عندما اقتُلِع الشرف من سفوح الكرامة (إلى بنات العراق)

الكاتب : صدى الشرق   المشاهدات : 301   الردود : 0    ‏2004-08-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-12
  1. صدى الشرق

    صدى الشرق عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-12
    المشاركات:
    1
    الإعجاب :
    0
    بقلم: عبدالفتاح الشهاري

    [align=justify]سأبدأ حديثي باليمين الرسمي والقسم المعتاد حتى أنال الرضا، وحتى أبعد عن نفسي تهمة قد تلصق بي دون وجه حق، ولذا وجب علي قبل كتابة مقالي هذا أن أتقدم إلى منصة العدالة لأؤدي القسم واليمين الدستورية، وأعلن فيها أني لا أنتمي إلى حزبٍ أو طائفة، ولست موالياً لهيئة أو منظمة، وليست لدي أي ميول إرهابية أو أصولية، وعقلي فارغٌ تمامًا من أي معتقدات تكفيرية أو تخريبية، ولا أحبذ الاشتراكية ولا أستسيغ الرأسمالية، كما أقسم أني لست عاشقاً لصدام حسين، ولست منتسباً لحزب البعث، إني كما يحلو لسادتي أن يريدوني مجرَّدٌ تماماً من أي منهج، خالٍ من أي معتقد، نقيٌّ من أي شوائبٍ فيها ضررٌ على هذا، أو قد تفسد على ذاك نومه، فأنا مخلوقٌ قد ولدت كجميع البشر عارياً منذ ولادتي، ولكني أحاول أن أكون مميزًا عنهم فأستر جسدي عندما أشعر أن العمر يداهمني، وأن أخيط أي كساءٍ على جسمي لأستر به عورتي..

    ولأنني مازلت رابضاً على عتبات الزمن لم أتحرك قيد أنملة، ولم تتسع مداركي لما يحيط بي في هذا الكون من أسرار عميقة، وليست لي دراية كافية بما يُحاك حولي من مسرحيات هزلية يقرض فصولها عباقرة الأدب السياسي، وأساتذة علم الفلسفة والمنطق الحيواني، فإني كنت على سجيتي أنظر إلى هذا التغير الهائل الذي يدور حولي بشيء من الكبرياء، والفرح والسرور، فأنا لست ممن ينظر إلى (أمريكا) بأنها مصطلح لُغوي يرادفه الغطرسة والغرور والفساد وكل معاني الشر في هذه الأرض، وأيضاً لست مقتنعاً بأن (أمريكا) مرادفةً صحيحة لمعنى الحرية والأمن وكل ما هو خير في هذا الكون، ولذا فلا أنكر بأني كغيري من ملايين الفاغرين فاهم، المشنفين آذانهم، المصوبين بصائرهم إلى كل غثٍّ وسمين ممن يُطلق عليهم في مصطلحات اليوم (عرب)، رأيت أن أهيئ نفسي إلى هذا التغيير القادم من بلاد (واق الواق) وأنا أرقب بغبطة ما سيناله شعبٌ قالوا عنه بأنه حُرم من الأمن والأمان، ومُنعت عنه كرامة العيش، وسُلِبت منه عِزَّة الحياة، من مكرماتٍ وأعطيات وهبات، وصدّقت تحت تأثير ما أشاهد وأبصره حولي كأي (عربي) صدَّقت واقتنعت – لا أدري طائعاً أم مُكرَهاً – بسلامة منطقهم، وقوة حجتهم، وقعدت القرفصاء في مكاني شاخص البصر إلى تلك القطعة من بلادي العربية أنتظر حتى ينهي الجزَّار من ذبحه، أنظر إليه كما ينظر طفل بكل براءة الطفولة إلى جزارٍ يقوم في يوم عيد الأضحى بذبح أضحيته، لأن هذا الأمر كما علمني والداي هو سنة من سنن الإسلام العظيمة لإدخال الفرحة إلى النفوس، ولذا فقد اقتنعت – رغمًا عني – بأن ذبح عروبتي اليوم يوازي في بساطة متناهية ذبح تلك الشاة، فالغرض من هذا الذبح – كما سمعتهم يقولون – هو أن ينقذوا الشاة من راعٍ ظالم، ويخرجوها من جيف الحظيرة المنتنة، حاولت إقناع نفسي بما يقولون رغم تباين الأسئلة في مخيلتي، وتصارع علامات الاستفهام والحيرة في رأسي عن مدى استفادة الشاة بعد ذبحها وسلخها بما إذا كان راعيها ظالمٍ أو عادل، وماذا سيضيرها بعد سلخها ما إن كانت الحظيرة منتنة أم بساتين وعيون؟! ماذا سيضيرها كل مباهج الحياة بعد أن عدمت أصلاً البقاء في هذه الحياة..

    إنني يا سادتي أبحث عن الكرامة، وعنوانها، أبحث عن لغز كلمة لم أعد أعرف معناها، وما هو المغزى منها، إنني أبحث عن معنى كلمة (تحرير) وماذا يُقصد بها؟ وماذا يُراد منها؟ فقد خُدعتُ يومًا عندما سمعت في المذياع أن تلك التي اسمها (أمريكا) أتت لتقتلعنا من القهر والظلم والاستبعاد، وقد أسرجت خيولها، وأضرمت نيرانها باتجاهنا لكي تسرج وتنير لنا الحياة، وتخرجنا من ظلمات عروبتنا وهويتنا وإسلامنا إلى نور حريتها التي نصبَّتها تمثالاً يمسك بيده شعلة لكي يحرق بها كل من حاد عن خطها ونهجها، ويحرِّق بها كل فضيلة كانت باقية، وأحرقت نار حريتها كل فضلةِ خيرٍ كانت باقية من أخلاقنا، واستشرى نارها يتوهج في عراقنا الحبيب، في عاصمة الرشيد، وفي بغداد الخلافة لتنتج لنا هناك عشرات المحطات الغنائية الماجنة حتى يعوض بها شعباً - قالت عنه (أمريكا) - بأنه كان يحكمه حاكمٌ باطش جبار، أقفل عليهم الحانات، وأغلق عنهم المراقص وحال بينهم وبين البارات، وأعلن سخطه على أمريكا، التي أتت لتعوضنا ما حرمنا منه ذلك الحاكم من أفكارٍ رجعية جعلنا لا نشاهد في عهده أي محطاتٍ راقصة، ولم يتحِ لنا أن نشاهد بنات شعبه عارياتٌ، لكي تشترى لحوم بناته بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة.. وكما بدأت قسمي ويميني وعرَّفتُ بنفسي فأنا لستُ صدّامياً ولا بعثياً ولا حزبياً ولا قومياً، ما أنا إلا آدميٌّ من جنس البشر، أستصرخ بقايا ضميرٍ أبحث بين خباياه إن بقي فيه ذرةٌ من حياء..

    ذُبحت عروبتي، ولكني مازلت غير مقتنعٍ بأني قد متُّ وانتهيت، فمازلت باقياً أرقب دقات قلبي كما هي لم تتوقف بعد؛ لأن الحياة أمامي مازالت متحركة، ودوري لن يكون هو البكاء، أو الحسرة، أو التأوه، أو الحرقة والألم، رغم جرحٌ غائرٌ في القلب لم يلتئم، وإنما سأحاول أن أرسل برقياتي في كل اتجاه لأقول لجيران العراق، وأحباب العراق، وأشقاء العراق، ... أن أنقذوا العراق، وازرعوا سفوح كرامته بمعاني الشرف..
     

مشاركة هذه الصفحة