قصة حكيم من سرنديب

الكاتب : مزحاني حر   المشاهدات : 862   الردود : 2    ‏2004-08-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-06
  1. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    كان هناك ملكاً من ملوك الفرس كانت له نعمة ظاهرة، وهيبة قاهرة، وسلطان عظيم، وملك عقيم وكان له وزير له رأي وعزيمة قد رأى السعادة في تدبيره والكفاية في توزيره، قد كفاه أمر التدبير مما يحتاج إليه، فهو مشغول بلذته وتناول نعمته في لذة من عيشه وأمان من مصائب الزمان وحوادث الأيام، والوزير يورد ويصدر بحميد رأيه وجميل نبيته وحسن طويته، فأقام الملك على ذلك مدة من دهره وبرهة من عمره.
    فما كان في بعض الأوقات عضت للملك علة كدرت عليه عيشه، ونغصت حياته، فتغير لونه وهزل جسمه، وضعفت قوته، واشتغل من تلك العلة، واستدعى وزيره وقال له: قد ترى ما نزل بي من هذه العلة التي قد حالت بيني وبين اللذات، حتى قد تمنيت الموت، ومللت الحياة.
    فرق له الوزير وبكى عليه، ثم خرج فجمع الأطباء والتمس الدواء، ولم يدع مستطباً ولا معزماً ولا صاحب نجامة وكهانة إلى أحضره، وأعلمهم علة الملك وما يجده من الألم والوجع، وأنه يشكو ضربان جسده، والتهاب حرارة في قلبه وكبده، فكل قال وما أصاب، وعمل وما أفلح، وعالج فما أنجح.
    واشتدت تلك العلة بالملك، واشتغل الوزير بذلك عن تدبير المملكة وسياسة الخاصة والعامة من خدم المملكة ورعيتها، واضطربت الأعمال، وعصت العمال، وكثرت الخوارج في أطراف المملكة أقاصي الدولة، فعظم ذلك على الوزير وتحير وخاف على الملك والهلاك، فعاد إلى جمع الحكماء وإحضار العلماء، ومن قدر عليهم من الشيوخ القدماء، وأعاد عليهم القول، واستدعى منهم الجواب، وكان فيهم شيخ كبير قد عرف وجرب فقال: أيها الوزير إن العلة التي بالملك معروفة بظاهرها خفية بباطنها، ومثل هذه العلة لا يكون إلا عن حالين: أحدهما في النفس والآخر في الجسد، فالذي في النفس ينقسم قسمين: فأحدهما يختص بالنفس الناطقة والقوة العاقلة، والىخر يختص بالنفس الحيوانية والقوة الشهوانية، والذي يختص بالجسم أيضاً ينقسم قسمين: أحدهما بالحر واليبس، والآخر بضده وهو البرد والرطوبة.
    وأما ما يختص بالنفس الناطقة فهو الفكر في المبدع، جل جلاله، وما أبدع، والحيرة فيما خلق وبرأ وأنشأ، وإعمال الروية وإجالة الفكر في كيفية الابتداء والانتهاء، وما شاكل ذلك من الأمور الإلهية، فإن النفس إذا غرقت في هذا الأمر، وانغلقت عليها أبوابه وتعذرت أسبابه، ضاقت وحرجت فأحرقت طبيعة الجسد، فضعفت القوى الطبيعية عن تناول الغذاء، وحدث بالجسم ما ترى من الضعف والتغير والهزال والضنى، ولا يزال ذلك كذلك يتزايد ما دامت تلك العلة مستدامة، والخاطر مشغولاً بها، والأبواب عليه مغلقة، والأسباب متعذرة، ولا يجد من يفتح عليه ما انغلق من أبوابه، ويسهل ما صعب من أسبابه.
    وأما القسم المختص بالنفس الحيوانية والقوة الشهوانية فكالعشق للصورة البهيمية من النساء والصبيان والأحداث والمردان، مثل ما يعرض للعاشق إذا غاب عنه معشوقه، حيل بينه وبين محبوبه، فيظهر به من الضعف والتغيير ما يكون به تلف الجسد وانحراف المزاج وفساد البينة، وربما دخل عليه زيادة أدته إلى الماليخوليا واحترق، ووصل المرض إلى شغاف قلبه فهلك وباد.
    وأما ما يكون في الجسد من العلل العارضة من جهة الطبائع الأربع فإن لكل علة تحدث من فساد المزاج غلبة الطبائع بعضها على بعض، فله علامات يستدل بها على تلك العلة، ومواضع يقصد بالأدوية إليها، ولا يجب للطبيب الحاذق أن يبدأ بدواء العليل إلا بعد السؤال له عن السبب في تلك العلة ما هو. وكيف كان، وعما كان، وما أصله، أهو شيء من المأكولات أسرف في أكله، أم مشروب أترف في شربه، أو غم عرض له أو هم دخل عليه، أو حال اشتغل به قبله وفكره، أو صورة حسنة رآها فوقعت في قلبه ثم حيل بينه وبينها ومنع من تناول لذاته منها، وأي موضع يجد الوجع من جسمه، وبماذا يختص من أعضائه، وأي شيء يشتهيه، وأي حديث يلهيه ويرضيه، وأي سماع يطربه، فإذا أخبر العليل طبيبه بشيء مما ذكرناه إذا سأله، وكان العليل صحيح العقل، ازداد الطبيب الماهر علماً به واستشهد على ماأخبره لفظاً بما يدل من البرهان عليه بالحس، وما تبين له من صحة النبض مما يستدل به على صحة ما أورده المريض ويسترشد الطبيب على قول المريض وشهادة النبض بشاهد آخر هو الماء، فإذا اتفق النبض والماء مع شكوى المريض، فقد عرف حينئذ الطبيب العلة وما يختص بها من الأعضاء، فإن تغلبت إحدى الطبائع وضعفت الأخرى، أرسل إلى ذلك العضو ما يوافق طبيعته ويلائم قوته لينقمع به ضده الذي يضايقه في مكانه بالملاطفة والتدريج، ولا يحمل عليه بالدواء الحاد في أول دفعة، فإنه ربما أحدث له فساداً لا يرجى صلاحه، والمثال في ذلك النار المشتعلة في الحطب، أول ما وصلت إليه، فإنها إذا قويت وألقي عليها الماء ازدادت حراراتها وقويت بخاراتها، فأتلفت ما وصلت إليه واحتوت عليه، فاسأل أيها الوزير عن بدء هذه العلة كيف كانت، وما السبب فيها، والحال الموجب لها، فلعلنا إذا عرفنا ذلك نتداركه بالملاطفة وحسن التدبير إن شاء الله، قال الوزير: أيها الحكيم إن في أدب وزراء الملوك، ومن الواجب على من صحب الملوك أن لا يبدأهم بالسؤال لهم عما لا يجب له السؤال عنه، ولا يهجم عليهم بذلك إلا أن يبدأوا به، ولا يطلب الدليل على ما يقولونه بل يستمع ويصدق ويسلم إليهم في جميع أمورهم، ولا يعترض عليهم في أفعالهم وأعمالهم، وأنا أهاب الملك وأخف منه أن أسأله عن شيء لم يبده وحال خفيها ولم يطلعني عليها، لا سيما في أمر نفسه وجسمه، قال الحكيم: أيها الوزير إنه لا سبيل إلى شفائه ومعرفة دوائه إلا بعد الإبانة عما ذكرته لك، وأنا أرى أن سؤالك له عن أمره وما أخفاه من سره يكون سبباً لحياته ونجاته إن شاء الله، فإذا أعلمك ذلك فأعلمني به واحفظه عنه لئلا تنسى مما يحكيه شيئاً.
    ثم انصرف ذلك الشيخ ومن حضر المجلس من الأطباء، ونهض الوزير فدخل على الملك، فلما رآه أنس به وأدناه بقربه، وسأله هل وجد له دواء، واتجه له عنده شفاء، فأكثر الوزير من الدعاء له ثم أقبل عليه فسأله عن بدء العلة كيف كان، وما الذي كان السبب في حدوثها، فلما سمع الملك من وزيره هذه المسألة التي لم يكن سأله عنها قبل ذلك، أمر من كان بين يديه من خدمه أن يقعدوه ويسندوه ففعلوا ذلك، ثم أمرهم بالبعد عنه، فلما رأى الوزير ذلك خاف على نفسه وفزع واستوى الملك جالساً على فراشه وقال له: ادن مني، وأعد هذه المسألة علي واصدقني، فإني أرجو الشفاء بصدقك إياي، وأنك قدرت على الدواء في إزالة الداء إن شاء الله، فإني لم أسم منك هذا السؤال قبل هذا، والواجب على الملوك في أدب المملكة أن لا يبدؤوا من يلم بهم من عبيدهم وخواصهم بكشف أسرارهم، وبما بحدث منهم في خلواتهم وما يجيلونه في أفكارهم، لا سيما إذا لم يجدوا له أهلاً يكشفونه لهم، ويودعونه عندهم، ويرجون بهم فتح ما انغلق عليهم بابه وتعذرت أسبابه، وقد كنت في طول هذه المدة التي حدثت بي فيها هذه العلة أريد من يسألني عن ذلك فأبديه له، فلم أجد سائلاً يسألني عن ذلك، وكلما عدمت من أبث إيه الشكوى وأخرج إليه بما أجد من البلوى صعبت العلة علي، وتزايدت المحنة لدي.
    فلما سمع الوزير ذلك من الملك تحقق قول الشيخ الحكيم المجرب وعلم أنه صدق وأصاب، وقال له الوزير: أرجو أن أكون موضعاً لهذا الأمر وكشف هذا السر.
    فقال الملك: إن شاء الله ثم ابتدأ الملك فقال: إني كنت في بعض الأيام قد ظهرت نعمة الله تعالى علي، وأحضرت أجلها لدي، وأمرت بإخراج ما في خزائني من الجواهر النفيسة والآلات الثمينة مما جمعته أنا في أيامي وما ورثته عن آبائي، فأحضر بين يدي في خلولة من حشمي وعبيدي وخزاني الذين كانوا نقلوه بين يدي، فرأيت منظراً أطربني غاية الطرب، وفرحت بها وطربت لها وأخذت منها بالنصيب لأوفر والحظ الأجزل من الغبطة السرور والجذل إليه أحد غيري، وأني من أسعد السعداء، ثم إني نمت فرأيت في منامي كأني في تلك الحال على أحسن ما يكون وأتمه وأكلمه، وكان رجال دولتي وعبيد مملكتي كلهم قيام بين يدي خاضعون لي، ساجدون سامعون لقولي، مطيعون لأمري، وأنا على سرير مملكتي في محل كرامتي. فبينما أن كذلك إذ رأيت رجلاً شاباً مليح الصورة حسن الأثواب لم أره قبل ذلك الوقت ولا عرفته، وكأنه بالقرب مني ينظر إلي نظر المستهزئ بي غير هائب ولا خاضع بين يدي ولا مسلم علي، مستقل بجميع ما أنا فيه، وكأنه يملك ما لا أملكه ويقدر على ما لا أقدر عليه، ويصل إلى ما لا أصل إليه، فغاظني ذلك منه وكأني قد هممت بالإيقاع، وأمرت من كان بين يدي من خدمي وأصحابي من جميع أهل مملكتي ورجال دولتي أن يقعوا به، وهو قائم في مكانه يضحك بي، وكأنهم لم يصلوا إليه ولا قدروا عليه، وكأنه قد زاد استهزاؤه ولم يهله شيء مما رآه.
    فلما رأيت منه ذلك هالني وأفزعني، فقمت من مكاني وتنحيت عن سريري ودنوت منه وقلت له: من أنت، ومن أين أنت، وكيف وصلت إلي، ومن أين دخلت علي، فقال لي: يا مسكين يا مغرور بسلطان الأرض والملك الجزئي، أي ملك أنت، إنما أنت مملوك ولست بمالك، فلم تدعي المحال وترضى لنفسك بالكذب، وجميع ما أنت فيه زائل مضمحل، فإنه عما قليل يفارقك وتفارقه، وإنما الملك الملك السماوي والسلطان الإلهي، فإن بادرت وعلمت ما يقرب إلى ربك وصلت إليه وكنت ملكاً بالحقيقة، ونلت ملكاً لا يبلى ولذة لا تفنى، فتكون ملكاً بالحقيقة تفعل نفسك إذا زكت وروحك إذا صفت، وما أنا فاعل، وتصل إلى مثل ما أنا إليه واصل.
    ثم إنه ارتفع من الأرض وأقبل يمشي في الهواء ويجول في الفضاء إلى أن رأيته وصل إلى السماء وغاب عني فلم ير، وسمعت هاتفاً يقول: "لمثل هذا فليعمل العاملون".
    فلما رأيت ذلك منه أقنت أني لسم بمالك وأني مملوك كما قال، وأني لسم بعالم وأني جاهل، وأني لست بإنسان وأني حيوان، ثم انتبهت وأجلت الفكر وأعملت الروية، وكثر تخيلي لذلك الشخص وما قال لي ورأيت من مملكتي وسعة قدرته والمكان الذي رقي إليه، واشتهيت المعرفة بالعمل الذي هو وصل إليه، فاشتغلت بهذا الشأن عن جميع ما كنا بسبيله من تلك اللذات، وانقطعت عن جميع الشهوات، وزهدت في المأكول والمشروب، وأقبلت أجيل فكري وأقلب نظري في أهل المملكة ورجال الدولة، فلم أر فيهم من يصلح أن أكشف له هذا السر، ورأيتهم كلهم مشاغلاً بالحال الذي أزرى بها علي ذلك الشخص، وأني واياهم مماليك، وأن الأسماء التي استعرناها لا تصلح لنا ولا تليق بنا، وأنها ذاهبة زائلة عنا، وخشيت أن أبدي أمري إلى من ليس هو من أهله، فأنسب إلى الجنون وقلة العقل، وفصمت عن الكلام، وزادني الفكر الغم والهم والأسف، فحدث بي من ذلك ما ترى من التحول والتغير والصفات.
    فهذا هو سبب وجعي ومبدأ علتي، وأظن أني خارج من هذه الدنيا بهذه الحسرة إن لم أصل إلى العمل الذي ويصلني إلى ما وصل إليه ذلك الشخص الذي رأيته، وقد خرجت إليك بأمري، وكشفت لك ما أخفيت من سري، فإن كان لي عندك فرج فمن به علي، وإن عدمت ذلك فاكتم سري ولا تخرج إلى أحد بشيء منه كما خرجت به إليك من أمري لئلا أنسب إلى الجنون وزوال العقل، فيذهب الملك مني ومنك، ويطمع فينا الأعداء، لأن علة زوال العقل أصعب العلل، متعذر دواؤها، معدوم شفاؤها.
    ولكن قد طمعت أن لي عندك فرجاً لما رأيتك قد سألتني عن هذا السؤال ولم يكن هذا من عادتك معي، ولمعرفتي أن فيك من الأدب الذي يصلح للملوك ما لا يحملك على مثل ما أقدمت به علي من ابتدائك لي بالسؤال عن سري الذي لم أبده، فاصدقني كما صدقتك.
    قال الوزير: فأعدت عليه ما كان وما جرى من الشيخ الذي أشار علي بذلك وأمرني به.
    فقال: علي بالشيخ، فقد وضع يده على الداء، وأرجو أن يكون عنده الدواء.
    فخرجت من عنده وأحضرت ذلك الشيخ وقصصت عليه الحال من أولها إلى آخرها فبكى وقال: انكشفت العلة وعرفنا دواءها، وقدرنا على شفائها إن شاء الله.
    ثم نهض معي حتى دخلنا على الملك، فلما رأي الشيخ فرح به ورفعه وأقبل عليه وأنس به، وأقبل يعيد الحديث عليه من أوله وإلى آخره، فأقبل الشيخ على الملك وقال له: إن العمل الذي يوصل إلى مثل ما رأيت لا يكون إلا بعد العلم بتوحيد الخالق، جل جلاله، ومعرفته حق معرفته، فإذا صح لك ذلك وعلمته، ابتدأت تشرع في تعلم العلم المؤدي بك إلى عبادته، الموصل لك إلى جنته ودار كرامته، فإذا أحكمت العمل بتلك العبادة، وصلت إلى مرادك ونلت غرضك، ولا يكون ذلك إلا بعد ترك جميع ما ملكته وقدرت عليه من أمور الدنيا قال الملك: قد رضيت بذلك وطابت نفسي به، وقد تعجلت بترك جميع ما كنت فيه وتمني الموت والراحة من هذا العالم.
    فقال الشيخ: إن هذا العلم غير موجود عند أحد في بلدنا هذا، وإنما هو موجود بحقيقته عند رجل من الحكماء، مقامه في إقليم الهند بجبال سرنديب تحت خط الاستواء، فإن عند مفاتيح ما انغلق من هاذ الأمر وصعب من هذا السر.
    قال الملك: فأنى لي بلوصول إليه والقدوم عليه، وأنا على ما ترى من نحول الجسم وضعف القوة وكثرة الأعداء، وما تراه من اضطراب الحال وفساد الأعمال والعمال،وكثرة الخوارج علينا والأعداء لنا، وتمنيهم الوصول بالأذية إلي وانتزاع ما في يدي من هذه المملكة الغانية والقنية المضمحلة، وإن كنت غير متأسف على فقدها، ولا حزين على زوالها بعد ما سمعت ورأيت، وإنما أخشى أن أدرك إذا خرجت منها وبعدت عنها، فأقتل وأموت في الطريق، ولا أصل إلى ما تكون به السعادة بعد الموت، وأكون قد تعجلت الذل والهوان في الدنيا وسرعة القدوم عليه في الآخرة.
    قال الشيخ: صدق الملك فيما ذكر ولنا في ذلك تدبير آخر.
    قال: وما هو? قال: أن أكتب إلى الحكيم أعلمه بالحال وننظر ما يكون من جوابه فنعمل به إن شاء الله.
    قال الملك: أفعل ذلك، وخف على الملك ما كان يجده وسكنت نفسه وإلى قول الشيخ.
    وقال للوزير: اعلم أني قد وجدت العافية وقد سكنت تلك الحركة الفكرية، وبردت الحرارة التي كنت أجدها في قلبي، واستدعى من الطعام والشراب ما أمسك به القوة ودعت إليه الحاجة.
    وفشا في أهل المملكة من أعمال الدولة أن الملك قد أفاق من علته وزال عنه ما كان يجده، ففرح الناس بذلك وسكنت الفتنة، فتسارعت الخوارج إلى الطاعة، وعمت البركة وشملت النعمة، وعاد الأمر إلى أحسن ما كان في مدة يسيرة، وقويت نفس الملك ووثق بما وعده الشيخ الموفق الرشيد، فكتب الشيخ إلى رب بيت الحكمة في ذلك الزمان يعلمه بما جرى ويسأله أن ينفذ إليه م يراه ليفتح عليه من العلم وما يصلح له ويعلمه ما ينبغي له في جسده.
    فلما وصل الكتاب إلى الحكيم ووقف عليه استدعى تلامذته وكان له أنا عشر تلميذاً حاضرين معه فأعلمهم بما وصل إليه وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا: مرنا بما تريد لنمتثله ونأتي فيه بما تؤمله، فأفرد رجلين منهم وقال لهما: اذهبا إلى الملك فإذا دخلتما عليه فليبدأ به أحدكما فيلزمه حتى يبلغ في العلم الرياضي إلى حد يجب له، إذا وصل إليه ووقف عليه، الارتقاء إلى العلم الإلهي، ثم ينفصل عنه ويلزمه الآخر حتى وقفه منه عند الحد الذي ينبغي له، فإذا رأيتماه قد حسنت أفعاله وزكت أعماله، فانصرفا عنه ولا تطلبا عليه جزاء ولا شكوراً.
    ثم ابتدأ بوصيتهم وبتحذيرهما من الوقوع في حبائل الدنيا وشكبة إبليس وقال لهما: إنكما في مكان بعيد عن محاسن الدنيا وزخارفها ونضارتها وبهجتها وما يجده أهله من فتنتها وستردان على الملك مملكو واسعة نعمة ظاهرة ولذات متواترة، وإياكما والميل إلى شيء منها، والمحبة لها، فإنكما إن فعلتما ذلك وملتما إلى شيء مما تريانه، انفسدتما وأفسدتما وخرجتما من الصورة الإنسانية إلى الصورة الحيوانية، والرتبة الشيطانية بالفعل، وخرجتما من فسحة الجنان وروضة الروح والريحان، وجاورتما الشيطان في دار الهوان، وخرجتما من سعة الكل إلى سجن الجزء.
    قال: سمعنا وأطعنا، وتوجها من حيث هما إلى إقليم الملك،وكتب الحكيم إلى الشيخ يعلمه بذلك وجعله عيناً عليهما ينقل إليه أخبارهما وما يعملانه ويعاملان به الملك.
    ثم قدما على الشيخ بالذي هما عليه من الشعث وقلة الجمال ما يليق بالنساك من الفقر وسوء الحال، فأخبر الملك بقدوم الرجلين من عند الحكيم ففرح بهما واستبشر، ثم أمر بإيصالهما إليه فدخلا عليه، فقام لهما قائماً على قديمه، وأمرهما بالجلوس، فجلسا مجالس العلماء المفيدين، وجلس الملك والوزير مجالس المتعلمين المستفيدين.
    ثم تقدم المبتدئ بالعلم الرياضي فعلم الملك والوزير حتى أحكماه وتعلماه الملك ووزيره، وقاما بموجباته وأحكامه ثم انفصل الأول وتقدم الثاني فتلا عليهم الحكمة الإلهية إلى أن بلغا من ذلك غاية ما كان عنده واستفادا ما كان في وسعه، فلما فرغا مما أمرا به وأرادا الانصراف أقبل الملك عليهما وقال: إني لا أجد لكما مكافأة على ما فعلتماه بي وتوليتماه من أمري إلا أن أسلم إليكما ملكي فتتدبرانه وتحكما فيه بما أردتما، وقد ابحتكما جميعه وهو عندي قليل لكما.
    فلما سمعا ذلك منه رداً عليه رداً جميلاً، وانصرفا إلى مكان كان الملك قد أعده لهما، فتشاورا فيما عرض الملك عليهم وأهداه إليهم من ملكه وقد مالت أنفسهما إلى ما رأياه من حسن الدنيا وبهجتها،وما عايناه من حسن قنيتها وطيب لذاته، فقالا: لا بأس أن تجتمع لنا المنزلتان وننال السعادتين، الملك في الدنيا والآخرة، وعزما على قبول ما أهدى الملك من ملكه والجلوس فيه ولا قيام به، ثم خلا الملك بوزيره فقال له: اعلم يا أخي أن هذه الدنيا فانية ولسنا مخلدين، وقد نلنا من لذاتها ونعيمها ما قد نلناه، ووصلنا منها إلى ما وصلنا إليه وقدرنا عليه، فهلم بنا نتخلى منها ونلزم مداومة النظر في هذا العم االشريف والعمل اللطيف الذي نصل به إلى الفوز والنجاة من بعد الموت، فإننا لا نشك في وصول الموت إلينا ونزوله علينا، فلعلي وإياك نجتمع في الملك السماوي كاجتماعي وإياك في الملك الأرضي، فقال: افعل، وقويت نيتهما وطابت أنفسهما بذلك.
    فلما دخل الرجلان في وقت دخولهما على الملك أعاد القول عليهما وما يريده من تسليم الملك إليهما، ورجا بذلك سعادة المملكة وأهلها وبتدبيرهما وحكمتهما، ورجا لأهل بلده ومن يكرم عيه من أهله أن يصلوا إلى مثل ما وصل إليه من ذلك العلم والعمل، فتعم البركة وتشمل النعمة وتكمل السعادة، فقبلا ما أهداه إليهما، وتقلدا ما اعتمد فيه عليهما، وجعل أحدهما وهو المعلم الذي له العلم الإلهي في مقام المملكة وصاحبه في مقام الوزارة.
    واشتغل هو ووزيره في مداومة النظر في العلم والقيام بالعمل والاجتهاد في العبادة الزهادة في الدنيا والتهاون بها وطرح شهواتها وترك لذاتها.
    فكتب الشيخ إلى الحكيم بذلك فأيس من عودتهما إليه وعلم أنهم قد افتتنا بما رأياه ومالت أنفسهما إليه وتمنيا الخلود فيه. وأقاما على ذلك في تدبير الملك وسياسة المملكة إلى أن مات الملك ولحق به وزيره بعد مدة يسيرة، وصارا إلى رحمة الله سبحانه ودار كرامته ونالا الملك السماوي ووصلا إليه.
    وافتتن الرجلان بالدنيا وتخليا عن العلم والعمل، وانهمكا في الذات الدنيوية، واسترجع الحكيم ما كان أودعهما إليه من حكمته، فنسيا ما كانا له ذاكرين، وغاب عنهما ما كانا له حاضرين، وفارقا ملك السماء وأخلدا إلى ملك الأرض، فهبطا من الجنة، وبعدا من الرحمة، وانقلبا على عقبيهما خاسرين، فأهارا وأمارا من حضرهما بما فعلا، وافتتن الناس بهما، وتعلموا نهما ما يضرهم ولا ينفعهم، وبدت سوآتهما، وقالوا: هذان العلامان اللذان كانا يأمران بترك الدنيا والزهد فيه قد عادا إلى ما كانا ينهيان عنه ويحذران منه، ولو لم يعلما أن العاجلة هي النعمة الحاصلة، لما اختاراها ولا رجعا إليها بعد ما علما.
    وزاد بهما جموح الطغيان، واستحوذ عليهما الشيطان، فأنساهما ذكر الرحمن، فصارا أعداء للحكماء وأضداد للعلماء.
    وكتب الحكيم إلى الشيخ يأمر بالتنحي عنهم والبعد منهما خوفاً عليه من شرهما، ففعل ذلك.
    واقبلا على تناول أمور الدينا وشهواتها وفارقا السحر الحلال الذي أنزل عليهما وأمرا بفعله وعمله وكان به نجاة من نجا، ورجعا إلى السحر الحرام فضلاً وأضلا.
    وهذا حديث يدل على حالة الملكين هاروت وماروت وما كان من أمرهما وهبوطهما من السماء إلى الأرض، ومفارقتهما جوار ربهما والملائكة الذين كانوا معهما،ن كمفارقة إبليس للملائكة باستكباره وعصيانه، ومفارقة آدم للجنة التي كان فيها بما كان من خطأه ونسيانه، فهذا بيان ماهية السحر والسحرة والعمل به وكمية أقسامه، وما الحق منه وما الباطل بحسب ما احتمله البيان واتسع له الإمكان.

    -----------------------------------------------------------------------------------------------

    منقول من كتاب للفائدة
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-09-09
  3. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    نعيدها إلى الاعلى
    للفائدة
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-16
  5. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    نعيدها إلى الاعلى
    للفائدة
     

مشاركة هذه الصفحة