العمليات الاستشهادية من المنظور الشرعي

الكاتب : شمس الحور   المشاهدات : 804   الردود : 10    ‏2004-08-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-20
  1. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    العمليات الاستشهادية من المنظور الشرعي


    نتناول في هذا الموجز عرضا لأهم الأدلة وكلام العلماء على جواز العمليات الاستشهادية، ونقسم هذا العرض كالآتي:



    أولا: جواز إتلاف النفس لمصلحة إعزاز الدين وإظهاره.
    ثانيا: إجماع العلماء على جواز تقحم المهالك في الجهاد.
    ثالثا: جواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد وإن تيقن الهلكة.
    رابعا: خروج من قتل نفسه لمصلحة الدين عن النهي الوارد في قتل النفس.
    خامسا: خروج من عرّض نفسه للقتل في سبيل الله عن إلقاء النفس في التهلكة.
    سادسا: فضل الصبر ـ لمن أيقن الأسرـ والقتال حتى الموت ورفض الاستئسار.
    سابعا: فضل الصبر على القتل وعدم النطق بالكفر.
    ثامنا: فضل الصبر على القتل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    تاسعا: جواز قتل النفس لعدم إفشاء الأسرار تحت التعذيب.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-08-20
  3. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    أولا
    جواز إتلاف النفس لمصلحة إعزاز الدين وإظهاره


    قال تعالى {قُتِل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}[25]،

    وروى مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك من رد عليك بصرك؟، قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟، قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟، قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال: له الملك ما فعل أصحابك؟، قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟، قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال، باسم الله رب الغلام ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق[26].


    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. اهـ[27]

    ويستفاد من هذه الحادثة عدة أمور:

    1. أن الغلام قتل نفسه بأمره وإرادته بعد أن فشل الملك في قتله مرتين، فأخبره الغلام بالطريقة التي يقتله بها (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال الملك: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني).

    2. أن هذا القتل جاء من أجل نـُصرة الدعوة وإقامة الحجة على الناس ليدخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، فكان هذا القتل انتصارا للدعوة، وهو غرض شرعي محمود من أجل نصرة الدين، وهو أوسع من إحداث النكاية في صفوف الأعداء في الحرب.

    3. أن هذه الحادثة ذكرها القرآن على سبيل المدح وتثبيت المؤمنين، وذكر فيها أيضا كيف اختار المؤمنون القتل على الكفر، ولذلك قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآيات: قال علماؤنا: أعلمَ الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ما كان يلقاه من وحّد قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتـَصَلـُّبه في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار الدعوة ودخول الناس في الدين، مع صغر سنه وعظم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم، قال ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[28].

    ورُوي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) خرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب[29]، وروى ابن سنجر (محمد بن سنجر) عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كنت أُوضِئ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل قال: أوصني، فقال: لا تشرك بالله وإن قطعت أو حرقت بالنار....)[30]، قال علماؤنا: ولقد امتُحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك، وقد مضى في النحل أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك فتأمله هناك. اهـ[31]
    فأمر الغلام للملك لا يمكن أن يكون ظلما وعدوانا كما سيأتي في الإجماع الذي حكاه ابن حجر رحمه الله، ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة كما سيأتي في تفسير قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وما ورد فيها عن عمر وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما.

    4. إن المؤمنين الذين آمنوا برب الغلام آثروا القتل بإرادتهم على الكفر إظهارا للدين، كما جاء في الحديث (فأمر ـ أي الملك ـ بالأخاديد في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق)، فدخولهم النار بأنفسهم لا يمكن أن يكون ظلما ولاعدوانا، ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس في التهلكة، بل إن هذا العمل يحبه الله سبحانه ويمدحه وإنه يترتب عليه من المصالح والحِكم ما لا يعلمه إلا الله.

    5. إن هذا الحديث من قوة دلالته على مسألة جواز إتلاف المؤمن لنفسه من أجل مصلحة الدين استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز الانغماس في صف الكفار كما سبق ذكره، واستدل به الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على صورة أخرى من إتلاف النفس لمصلحة الدين وهي قتل الأسير نفسه خشية أن يبوح بأسرار المسلمين وسيأتي ذكر نص كلامه رحمه الله، فكأن هذا الحديث صار أصلا في المسألة تقاس عليها صورها المختلفة، ولا يجوز أن يُعترض على الاستدلال بقصة الغلام بأنه من شرع من قبلنا، فقد احتج بها شيخ الإسلام وغيره في المسألة وهذا من شرع من قبلنا الذي جاءت الشريعة ببيان صحته وإقراره[32].

    6. إن طريق الدعاة وأتباع الرسل الصبر على الأذى والثبات على الحق ونصر الدعوة والمجاهرة بالحق في وجه الملوك والطغاة والجبابرة وإن أدى ذلك إلى القتل، فإن هذا سبيل المؤمنين، كما في قصة سحرة فرعون حيث {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى}[33].

    وكما ورد في قصة الإمام أحمد بن حنبل في محنته التي شاء الله تعالى أن يحفظ بها السنة، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}[34]، هذا سبيل المؤمنين إن كانوا مستضعفين غير ممكنين، وسبيلهم إن مكن الله لهم في الأرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وهو من جنس الجهاد في سبيل الله ـ والدعوة إلى الله تعالى، ولذلك قال تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}[35].

    هذا سبيل المؤمنين، أما أدعياء العلم في هذا الزمان فيمهدون الأرض للطواغيت بفتاواهم المقعدة عن الجهاد، وإذا قام أتباع الرسل بمعاداة الطواغيت وإعلان البراءة منهم والعمل على خلعهم، قام هؤلاء الأدعياء يشنعون عليهم ويحرضون الطواغيت على قتلهم، كما أن من تمكن في الأرض من هؤلاء الطواغيت وعلمائهم المنافقين كانت سيرتهم موالاة أعداء الإسلام والخضوع لهم، وما كانت سيرتهم أبدا جهاد أعداء الله تعالى، فبهذا يتضح لك أن حال أتباع الرسل نصرة الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز}[36].

    فإن المؤمنين إن كانوا مستضعفين جاهدوا بقلوبهم وألسنتهم، وإن كانوا ممكنين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا الكفار ونشروا دعوة التوحيد، وبهذا يتضح لك الفرق بين أتباع الرسل الموحدين وبين المنتفعين من أدعياء العلم الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا خدمة للمرتدين وُكلاء أعداء المسلمين من المستكبرين، وقد قال تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون}[37].

    ومما يقوى هذا المعنى وهو "جواز إتلاف النفس من أجل إظهار الدين" ما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله في كيفية أخذ العدو "عكا" من يدي السلطان حيث قال:

    لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج لعنهم الله لمدينة عكا، وتمالؤا عليها من كل فج عميق، وقدم عليهم ملك الإنكليز في جم غفير، وجمع كثير، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة وابتلي أهل الثغر منهم ببلاء لا يشبه ما قبله، فعند ذلك حركت الكؤسات في البلد، وكانت علامة ما بينهم وبين السلطان، فحرك السلطان كؤساته فاقترب من البلد وتحول إلى قريب منه، ليشغلهم عن البلد، وقد أحاطوا به من كل جانب ونصبوا عليه سبعة منجانيق، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثرت به أثرا بيِّنا، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة ومن قتل منهم ومن مات أيضا ردموا به، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر وتلقى ملك الإنكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية، وكان بالبطشة ستمائة من المقاتلين الصناديد الأبطال فهلكوا عن آخرهم رحمهم الله، فإنه لما أحيط بهم وتحققوا إما الغرق أو القتل خرقوا جوانبها كلها فغرقت ولم يقدر الفرنج على أخذ شيئ منها لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ[38]

    فانظر رحمك الله أيها المجاهد الموحد إلى الحافظ ابن كثير رحمه الله كيف صوب فعلهم وترحم عليهم، وانظر إلى هؤلاء الأبطال الصناديد ـ كما وصفهم الحافظ ابن كثير رحمه الله ـ كيف خرقوا مركبهم بأيديهم فقتلوا أنفسهم من أجل مصلحتين شرعيتين عظيمتين: الأولى: عدم القتل بأيدي الأعداء أو الوقوع في أسرهم، والثانية: حرمان الأعداء من الغنيمة.


    هؤلاء هم فرسان التوحيد المدافعون عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، أعداء أمريكا وإسرائيل الذين يصفهم علماء السوء بالإرهابيين ويصفهم تلاميذهم مُدّعوا السلفية بالمبتدعين ويصفهم الإخوان بالمجرمين المتطرفين {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}[39] وحسبنا الله ونعم الوكيل
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-08-20
  5. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    ثانيا
    إجماع العلماء على جواز تقحم المهالك في الجهاد[/align
    ]

    بوب البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه في كتاب الإكراه باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، وروى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كـُن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار).

    قال ابن حجر: قوله "باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر" تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله وأن بلالا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر، وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه وأن والدَيْ عمار ماتا تحت العذاب.

    وقال أيضا: ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار، والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة، ذكره ابن بطال، وقال أيضا: فيه حجة لأصحاب مالك، وتعقبه ابن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وإنما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل..... إلى أن قال: وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد، انتهى، وهذا يقدح في نقل ابن التين الاتفاق المذكور. اهـ[40]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-08-20
  7. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    ثالثا
    جواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد


    ذكرنا من قبل صورتين وردتا في القرآن والسنة لمؤمنين قتلوا أنفسهم بإرادتهم لمصلحة إظهار الدين وهما صورة أمر الغلام للملك بقتله وتعريفه طريقة ذلك، وصورة المؤمنين الذين اقتحموا الأخدود امتناعا من التلفظ بالكفر ولم يترددوا في ذلك، حتى أن الصبي قال لأمه التي تقاعست (يا أمه اصبري فإنك على الحق).

    وذكرنا صورة أخرى من التاريخ الإسلامي ـ ذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله ـ للمجاهدين الذين خرقوا مركبهم حتى لا يظفر العدو بهم ولا بعدتهم، ونحن هنا نذكر بعون الله تعالى صورا عدة ـ من السنة المطهرة وسير الصحابة رضي الله عنه ـ لمجاهدين أقدموا على المهالك فقتلهم الأعداء، ثم نورد أقوال أهل العلم في ذلك، ثم نبين إن شاء الله تعالى أنه لا فرق بين هذه الصور وتلك التي ذكرناها من قبل.

    أ - صور من السنة المطهرة وسير الصحابة رضوان الله عليهم لمجاهدين أقدموا على المهالك فقتلهم الأعداء :

    1. روى مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى أنت سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل[41].

    2. وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال: (انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمي بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل)[42].

    3. قصة أنس بن النضر رضي الله عنه: بوب البخاري رحمه الله باب قول الله عز وجل {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}[43]، وروى عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لأرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابــه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعة وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}.

    قال ابن حجر: وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد: جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولوشق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ[44]

    4. وفي الصحيحين عن جابر قال: (قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل)[45]، وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: (يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل)[46]، وروى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: (لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا، فنزع درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا)[47].

    5. وعن أنس رضي الله عنه قال ـ وهو يذكر يوم اليمامة: (أتيت ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط، فقلت: يا عم ما يحبسك ألاَّ تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط ثم جاء فجلس ـ فذكر في الحديث انكشافا من الناس ـ فقال ثابت: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بئس ما عودتم أقرانكم)[48].

    6. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله ثم انهزم أصحابه، فعلم ما عليه فرجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه)[49]، وذكر ابن حجر في الإصابة بسنده عن أبي إسحاق قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها على المسلمين فقتل الله مسيلمة، وذكر الحافظ أيضا عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رب أشعث أغبر لا يُؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك)، فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف المسلمون، فقال المسلمون يا براء: أقسم على ربك، فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتنا بنبيك، فحمل وحمل الناس معه، فقتل مرزبان الزارة من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس وقتل البراء[50]، وعن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا[51].

    7. وعن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها[52]، وعن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن يُلقي بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، لأن الله تعالى قد بعث محمدا فقال {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك}[53]، فإنما ذلك في النفقة[54]، وروى البيهقي في سننه أن عكرمة بن أبي جهل ترجل يوم اليرموك فقال له خالد: لا تفعل فإن قتلك على المسلمين شديد، فقال: خل عني يا خالد، فإنه قد كانت لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى حتى قتل.

    ب - أقوال أهل العلم في جواز حمل الواحد على العدد الكثير وإن تيقن القتل :

    قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: لا بأس أن يحمل الرجل وحده ـ أي على العدو ـ وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئا يقتل أو يجرح أو يهزم .... ثم قال: فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، قال السرخسي في التعليق على ما سبق: فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهرا[55].

    ونقل عنه الجصاص رحمه الله: إن رجلا لو حمل على ألف رجل وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإنني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل ذلك إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إن طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين. انتهى، قال الجصاص: والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره .....إلى أن قال:

    فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون}[56]، وقال {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}[57]، وقال {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}[58]، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. اهـ[59]

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. اهـ[60]

    ونقل عنه المرداوي في الإنصاف: وذكرالشيخ تقي الدين أنه يُسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نُهي عنه وهو من التهلكة. اهـ[61]

    قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة أحد: ومنها جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. اهـ[62]

    وقال ابن حجر رحمه الله: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهنٌ بالمسلمين والله أعلم. اهـ[63]

    قال ابن حجر: وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولوشق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ[64]

    قال القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم يكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّن في قوله تعالى {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}، وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفِيَلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنَّس به فرسه حتى ألِفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي يقدمها، فقيل: إنه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب.

    قلت (أي القرطبي): ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: فلك الجنة، فانغمس في العدو حتى قتل[65]، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو قال هو رفيقي في الجنة)، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا) ـ وذكر رحمه الله كلام محمد بن الحسن السابق ـ ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[66]، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله). اهـ[67]

    قال ابن عابدين في حاشيته في شرح قول صاحب المتن: مطلب: إذا علم أنه يقتل يجوز له أن يقاتل بشرط أن ينكي فيهم وإلا فلا بخلاف الأمر بالمعروف، فإن علم أنه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أُسر لم يلزمه القتال، قال: قوله لم يلزمه القتال يشير إلى أنه لو قاتل حتى قتل جاز، لكن ذكر في شرح السير أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل، إذا كان يصنع شيئا بجرح أو بقتل أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر. اهـ[68]

    ج - بيان أنه لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه بيده أو أن يقتلها بفعل غيره :

    بينَّا فيما سبق أنه لا فرق بين من يتسبب في قتل نفسه بأمره ـ كما في حادثة الغلام ـ حيث قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال الملك: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.

    أو أن يقتل نفسه بفعله ـ كما فعل أصحاب الأخدود ـ حيث ألقوا أنفسهم في النار اختيارا، أو يُقتل بفعل غيره ـ كما في حمل الواحد على الجيش الكثيرـ كل هؤلاء ممدوحون مثابون إذا كان هذا من أجل مصلحة الدين وإعلاءً لشأنه، وهذا يبين أنه لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه، أو ينغمس في صف العدو فيقتله أو يأمر الإنسان غيره بقتله إذا كان ذلك لمصلحة إعزاز الدين.

    ويؤكد هذا أنه لا فرق في التحريم بين من قتل نفسه بيده وبين من أمرغيره بقتله، مثل من أمر غيره أن يسقيه سما أو يحقنه بسم، وبين من قتل نفسه بفعل غيره كمن ألقى نفسه تحت سيارة أو قطار، فالحكم في الحالات كلها واحد طالما أن كل ذلك بسبب الجزع واليأس من رحمة الله تعالى.

    ويؤكد هذا أيضا ما سيأتي في قول ابن حجر في قوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، وكما سنبينه في حكم من رفض الاستئسار ومن اختار القتل على النطق بالكفر، وكما سيأتي في كلام الشيخ محمد بن إبراهيم في جوازه أن يقتل الأسير نفسه حتى لا يبوح بأسرار المجاهدين للأعداء.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-08-20
  9. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    رابعا
    خروج من قتل نفسه لمصلحة الدين عن النهي الوارد في قتل النفس


    نقل ابن حجر رحمه الله في شرح باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، عن المهلب: أن قوما منعوا من اختيار القتل على النطق بكلمة الكفر واحتجوا بقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} الآية، قال المهلب: ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما} فقيده بذلك، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا، وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد. اهـ[69]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-08-20
  11. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    خامسا
    خروج من عرّض نفسه للقتل في سبيل الله عن إلقاء النفس في التهلكة


    تقدم بيان جواز حمل الرجل الواحد على العدد الكثير من العدو، وجواز قتل النفس لمصلحة إعزاز الدين، ونذكر هنا أيضا أن من عرض نفسه للقتل في سبيل الله تعالى فلا يدخل في النهي الوارد عن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.

    قال ابن حجر رحمه الله: وروى ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا. اهـ[70]

    وأخرج مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها[71]

    وقد قال ابن حجر رحمه الله في قصة أنس بن النضر رضي الله عنه والتي أوردناها سابقا: من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ[72]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-08-20
  13. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    سادسا
    فضل الصبر ـ لمن أيقن الأسر ـ والقتال حتى الموت ورفض الاستئسار


    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطا عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذُكروا لبني لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا أثرهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم خـَبـِّرعنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ـ وذكر قصة قتل خبيب ـ إلى أن قال: استجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا.[73]

    قال الشوكاني رحمه الله في شرح الحديث: ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من السبعة المقتولين من الإصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من إحدى الطائفتين غير جائز لأخبرالنبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بعدم جوازه وأنكره، فدل ترك الإنكار على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوه أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر.اهـ[74]

    وقال الخطابي رحمه الله في شرح الحديث: وفيه من العلم: أن المسلم يجالد العدو إذا أُرهق ولا يستأسر له، ما قدر على الامتناع منه. اهـ[75]

    وذكر ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه، ولو قتل أنفة من أن يجري عليه حكم الكافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك. اهـ[76]

    قال ابن قدامة: وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه بالأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنـة، وإن استأسر جاز لما روى أبو هريـرة ـ وذكر خبر عاصم بن ثابت رضي الله عنه السابق ـ فعاصم أخذ بالعزيمة وخبيب وزيد أخذا بالرخصة وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم. اهـ[77]

    وقال المرداوي في شرح قول ابن قدامة في المقنع "فإن زاد الكفار فلهم الفرار": قال الإمام أحمد: لا يعجبني أن يستأسر، يقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد ولابد من الموت، وقد قال عمار: من استأسر برأت منه الذمة، فلهذا قال الآجري: يأثم بذلك فإنه قول أحمد. اهـ[78]

    قلت: وهكذا ترى أيها الأخ المجاهد عن دين الإسلام أن العلماء قد اتفقوا على جواز عدم استئسار المسلم للعدو ـ حتى ولو تيقن الموت ـ بل منهم من جعله واجبا وذلك هروبا من الذل وتحكم الكفار في المسلمين، وهذه صورة أخرى من صور إتلاف النفس ليس فقط لمصلحة الدين ولكن أيضا أنفة من أن يعلو الكافر على المسلم فيذله.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-08-20
  15. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    سابعا
    فضل الصبر على القتل وعدم النطق بالكفر


    قال القرطبي في تفسير قوله تعالى {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان...} الآية[79]: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة، واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون، وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير، فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر، وروى خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)[80].

    فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثرالضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان ـ وذكر أبو محمد بن الفرج البغدادي بسنده إلى الحسن ـ أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فخلى عنه، وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم لا أسمع، فقدمه فضرب عنقه، فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ قال صلى الله عليه وسلم: ما أهلكك؟ ـ فذكر الحديث ـ قال صلى الله عليه وسلم: أما صاحبك فأخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة، على ما أنت عليه الساعة؟، قال: أشهد أنك رسول لله، قال صلى الله عليه وسلم: أنت على ما أنت عليه. اهـ[81]

    وقال القرطبي رحمه الله في تفسير آيات البروج: قال علماؤنا: أعلَمَ الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ما كان يلقاه من وحـَّد قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار الدعوة ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم، قال ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ..... وقد سبق.

    قلت: وهذه صورة أخرى من صور اختيار إتلاف النفس والإقدام على القتل وتفضيل ذلك على النطق بالكفر، وقد مدح الشرع هذه الأفعال ومدح أصحابها.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-08-20
  17. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    ثامنا
    فضل الصبر على القتل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


    قال الجصاص رحمه الله بعد ذكر كلام محمد بن الحسن الشيباني: وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[82]، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله)[83]، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ـ وروى بسنده ـ إلى أبي هريرة أنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع)[84]، وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين ولو أيقن فيه التلف والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ[85]

    وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم}[86]: وزعم ابن العربي أن من رجا زواله ـ يعني المنكر ـ وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده، قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فيلقتحم كيفما كان ولا يبالي، قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع، وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل، وقال تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وهذا إشارة إلى الإذاية. اهـ[87]

    وقال ابن عابدين بعد أن ذكر أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن القتل: وهذا بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به، فلابد أن يكون فعله مؤثرا في باطنهم بخلاف الكفار.اهـ[88]

    قلت: وهذه صورة أخرى من صور الإقدام على ما يتأكد معه الموت من أجل المصلحة الدينية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-08-20
  19. شمس الحور

    شمس الحور عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-10
    المشاركات:
    124
    الإعجاب :
    0
    تاسعا
    جواز قتل النفس لعدم إفشاء الأسرار تحت التعذيب


    ونحن نذكر هنا بعون الله تعالى صورة هامة من صور إتلاف النفس للمصلحة العامة وهي قتل الأسير نفسه حتى لا يُفشي أسرار المجاهدين للأعداء، وسترى أن من أفتى فيها اعتمد في استدلاله بالسنة المطهرة على حديث الغلام الذي ذكرناه سابقا، وذكرنا أن العلماء يعتبرونه أصل هام في هذه المسألة.

    وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله من بعض المجاهدين الجزائريين إبان حرب التحرير عن مسألة قتل الأسير لنفسه لمنع إفشاء الأسرار للأعداء وكان السؤال:

    الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب ويستعملون الشرنقات إذا استولوا على واحد من الجزائريين ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تسكره إسكارا مقيدا، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط فهو يختص بما يبينه بما كان حقيقة وصدقا، فهل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة ويقول: أموت أنا وأنا شهيد مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب؟ فأجاب: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله (آمنا برب الغلام) وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة وهو مقتول ولابد. اهـ[89]

    قلت: قوله رحمه الله: الشرنقات، هو ما يسميه العامة السرنجات أي الحقن التي تستخدم لحقن الأدوية والعقاقير.

    وقوله رحمه الله: وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، يشير إلى مسألة احتراق السفينة في البحر هل لركابها أن يلقوا بأنفسهم في الماء اختيارا للغرق على الحريق أم لا؟ وقد جاء في المدونة للإمام مالك: قلت ـ والقائل هو سحنون يسأل شيخه ابن القاسم تلميذ الإمام مالك ـ أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو فيها أهل الإسلام أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال: بلغني أن مالكا سئل عنه فقال: لا أرى به بأسا إنما يفرون من الموت إلى الموت .... اهـ[90]

    قال ابن قدامة: وإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء أنفسهم في الماء فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران فقال أحمد: كيف شاء صنع، وقال الأوزاعي: هما موتتان فاختر أيسرهما[91]، وقد ذكرنا من قبل ما حكاه الحافظ ابن كثير عن المجاهدين الستمائة الذين أغرقوا سفينتهم وغرقوا جميعا حتى لا يقعوا في الأسر ولا يظفر الأعداء بعدتهم.

    وأما قول الشيخ محمد بن إبراهيم: إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، يدل على فقهه رحمه الله حيث غلب مفسدة إفشاء أسرار المجاهدين على مفسدة قتل النفس.

    فائدة: هل يقتل المسلم نفسه ليغيظ عدوه؟

    قال الشيخ حسن أيوب رحمه الله: الأصل في قتل النفس أنه حرام من الكبائر ـ ثم ذكر الأدلة على ذلك ـ ثم قال: فقاتل نفسه يعذب يوم القيامة عذابا شديدا طويلا، وهذا القتل يعتبر تعديا لحدود الله وظلما عظيما للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، ويعتبر فاعله ساخطا على قضاء الله وقدره وغير راض بحكم الله فيه لذلك أسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسه، وهذا النوع هو المسمى بالانتحار وحرمته لا شك فيها.

    ولكن هناك حالات يقع فيها المقاتل أو الفدائي تحت أيدي عدوه، فيقوم عدوه بتعذيبه أشد أنواع التعذيب، سواء بالإحراق بالنار أو بتقطيع أجزاء من جسده أو بنفخه أو بتعليقه من خطاطيف مدلاة من السقف من رجليه بحيث يكون رأسه إلى أسفل أو بتسليط الكهرباء عليه من وقت لآخر ..... إلى آخر هذه الأنواع التي صارت سمة كلاب العصر الحديث، والتي اخترعها النازيون والشيوعيون ونفذه جميع كلاب البشر الذين لا إنسانية عندهم ولا رحمة في قلوبهم، فما الحكم لو وقع إنسان تحت طائلة هذا العذاب هل يحق له أن ينتحر أم لا؟ الجواب: الذي أراه في هذا الموضوع الخطير أخذا من النصوص ومن أقوال العلماء هو:

    1. أن الانتحار إن كان له مبرر أصيل وقوي ويتصل بأمر يخص المسلمين وينفعهم وبدونه يحصل الضرر للمسلمين فإنه حينئذ يكون جائزا، وذلك كأن يعذب إنسان من أجل الإفضاء بأسرار تتعلق بمواقع الفدائيين أو بأسمائهم أو بكشف خطط الجيش الإسلامي أو بمواقع الذخيرة أو السلاح إلى آخر ما يعتبر علم العدو به خطر على الجيش الإسلامي أو على أفراد المسلمين أو على حريمهم وذراريهم، ويرى أنه لا صبر له على التعذيب وأنه مضطر أن يفضي بهذه الأسرار أو يعلم أن الأعداء يحقنونه بمادة مؤثرة على الأعصاب بحيث يبوح بما عنده من أسرار تلقائيا بدون تفكير أو شعور بخطورة ما يقول.

    ويشهد لذلك أقوال العلماء فيمن ألقى بنفسه على الأعداء وهو يعلم بأنه مقتول لا محالة، ولكنه يرى أن في ذلك خيرا للإسلام أو للمسلمين وحالتنا هذه أهم وأخطر.

    2. أما إذا كان الانتحار بسبب أنه تأكد من أنهم يقتلونه ولكنهم يعذبونه قبل ذلك تنكيلا به وإغاظة للمسلمين فإنه إن انتحر في هذه الحالة فإن انتحاره يكون حراما، ولكنه لا يكون كبيرة من الكبائر ولا يبعد جوازه..... إلى أن قال:

    وفي قصة الصحابي الذي كان مع عاصم بن ثابت ورفضه الأسر وهو يعلم أنهم قاتلوه بسبب هذا الرفض ما يشهد لذلك، وإن كان لم يقتل نفسه بنفسه وإنما قتلها بيد عدوه، والواقع أن مثل هذه الحالات لا يعتبر المسلم فيها قاتل نفسه وإنما قاتله هو عدوه، لأن عدوه هو الذي تمكن منه وهو الذي يعذبه وهو الذي لا يتركه حتى يقتله وهذا رأيي في الموضوع لأنه لا نص فيه ولم أر فيه فتوى لأحد من العلماء وربما كان هناك فتوى لم أراها.اهـ[92]

    قلت: وللشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فتوى سابقة على كلام الشيخ حسن أيوب قد أوردناها سابقا.
     

مشاركة هذه الصفحة