العقيدة الإسلامية والتوحيد

الكاتب : حليف القرآن   المشاهدات : 649   الردود : 4    ‏2004-08-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-26
  1. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    الحلقة الأولى من متن العقيدة :



    متن
    العقيدة الإسلامية والتوحيد


    بقلم
    العبد الفقير إليه تعالى
    حسن بن علي السقاف



    بسم الله الرحمن الرحيم
    متن العقيدة الإسلامية والتوحيد
    { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب }


    يجب على المكلَّف أن يدين الله تعالى بعقيدة الإسلام ، وأن يعتقد بأنَّ الدين الصحيح المقبول عند الله الذي تحصل النجاة باعتقاده هو دين الإسلام الذي بُعِث به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما سواه من الأديان باطل مردود لقوله تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } .

    والمكلَّف هو البالغ العاقل الذي لم يفقد حاستي السمع والبصر معاً وقد وصلته دعوة الإسلام ، ويجمع ذلك قولنا المتمكن من الإدراك والفهم ، ويجب أن يعتقد المكلَّف بأنه عبدٌ لله تعالى وأن يُشْعِرَ نفسه بذلك ، وينبغي أن يستعمل هذا التعبير في حق نفسه ليحقق رتبة العبودية على ذاته ، وهذا تحقيق لقول الله تعالى { ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } فذكر أن التزكية من أسس هذا الدين ، وهي التخلق بكل فضيلة والتخلي عن كل رذيلة .

    ويجب على كل مسلم أن يتعلَّم التوحيد ومسائل الاعتقاد ، كما يجب على من قدر أن يعلمها لغيره ، ويجب على الجميع المساهمة في بثها بين الناس بشتى الوسائل ، ويجب الحذر من كل فرقة إسلامية أو شخص يقول بأنَّ علم العقائد والفقه وغيرهما من علوم الشرع أمور خلافية يجب الابتعاد عنها ، والقائل بذلك مضل آثم .

    والتوحيد هو معنى الشهادتين : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يتم ذلك إلا بالإقرار باللسان والتصديق والاعتقاد بالقلب والعمل بمقتضى ذلك .

    فمن أقرَّ بلسانه ولم يعتقد قلبه ولم يعمل بمقتضى ذلك لا يكون مسلماً ولا مؤمناً ، ومن اعتقد وصدَّق بقلبه ولم يتمكن من النطق أو سارعه الأجل ولم يعمل بَعْدُ فهو ناجٍ عند الله تعالى . ومن أمكنه العمل ولم يعمل فهو عاص وقد يكون كافراً إن كان معرضاً عن الأعمال بالكلية أو معانداً أو مستخفاً أو مستهزئاً بأوامر الله تعالى أو مُنْكِراً لوجوب العمل .

    فالتوحيد هو اعتقاد مسائل أصول الدين بعد معرفتها وفهمها ، ومسائل التوحيد هي الأمور الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة فيما يتعلق بالله تعالى من حيث ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقه تعالى وكذا ما يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام وكذا ما جاء في السمعيات مثل نعيم القبر والبرزخ والجنة والنار واليوم الآخر وأشباه هذه الأمور .

    وتقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وربوبية وأسماء وصفات تقسيم مُحْدَث باطل مبتدع لم ينطق به القرآن ولا جاءت به الأحاديث الصحيحة ولا فيه مصلحة ولا فائدة .


    مقدّمــــــات


    والإيمان يزيد وينقص باعتبار النظر إلى الأعمال ، وأمَّا بالنظر إلى أصله وهــو التصديق والجزم بالعقائد فهو لا يزيد ولا ينقص فإن نقص في الأصول كان ذلك كفراً والعياذ بالله تعالى .
    وأهل الفترة ناجون ، ومنهم والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

    وأدلة التوحيد أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والعقل .
    فالكتاب : هو القرآن الكريم الذي { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } وفيه نصوص محكمة كما فيه نصوص متشابهة لقوله تعالى { منه آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب وأُخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌ من عند ربنا وما يذكَّر إلا أُولوا الألباب } ، فالقرآن يجب الإيمان بمحكمه ومتشابهه ، ويجب رد متشابهه إلى محكمه .

    فالنص المتشابه وهو ما يحتمل أكثر من معنى فيجب فهمه وتأويله حسب الآيات المحكمات لأنهنَّ أم الكتاب ، وأساس المحكمات في التوحيد قوله تعالى { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } وقوله تعالى { ليس كمثله شيء } وأمثالها .

    ومثال المتشابه : الآيات التي يوهم ظاهرها إثبات جارحة أو عضو أو مشابهة الله بخلقه من وجه ما ، وطريقة بيان أن المتشابه غير مراد ظاهره : استحضار نحو قوله تعالى { يا حسرتا على ما فرَّطت في جنب الله } أي في حق الله ، ولا يراد من ذكر لفظ الجنب هنا ظاهره وهو إثبات عضو ، وكذا استحضار مثل قوله تعالى { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } وكـــذا { واخفض جناحك للمؤمنين } لا يراد من هذا إثبات الجناح المعروف ، وإنما يراد المعنى المجازي وهو العطف والرحمة والحنان . وكذلك قول الله تعالى في حق القرآن { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } لا يراد من ذلك إثبات يدين للقرآن ولا خلف ، وإنما المراد مجاز ذلك ، وهو أن الباطل والتحريف والتغيير غير داخل عليه ، وكذلك قوله تعالى حكاية عن بعض الكفار أنهم قالوا { آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } لا يراد إثبات وجه للنهار بمعنى العضو المعروف في البدن إذ النهار ليس له وجه بهذا المعنى ولا أيد ولا أعضاء لأنه لا جسم له وإنما المراد أول النهار ، وبه يتبين أنَّ هذا من مجاز اللغة في القرآن الكريم ، لأن التأويل يدخل عليه كما يدخل على السنة وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على السنة إن شاء الله تعالى .
    وباستقراء مسائل الاعتقاد تبيَّن أنَّ جميع مسائل أصول الدين ثبتت في القرآن الكريم ، لأنَّ القرآن يصل إلى جميع الناس فتقام عليهم الحجة خلافاً للحديث فإنه يصل إلى إنسان ولا يصل إلى آخر وقد حصل ذلك .

    الدليل الثاني السنة النبوية : فهي الأساس المتين التالي للقرآن وهي شارحة ومبينة قال تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر : 7 ، والآيات في ذلك كثيرة .

    والسنة منقسمة إلى أقسام : ( الأول ) : سنة متواترة متوارَثَة مقطوع بها عند جميع فرق المسلمين ، كعدد الصلوات وأنها خمس وعدد ركعات كل صلاة وأنَّ في كل ركعة سجدتين وركوعاً واحداً ، وما هو متفق عليه عند المسلمين من صفات الصوم والزكاة والحج والحلال والحرام الذي لم يختلفوا عليه وهو كثير جداً ، وهذه السنة متفق عليها بين المسلمين ولا يوجد أحد ممن يعتد به منكر لها .
    و ( الثاني ) من أقسام السنة : أحاديث الآحاد ، وهذه لا توجب علماً وإن احتفت بالقرآئن ، وهذا النوع منها وصل لأُناسٍ دون آخرين كما هو معلوم ، ويجب فحص هذا القسم من السنة والنظر فيه سواء ما كان منه في الصحيحين أو في غيرهما ، لنميِّز ما دخل فيها مما هو ليس منها ، لأن هذه النصوص ليست كآيات القرآن محفوظة من التبديل والتحريف والخطأ وأوهام الرواة ، والصافي منها بعد النظر والبحث والتمحيص شارح لمجمل القرآن غير حاكم عليه لأنَّ الأدنى لا يحكم على الأعلى ، ولا لها قوّة القرآن في الثبوت والحجية ، فإن عارض نص منها القرآن سقط الاحتجاج بذلك النص المعارض ، ويدخلها الـتأويل كما يدخل على القرآن ، ومعناه العلم بمقصود النص ويسمَّى أحياناً بالمجاز ، كما يدخلها التفويض الذي يدخل على القرآن ومعناه عدم العلم بالمراد من النص .

    ويجب عرض السنة بعد دراسة أسانيدها على القرآن حتى نتبين صحتها فإن وجد فيها من الأفكار ما يخالف القرآن رُدَّ وإن صحَّ إسناده وكان في الصحاح . ومعنى هذا أنَّ خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يبنى عليه أصل الاعتقاد وإنما تبنى عليه الفروع العقائدية والفقهية إذا لم يوجد ما يعارضه من الكتاب أو من السنة التي هي أقوى منه .
    وقضية أمروها كما جاءت وقراءتها تفسيرها قضية مردودة عندنا لأنها تقتضي الاعتراف بالإسرائيليات وبما لا نراه ثابتاً ، كما تقتضي الإيمان بظاهرالنصوص الذي لا يراد وهذا يؤدِّي إلى مذهب التشبيه والتجسيم أعاذنا الله تعالى من ذلك .

    الدليل الثالث الإجماع : وهو اتفاق العلماء المجتهدين في كافة الفرق الإسلامية المعتد بها وعلى رأسهم أئمة أهل البيت في القرون الخمسة الأولى الذين توارثوا العلم عن سيدنا علي عليه السلام ولم يخرجوا عن خطه ، والزيدية والإمامية والمعتزلة والإباضية وعقلاء أهل السنة والجماعة ، ومن عقلاء أهل السنة أهل العلم من أهل الدليل من غير المتعصبة من أتباع المذاهب الأربعة المنزهين والظاهرية وعقلاء الأشاعرة والماتريدية المتبعون للدليل لا المتعصبون للأشعرية والماتريدية ، فخرج بذلك من يكفر ببدعته أو من اتفق هؤلاء على شذوذه وغلطه ، كالمجسمة والباطنية المنحرفين وغيرهم .

    ولا اعتداد بمن خرج من الأمة باعتقاد مُكَفِّر . ولا يستقل الإجماع في العقائد بإيراد شيء جديد وإنما يحدد معنى النص .

    والعقل أصل التكليف وأساسه وبه تدرك الأدلة الشرعية ويدرك المراد منها .

    وهناك أدلة أخرى باطلة يستدلُّ بها بعض الناس في العقائد لا يجوز الاستدلال بها شرعاً مثل الفطرة ، وفهم السلف ، ودين العجائز ، والقياس أعني قياس الخالق وصفاته على المخلوق وصفاته ، والاحتجاج بالتوراة والإنجيل المحرَّفين ونحوهما من الإسرائيليات .

    ومرادهم بالفطرة معلومات دينية تولد مع المولود وهذا باطل ، وبعضهم يعبّر عنها بالإسلام ، والصواب ما جاء في قوله تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً } والصواب في معنى الفطرة : أنها الخلقة الأصلية التي يولد الإنسان وهو متصف بها ، وهي أنه خالٍ من المعلومات وغير مُشَبَّع بأي فكر ولديه استعداد لقبول الخير والشر والهدى والضلال .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-08-26
  3. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثاني من متن العقيدة والتوحيد :
    متن مطوَّر وحديث ومناسب لأهل العصر


    الإلهيــــات

    فأوَّل ما يجب الإيمان به هو : معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، ومعناها : الإيمان بوجود الإله الخالق لهذا العالَم ، والعالَم بفتح اللام هو كل ما سوى الله تعالى وكل ما سوى الله تعالى مخلوق مُحْدَث .

    ويجب النظر والتفكّر في هذه المخلوقات للاستدلال بها على وجود الصانع جلَّ وعزَّ ، وقد أمر الله تعالى بذلك في مثل قوله تعالى { فلينظر الإنسان ممَّ خُلِق } ، ويجب أن يعتقد المسلم أنَّ الله تعالى لا يشبهه شيء في هذا الوجود وأنه { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } ، ويكفر من اعتقد بوحدة الوجود بمعنى أنَّ الخلق والخالق شيء واحد ، ولا يلهج بهذه اللفظة إلا المحجوبون الذين يظنون الحجب في غيرهم ، وكذا يكفر من اعتقد حلول الله تعالى أو اتحاده بشيء من خلقه ، أو أنه تعالى يَحُلُّ في مكان أو يجري عليه زمان كمن يعتقد أن الله تعالى يحل وينزل في الثلث الأخير من الليل بذاته في السماء الدنيا تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ، والخبر في ذلك مؤوَّل عند بعض أهل الحق المنزهة ومردود عند آخرين ، لأنَّ الله تعالى خالقٌ للزمان والمكان فلا تدركه العقول ولا الأفهام ، ولا يعلم حقيقته لا رسول ولا نبي ولا ملك ولا إنس ولا جآن ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى خلاف ذلك الوهم والخيال .

    ليس في جهة ولا يقال إنه في السماء ولا عليها ولا على الكرسي أو العرش بمعنى الحلول في هذه الأشياء أو الاستقرار أو الجلوس أو العلو الحسي سواء كان ذلك بمعنى المباينة والاعتزال أو المماسة والاتصال ، بل استواؤه جلَّ جلاله بمعنى القهر والربوبية والقيام بتدبير شؤون العباد كما قال سبحانه { وهو القاهر فوق عباده } وقال { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إنْ أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً } فاطر : 41 . فالإمساك هو بالتدبير والقهر والتسيير والقيومية على العباد .

    وهو سبحانه قديم أول لا افتتاح لوجوده ، باق لا انتهاء له ، والعالم حـــادث النوع والأفراد ، إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء معه ، وهو سبحانه حي قيوم لا يدركه فناء ولا موت ، غني عن الخلق ، مدرك لقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، كان خالقاً ورازقاً وموجداً قبل أن يخلق الخلق ويرزقهم ويوجدهم ومعناه أنه قادر على ذلك ، وهو سبحانه عالم سميع بصير حكيم رحيم قادر مريد ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وقد شاء سبحانه أن يكون العباد مخيَّرون في أفعالهم يفعلون ما يريدون ، وهم محاسبون على هذه الأفعال لأنها أفعالهم بنص الكتاب العزيز وليست أفعال الله تعالى ، فهم غير مجبورين ولا مكرهين ، وعلمه سبحانه بما سيعملون لا يقتضي جبرهم بوجه من الوجوه ، لأنَّ الجبر عقيدة المبطلين من الفجرة المارقين والملحدين .

    والقرآن كلامه سبحانه وتعالى لأنه ليس من تصنيف بشر ولا ملك ونعتقد أن الله تعالى لم ينطق به ولم يلفظه لأن النطق واللفظ يدل على الحدوث ومعنى أنه متكلم عندنا أنه خلق عبارات في اللوح المحفوظ تعبر عن مراده تعالى وعند ابن تيمية وشيعته معنى متكلم أي ناطق ولذلك قالوا يتكلم ويسكت وقد ذهب المعتزلة وأحمد وابن حزم والذهبي إلى أن الكلام راجع إلى صفة العلم ، وقالت الأشعرية بالصفة النفسية ، وهو مُحْدَثٌ لقوله تعالى { ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحْدَث إلا استمعوه وهم يلعبون } ، خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ فنقله سيدنا جبريل منه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ليس من تصنيف مخلوق ، وهو المراد بقوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } والمراد : حتى يسمعوا قراءتك التي هي هذا الذكر المحدّث الذي أنزلناه عليك والذي يُعَبّر عن مراد الله تعالى ، وأجمعت الأمة على أنَّ الله تعالى متكلِّم واختلفوا في معنى متكلِّم كما ذكر ذلك الإمام الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره مفصلاً .

    ومعنى قوله تعالى { وكلَّم الله موسى تكليماً } أي أنَّ الله تعالى خلق صوتاً في الشجرة دون واسطة مَلَك لقوله تعالى { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادِ الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } القصص : 30 ومحال أن يكون الله تعالى كان في الشجرة أو في جهتها .

    وليس كل ما ورد في الكتاب والسنة من الألفاظ الواردة في سياقات الجمل يصح إطلاقه على أنه من صفات الله تعالى كالجنب والنسيان والمرض ونحوها ، لأنَّ المتشابه يجب ردّه للمحكم ، { وأمَّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } أي تأويله بالمعنى الباطل الذي يريدونه ولا يرجعونه إلى المحكم .

    ونعود فنقول بأننا لا نثبت جناحاً من قوله تعالى { واخفض جناحك للمؤمنين } ولا وجهاً للنهار ، ولا يدين للقرآن ، لأنَّ تلك الألفاظ كلها من مجاز اللغة ولا يراد من ذلك ظواهرها عند العالم بلغة العرب .

    ومن هذه الأمور المشابهة لهذه الأمثلة والتي لا يصح القول بأنها من صفات الله تعالى مع ورودها في القرآن : الاستهزاء والمكر والكيد والخديعة ونحوها .
    ومما ورد في السنة : الضحك ، والتعجّب أو العجب ، والغيرة ، والملل ، والتردد ، والصبر ، والمرض ، والجوع ، والهرولة ، والحقو ، ونحوها كما وردت في بعض الروايات الحديثية .

    والله تعالى مُنَزَّه عن الجوارح والأعضاء لأنه ليس جسماً { ليس كمثله شيء } ومن ذلك تنـزيهه سبحانه عن اليد واليدين والأيدي بأنها صفات أو جوارح ، لأنَّ اليد ليست صفة إنما هي جسم وهي عضو وجزء من كل وتقوم فيها الصفات ، فيقال يد بيضاء وسوداء وطويلة وقصيرة وغير ذلك ، فتارة يكون معناها القدرة وتارة النصرة والتأييد وتارة غير ذلك على حسب السياق ومعنى النص .

    والاستواء هو القهر والاستيلاء ، ومعنى قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } أي : الرحمن هو الرب المتصرّف بهذا الكون لا أحد يدبِّر الأمر غيره ، فهذا الكون مقهور له بالعبودية في وجوده واستمراره . فهذا هو معنى العلو وهو علو الربوبية على العبودية كما تقول السلطان فوق الوزير أي العلو المعنوي ، وإلا لكان المعنى كما تظن المجسمة من أنه خلق كرسياً ولم يكن جالساً عليه ثمَّ بعد الفراغ من الخلق ارتفع فجلس عليه وهذه عقيدة تنسب لليهود وهي عقيدة فاسدة لأنَّ فيها إثبات التشبيه والجسمية ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

    ومعنى قوله تعالى { ءأمنتم من في السماء } أي ءأمنتم مَنْ شأنه عظيم وعال في الرتبة أن يأمر بخسف الأرض بكم ، أو المراد سيدنا جبريل الذي هو في السماء حقيقة ، أو أنه خاطبهم على حسب اعتقادهم ، فقال لهم ءأمنتم من تزعمون أنه في السماء .

    وحديث النـزول إن صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمعناه نزول ملك بأمره كما جاء في بعض الروايات الصحيحة الأسانيد ، والتحقيق عندنا هو أنَّ هذا ليس بحديث بل هو من جملة الإسرائيليات المنقولة عن كعب الأحبار وإن روي في الصحيحين .

    وحديث الجارية إن صحَّ فالصواب فيه أن النبي صلى الله عليــه وآلـــه وسلم قـال لها : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ... )) . ولم يقل لها ( أين الله ؟ ) جزماً !!

    وينبغي لأهل العلم أن يحذروا مما أدخله الذين أسلموا أو تظاهروا بالإسلام من أهل الكتاب مثل كعب الأحبار وعبدالله بن سلام ووهب ونحوهم .

    والمجسمة أقبح طوائف المبتدعة على الإطلاق وأكثرهم من النواصب ، ولا وجود للجهمية ، بل الصواب أنَّ المجسمة الذين ينتحلون الاشتغال بالحديث والروايات الباطلة ويتبنونها سموا مخالفيهم من آل البيت ومناصريهم والمنـزهين في العقيدة كالمعتزلة والإباضية والأشعرية وغيرهم من الفرق المتفقة على التنـزيه جهمية عناداً وتضليلاً ومكابرة ، ونافق لهؤلاء المجسمة جماعة ممن ينتسبون لأهل السنة أصلاً لعوامل سياسية أو قوى طائفية أو غير ذلك ، فصدرت عنهم كلمات مردودة عليهم ، والحق يعرف بالدليل والبرهان لا بأقوال الرجال وبالكثرة .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-08-26
  5. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    النبويــات والسمعيــــات


    الإيمان بالملائكـــة عليهم السلام : ونؤمن بوجود الملائكة الكرام ، وأنهم عباد لله تعالى لا يعصونه تعالى فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وأنهم مخلوقون من نور ، وأنَّ منهم سيدنا جبريل وسيدنا ميكائيل ، وأنهم لا يوصفون بالأنوثـة ، وأنَّ منهم سفراء الله ورسله إلى الأنبياء والمرسلين ، وأنَّ مسكنهم السماء وقد كلَّفهم الله بأعمال منها : تولي وفاة الناس وتبشير المؤمنين بالجنة والنعيم والكافرين بالهلاك والثبور قال تعالى { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون } الأنعام : 61 .
    وإبليس ليس من الملائكة ولا من طائفة منهم يقال لها الجن كما زعم النووي رحمه الله تعالى ، وقصة هاروت وماروت وأنهما ملكان عصيا الله تعالى موضوعة لا تصح .

    الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام : ونؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين ونشهد أنهم جاءوا بالدين من عند رب العالمين ، وكانوا على الحق المبين ، لا نفرّق بين أحد منهم ، أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض بل نؤمن بأنهم أنبياء ورسل أجمعون ، وهم صادقون فيما جاءوا به ، وأنَّ بعضهم أفضل من بعض لقوله تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } والرسل أفضل من الأنبياء وكذا الرسالة أفضل من النبوة ، ونعتقد أنَّ سيدهم وخاتمهم الذي نَسَخَتْ شريعته شرائعهم هو نبينا وسيدنا محمد بن عبدالله القرشي الهاشمي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم وهو أفضل الرسل والأنبياء .
    والفرق بين النبي والرسول منهم عليهم الصلاة والسلام : أنَّ الرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد مستقل وأُمر بتبليغه ، والنبي هو من أوحي إليه بشرع رسول وأُمر بتبليغه ، فكل منهما مأمور بالتبليغ ، لقوله تعالى
    { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى ألقى الشيطــان في أمنيّتــه فينســخ الله مــا يلقــي الشيطــان ثــمَّ يحكم الله آياته والله عليم حكيــم } الحج : 52 . بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ كلاً منهما مرسل أي مأمور بالتبليغ .
    والدليل على أنَّ النبي هو من أوحي إليه بشرع الرسول قوله تعالى : { إنَّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } المائدة : 44 .
    والأنبياء جميعهم ذكور وهذه حكمة الله تعالى ، قال تعالى : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } يوسف : 109 ، والنحل : 43 ، والأنبياء : 7 .
    وأول الرسل والأنبياء سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر الله تعالى لنا في كتابه الكريم أسماء خمسة وعشرين من الأنبياء والمرسلين وهم : سيدنا آدم وسيدنا إدريس وسيدنا نوح وسيدنا هود وسيدنا صالح وسيدنا لوط وسيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق وسيدنا يعقوب وسيدنا يوسف وسيدنا شعيب وسيدنا هارون وسيدنا موسى وسيدنا داود وسيدنا سليمان وسيدنا أيوب وسيدنا ذو الكفل وسيدنا يونس وسيدنا إلياس وسيدنا اليسع وسيدنا يحيى وسيدنا زكريا وسيدنا عيسى وختامهم سيدنا محمد عليهم أفضل الصـلاة والسلام .
    وسيدنا الخضر عليه السلام لم يُذكر باسمه في القرآن والصحيح أنه رسول وهو صاحب القصة في مجمع البحرين مع سيدنا موسى عليه السلام ، ولقمان لم يكن من الأنبياء ولا من المرسلين وإنما هو عبد صالح . ومجموع عدد الأنبياء والمرسلين لا يعلمه إلا الله تعالى .
    والدليل على أنَّ المذكورين في القرآن منهم عليهم الصلاة والسلام بعضهم رسل وبعضهم أنبياء قول الله تعالى : { واذكر في الكتاب موسى إنه كان مُخْلَصَاً وكان رسولاً نبياً وناديناه من جانب الطور الأيمن وقرَّبناه نجياً ، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً } مريم : 53 . كان سيدنا هارون عليه السلام نبياً تابعاً لسيدنا موسى مأموراً بتقرير شريعته وعاملاً بها وداعياً إليها .

    ومن صفاتهم عليهم الصلاة والسلام : العصمة وهي حفظ ظواهرهم وبواطنهم عليهم الصلاة والسلام من التلبس بالكفر والمعاصي ، ويجوز عليهم الصغائر التي لا خسة فيها أو الخطأ القليل لأنهم بشر فينبّههم الله تعالى فوراً لئلا يقتدي بهم أحد في ذلك .
    ويدخل في موضوع العصمة عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من تأثير السحر فيهم لقوله تعالى { والله يعصمك من الناس } والسحر من عمل الناس ، وقال تعالى لإبليس وهو رأس الشياطين والجن { إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، وحديث سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم شاذ باطل مردود .
    ولو كان النبي قد سُحِر فعلاً لصدق قول الكفار الذي حكاه عنهم رب العالمين سبحانه في كتابه العزيز في قوله تعالى : { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } هذا ومما يبطل قصة حديث السحر أيضاً أنه قد جاء في بعض رواياته أن الله تعالى أنزل المعوذتين لحل السحر عنه صلى الله عليه وآله وسلم والمعوذتين مكيتان وحادثة السحر المحكية قصة مدنيه فهذا مما يؤكد بطلان القضية .

    ومن صفاتهم عليهم الصلاة والسلام : الصدق ، قال تعالى : { وجعلنا لهم لسان صدق علياً } الأنبياء : 50 . والكاذب لا يكون نبياً ولا ذا منـزلة رفيعة يستحق أن يصدّق فيما يخبر به عن الله تعالى .
    وحديث الكذبات الثلاث لسيدنا إبراهيم مردود وهو من الإسرائيليات وإن كان في الصحاح . وقوله تعالى { بل فعله كبيرهم } معناه تهكُّم منه عليه السلام بأولئك المشركين .

    ومن صفاتهم عليهم السلام : الفطانة والذكاء والنباهة لأنهم يحاورون ويجادلون ويحاججون عقول جميع طبقات الناس ليثبتوا لهم وجود الله تعالى وأنه أرسلهم بهذه الشرائـع . قال تعالى { وتلــك حجتنـــا آتيناهــا إبراهيــم على قومه نرفع درجات من نشـــاء } الأنعام : 83 . وقال تعالى { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } هود : 32 .

    أقــول : ومن سمات الدعوة الحية والفكر المتمدد والكتب السماوية وخاصة القرآن الكريم أن فيها مجادلة الكفار والمنافقين والمنحرفين من جميع الملل والنِّحَل وعرض أقوالهم وأفكارهم ودعاويهم وتفنيدها ، أما الكتب الميتة فهي التي لا تتعرَّض لفكر الخصوم والمخالفين بالنقد والرد والتزييف ، والله تعالى أعلم .

    ومن صفاتهم عليهم الصلاة والسلام : تبليغهم ما أمروا بتبليغه وعدم كتمانهم لشيء من ذلك . قال الله تعالى : { يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس } .
    ومما يتعلَّق بذلك ادّعاء بعض جهلة المتصوفين أنَّ الأنبياء أخفوا علم الأسرار وما يتعلق بالأولياء من علوم الباطن التي يزعمونها ، ويحتجون لذلك بأشياء منها قول أبي هريرة ( حفظت من رسول الله وعاءين أما الأول فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لَقُطِعَ مني هذا البلعوم ) وهو حديث رواه البخاري ومعناه إن صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بأسماء ولاة الجور والحكام الظلمة من بعده كما هو مفصَّل في موضعه في فتح الباري .
    وقال الإمام الغزالي في الإحياء (1/100) : ( فمن قال إنَّ الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان ) . وللموضوع تفصيل في كتابنا صحيح شرح الطحاوية ص (404-408) .
    ويجب اعتقاد كفر كل من ادّعى أنه صار نبياً بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو ادّعى أنه يوحى إليه .

    ويجب الإيمان بأنَّ الله تعالى ختم الرسالات والنبوات بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم لقوله تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً } ؛ ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا علي عليه السلام : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) رواه البخاري ومسلم .
    وأنه يجب على جميع الملل والنحل أن يذعنوا له وأن يدخلوا في طاعته وأن يعملوا بشريعته لأنَّ شريعته ناسخة لشرائع الرسل الذين كانوا قبله ، قال تعالى { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون } سبأ : 28 . وقال تعالى { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً } . وقال تعالى { وأُوحيَ إليَّ هذا القرآن لأُنذركم به ومَنْ بَلَغ } الأنعام : 18 .

    ومن الدلائل على نسخ شريعته صلى الله عليه وآله وسلم لجميع شرائع الرسل والنبيين من قبله أنَّ الله تعالى أخذ العهد والميثاق على جميع الأنبياء أنه إذا بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤمنوا به وينصروه ، قال تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثمَّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ، قالوا أقررنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } .

    ومن الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم تفضيله على سائر الخلق واحترامه وتوقيره وعدم دعائه باسمه الشريف لقوله تعالى { لا تجعلــوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً } أي لا تنادوه وتدعوه باسمه مجرَّداً من وصف الرسالة أو النبوة أو السيادة فالواجب دعاؤه بيا رسول الله ، أو يا نبي الله ، أو يا سيدي ، كما لا يجوز أن يقال : قال محمد وغزا محمد وحارب محمد ، ودعوة محمد ، بل يجب أن يقال : قال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو قال سيدنا رسول الله ، أو قال النبي ، قال تعالى { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } الأعراف : 157 .

    والمبتدعة حريصون على عدم إطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وآله وسلم لنصبهم ، وحديث ( لا تسيدوني في الصلاة ) حديث موضوع باطل لا أصل له .
    ويجب الإيمان بمعجزات الأنبياء الثابتة في القرآن والأحاديث الصحيحة المتواترة كانشقاق البحر لسيدنا موسى وانقلاب العصا إلى حية وإبراء سيدنا عيسى للأكمه والأبرص وإحيائه للموتى ، وانشقاق القمر لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك من المعجزات المشهورة .

    والمعجزة : أمر خارق للعادة مقترن بالتحدي مع دعوى الرسالة والنبوة ولا يمكن معارضتها . والأنبياء والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-08-26
  7. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    اللوح والقلم والعرش والكرسي :

    اللوح المحفوظ : هو أم الكتاب وهو المذكور في قوله تعالى { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } الرعد : 39 . وقوله تعالى : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } البروج : 22 . فيحتمل أن يكون جسماً ما ويحتمل أن يكون كناية عن علم الله تعالى .

    القلم : لم يُذْكَرِ القَلَمُ المعنيُّ هنا في القرآن الكريم ، وأما قوله تعالى { ن والقلم وما يسطرون } فالمراد بذلك القلم الذي يُسَطِّرُ به الناس الكلام والكتابة .
    وأما في السنة فقد جاءت فيه روايات آحاد لا تثبت بمثلها عقيدة وبعضها في الصحيح معلقاً ولا يثبت . وكلام الحافظ في الفتح يتلخَّص في أنَّ القلم في بعض المواضع إنما هو كناية عن تقدير الله تعالى للأشياء وعلمه بها .

    العرش : يمكن أن يكون العرش جسماً عظيماً مخصوصاً هو أعظم خلق الله تعالى حجماً ويمكن أن يكون معناه هو هذا الكون بأسره وجميع مخلوقات الله تعالى لا جسماً معيناً مغايراً لسائر المخلوقات . والذي يدل على أنـــه جسم مخصوص من ظاهر القـــرآن آيتان وهما { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } وقوله تعالى { وكان عرشه على الماء } وقوله تعالى { وترى الملائكة حافين من حول العرش } وقوله تعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله } .
    أما من السنة فلا أرى أنه يثبت فيه حديث وقد تتبعت الأحاديث التي ورد فيها ذكر العرش في تحقيق كتاب العلو فلم أر لفظ العرش ثابتاً فيها كما يعلم ذلك من يتتبع ما علقناه هناك على تلك الأحاديث .
    فإذا أمكن تأويل الآيات المذكورة بالملك كان معنى العرش هو جميع الخلق ولم يكن جسماً مخصوصاً ، وذلك بأنْ تحمل الآية الأولى على أنّ إدارة الموقف يوم القيامة موكولٌ حَمْلُهُ وسوق الخلق إلى جزائهم لثمانية صفوف من الملائكة . وتحمل الآية الثانية على أنَّ جميع الخلق وهــو مُلْكُ الله تعالى ابتدأ الله تعالى خلقه من ماء ، فحينئذٍ يكون معنى لفظة
    ( على ) في الآية الكريمة هو ( من ) .

    وفائدة التعبير عن ملك الله تعالى وهو جميع المخلوقات وكل ما سواه جلَّ جلاله بالعرش شيئان وهما : الهيمنة من ( عرش المَلِك ) ، والحدّية والانتهاء لأنَّ العرش هو السقف وهو حد من الحدود يدل على انتهاء الجهة .

    الكرســي : الكرسي هو علم الله تعالى ، قال تعالى { وسع كرسيه السمــوات والأرض } أي وسع علمه السموات والأرض . وقد ثبت ذلك عن سيدنا ابن عباس بسند صحيح . وتعالى الله الذي { ليس كمثله شيء } أن يكون له كرسي يجلس عليه ، وإنما تسرَّبت هذه الفكرة إلى بعض المسلمين من الفكر الإسرائيلي اليهودي .

    الإيمان بالكتب السماوية : قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمَنُوا آمِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزَّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً } النساء : 136 .
    ومن المعلوم أنَّ جميعها حُرّف إلا القرآن الكريم الـــــذي تكفَّل الله تعالى بحفظه فقال
    { إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر : 9 .
    والدليل على تحريفها قوله تعالى { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمَّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } البقرة : 75 . وقال تعالى { ولقد آتينا موسى الكتاب فاخْتُلِفَ فيه } هود :110 ، وقال تعالى { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } آل عمران :78 . والآيات في ذلك كثيرة .

    الإيمان بوجود الجان : مما يجب الإيمان به وجود الجان وهم صنف من الخلق العقلاء خلق الله تعالى أصل مادتهم من النار كما خلق أصل مادة الإنسان من طين أو تراب .
    وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم الجآن في آيات عديدة منها قوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } الرحمن : 34 . وفي هذه الآية دليل على أنهم مكلفون بشريعتنا لأنَّ الله تعالى خاطبهم بهذا القرآن وتحدّاهم به كما كانوا من قبل مخاطبين بشرائع الرسل السابقين ، قال الله تعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } الإسراء : 88 . وقال تعالى : { وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلمَّا قضي ولَّوا إلى قومهم منذرين ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدّقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } الأحقاف : 31 .

    والجآن لا يعلمون الغيب لقوله تعالى { فلما قضينا عليه الموت ما دلَّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ، فلمَّا خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } سبأ : 14 . ، وإبليس من الجن لقوله تعالى { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } . والصحيح عندنا أننا لا نراهم لقولــــه تعالى { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } والأحاديث التي فيها إثبات رؤيتهم لا تثبت وبعضها في البخاري .

    واستخراج الجآن من الآدميين كما يدّعيه بعض المشعوذين والمتمسلفين كذب وهو من جملة الخرافات . ويحرم إتيان العرافين والمنجمين وأصحاب الضرب بالكف ومعرفة الحظوظ ونحوهم على سبيل تصديقهم والاعتقاد فيهم .

    الإيمان بنعيم البرزخ ( القبر ) وعذابه : ومختصر القول في هذا الباب أنه يجب الإيمان بأن هناك نعيماً وعذاباً بوجه ما للإنسان بعد موته وقبل يوم القيامة ، لأنَّ الروح وهي حقيقة الإنسان المدرك العاقل الباصر السامع لا تفنى وإنما تبقى في البرزخ ، وقد تواردت الآيات الكريمة على إثبات ذلك قال الله تعالى { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } وقال تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون } الأنعام : 93 . وقال تعالى : { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ، وقال تعالى : { ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } آل عمران : 170 .
    ولا ينبغي ذكر عذاب القبر دون ذكر نعيم القبر ولا يصح لأنسان أن يحتج بأنَّ في ذكر العذاب دون النعيم ردع للناس وتخويف لهم حتى يعودوا وينتهوا عما هم فيه لأنَّ هذا الأسلوب مخالف لأسلوب القرآن الكريم الذي يتوعد العصاة بالعذاب ويبشر الطائعين بالنعيم والثواب وأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ولأنَّ هذا الأسلوب الذي يحكيه المحتج لم يفلح ولم يصنع شيئاً .

    وإنما نسب العذاب والنعيم للقبر لأنَّ غالب البشر يدفنون في القبور ، وإلا فالتعذيب والنعيم إنما هو للروح في البرزخ ، وحديث (( القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من النار )) رواه الترمذي وهو حديث باطل موضوع .

    وسؤال منكر ونكير ليس ثابتاً إنما هو من أحاديث الآحاد ، وقد يكون من الإسرائيليات الداخلة إلى الفكر الإسلامي ، وإذا كان هناك سؤال فهو على الروح في البرزخ ، ونحن لا نقول بسؤال منكر ونكير ، وضمة القبر لا أساس لها من الصحة وهي خرافة إسرائيلية مكذوبة ، والقبر لا يُضَم على مؤمن قط ، وما يروى في ذلك باطل لا يصح ، والموت أمر حسن على المؤمن وويل ووبال على الكافر والمنافق ونحوهما من أصحاب الكبائر .

    وسكرات الموت لا تصيب جميع الناس بل بعضهم فمنهم من يموت فجأة أو في حادث دون أن يصاب بسكرة الموت ، وسكرة الموت في الحقيقة كالنعاس للنائم وهي غياب الروح في عالم البرزخ أو انكشاف عالم البرزخ للروح وانشغالها به ثمَّ عودها للانشغال بهذا العالم ، وليست السكرة ألماً كما تقوله وتُصَوِّرُهُ بعض الأحاديث والروايات الإسرائيلية أو الباطلة ، لأنَّ السَّكْـــــرَة مشتقة من السُكْر وهـو فقدان الشعور وعدم الإحساس ، ومعنى قوله تعالى { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } أي وجاءت لحظة الموت أو جاء الموت ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يعاني من سكرات الموت فلا يصح البتة .

    والأصل في هذا الباب ثبوت الإكرام والإنعام والبشرى والنعيم للمؤمنين وعكس هذا للعصاة والكافرين ، وضابطه قوله تعالى { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إنَّ هذا لهو حق اليقين } وقوله تعالى { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } الجاثية : 21 ، وقوله تعالى { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } طه : 122 . وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه : ( واجعل الموت راحة لي من كل شر ) رواه مسلم
    (2720) .

    والله تعالى يقول { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ويقول { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ويقول { فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } ويقول { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم } وهؤلاء يُيَئِسون الناسَ من رحمة الله تعالى بالأحاديث الباطلة أو الشاذة المردودة والقصص الخرافية !!

    والصحيح أنَّ الأموات يسمعون الأحياء وينتفعون بعمل الأحياء .

    أشراط الساعة : اتفقت الأمة على أنَّ للساعة أشرطاً لقوله تعالى { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } .
    واختلفت الأمة في الأشراط ( الكبرى ) ، فذهب قوم إلى أنها ستأتي وهي مثل ظهور الدابة وخروج يأجوج ومأجوج ونزول سيدنا عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها . وذهب قوم إلى أنَّ الأشراط حدثت وانتهت وهي مثل انشقاق القمر ومبعــث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القائل ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ، وأنكروا مثل ظهور الدابة وخروج يأجوج ومأجوج ونزول سيدنا عيسى .....
    ومع الفريق الأول ظواهر الآيات في الدابة ويأجوج ومأجوج وأحاديث لا تفيد العلم ، ومع الفريق الثاني آيات المباغتة في القرآن مثل قوله تعالى { لا تأتيكم إلا بغتة } الأعراف : 187 ، وتأويل تلك الظواهر ورد تلك الأحاديث والقول بأنها من الإسرائيليات ، والراجح عندنا هو قول الفريق الثاني لقوّة الأدلة .

    الإيمان باليوم الآخر : قال الله تعالى { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً } النساء : 136 . لا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان باليوم الآخر وهو اليوم الذي يحيي الله تعالى فيه الناس بمعنى أنه سبحانه يرد الأرواح إلى الأجساد فيبعثهم ويجمعهم بأجسادهم وأرواحهم للحساب والثواب والعقاب ودخول الجنة أو النار ، قال تعالى : { زعم الذين كفروا أنْ لن يبعثوا قل بلى وربي لَتُبْعَثُنَّ ثمَّ لتنبَّؤنَّ بما عملتم وذلك على الله يسير } التغابن : 7 .
    وأول ذلك النفخ في الصور واختلف علماء المسلمين في كيفية ذلك النفخ فذهب بعضهم إلى أنه بوق يَنْفُخُ فيه الـمَلَك الموكّل بذلك وهو سيدنا إسرافيل عليه السلام ، وقال آخرون بل هو نفخ في صور الناس وليس النفخ بقرن كما في عدة الأكياس في شرح معاني الأساس (2/338-341) ، وكل ذلك محتمل وجائز والراجح عندنا الثاني ، قال تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله ، ثمَّ نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } الزمر : 69 .
    ويكون الأمر صعباً على الكافرين وهيناً على المؤمنين لقوله تعالى { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون } النمل : 89 . وقوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون } الأنبياء : 103 . وما ورد من الأخبار في الصحاح وغيرها من أن الخوف يومئذ يعم المؤمن والكافر مردود ولو كان في الصحيحين لأنه مخالف لنص القرآن المقطوع به .

    والصحيح عندنا أنَّ الناس يبعثون كاسين وليس عراةً ، وفي بعث الحيوانات والبهائم خلاف جارٍ يحتمل فيه الوجهان وقد أوضحنا ذلك في الأصل .

    وتوزن الأعمال يوم القيامة لقوله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } الأنبياء : 47 . فذكر في هذه الآية موازين لا ميزاناً واحداً . وقال تعالى : { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } الأعراف : 9 .
    والميزان هو كناية عن العدل والقضاء الدقيق والحساب المحرر ، وقال بعضهم هو الآلة التي لها كِفَّتان وهو قول مرجوح .

    والصراط هو الإسلام وفي اللغة الطريق الواسع السهل البين ، وأما ما يدّعونه من أنه الجسر الدقيق الذي على متن جهنم وبين حافتيها وأنه أدق من الشعرة وأحد من السيف وأنَّ الخلق يردونه فيسقطون في النار أو ينجون إلى الجنة فأمر باطل لا يثبت ، وهو من جملة الأفكار الإسرائيلية التي دخلت إلى فكر بعض الأمة من عبد الله بن سلام الإسرائيلي وأمثاله ، وآيات القرآن تعارض ذلك كما بسطناه في الأصل .

    ولا وجود للشمس يوم القيامة وما يقال إنها تدنوا من رؤوس العباد فلا يصح لقوله تعالى { إذا الشمس كوِّرت } أي انطفأت وذهب نورها ، وقال تعالى { وأشرقت الأرض بنور ربها } أي بنور يخلقه الله تعالى يجلل به أرض المحشر .

    والكوثر هو الحوض الذي أعطاه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة من شرب منه لا يظمأ بعد ذلك أبداً ، أي لا يعطش عطشاً شديداً . يذاد عنه جماعة من الصحابة كما جاء في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما ، وهم الذين بدَّلوا وغَيَّروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وظلموا آل بيته الكرام وعلى رأسهم فرقة معاوية وأشياعه وذويه ، والدليل على ذلك أن فيه جاء الحديث الصحيح ( عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) ، وحديث الصحيحين : ( يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ) ونفي رواية مسلم : ( أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم ) .

    والشفاعة ثابتة في القرآن الكريم لبعض المقصرين من المؤمنين وليس لأصحاب الكبائر والمجرمين من فساق وعصاة المسلمين هذا هو الصحيح ، ولا شفاعة للكفار والمنافقين قطعاً .
    والدليل على ذلـك قوله تعالى في الملائكة { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } الأنبياء : 28 . وقال تعالى { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً } طه : 109 . وقال تعالى
    { واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولاهم يُنصرون } البقرة : 123 . وقال تعالى : { وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر : 18 .
    فمثل حديث ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) شاذ مردود غير مقبول لأنه معارض لما تقرر في القرآن الكريم ، وهو قوله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } النساء : 31 .

    ويجب الإيمان بالجنة والنار وأنهما دارا الثواب والعقاب وأنهما لا يفنيان ولا يبيدان .

    والله تعالى لا يُرى في الدنيا يقظة ولا مناماً ومن ادّعى شيئاً من ذلك فهو ضال مضل وما يروى عن الإمام أحمد أنه رأى الله في المنام مائة مرة فكذب لا يصح ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الله تعالى ليلة الإسراء والمعراج ، وكذلك لا يُرى الله تعالى في الآخرة سواء في أرض المحشر أو في الجنة لقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } ولقوله تعالى { وما كان لبشر أن يكلَّمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب } . وهذا قول أئمة أهل البيت وأشياعهم والإباضية والمعتزلة وجماعة من أئمة وسلف أهل السنة منهم : مجاهد وأبو صالح السمان وعكرمة ويحيى الوحاظي وبشر بن السري الأفوه وهؤلاء جميعاً من رجال الستة والجصاص الحنفي في أحكام القرآن (3/4-5) وغيرهم .
    وأما قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظنُّ أن يُفْعل بها فاقرة } فهذا نص يتحدّث عن أحوال الناس في أرض المحشر حيث لا رؤيا هنالك فيكون معنى ناظرة : منتظرة ، كقوله تعالى حكاية عن بلقيس { إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون } أي منتظرة بم يرجع المرسلون .
    وإسراء المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لبيت المقدس ومعراجه إلى السموات ثابتان في الكتاب والسنة ، وليس فيه دلالة على أنَّ الله تعالى في السماء أو أنَّ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ذهب إلى مكان هو فيه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ورواية شريك بن أبي نمر التي فيها إثبات المكان لله تعالى في حديث الإسراء التي في صحيح البخاري رواية باطلة شاذة مردودة وقد بيَّن ذلك الحفاظ الذين شرحوا الحديث كما في فتح الباري ، وقد حصل الإسراء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليريه الله تعالى ملكوت السموات والأرض كما قال الله تعالى في كتابه { لنريه من آياتنا } .

    والميثاق الذي أخذه الله على عباده المؤمنين هو تبيين الأحكام للناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخضوع لأهل العلم ورد الأمور المتنازع فيها لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتحاكم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، والعمل على إحقاق الحق وإعانة المظلوم وتقديم أمر الله تعالى على المصالح الشخصية والذاتية ، لقوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون } آل عمران : 187 .

    وأما الميثاق الذي يزعمه البعض من أخذ العهد ، وهو الميثاق على العباد في عالم الذر وأنَّ الله تعالى أخرج الأرواح من صلب سيدنا آدم وكلَّمهم إذ ذاك فلا أساس له من الصحة وهو من الإسرائيليات الباطلة ، لأنَّ الله تعالى لم يقل ( وإذ أخذ ربك من آدم من ظهره ذريته وأشهده ) وإنما قال سبحانه { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم } الأعراف : 172 .

    وكرامات الأولياء حق لما جاء في القرآن عن السيدة مريم وأنه كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً لكن الأمر غير قطعي .

    والولي هو المسلم المؤمن الذي تعلم ما يجب عليه معرفته من التوحيد والفقه الضروري المحافظ على أداء الفرائض والزائد عليها من النوافل الذاكر لله تعالى والمتوجه بصدق القول والإخلاص إلى الله تعالى في أقواله وأفعاله الذي تكره نفسه المعاصي وتحب الطاعات الذي يغار على حرمات الله تعالى المهتم بأمر المسلمين ولا يشترط في حقه ظهور كرامة على يديه .

    والجماعة هي موافقة الحق ولو كنت وحدك ، والمراد بالجماعة الاعتصام بالإسلام لا بأقوال أي جماعة من الجماعات لقوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا } وحبل الله تعالى هو كتابه جل جلاله . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما )) . رواه مسلم في الصحيح (4/1873برقم2408) والترمذي (5/663/3788) واللفظ له .

    والمراد بالعترة هنا علماء آل البيت وهم الفقهاء المجتهدون منهم ، والاعتصام والتمسك بهم هو التمسك بإجماعهم واتفاقهم وترجيح كفتهم على غيرهم وخاصة في القرون الثلاثة التي تقعدت فيها مذاهبهم وكانت فيه جهابذة أئمتهم ، فالتمسك والرجوع إلى ما قالوه أولى من الرجوع لغيرهم ممن يسمونهم بعلماء السلف ، ويقابل أهل البيت وأشياعهم الذين هم مناصروهم : النواصب وهم الذين يناصبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سيدنا علياً والعترة المطهرة العداء بكافة أشكاله كأن يغمطونهم حقهم أو يستهينون بهم بوجه ما ، فيجب على المرء المسلم أن يكون في كِفَّة أهل البيت لا في حزب أعدائهم . لا سيما والقرآن قد نص على وجوب محبتهم وإرادة تطهيرهم فقال سبحانه { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } وقال تعالى { إنما يريد الله لِيُذْهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .

    وحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة حديث باطل مردود ، مع أن افتراق الأمة إلى فرق عديدة واقع وحادث .
    ويجب الإنكار على الظالمين والباغين ، والدعاء للمتقين والعادلين وعدم الخروج عليهم ، ولا نصلي خلف الفجار والضُلال ونحوهم والصلاة خلفهم مقتبسة من أحاديث واهية الأسانيد مكذوبة .

    والحب في الله والبغض في الله تعالى مما يجب على المؤمنين . ومن ثبت من الصحابة على الانقياد للشرع والخضوع له فهو من عباد الله المقربين وهم غالب الصحابة رضي الله عنهم ، ومـن نكث وبدَّل وغيَّر كمعاوية وأشياعه فليس من المقربين ولا نترضى عنه ولا نسوّده ، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم مخاطباً الصحابة { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } وقال تعالى : { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم } وكان هؤلاء في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا قد أظهروا الإسلام والنبي لا يعرفهم بأنهم منافقون .

    وقد ثبت في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) رواه البخاري ومسلم . والفئة الباغية هنا هي معاوية وعمرو بن العاص وأشياعهما وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ليردنَّ عليَّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك ) رواه البخاري ومسلم . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( في أصحابي اثنا عشر منافقاً ) رواه مسلم ، وهذا كله يفيد أن الصحابة ليسوا معصومين كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

    ويجب على المكلف المؤمن أن يتعلم مسائل الردة والشرك لئلا يقع في شيء من ذلك وليحصّن إيمانه وإسلامه ، نسأل الله عزَّ وجل أن يجعلنا متبعين للحق نُحَكِّم على أنفسنا أمر الله تعالى ونخضع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا نحابي في ذلك أحداً كائناً من كان وإنما غايتنا رضى الله تعالى ورسوله والفوز بالجنة والنجاة من النار . فهذه جملة العقيدة التي يجب على المسلم أن يعرفها وأن يعتقدها وأن يدعوا إليها نسأل الله تعالى الإخلاص في النية والقول والعمل والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل
    .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-08-26
  9. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    منقول من موقع السيد العلامة المحدث الجليل السيد حسن بن علي السقاف حفظه الله
     

مشاركة هذه الصفحة