الشعرالمعاصر وإشكاليات التذوق الجمالي الجديد

الكاتب : طائرالأشجان   المشاهدات : 558   الردود : 0    ‏2004-08-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-20
  1. طائرالأشجان

    طائرالأشجان عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-07-23
    المشاركات:
    1,749
    الإعجاب :
    0
    الشعرالمعاصر وإشكاليات التذوق الجمالي الجديد

    إعداد الأديب والناقد : هشام سعيد شمسان

    " لابد من مفاهيم جديدة للتذوق ، ومفاهيم جديدة للكتابة الشعرية ، ومفاهيم أخرى للنقد "
    ( أدونيس )
    الحديث عن إشكالية الشعر المعاصر – لاغرو – يرتبط وثيقاً بالذائقة الفنية للمتلقي . وإذا كان ثمة أزمة تعوق مسيرة الشعر الحديث من التقدم ، وتتقوقع به ضمن حدود لاتتعدى الشاعر – غالباً – فإن للذائقة الجمالية للقارئ دورها في هذا السبيل ؛ إذ أن وجود إشكالية (ما) : سواء كان منبعها الشاعر ، أو الشعر – ذاته – معناه أن هذا الشعر لا يستطيع أن يخالط الذائقة فيؤثر بها إيجاباً لتنفعل ، وتتفاعل . ومتى ماوقف الشعر حائلاً دون التأثير في قارئه ، كان ذلك إيذاناً بوجود خلل ( ما) يعود : إما إلى القارئ – نفسه – أو إلى الشاعر في شعره ، ذلك أن " العمل الفني لايستكمل وجوده إلا إذا تلقاه متذوق "( ).ودراستنا – الباحثة – هذه تفترض وجود خلل كامن في قارئ الشعر الحديث – أولا – نتج عنه إعراض ، وإدبار ، ثم في الشاعر – نفسه – ثانيا - الذي ساعد على اتساع الهوة بينه ، وبين القارئ ، وأضحى – هذا الأول – واقعاً بين إشكاليتين حقيقيتين :
    أولاهما : رفض العمود الشعري بسبب " سيمتريته " الشديدة ، وتقاليده التي لم تعد ترضي الذائقة العصرية
    وثانيهما : النفور من القصيدة الحديثة ، والجديدة ، لأنها " غامضة ( برأيه ) وهذا الغموض يقف حائلا بين عملية التذوق لها ، والاستمتاع بفضائها . ولهذا النفور ظلت القصيدة الحديثة ، والجديدة محصورة ضمن بيئة ثقافية محدودة هي : بيئة الشعراء أنفسهم ، أو النقاد ، وصفوة من قراء ينتمون إلى الثقافة العليا . وتضاؤل قراء الشعر ليست إشكالية محصورة في البلدان العربية ، وحسب ، بل هي إشكالية تكاد تكون عالمية ، ففي أمريكا – مثلاً – كتب الشاعر " دانا جبويا " مقالا نشر في مجلة " ذي إتلانتيك عام 1991م " يقول فيه :
    " ينتمى الشعر الإمريكي الآن إلى الثقافة الهامشية ، ولم يعد جزءًا من الحياة الفنية ، والثقافة الأساسية فقد أضحى هو الوظيفة المتخصصة لمجموعة صغيرة ( نسبياً ) ومعزولة .. كالقساوسة في مدينة صغيرة ( )" ويعترف " دونا لدهول "بأن قراء الشعر يتناقصون سنويا أو يقل عدد الذين يشترون كتب الشعر، أو يحضرون الأمسيات أو القراءات الشعرية( ) " . وإذا ما حاولنا أن نتتبع إشكاليات التذوق في الشعر الحديث ، فلابد – أولا – أن نحدد بأننا نعني بمقولة " الشعر المعاصر ، أو الحديث " : ذلك الشعر الممتد منذ نهاية الأربعينات ، وحتى اليوم، والذي جاء خلفاً للرومانسية – ذات النظام العمودي – البيتي – فكان مأتاه " نتيجة طبيعية ( لارد فعل ) للنثرية الفضفاضة التي أفسدت الشعر الرومانسي في آخر عهده( ) " وبه استعيدت بعض قيم الشعر الحقيقية ، وهيأته لارتياد أماكن مغلقة انتظرها عشاق الشعر طويلا ، وفتح فضاءات جديدة من الوجود اللغوي الكاسر لنمطية اللغة التي سادت الرومانسية ، والتقليدية .. إلا أنه، وبسبب من " الايدلوجيا " التي سادت هذا الشعر في فترات (ما) وبتحوله إلى أصداء للواقعية الإشتراكية ، ثم للواقعية الفردية ، كاد أن يسقط في فخ التقريرية والمباشرة ، والتحول به إلى العامية المثقفة ، والنحو إلى الرومانسية المنغلقة " ولم يسترح الستينيون للمباشرة ، والإيقاعية الظاهرة ، والرومانسية ، والوضوح ، ليميلوا إلى الغموض ، والتغريب ، واللا مباشرة والتركيز على الصور الشعرية ، وماتوحيه من إحالات مضمونية متعددة "( ) . وبتأسيس مجلة " شعر " نهاية الخمسينات ، والدعوة إلى ماسمي ب( قصيدة النثر ) كان الشعر يدخل منعطفا راهنا ، وجديداً بالدعوة إلى تحطيم ، أو تهشيم البنى القديمة للشعر، أو تلك التي يحاول شعر " التفعيلة " أن يتمسك بها كالأدلجة الشعرية على صعيد الموضوع ، والوزن ، والقافية على صعيد الإطار الخارجي . ودخل مفهوم القصيدة " المركبة " كما نعرفها الآن ذات التعددية الصوتية القائمة على الوجود اللغوي المحض . ويجدر بنا – هنا- أن نقرر بأن " النص المرسل " أو ( قصيدة النثر ) استمدت كثيراً من أبنيتها الداخلية ، والخارجية من شعر " التفعيلة " ابتداء من التوزيع البصري للأشطر ، والاستجلاء المجازي ، ومروراً بالبناء الفكري الداخلي : كاستخدام الرمز ، والأسطورة وطقس الحلم ، والإحالات التاريخية ، والدينية ، والسياسية ، والصوفية ( الفلسفية ) ، ونزعة الانهزام النفسي وعلى ماسبق فإن النقاد عندما يتحدثون عن القصيدة الحديثة فانما يعنون بها النص العروضي ، وعليه يؤسسون نظرتهم إلى النصوص الجديدة ، وبالرغم من الهجوم الذي يوجه إلى النص الحديث الجديد.إلا أن شعراء التفعيلة الذين جايلوا دعوة مجلة " شعر " ومابعدها قد استفادوا – كذلك – مما يدعو إليه النص الجديد من مبادئ نحو :
    - " إستعمال الصور الحية المحسوسة أو الذهنية " .
    - إبدال التعابير والألفاظ القديمة الذابلة بتعابير وألفاظ مستمدة من تجربة الشاعر المعاشة .
    - إخضاع البناء الشعري لوحدة التجربة والمناخ العاطفي العام بدلا من إخضاعه للتنظيم الفكري والتسلسل المنطقي .
    - جعل الإنسان : بفرحه ، وعذابه ، خطيئته ، توبته ، بحريته ، وعبوديته ، وخضوعه،بحياته وموته : الموضوع الاول .
    - معرفة التراث العربي : الروحي والفكري ، لتقييمه موضوعياً بلا خوف ، أو تردد، أو مداراة .
    - تعميق المعرفة بالتراث الأوروبي ، الروحي ، والعقلي والإبداعي ، والاستفادة من تجارب الشعراء الغربيين ( ) " وباستفادة شاعر العروض من بعض مبادئ " النص المرسل " دخلت القصيدة الحديثة فضاء جديداً ، متحرراً من جميع الإيدلوجيات ، وصرنا لانميز – أحياناً – بين نص " عروضي " ، وآخر " مرسل " بسبب من الاتحاد في الأبعاد اللغوية ، والرؤى الشعرية ، فصارت القصيدة الحديثة – بوجه عام – كما يقول الدكتور عبد المهنا : هي " رؤيا ووعي حاد باللحظة الراهنة بما ينطوي على سلوك فكري يصدر عن إيمان " الأنا " بحتمية التغيير من خلال جدلية الصراع بين الأنا وتعاليها على الواقع ، فترى الواقع وتناقضاته أكثر مما يراه الآخرون ، فتتحول الممارسة الشعرية إلى نبوءة ترهص بنذر التغيير . يتحول الشاعر إلى نبي عصره ، مستمداً وحيه من أعماق الحدس ، فتتشكل رؤاه من عناصر معقدة يلعب فيها الرمز ، والأسطورة – الأجواء الخرافية – دوراً فاعلاً في جميع المتناقضات ( )" . وبهذا التعريف الدقيق - برأينا – للنص الحديث يكون القارئ مطالبا بدخول مدينة محاصرة باللغة ، عليه ان يفك هذا الحصار دائريا ، ليبدأ في فتح أبوابها المغلقة باباً باباً ، وهو مايعني التكيف وفق مقاييس تذوقية جديدة لاصلة لها بالتقليدية الشعرية البتة ،البتة .
    (3)
    وإذا كنا قد قررنا بأن إشكالية الشعر المعاصر تنحصر – جلها – في عدم استطاعة القارئ التكيف داخله ، وبالتالي حدوث عملية تجاوز لا مباشرة له ، انكسرت – على ضوئها – الذائقة الفنية ، فإن هذا الاستنتاج التقريري يعيدنا ، بل ويحيلنا إلى مسألة هامة تتحايث مع مفهوم الانكسار الذائقي والجمالي للمتلقي ، يلخصها قارئ الشعر الحديث – عادة – بـ ( الغموض ) ، وعلى ذلك يتكئ بوجه رئيس – وهي حجة واهية – لدى القارئ الذي لايحاول النزول إلى " البحر"، لتعلم السباحة فيه ، من خلال إعماله ذهنَه تارة ، والقراءة الواعية ، والمتعددة تارة أخرى ، وبالتالي تتدرب ذائقته على السباحة، فتتجاوز – بالتالي – خوف الغرق ، وتستجيب – جماليا – لما تقرأُ . وكيما نستجلي – نحن – هذه الحجة ، ونبلورها منهجياً ، وجب علينا أن نتتبع أهم المقاييس التي ينطلق منها الشعر الحديث إلى العالم الكوني الخاص به مبرّرين غالب دعاوى الغموض ، أو العماء التي ينطلق من مفهومها المتلقي الجديد ، ولنثبت من خلالها أن الأزمة ( الإشكالية ) إنما هي أزمة مقاييس تذوقية غائبة . وسوف نتوقف عند اهمها لبيان خطئيـّـة القارئ من صوابيته ، متوجهين بأدلتنا إلى قارئ لازال يتعامل مع القصيدة الحديثة من خلال مقاييس تذوقية تقليدية حيث القافية الرتيبة ، وإيقاع البحر الرتيب ، واللغة التقريرية التي لاتتعدى التشبيه – أحيانا – والمعجم الاستهلاكي ، أو الجمل الاستنساخية المكرورة ، والمعاني التي لاتتجاوز التوليد ، والمواضيع المحاكية للأصوات الطبيعية ، والمشاعر الإنسانية ، والرؤية الأفقية التي تبرز التفاصيل المادية، والوضوح الفني ، والصوت المفرد ، والغنائية الباردة . وهو نفس القارئ الذي سيفجئنا بقوله : ولماذا استطاع شاعر نحو " نزار – مثلاً – أو احمد مطر ، أو سعاد الصباح " لماذا استطاع نحو هؤلاء أن يخلقوا قارئاً متذوقاً 100% ؟ بينما شعراء نحو " السياب " أو " نازك الملائكة " أو … أو " أدونيس " - مثلا -لم يستطيعوا خلق نفس القارئ المئوي ، بالرغم من أن جميع هؤلاء انبثقوا من مدرسة " الشعر الحر " ونقول بأن شعراء من نحو " نزار " وإن كان من مدرسة الشعر الحديث إلا أنه خاطب قارئاً من العامة ، كأنصاف المثقفين ، وممن لاصلة لهم بالتراث الشعري العربي وهذه أدلتنا :
    و أولاها : اعتماده على لغة هي الأقرب إلى العامية ، ومحاربته للبلاغة العربية ، بالنزوع إلى لغة ثالثة ، وثانيها : خداع القارئ بالإيقاع المموسق المموّه ، لبهرجة أشعاره ، وثالثها : أن شعره مثّل مرحلة (برناسية ) محددة بمواضيعها ، ولغتها لايعتدُّ بها الآن كثيراً ، ورابعها : أن شاعراً كالسياب ، أو نازك الملائكة ، أو صلاح عبد الصبور ، مازال شعره حتى الآن محتفظاً بقيمه الجمالية ، والفنية ، واللغوية ، ومازال يقدم وظيفة إبداعية ، وجوهرية شعرية حتى الآن ، فتعدوا بذلك مصطلح الشعر المرحلي الذي مثلته القصيدة النزارية ، أو" المطرية " او " الصبّاحية " .
     الأبنية الفنية ، والموضوعية ( الفكرية ) للقصيدة الحديثة :
    الشعر : سواء التقليدي منه أو المعاصر ، إنما ينطلق من ثلاثة أبنية : البناء الإيقاعي ، والبناء اللغوي الفني ، والبناء الفكري الرؤيوي ، إلا أن مجال التأثيث الناسج لهذه الأبنية تباين كثيراً على مستوى النمطين ، بحيث بدا متداخلاً حيناً ، ومتعارضاً تمام التعارض حيناً آخر ، لاسيما إذ ما تُؤمل في " النص المرسل " .
    * البناء الإيقاعي :
    اتخذ الشعر المعاصر من وحدة " الوزن " – لا وحدة البحر – إطاراً له ، بينما لجأ " النص المرسل " إلى الداخل باحثاً عن إيقاع العبارة أو الكلمة ، بديلا عن " التفعيلة " . وإذا كان – هذا الأخير – قد وجد معارضة ، لاتزال صداها الرافضة حتى الآن ، فقد سبق إلى هذا الرفض ( الأب ) التفعيلي قبله ، إذْ لانستغرب : أن كثيراً ممن كانوا يدعون إلى التجديد ، والحساسية الجديدة كان منهم من يرفض شعر " التفعيلة " نحو صاحب " الحساسية الجديدة " ذاته : " عباس العقاد " ، بالرغم من أن هذه القصيدة كانت هي الإطار الملائم ، والمفضل لدى معظم الشعراء ، ومازالت ، لما لها من فوائد تخدم الذائقة ، ومنها : الحرية التعبيرية التي يتاح من خلالها تدفق الأفكار الشعرية دونما عائق : من قافية ، أو وزن محدد التفاعيل . ثم الأريحية البصرية ، والنفسية بسبب من كسر لروتين التوزيع البصري للقصيدة البيتية ، مما حدّ من سيمترية العمود الكلاسيكي . كما أن التفعيلة بموسيقاها " تساعد كثيراً على تمكين ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي، والوصول إلى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي التي تقف دونها الألفاظ المنثورة "( ). بينما التخلي عن التفعيلة لدى شعراء " النص المرسل( ) " – وإن كانت بعض الميزات السابقة ، كالحرية التعبيرية المنطلقة ، وكسر الرتابة البصرية تشملهم ، إلا أن هذا الفقدان الركني الهام انعكس على الوجود اللغوي ، والانفعال التعبيري ( معاً ) بتكثيف وجودهما ، وتعدد مصادرهما الصوتية ؛ وذلك لتغطية جانب نقص نتج عن الإزاحية الوزنية ، فكان عبئاً جديداً ، تحمله القارئ الذي لم يستوعب – بعد – القصيدة العروضية . وقليلاً قليلاً حتى كان النص التفعيلي يزاحم النص الجديد ،ويأخذ عنه مقولاته ذات الصبغة اللغوية - خصوصاً – مما حد من تدفق الإيقاعات الموسيقية في ظل التكثيف الجديد للقصيدة المعاصرة ، وجعل من معظم النصوص العروضية الحديثة باهتة الإيقاع الداخلي ، فلا تكاد تميز – أحيانا – بين نص موزون ، وآخر مرسل . وهذا دليل تطبيقي على ذلك ، أخذ عشوائيا :
    "إن دمع الشبابيك يهوي على يأسي
    ليس هذا الخراب خرابي
    لاجنتي جنتي
    وداعاً إلى الصمت أمضي إليه .( )
    ……………………
    " فكيف أنصهر بسهولة كحلم
    وهل يساوي كل جرحي
    تلك السذاجات التي تجتمع في لحظة ملوثة " ( )
    …………………
    إن قارئا – للوهلة الأولى ، سوف يعتقد بأن كلا المقطعين هما من قصيدة واحدة . بل و أن المقطع الثاني هو استرسال متتابع للمقطع الأول ، بسبب من اتحاد المد الشعوري بينهما ، وصوت الأنا المتكلمة ، وقبل ذلك المسرب اللغوي ، ذو التركيب الواحد فنياً ، وإيقاعياً ( داخليا ) .. ولكن ماذا سنقول إذا ما أفصح بالقول : إن المقطع الأول ينتمي إلى التفعيلة العروضية ( فاعلن ، فعلن ) ، بينما الآخر لاينتمي - البتة – إلى أي وحدة وزنية ، وهو مرسل من إيقاع الوزن " والمقطعان لشاعرين مختلفين ، أحدهما يقطن بلاد " البلح " والآخر بلاد " العنب " وقد غاص إيقاع الأول في إيقاع المقطع الثاني لعدم التزام شعر العروض بحدوده الداخلية ، فامسى هذا الأخير – مرادفاً للنص المرسل في غموضه المدعى ، من قبل المستقبل .
    - البناء اللغوي :
    (1)
    لعلنا لانخطئ إذا ماقلنا : إن قارئ الشعر الحديث ، أكثر شكواه إنما تتأتى من كون هذا الشعر غامض اللغة . وعلى ضوء هذه اللغة حكم على فساد ماء الشعر ؛ لأن فيه انتفاًء للسهولة اللفظية التي كان يمجدها الشعر الرومانسي ( خصوصاً ) ، وبعض الشعر المؤدلج الحديث، بما يحتم عليه أن يعدل من وضع رأسه ، ووجهته ، ويقر بدوران الأرض ، وتغير الفصول ، فإذا كان الإنسان – بوجه عام – مفطوراً على حب التمايز ، والميل إلى المغايرة ، والتفرد ؛ فإن الشاعر ، أو الفنان – بحكم موقعه الكوني – من أكثر البشر حباً في الخروج على المألوفات في الأشياء ، والتأريخ شاهد على مركزية هذه المقولة : سياسياً ، واجتماعيا ، وعلمياً . وعلى مستوى الإبداع "فإن لكل عصر بيان " – كما يقول ابن شهيد – والصراع بين القديم والجديد ، التقليدي ، والحديث - ليس آنيا فحسب : ألم يُتهم المتنبي – مثلاً – بالخروج على السائد ، ألم يرمَ بتهمة كسر ذائقة القراء حين وجد بعض النقاد كـ( الآمدي ) –مثلا - في بعض شعره استعارات غريبة ، وجديدة ، وجه الشبه فيها متباعد ، ولا ألفة فيها . وثمة كثيرون قبل المتنبي ممن اتهموا بالخروج على المألوف ، والسائد كأبي تمام ، وأبي نواس … وغيرهم . ولكن هل سقط المتنبي لخروجه عن المألوف ، ولذائقة المعلبة ، أم أنه استطاع – بعدئذ – ان يخلق قارئا جديداً متحرراً من سلطة المألوف . وماأشبه حديثنا بالبارحة .
    (2)
    يقوم النص الشعري الحديث – ببنائه اللغوي – على مصطلح " الغموض الفني " ، لا الغموض اللغوي الذي يقول به البعض ، وذلك من خلال انفتاحه - اللا محدود – على الوجود اللغوي القائم على الاستعارة ( أو المجاز ) . والبعض من الشعراء ، وإن كان ذا معجم لغوي محدود، إلا أن الاعتماد على إعادة إنتاج الألفاظ بالطرق الاستعارية المركبة ( مجاز المجاز ) ، قد يخفي كثيراً من محدودية المعجم اللغوي لبعض الشعراء ، ناهيك عن اللجوء – كثيراً – إلى الاشتقاقات الصرفية الجديدة ، بما مثل تاريخية جديدة لاصلة لها بالأسلاف ، وهو ما أحدث صدمة للذائقة التي مازالت في جُلها تسكن في جلباب التشبيه ، أو الاستعارات الباردة ، والقاموس الاستنساخي للشعر.
    وانفتاح النص المعاصر على الوجود اللغوي لايقتصر على اللعبة المجازية وحدها ، بل جر ذلك إلى انساق فنية لها جذورها البلاغية : كالحذف ، والتقديم ، والتأخير ، والملفوظات ، الاعتراضية ، والفراغات الصامتة والرمز واستعمال الحوشي من الألفاظ ، بإخضاع ماسبق إلى الرؤية الجديدة التوظيفية ،ولعل بعض الأمثلة من الشعر الحديث توضح جميع ماسبق :
    " متوجاً بصولجان الرغبة في استئناس جراد الوحش الضال
    بين أقدامي،وخطاي .
    أغادر آخر الخرائب المتربة في سمائى
    وأدخل قبلة الغيم مؤتلفاً مثل قوس السؤال "( )
    إذا استطاع المقطع السابق أن يثير شيئاً (ما) في نفس المتلقي ؛ فقد حقق الشاعر إنجازاً عظيماً ، ولكن ماذا لو وقف القارئ متصخراً – من الصخر – أبله لايعي من أمره شيئاً ؟ أو وقف آخر – ساخراً – مما يقرأ ، نابذاً به جهة ما؟.
    إن مفردات المقطع الشعري تامة الوضوح:متوجاً / صولجان / الرغبة / استئناس / جراد/ الضال …. الخ . ما إن تتضام ، وتسند إلى غيرها من الألفاظ ، حتى تبعث فيها الحياة ، فتتحرك في أنساق تعبيرية ( شعرية ) جديدة تبعث على الحيرة في نفس القارئ، فيقف عندها عاجزاً عن استلال المعاني المخبوءة تحت ظلال التراكيب الانزياحية ، والتي سلسلها الشاعر تترى ، لتخرج جميع الألفاظ من قاموسيتها إلى خلفيات إيحائية ، ورمزية، واتساعية بحاجة إلى قارئ متمرس يجيد فن التعامل مع كل شاعر على حدة . وكيما يستطيع قارئ (ما) أن يقف على خلفية تعبيرية من نحو " متوجاً بصولجان الرغبة " ؛ ليربطه بما بعده. – بعدئذ – وجب عليه أن يكون ذا ثقافة شعرية عالية " فالصولجان " في سياقه الانزياحي يتفرع في تركيبه إلى " مادية " لها طرفان : أولاهما : مادية جامدة لها دلالة " رمزية " هامة ، وثانيها : مادية متحركة لها خاصية الانفعال بدلالة " الرغبة " وبذلك يكون " الصولجان " رمزاً " له دلالة سلطوية ، قمعية ، وديكتاتورية ، وفي إسناد" الصولجان " إلى " الرغبة " إيحاء بشهوة نفسية مضطرمة تحلم بـ( الانتقام ) ، ولكي تكون رغبة " الانتقام " فاعلة ، فإنها لا تتحقق دون الإمساك بزمام المراد ، وبالتالي القدرة على القيام بـ( الرغبة ) وفي استعمال لفظ " الاستئناس " حيلة خداعية مموهة ، لاجتذاب " الجراد" التي عبر بها للدلالة على " الكثرة " تارة ، وإيحاء بـ( التحقير ) مرة أخرى .. وفي المقطع السابق تبدو لنا شخصية ساخطة ، ذات نفسية مضطربة ، ومهزومة ، لا تملك سوى الأحلام ؛ لتتجاوز من خلالها بعض شقائها . وحتى يوحي لنا الشاعر ببعض المعلومات الخاصة عن عمر الشخصية نجده يشير إلى بياض شعر رأسه من خلال تعبير " أدخل من قبلة الغيم " فالغيم رمز إلى مرحلة عمرية للإنسان ، وفي تعبير " القبلة " كناية عن تعدد المراحل العمرية بمسمياتها : قبلة الطفولة ، قبلة الشباب، قبلة الشيخوخة …. الخ ، وللمبالغة في تعميق مرحلة " الغيم " (الشيخوخة) ، فانه يستخدم الرسم البصري في ملفوظ " مؤتلفا مثل قوس السؤال " وقوس السؤال ، ليس سوى علامة الاستفهام التي تأتي دلالة على التساؤل(؟) الاتشبه هذه العلامة – في رسمها – إنساناً ( شيخاً ) ، ( كهلاً ) ، وقد تحدب ظهره ، فبدا أشبه بـ( قوس السؤال ) (؟) . وإلى مقطع آخر - لشاعر آخر :
    " دورت وجه حصاتك الصوان أملكها
    -وشمس التية ، والظمأ الرفيقان -
    ارتميت على وجوهك في الفلاة تفتحت
    طرق التحير بناة سرية تخفي وتسفر
    حيثما سميتك الحجر الأمين ياشعر… "
    وفي قصيدة أخرى لنفس الشاعر :
    " تهدت ناقة الليل أستطف لهامش
    الريح المليئة بالظلام الكتر
    في اللحيتين في جرش اللغام الرعد
    وانتثرت من الرغو النجوم الفضة الماء المدمم ، والغبار "( )
    …………………
    ففي المقطعين السابقين للشاعر " محمدعفيفي مطر " نحن أمام أكثر من وجه فني ، إذ نجد الحذف المتباعد القرائن كما في الشطر الأول – من المقطع الأول : "دورت وجه حصاتك الصوان أملكها " ، إذ قد يقع القارئ في شرك الغموض حذاء اللفظين " الصوان / أملكها " بدغمهما في سياق التعبير النصي ، وذلك لحاجته إلى بعض المهارات الذهنية البلاغية بإعادة الشطر – ذهنيا – على هذا النحو : " دورت وجه حصاتك دورت وجه الصوان " ولابد له كيما يعطي لملفوظية " أملكها" قيمة دلالية أن يسبقها بـ (لام) التعليل – لأملكها- ويكون الضمير المتصل عائداً على أحد اللفظين " حصاة " أو " الصوان" ولإمكانية تعدد قراءت النص جملة في سياقات عدة ، فإن نحو هذا الشطر يحيلنا إلى تقديم ، وتأخير يتيح لنا إعادة انتاج المعنى هكذا : دورت وجه الصوان أملكها حصاتك " ، وينقلنا الشطر الثاني – من نفس المقطع – إلى ملفوظ اعتراضي ، ليس فيه الواو حرف نسق عاطف ، وإنما هو واو الحال ، بما يعني حاجة القارئ – الحديث – إلى إلمام بالنحو العربي إلى جانب الثقافات الشعرية الأخرى . وشاعر نحو : "محمد عفيفي مطر " مغرم كثيراً باستعمال الحوشي من الكلام ، باستعادة مفردات قاموسية ، وانتاجها استعارياً . إن ألفاظا من نحو : أستطف ، الكتر ، جرش ، اللغام ، اللحيتين – المدمم- " الفاظ تستعصي معانيها على معظم القراء ، وقد لجأت – شخصياً – إلى الاستعانة بـ ( القاموس ) لتفسير لفظي " الكتر " و" استطف " حيث الاولى تعني " السنام " والثانية تعني " العلو " . وإذا كنا قد أكدنا على إمكانية خلق عدة قراءات – أحيانا- لنص ما، اونصية (ما) داخل نص كبير ، ومثلنا لذلك بجزئية صغيرة – سابقة – فإن الفراغات الصامتة ، أو اللغة الصامتة تلعب دوراً فاعلاً – أحياناً – لانتاج كثير من المعاني ، وما أكثرها على مستوى القصيدة الحديثة ، والجديدة على وجه أخص ، ولكن – قليلاً – هم فقط من يُدخل هذه التقنية الفنية عن وعي ، وإدراك بما يفعل ، وتحيلنا فضاءات اللغة الصامتة إلى أحد شيئين في النص الحديث : إما إلى إيحاء بـ( الصمت ) المجرد أو إيحاء بالحذف لغرض إشراك القارئ في الجو الداخلي للمعاني ، فمن مثال الأول قول " صلاح عبد الصبور" من قصيدة – رحلة في الليل :-
    " معذرة ، صديقتي … حكايتي حزينة الختام .
    لأنني حزين … " ( ديوان صلاح عبد الصبور)
    ………………
    فالفراغ الصامت بعد " صديقتي " إيحاء للقارئ بأن ثمة مرحلة من الصمت اعقبت ملفوظ " صديقتي " وهذا الصمت يؤوله القارئ نفسياً، إذ أن المقام " الحزين " يستدعي بضع لحظات من الصمت بين كلام وآخر ، وهاهنا كان " التنهد" هو المؤول ، لأخذ النفس الزافر بالحزن ، ثم يأتي فراغ آخر ختام المقطع ليوحي بفترة صمت أخرى ، تتجرد من اللغة ..
    " ومثال الآخر قول أحمد عبد المعطي حجازي " :
    " وأن علي التحلي ببعض الشجاعة "
    (………………………..)
    وأقول لهم :
    - لن أجيب عليكم فلستم قضاتي .
    أقول لهم :
    - قد يكون صحيحاً ، وقد لايكون .
    أتته يدي .. أو طوته الظنون !
    أقول لهم :
    بل أنا مذنب ! فاقتلوني !
    (………………………….) ( )
    فالفراغان – الكبيران – الصامتان يعبران عن لغة متروك أمرها للقارئ، وهو يتذوق النص عند قراءته تاماً ..


    البناء الفكري :
    أعني بـ( البناء الفكري ) للقصيدة المعاصرة : مجموعة الإحالات ، والمدخلات الرؤيوية ، التي ينبني بها النص وعليها يقوم موضوعياً ، وفكرياً ، ونفسياً ، وينتسج بها فضاء اللغة . وتقوم القصيدة الحديثة على جملة من المدخلات الرؤوية ، والفكرية أهمها : الإيدلوجيا ( ) / الميثولوجيا / التصوف الفلسفي / تداخل الأصوات(التناص)،والأنوات طقس الحلم السريالي ( الميتافيزيقا) / الرمز الأسطوري .
    ويهمنا – ثمة – أن نقوم ببعض التفصيل لما سبق ، كيما تتوضح رؤية هذه الدراسة أكثر :
    الميثولوجيا ، والرمز بالأسطورة ، والقناع
    اتخذ الرمـز بالأسطورة محاور عدة فمنها " مايتصل بحضارة الإنسان عبر التأريخ كـ(بابل ، وتموز كما لدى الشاعر : نقولا واكيم " أو " قدموس " عند سعيد عقل .. ومنها ما ارتبط بشعور وطني نضالي كـ(دنشواي ، جيكور ) عند السياب … ومنها ما ارتبط بحدث تأريخي كما لدى " أدونيس " في كتاب : التحولات والهجرة … يجعل عبد الرحمن الداخل ( الصقر ) شخصية أسطورية رمز بها إلى التحولات الإنسانية في نموها وانفتاحها ، … كما جعل " السياب " جميلة بوحيرد " رمزاً للنضال ، والتحرر في " أنشودة المطر "( ) . ويدخل تحت مفهوم الرمز التأريخي ، الرمز الشعبي كأبي زيد الهلالي ، وعنترة ، والرمز الديني : كالمسيح ، والحلاج ، وصلاح الدين … الخ . وإذا كانت القصيدة الحديثة – الأربعينية ، والخمسينية ، والستينية – قد جعلت من الرمز بالأسطورة ، والنموذج الأعلى ( القناع ) هدفاً مضمونياً ( جماليا ) للنص التفعيلي ، كما جعلت من ضرورة " الأدلجة " واجباً فكرياً ؛ فإن النص الحداثي الجديد سواء منه " التفعيلي " أو " المرسل " قد أضحى ينظر إلى مسألة الرمز بالأسطورة والقناع نظرة استثناء ليست ضرورية ؛ لاستهلاك معظم " النماذج " فنياً ، كما صار لكل نص أد لجته الذاتية وميثولوجيته الخاصة به ، متحرراً من التسلط الفكري الذي تحكم بالقصيدة الحديثة . وإذا كان الأمر كما نقول ؛ إلا أن القارئ مازال مطالباً بثقافة شعرية مرجعية ، كيما يفكك مايقرأ من رموز تعالقية ، حديثة ، أو جديدة.
    أن شاعراً نحو " السياب " – مثلاً – بحاجة إلى هذا القارئ ، لفك مغالق رموزه التي ترتبط – عادة – بذاتيته الخاصة . ونفس الحال مع أدونيس – كذلك – . إذ كيف لقارئ ليست لديه هذه العدة أن يدلف إلى الرموز التأريخية التي يحاورها أدونيس ، ثم يسقطها على الواقع المعاصر بوعي مدرك ، كاشفاً به حقيقة الشعر الأدونيسي " التداخلي". وقمين بنا أن نومئ إلى حقيقة بعض تلك الرموز في شعر بعض أعلام الشعر الحديث ، والتي كانت بعضها " مستمدة من ديانات أخرى غير العقيدة الإسلامية ، بل ومما تأباه هذه العقيدة ،كفكرة الخطيئة ، وفكرة الصلب ، وفكرة الخلاص ، فضلاً عما يستبيحونه لأنفسهم لكلمة " الإله " كأنما هي ماتزال لديهم بمعناها الوثني …"( ) بما يولد عند بعض القراء نفوراً ؛ لانزياح الشاعر بعيداً عن الأفكار الأيدلوجية ، والعقائدية التي تبني تصوراته للكون ، والوجود ، والألوهية ، وهو مايسبب خدشاً للذائقة القرائية ، فالفنان انما يخاطب قوة معينة في القارئ ، وحدوث تصادم بين هذه القوة ، وماتتلقاه من أفكار ، يحدث إنكساراً ، ونكوصاً ، فلا تحدث الاستجابة المتوقعة ، بغض النظر عن القيمة الفنية للمقروء ، ولعل في " قصيدة المسيح بعد الصلب " أحد أبعاد هذه الإشكالية – كمثال بسيط - . أو كما في بعض قصائد" أغاني مهيار الدمشقي " لـ " أدونيس " .
    * تعدد الأصوات ، والأنوات ، وتداخلها : ( التناص )
    في حين كانت القصيدة التقليدية تعتمد على الأفقية التعبيرية ( الوصفية ) ، ذات الصوت الغنائي ، والأنا المفردة التي تبنى على المحاكاة للأصوات الطبيعية ، والمشاعر الإنسانية ؛ جاءت القصيدة الحديثة ؛ لتهشم تلك السيرورة . فهي ترفض الأفقية وتنحو إلى العمودية التي تتكشف الأبعاد ألماورائية للواقع ، وأضحى النص الحديث لايتم في خطية ، أو أفقية واصفة تهتم بالتفاصيل ونقل المعلومات ، وانما الشاعر فيه يدير أحاسيس فحسب " ويصالح بين المتقابلات : الذات ، الموضوع ، الطبيعة ، التاريخ ، الضرورة ، الحرية … والموضوعات في هذا الشعر تتداخل ، وتتراكم "( ) بالرغم من محدودية هذه المواضيع التي قدلا تتجاوز نقطة واحدة – أحياناً – لا أكثر … كما أمست حركة الإبداع تسير من الحاضر نحو الماضي ، لتعود للحاضر .. كما يقول الناقد المغربي " رشيد يحياوي " ، بما يعني تعدد الأصوات ، وتداخلها : ماضياً ، وحاضراً ، بل ومستقبلاً – كذلك – وبالتالي : تعدد الانوات .وثمة أمثلة كثيرة من الشعر المعاصر ، أو الجديد تؤيد هذه القالة إبتداء بشعر " السياب – في العراق – كمثال – ومحمود درويش – في فلسطين – ، والدكتور عبد العزيز المقالح –في اليمن – وانتهاء بـ(أدونيس)– مثالا في الحداثة الجديدة–. وكمثال تطبيقي على هذا النهج الحديث قصيدة " محمود درويش " ( رحلة المتنبي إلى مصر ) والتي يقدم فيها الشاعر وصفاً لرحلة المتنبي إلى مصر لغرض اسقاطها على الواقع المعاصر من وجهة نظرشخصية ، والمطلع لقصيدة " المسيح بعد الصلب " لبدر شاكر يجد مثالا صادقاً على مفهوم " التعدد الصوتي " إذ نجد عملية تماه يتم بمقتضاها حلول " الأنا " للشاعر في " الأنت " ( المسيح ) وتتحول " أنا " الشاعر إلى " أنا " لا " أنا " أو إلى أنوين : أنا المسيح المتكلمة في النص و"أنا" " السياب" القابع ، او المحتجب خلف تلك " الأنا " والأنوان تتداخلان ، وتتخارجان ، تتطابقان ، وتنفصلان بل تتفتحان على " أنا " ثالثة هي " أنا " تموز : "الأسطورة "( ) . وللدكتور عبد العزيز المقالح – في اليمن – قصائد في هذا النحو التعددي للأصوات ذات التناصات التأريخية نحو قصيدة "مابعد الطوفان "، " هابيل الأخير"، " سيف بن ذي يزن " ، و"عودة وضاح اليمن " …وغيرها . ولن نمثل لأدونيس فشعره – معظمه – متداخل الأصوات ، والأنوات .. بما يجعلنا نعود لنؤكد على قارئ متسلح بمقاييس تذوقية ، وثقافة جديدة .
     الانفعال الصوفي :
    مازال القارئ العربي يحيا – حتى الآن – وفق مفهوم تقليدي للتصوف في الأدب بما يحدث له لوثة في الذائقة ، حين يدرك بأن التصوف في الأدب ، والشعر – خصوصاً – قد أُفرغ – تماماً – من دينيته الروحية، وأضحى النص الجنسي ، مثلا – أو( الاستعرائي) هو نوع من الصوفية ، إذا ما التزم الشاعر شروط هذا النص – كالمرجعية اللفظية الصوفية – ..أما لماذا " الجنوسية " فلأن ثمة تشابها بين الطقوس الجنسية ، والطقوس الصوفية ، إبتداء بمرحلة الخلوة ، والانقطاع عن العالم الخارجي ، وإنتهاء ب( الآنتشاء ) لدى الصوفية " واللذة لدى العشاق ، ثم الفناء في الآخر ، أو الموت فيه . وفي سبيل تأصيل هذه التجربة ، اعتمد الشعراء المرجع الصوفي ، لأن فيه " تكثيفاً للدلالة ، وتخصيباً للغة : الكثافة في التخيل ، وفي ترهيف الإشارة ، والإيحاء ، والإيماء والترميز "( )
    " قال ادن
    فدنوت
    تكاشفنا
    وعلى شهقات الصدر المفجوع
    تلمسني معراج النوم ( )
    …………………
    تأمل كيف يستخدم شاعرنا ألفاظاً ذات مرجعية صوفية من نحو " المكاشفة ، والمعراج " ليحقق بذلك قيمة شعرية مفرغة من البعد الديني للتصوف . ففي " التكاشف " – هنا – إيماء إلى " الفعل الجنسي" – نفسه – وفي " معراج النوم " إشارة إلى بلوغ الذروة ، ثم التماهي ، والذوبان ، والموت في الآخر ( الأنثى ) وهي حالة أشبه بحالة الصوفي " حين يتجاوز وضعية الانقسام ، والتناقض ، والانشطار" وبذلك تتحقق النشوة الروحية ، بتمام النشوة الجسدية ، وبلوغها الذروة ..
    ………………………..
    " ويفضل شاعر نحو " أدونيس " أن يستخدم المصطلح الصوفي لوصف تجربة استشفاف المجهول ، أو الباطن الكامن وراء أستار الواقع الكثيف ، أو الظاهرة ، ويجعل من هذه التجربة مرادفاً أصيلاً في تراثنا العربي لما يعرف في الغرب بـ( الحركة السريالية ) "( ) ، بنزوع هذه التجربة إلى طقس الحلم ، ونزعة الاستغراق في اللاوعي ، والميتافيزيقا ، إذ تشيع في كتاباته الصوفية فكرة " وحدة الكون " المرتبطة بفكرة "تناسخ الأرواح " وهي فكرة ارتبطت بـ(الإمامية الصوفية ) ، لكنه قد يلجأ إلى مقام الأنثى ليعبر عن نفس الفكرة بـ( الجنس)
    أ" اقتربي يا شجرة الزيتون / اتركي لهذا المشرد ان يحضنك
    أن ينام في ظلك
    اتركى له أن يسكب حياته فوق جذعك الطيب" ( مفرد بصيغة الجمع)
    ……………………
    وكيما يدلف القارئ إلى نحو هذه النصوص التي تتخذ من " الجنوسية" تصوفاً شعرياً ، عليه أن يكون متسلحاً بثقافة صوفية - ولو محدودة – كما يلج إلى هذه النصوص دون الوقوع في الحيرة ، والرفض لما يقرؤه، كأن يتهم الشاعر بالحرمان ، أو التحريض الجنسي المحض ، فتفوت عليه القراءة الجمالية الاستمتاعية ..
    وبعد :
    فإذا كنا خلال دراستنا هذه ، قد ألقينا لائمتنا على القارئ وحده ، ذلك الذي نخاطب فيه عقلية ، يجب أن يكون لها مرجعيتها ، وخلفيتها الثقافية العالية : سواء على مستوى اللغة : نحواً وصرفاً ، وبلاغة ، أو على مستوى الثقافة الشعرية : إيقاعاً ، وبناء فكريا، وموضوعياً – وهو عبء نعترف أنه كبير على قارئ يحيا هذا العصر السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، والثقافي – إلا أننا لجديرون بإنصافه ، ونحن نحمّل كثيراً من الشعراء تبعات انحدار الذائقة الجمالية لدى القارئ العربي لوقوع البعض في كثير من الانزلاقات التي يجب التصدي لها ، وأهمها :
     الإفراط في استخدام الرموز ،والأساطير اليونانية ، أو الشعبية التي قد لا يدرك القارئ العربي شيئاً عنها .
     تضارب الأفكار ، وتعاكسها ، وتناقضها في كثير من النصوص .
     التغريب الفاحش : ، واللجوء – أحيانا – إلى الألفاظ الحوشية التي عفى عليها الزمن .
     الاتجاه للكتابة دون الإلمام بابسط القواعد الشعرية ، ودون نضج للأفكار لدى البعض .
     فوضى التقليد ، والعبثية والمجانة ، واللاعقلانية المفرطة في الكتابة ، وهي سمة تكاد تغلب على كثير من شباب اليوم .
     الدخول إلى الحداثة من الباب الغربي ، والانقطاع التام عن التراث العربي ، بعدم قراءته - أولاً - للاستفادة منه ، بما يؤدي إلى اضطراب الرؤية الشعرية لدى أمثال هؤلاء .
     التجاهل التام لدور المتلقي بعدم عقد صلة (ما)بين الشاعر ، وقارئه.
     الانفتاح على اللغة دون وعي بالأدوات الفنية المساعدة على تبليغ الخطاب الأدبي إلى الآخرين .
     استعمال اللغة الصامتة ، أو الفراغات الصامتة دون إدراك، أو وعي ، بما يدل على الجهل الشديد لدى أمثال هؤلاء ، إذ نجد كثيراً من النصوص ، وقد حشاها صاحبها بالتنقيط الموزع هنا ، وهناك دون علم بما يفعل ، وكأنها " مودرنية" وحسب .
     الانطلاق إلى الحداثة من مفهوم : التخلص من الوزن ، والقافية ، وما أغبى نحو هؤلاء الشعراء ، الذين يعتقدون أن هذه هي الحداثة لأن نحو هذا الاتجاه دال على عجزهم ، وركاكة ثقافاتهم ، ووهنها.
     من أهم عثرات النص الحديث وقوعه في النسقية الواحدة بما ينطبق على كثير من الشعراء قول نزار قباني بأن الشعراء الحداثيين " يتشابهون أسلوباً ، ولغة ، وأداء ، كما يتشابه عشرون توأما ، نزلوا كلهم من بطن واحدة ، فإذا ماقرأت لواحد منهم أغنتك قراءتك عن قراءة الباقين ، فكأنما الشعر الحديث كله قصيدة واحدة يوقعها مئة شاعر " .
     

مشاركة هذه الصفحة