون والوزراء ليلقوا خطبا مملة يكررون فيها الاحلام والطموحات ذاتها والتي غالبا ما تنتهي على ورق يحفظ على الرفوف ولا يتحقق من الاحلام الا ما يشاء ـ السياسيون ـ .

    ابتدأ الشاعر الكبير د.عبدالعزيز المقالح ـ الداعي للملتقى ـ بكلمة ودودة، جميلة ومختصرة. عبرت عن اهمية هذه الملتقيات وبأنها الصلة الباقية للإخاء البشري في زمن الاحباطات وتعثر الرؤى والايديولوجيات. اما وزير الثقافة الاستاذ خالد الرويشان فقد اختارها كلمة شاعرية خاطب بها جمهور الحضور بـ«انتم البهاء. انتم الحب. انتم من ترسمون بريق ايامنا وتنقشون بماء حنين قلوبكم فاتحة اعيادنا». اثارت الكلمة التصفيق والدهشة. وقالت يوديت هيرمان: «في المانيا لا تجد من يتحدث هكذا». وكأنها قد صدقت فقد جاءت كلمة الكاتب الالماني شوالسه مباشرة وخالية من التنسيق اللغوي، عبر فيها عن اهمية التواصل بين الشعوب واعترف بان الكتاب العرب يعرفون عن الادب الالماني اكثر مما يعرف الالمان عن العرب.

    اما الكاتب الكبير غونتر غراس فقد جاءت كلمته مرحة. وطالب ان يسود المرح جلسات الحوار. لم تستغرق كلمات الافتتاح اكثر من نصف ساعة. كانت «المختصر المفيد. والمريح ايضا».

    الشعر والموسيقى

    هل يذكر احدكم محفلا عربيا واحدا اعتنى ان يكون للشعر والموسيقى حضورهما الجميل في حفل الافتتاح؟ ألسنا ـ نحن الجمهور ـ من يعاني دائما من ثرثرة الكلام حتى ليسمع الواحد «شخير جاره» او الانسحاب من القاعة ليفر كل واحد من سطوة الخطباء!
    في هذا الافتتاح الحال مختلف. كلمات قصيرة ذات رنين جميل، ثم قراءة مقاطع من شعر ـ غونتر غراس ـ وشدت المطربة اللبنانية بغناء بعضها مما قامت بتلحينه، ثم فاصل من الاغنيات الشعبية اللبنانية ـ التي لم تكن ضمن البرنامج لكن الحضور العاشق طالبها بذلك ـ هكذا خرج الجمهور من قاعة الاحتفال غير مثقل ولا متبرم ولا ساخر من كلمات اصبحت اشبه «بالكليشيهات» في كل ملتقى.
    الجلسات
    في قاعة من قاعات فندق الشيراتون اقيمت جلسات الملتقى صباحية ومسائية. سادتها روح المودة والاختلاف غير المفسد. واود ان اشير هنا الى التنظيم الباهر من توزيع ملفات الملتقى، الى اعداد القاعة وتوزيع اجهزة الترجمة ليس للمشاركين في الملتقى وحدهم. بل كان بعض الجمهور المستمع يحظى بهذا. اما المترجمون ـ اجانب وعرب ـ فقد بذلوا جهدا واضحا في نقل الترجمة. وان كانوا بين وقت وآخر يقاطعون المتحدث، طالبين عدم السرعة في الكلام كي يتمكنوا من ترجمة كل كلمة.
    تم اعداد مكان اشبه بالكافتيريا الصغيرة للشاي والقهوة وقليل من التمر والحلوى. لا بذخ لا بوفيهات «تسد النفس» وتشغل هواة الأكل عن الالتزام بدخول القاعة بالموعد المحدد. وهناك ملاحظة اخرى هي «قلة وقاحة الهواتف النقالة» نادرا ما تسمع صوتا يقطع متعة الاستماع. او تجد احدهم ممن «ينصح غيره وينسى نفسه» يتحدث بالموبايل بصوت عال دون مراعاة الذوق وحرية الاخر.
    ما يبهج في هذا الملتقى مشاركة ادباء واديبات اليمن ليس حضورا فقط، بل بالمناقشة والمداخلات والاسئلة المفيدة. ليس لمجرد ـ الظهور الفارغ واثبات الوجود ـ كانوا جديين في نقاشهم وتعليقاتهم.
    محاور الملتقى
    توزعت الجلسات على خمسة محاور: الرواية والسينما ـ الرواية والمكان ـ الرواية والزمان ـ الرواية والشعر ـ الرواية والخيال العلمي ـ وقد استبعد هذا المحور لعدم وجود المتخصصين في هذا المجال الابداعي في الملتقى، وهو تخصص نادر ومن يمارسونه في وطننا العربي يعدون على الاصابع. بعضهم يملك خياله الخاص، وبعضهم ينقل ويترجم ويدعي انه المبدع وكل منقول او مسروق يفضح صاحبه. وبهذا تحولت الجلسة الاخيرة الى موضوع آخر مثير. تلي بعدها البيان الختامي المهم الذي حمل عنوان «اعلان صنعاء ويستمر الحوار». وقد تلاه الروائي الكبير جمال الغيطاني بصوت جهوري معبر. ومما جاء في بنوده: التأكيد على ضرورة استمرار الحوار الثقافي بين الثقافات كلها، وخصوصا بين الشرق والغرب. كما اكد البيان على اشاعة التسامح والتفاهم ونبذ ثقافة العنف والمصادرة والتطرف. ورفض الرقابات على الابداع وملاحقة المبدعين. ولم تكن قضية الرقابات على الابداع مطروحة. ركزت على هذا ـ البعبع الرقابي ـ الذي يتسلط على الكتاب ويرعب المواهب الجديدة التي تتفتح، مما يؤدي الى اطفاء جذوتها في بدء التكون. لهذا كان التأكيد على هذه القضية ضمن البيان الختامي.
    الأوراق ـ الرواية والسينما
    لم نتمكن من الحصول على جميع الاوراق المشاركة. بعضهم لم يهتم بإرسال مداخلته في حدود الوقت المطلوب. فلم تتم طباعتها وترجمتها. وبعضهم فضل الحديث الشفاهي. بعضهم ايضا التزم بالصفحات المحددة للمداخلة (صفحة ونصف) وبعضهم ـ كعادة بعض المبدعين ـ يسرف في كتابة الاوراق والتي غالبا ما تضطره رئاسة الجلسات الى اختصارها مما يربك صاحبها، ويشتت جهده الذي بذله في اعداد الورقة. بعضهم التزم بالوقت المحدد للقراءة. وبعضهم استحق تدخل المنصة ليتوقف. في المجمل كانت اوراق العمل مفيدة وناجحة. استمعنا لتجارب الالمان والسويسريين والنمساويين في علاقتهم بزمان ومكان الرواية. ولتجارب البعض ممن تحولت رواياتهم الى السينما. وهل يشوه هذا الروايات ام يضيف اليها. وقد اكد الروائي غونتر غراس على انه كان يرفض عروضا لتحويل روايته «الطبل الصفيح» الى فيلم، حتى اعلن المخرج «شلوندروف» عن رغبته في اخراجها. واثار جمال الغيطاني قضية الاختلاف بين الكتابة الروائىة والعمل السينمائي مستشهدا بتجربة الروائي نجيب محفوظ الذي كتب 77 قصة للسينما وهي نصوص لا تدرج ضمن ادبه. اما مداخلة حسن داوود فقد رأى ان السينما بدأت تكتسح الرواية لانها تدخل تقنيات كالموسيقى، والالوان، والصورة والكلام مما يحرك كل ما يبدو صامتا في الرواية.


    الرواية والمكان والزمان
    كان هذا المحور مكتسحا من قبل العنصر النسائي، وقد علقت على هذا الامر بان الجلسة الاولى كانت ـ لقوامة الرجل ـ وهنا تأتي ـ قوامة المرأة ـ كنت اولى المتحدثات. وقرأت ورقتي التي حرصت ان اؤكد فيها علاقتي بالمكان وانه الجزء المهم الذي ركزت عليه، والذي يثبت قدرة الكاتب على تشكيل عالمه المكاني عبر نصوصه الابداعية. ويمنحه التفرد والخصوصية ويثبت مصداقيته لدى قرائه ممن يعرفون المكان الذي يكتب عنه او اولئك الذين يتخيلونه. اما الصديقة الكاتبة ميرال الطحاوي فأكدت على انها مغرمة بخلق مكان لا ينتمي اليه غيرها. واعتبرت ان الاماكن هي التي تسكن الانسان وليس العكس. وفي وصفها لذلك البيت القديم الذي كانت تراه كبيرا وهي طفلة. تحدثت عن صور العائلة التي كانت تعلق على الحائط بحسب الاعمار من الجد الى الجدة الى الابناء الى الاحفاد. كان وصفها رومانسيا مثيرا، مما جعلني لا اتابع بقية حديثها. فقد انبثقت من وحي كلامها فكرة الى عقلي فبدأت اكتب قصة قصيرة وعدتها ان اهديها اليها. وقد قمت فعلا بتنقيح القصة حال وصولي الى الكويت تحت عنوان «الصفعات».
    اما الكاتبة الالمانية يوديت هيرمان فقد اعترفت انها لا تكتب في السياسة وتتعمد الابتعاد عن ذلك. وكتاباتها تدور حول الذات.
    الروائي المغربي مبارك ربيع في ورقته اكد اهمية المكان وعلاقته بالرواية وعلاقة الرواية بالاشياء الاخرى كالزمان والبشر والحركة. اما الكاتب التونسي حسن عثمان فقد رأى ان علاقة الروائي بالمكان تصل الى حد التماهي والتلبس بما يجعل الروائي يتحدث بلسان المكان ويطلق النبوءات التي تتحقق.
    الرواية والشعر
    كان السؤال المطروح في هذا المحور: هل نعيش زمن الشعر ام زمن الرواية؟
    دار نقاش ساخن حول هذا السؤال. وبقدر ما تحمس الشاعران احمد الشهاوي وعلي الشلاه للدفاع عن الشعر كونه ـ ديوان العرب ـ كان حماس الروائيين اكبر واكثر اقناعا، مستشهدين بان كبار الشعراء قد تحولوا الى الرواية وان دور النشر اليوم تقبل على طباعة الرواية اكثر من دواوين الشعر. لم يمنع هذا الخلاف الصحي ان الفنون تتشارك. وان اغلب الروائيين اليوم يدخل الشعر ضمن ابداعاتهم. وقد قامت الكاتبة اللبنانية الكبيرة هدى بركات بقراءة فقرة من روايتها الاخيرة «حارث المياه» التي اعتبرها النقاد نصا شعريا. كما اكد الروائي العراقي طه الشبيب على «حالة اقتحام اللغة الشعرية لكيان الرواية» وان فن الرواية طور من اطوار استحالة فن الشعر تتشكل تحت وطأة الحاجة لاستيعاب التغيرات الكبرى في يوميات مدارك الانسان. وقد كان تعليق الروائي العالمي غونتر غراس على هذا النقاش بان «المشاركين العرب يفهمون الشعر باعتباره لغة جميلة مفعمة بالصور بينما قد يكون جافا قاسيا ومصدما».
    الجلسة الاخيرة
    كما ذكرت ان محور الرواية والخيال العلمي قد استبعد. وانتقل المحور في الجلسة الاخيرة الى اتون الحرب في محور ـ الادب والحرب ـ مما اشعل القاعة بالنقاش حول العراق وصدام حسين، ومواقف الغرب من الحرب وقضية فلسطين وقد اختتم غونتر غراس النقاش بان «الادب لم يمنع ابدا نشوب الحرب. فليس هذا هدف الادب. ولكن مهمته معالجة آثار الحرب على الانسان.
    في نهاية كل ملتقى يتسلل شعور الحزن لفراق الاصدقاء. وما يخفف منه هذا التواصل الجميل الذي يجعل الادباء والشعراء يتفرقون وقد حمل كل واحد منهم عطر الآخر ودفقات روحه وعرق جهده. انها الكتب المتبادلة، تلك الهدايا المجدية الثمينة التي تبقى، على مر الازمان، شهادة الانسان على واقعه وربما على نفسه.

    -بقلم: ليلى العثمان -
     

مشاركة هذه الصفحة