قيام الدولة الصليحية الفاطمية في اليمن

الكاتب : مزحاني حر   المشاهدات : 5,279   الردود : 17    ‏2004-08-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-08-05
  1. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    قيام الدولة الصليحية الفاطمية في اليمن

    كانت اليمن في القرنين الرابع والخامس الهجريين في حالة من التدهور والتفكك, ففي خلال تلك المدة استولى " الموالي" على الأقاليم اليمنية, واستبدوا بالحكم, وعاثوا فساداً وظلماً, بالرغم من أن " الحسين بن سلامة" تمكن في مدة ولايته من الحفاظ على دولة "بني زياد" فإن استبدا "الموالي الحبشيين " بالحكم مكنهم من تأسيس الدولة "الناحية" في "زبيد" سنة 412هـ. على أنقاض دولة "بني زياد" فكانت لهم "تهامة" و "وزبيد", وكان استيلاؤهم على تلك الأمكنة من الأسباب التي حفّزت العرب إلى الانتقاض وعدم الخضوع لدولة الأحباش, فكان من جراء ذلك أن تقطعت أوصال البلاد بعد موت "الحسين بن سلامة" وأصبحت كل منطقة تخضع لنفوذ أمير من الأمراء وعمت الفوضى المناطق وأعلن العصيان في القلاع والحصون, والاستقلال في المناطق والأقاليم, فكان" مخلاف جعفر" يضم: " جبلة" و" إب" و العدين" و " المذيخرة" و " ذي سفال". و " مخلاف المعافر" يضم: " تعز" و" جبا" وغيرهما, "ومخلاف الجند وحصن السمدان" لآل " الكر ندى", وكانت لهم "مكارم" و"مغافر" وسلطنة "ظاهرة", أما "عدن" و"أبين" و"لحج" و "حضرموت" و" الشحر" فقد استولى عليها " بنو معن" سنة412هـ. وتغلب "أسعد بن وائل" على "مخلاف" و "حاظه" ومن مدنه: " شاطح", وامتلك " بنو عبد الواحد" "مخلاف يربوع" وأهم مدنه " الغمد" وبرع" وحصن "مسار ", واستولى " بنو اصبح" على حصون "حب" و"الشحر" و"السحول" ثم استولى على حصن "وصاب" ومخاليفها كانوا قوم من قبيلة "بكيل" ثم من "همدان".
    من هذا نرى أن اليمن لم تكن فيها وحدة سياسية تجمع شملها تحت لواء واحد, بل كانت إمارات صغيرة متفرقة يأكل القوي منها الضعيف, أو بلغة أصح قل: أن السلطة كانت موزعه بين الأمراء والزعماء والمتباغضين المتنافرين, وجميعهم لم يكن يربطهم ببغداد إلا رباط إقامة الخطبة للخلافة العباسية, وضرب السكة باسمهم وإعلان الولاء له ولو بالظاهر.
    هذا ... ومن الجدير بالذكر أنه من سنة405هـ إلى سنة448هـ عم الخراب "صنعاء" وغيرها من مدن وبلدان اليمن بسبب الخلافات والنزاع والظلم وفساد الأحوال, وتولى على العاصمة "صنعاء" الدمار وقل الخير, وضعفت المدينة حتى قيل أن دورها أصبح عددها ألفاً بعد أن كان مائة ألف.
    في هذا الجو المكفهر الحالك المضطرب... وفي تلك الأحوال السياسية المتقلبة ظهر على مسرح اليمن " الداعي /علي بن محمد الصليحي قدس الله روحه في الجنة" رأس الأسرة الصليحية التي تنتسب إلى قبيلة "الأصلوح" من بلاد "حراز" وكان " الداعي /علي محمد الصليحي" قدس الله روحه في الجنة ، كما وصفه "ابن الجوزي" في كتابه " مرآة الزمان":
    " شاباً أشقر اللحية. أزرق العينين... وليس في اليمن في ذلك الوقت من يماثله في ذلك".
    نشأ" الداعي /علي الصليحي قدس الله روحه" نشأة طيبة...في بيئة عربية عريقة, لها تقاليدها في الأخلاق الفاضلة والعادات الطيبة السمحة... وقد ظهرت عليه مخائل النجابة, ودلائل الفضل والعزة وطموح النفس. ويروي أنه قام يحج بالناس على طريق "السراة" و"الطائف" خمسة عشر عاماً, وكان الناس في أول ظهوره يقولون له:
    " قد بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن ودولة".
    إن أولى فتوحات الدعي/ علي الصليحي قدس الله روحة كانت استيلاءه على بلدة "زبيد" وفي تلك الفترة تقدم لخطبة ابنة عمه السيدة الحرة " أسماء بنت شهاب" الصليحية, وتم زواجه به.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-08-05
  3. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    ونعود إلى ما قبل هذا فنقول:
    لما انتقلت رئاسة الدعوة الفاطمية في اليمن إلى " الداعي /سليمان ابن عبد الله الزواحي قدس الله روحه" شرع يلاطف ويجالس القاضي "محمد الصليحي" والد " الداعي علي الصليحي قدس الله روحه" فكان يكثر من الترداد عليه بالنظر لرئاستــــــــــه وسؤدده وصلاحه وعلمه, وكان كلما ذهب إليه يرى ولده "علياً" فيشــــــاهد على محياه دلائل النجابة والذكاء والشجاعة, فغرس فيه, وهو دون البلوغ التعاليم الفاطمية وما زال حتى استماله وجعل في قلبه العلوم والآداب والتفاني في المبادىء الفاطمية.
    ولما اطمأن " ا لداعي سليمان الزواحي قدس الله روحه" لرســــــوخ تعاليمــــه في فكر تلميذه " الداعي /علي الصليحي قدس الله روحه" أوصى له بخـــلافته واستحصل لذلك على موافقة الإمام الفاطمي في مصر " المستنصر بالله عليه الســـــــــــــــــلام" وبهذا تمكن " داعي الإمام الزواحي" من إحراز أكبر نصر باهر بضمه إلى صفوف دعوته شاباً من خيرة شباب اليمن رجولة وغيرة وعلماً.
    أجل...تمكن الداعي الفاطمي "سليمان الزواحي قدس الله روحه" بمــــا أوتي من قدرة ولباقة وسعة علم, وطلاوة في الحديث من استقطاب " الداعي /علي الصليحي قدس الله روحه" وإقناعه بضرورة الانتساب إلى الدعوة الفاطميــة ولم يلاق صعـــوبة في ذلك لأن علي ومنذ المرة الأولى أبدى رغبة صادقة وأظهر نية حسنة واستهــوته المبادىء التي اعتنقها أستاذه وبذل كل شيء في سبيل دراســــــــــــة هذه المبادىء والتفوق في فهـمها... أما سليمان فقد أوصى له بمبلغ كبير من المال إضافة إلى الوكالة العامة التي تعطيه صلاحية الاستمرار والبقاء في رئاسة الدعوة.
    ويقول المؤرخ "عمارة اليمني":
    فأصبح " الداعي علي الصليحي قدس الله روحه" عالماً فقيهاً في الفلسفة, مستبصراً في علم التأويل وقد أدت معارفه إلى أن ينهج نهجاً جديداً, وأن يســـــلك طريقاً يختلف عن طرق من سبقه من الدعاة الذين تولوا شؤون الدعوة في اليمن, وهــكذا اتخذ بادىء ذي بدء ميدان الحج حقلاً لغرس مبادئه وتنميتها, وصار يحج بالناس عن طريق " السراة والطائف"نحواً من خمسة عشر سنة...فسار ذكره في البلاد على لسان الخاصـــــــــة والعامة.
    ومما يجب ذكره: أن هذه المدة الطويلة التي مـــــــرت بين موت "الزواحي" إلى حين قيام "الصليحي" قدس الله أرواحهم ، بثورته في "مسار" تقرب من الخمســـــــة عشر عاماً, وعلى الأرجح أنها كانت كافية لصقل "علي" وإنماء معارفه وتجاربه, وتكوين جماعة تدين له بالطاعة والاحترام والإخلاص.
    ولا يخفى على العقلاء أن يراعون دائماً جانب العامة، فهم الســــــــواد الأعظم في كل مجتمع، ولهذا كان من الواجب على كل من له زعامةً أن يحسب لهــم حساباً، ويتقرب إليهم بما يرضيهم، ولما كان الدين هو جامعتهم الكبرى ، ومن أكبر أسباب سعادتهم ، بما أن الداعي / على الصليحي قدس الله روحه ، يمثل الدولة الفاطمية الإسلامـــــــية وبالمثل العليا لها ، فلم يكن يصارح أحداً إلا من يثق بإخلاصه وبعد أن يختبره ، ولم يجعل مبادىء دعوة وفقاً على الأمراء وعلية القوم وأصحاب المصالح ، لأنه كان يعلم تمام العــــالم أن هؤلاء سيعــــلنون الحــــرب عليه ، وكان أن وجه اهتمامه إلى العامة والمتحمسين للدين وللسواد الأعظم من الرعية الذين بواسطتهم تجبى الأموال ، ومنهم يتألف الجيش فنفذ إلى صفوفهم وكسب ثقتهم وجذب قلوبهم ، وغرس في صــــدورهم الدين ... وحده... فليس يسيطر على العقول في تلك العصور سوى الدين... وإذ اجتمعت السياسة والدين تمت وسائط السلطة وخاصة في مجتمع عرف عن عامة أهله شدة تمسكهم بأهداب الدين ومحا فظتهم على التراث القديم.
    أجل... عرفَ (( الداعي /على الصليحي قدس الله روحه )) هذا كله، وعرف أيضاً أنه لابد له من التطلع إلى آماله من زاوية خاصة، فدأب على تحقيق طموحه بصبر وتؤدة، وهو يعلم أن هذه الخطة كفيلة بنجاحه وتحقيق أغراضه، وجاء موسم الحج في سنـــــة 438هـ. وهذا العام كان بمثابة عهد جديد في إنجاح حركة الصليحي حيث بايعه ستون رجلاً من قبيلة " همدان " وعاهدوه على الطاعة والموت، وعلم كل واحد منهم أنــه جندي يبيع نفسه بيع السماح عندما تأزف الســـــــاعة الرهيبة، وتظافرت القوى على نصرة دعــــــــوة آل بيت النبوة بالأنفس والمال، ويعتبر كل هذا نصراً أكيداً للدعوة الفاطمية، وخاصة إذا عرفنا أن هؤلاء الذين بايعوه إنما كانوا في عزة ومنعة من قبائلهم، وكل هذا لا يتعارض مع ما ذكرناه من اعتماد " الداعي / علي الصليحي قدس الله روحه "على الفئة العامة وبخاصة أن أكثرهــم كانوا من قبيلة "همدان" القويــــــة العزيزة والتي كان لها دوراً كبيراً مع أمير المؤمنين "على أبن أبي طالب " عليــــــه الســــــلام، وهذه القبيلة بلغة شأواً بعيداً في اليمن ، وهابتها جميع القبائل وحسبت لها حساباً ، وقد كان هذا الانضمام عاملاً كبيراً ومشجعاً لمن كان متردداً من المستجيبين ، وباعثاً للكثيرين من القبائل الأخرى على الانضواء تحت لواء الدعوة الفاطمية وهنا نستطيع أن نقول :
    أن " الداعي/ على الصليحي قدس الله روحه" بعد أن وصـــل إلى هذه النتيجة، وبعد إحرازه هذا النصر الأكيد تمكن من تكوين جماعة مخلصة وإن تكن قليلة العدد، وقد أصبحت فيما بعد نواة لقوة كبيرة فكان أول عمل قام به هو استيلاؤه على حصن "مسار" وتعميره وجعله مركزاً لدعوته وقاعدة لحروبه، ولكن هذا المشروع كان يقتضي الحيطة والاستعداد، ولهذا أخذ يعد عدت الثورة، ويهيىء لها الســــــلاح والرجال والعدة وساعدته الظروف إلى حد كبير وهكذا تمكن من تكوين جيشـــــه من بطون "همدان" الذين اقتنعوا بصدق الوعد الذي بشروا به، واســــــــتقر في قلوبهم أن مواجهة الصعاب تقتضي الشجاعة والإقدام والإيمان بالله وبطاعة "الإمام المستنصر بالله عليه السلام" الذي ما فتأ يعدهم بالنصر الأكيد.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-08-05
  5. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    وبذل" الداعي /على الصليحي قدس الله روحه" وأصحابه جهداً كبيراً في سبيل جمع الكلمة وتوحيد الهدف , فتمكن بفضل ما أوتيه من القوة والذكاء من التغلب على كل ما اعترضه , وأخيراً جعل أتباعه يعتقدون أنهم إنما يحاربون إعلاء لكلمــــة الله , وليس لأمر من أمور الدنيا, وهكذا كتب له التوفيق, وكان في الوقت ذاته على اتصال بخليفة مصر الفاطمي " الإمام المستنصر بالله عليه السلام " يطلعه على كل شاردة وواردة , وأخذ رأي المخلصين من أعوانه, وعاهدهم على الوفاء بتطبيق سنن العدالة, وفي هذه الفترة البدائية من عمر دولته تمكن من عقد اتفاق مع "الهمدانيين" يقضي بأن يصلوا إليه في يوم معلوم.
    وعندما شاع الخبر في أرجاء اليمن بأنه يستعد للثورة والقتال , وبأنه ينتظر وصول مساعدات وتوجيهات الإمام الفاطمي "المستنصر بالله عليه الســــــلام" ازدادت نقمة الاعداء عليه وعلى أتباعه, فوثب "ابن جهور" صاحب " لهاب في حراز" على أتباع علي المقيمين في ناحيته فأصلاهم ناراً حامية وأسر القاضي الفاطمي "لمك بن مالك" وعدداً كبيراً من قومه , فضاق الأمــر على " الداعي /على الصليحي قدس الله روحه" وكتب إلى " الأمام المستنصر بالله عليه السلام" يطلب إليه الموافقة على القتال , وكان يعتقد أنه لا يمكن أن يعارض الفكرة بحال من الأحوال لاسيما وان الدعوة لابد لها من تضحية وبذل دماء , وعندما وافته الموافقـة أرسل إلى أتباعـــــــه اينما كانوا في اليمن يحثهم على القدوم إليه , وأخذ من جهة ثانية يبتاع العدة والعدد , فخف لمقابلتـــــه كبار أهل الدعوة في نواحي "حراز" وكلهم يستعد لخوض المعركـــة, كما وافاه من اراضي
    " يام " من همدان ونواحي صنعاء وبقاع حمير , وبعد أن تم حضورهم أطلعهم على خطته وأخبرهم بعزمه على احتلال حصن " مسار " وما يجاوزه... وتدفقت في هذه الأثناء الأموال والمساعدات والغرض منها تمويل الثورة وشراء الأسلحة.
    ولما تمت الاستعدادات والتجهيزات أرسل أربعين رجلاً من " هوا زن " وأمرهــم أن يسيروا إلى "مسار " وان يلزموا ذروة الجبل , ثم يولوا وجوههم بعد ذلك شطر "صعفان " , بعد أن علم أن أهل " مسار" قد تأهبوا لقتالـــــه وحصنوه من كل جهــة , وقد علـم " الداعي/ علــى الصليحي قدس الله روحــه " ذلك عن طريق بعض أعوانــه الذين تسللوا إلى قمة " مسار " ووقفوا على استعدادات الأعداء , وهنا رســم خطته فداهم الجبل المنيع واستولى على قمته وهي من أهم المواقع الحربية في اليمن.
    وفي سنة439هـ تقدم في سيره فوصل إلى " عبرى سهام " وهناك طمع أهل " مسار" في محاربته في هذا المكان .... ولكنهم لم يتمكنوا ... فاتجهوا إلى قمة الجبل للاعتصام فيها , فوجدوا أهل " هوا زن " قد ملكوها , فاضطروا إلى الهرب , فصعد
    " الداعي /على الصليحي قدس الله روحه " وأتم احتلاله للجبل, ونشر الأعلامالفاطمية في كل مـــكان دون أن يواجه أية مقاومة ولكن لم ينتصف ذلك اليوم حتى أحاط بـــــه عشرون ألف محارب جاءوا مــن مختلف الجهات وأنحاء البلاد لقتالــه, وطلبوا إليــه النزول , وهنا تجلت حكمته ومرونته وبعد نظره بالأمور والسياسة.... فقال لهم :
    إنني لم أقدم على هذا الأمر إلا لكي أحرس لكــم الجبل خوفاً من أن تأتي قوة خارجيــة فتستولي عليه ,والآن فإن شئتم نزلنا وتركناه وإن شئتم كنا له الحراس الأمناء ... فقنع الرجال المحاربون وفوضوا إليه المحافظة عليه وانصرفوا عنه... وفي تلك الأثناء عادت رسله من مصر حاملين أوامر الخليفة " الإمام المستنصر بالله عليه السلام" بإعلان دولة الفاطمية في اليمن... فقرأ الكتاب على أتباعه, وأخذ نفوذه يزداد... وبدأت الأموال والمساعدات ترد إليه من جميع الجهات , وهذا ما جعله يقوم بعمارة " مسار " ويجعل له الدروب والبيوت
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-08-05
  7. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    المنشور الذي أذاعه " الداعي /على الصليحي قدس الله روحه

    بسم الله الرحمن الرحيم


    \" الحمد لله الذي أورى زناد الحق, ورفع عماد الصدق بالذين أكمل بهم الحجة على الخلق, وأنارهم ما بين الغرب والشرق... والهداة إلى الخير والأدلة.. الدعاة إلى اشرف المناهج والملة.. خلفاء أنبيائه وأمنائه وأصفيائه, وسلالة رسله من لدن آدم ووصل نظامهم, وأعلى مقامهم, وفتق بالنور أيامهم, ونشر بالعدل اعلامهم, فهم أعلام الدين, والدعاة إلى الحق المبين.
    وصلاته على من ختم به الرسالة, وفتح بالائمة من عقبه أبواب الدلالة, سيدنا
    \" محمد النبي\", وعلى أخيه ووصيه \" علي \" , وعلى الائمة من نسل الحسين الزكي , ورثة التنزيل , وخزنة التأويل.
    وأفضل صلاته, وأنمى تحياته وبركاته على وارث علمهم, والقائم من بعدهم بقية السلف وخيرة الخلف.. مولانا \" معد\" \" أبي تميم \" الإمام \"المستنصر بالله\" أمير المؤمنين.
    أما بعد... يا أهل حراز ... ألهمكم الله رشدكم, وجعل الجنة قصدكم.... إني لم أطلع إلى \" حصن مسار \" متجبراً باغياً, ولا متكبراً على العباد عاتياً, ولا أطلب الدنيا وحكامها, ولا طالباً أملك نمو نماءها وطعامها ,لأن لي بحمد الله ورعاً يحجزني عما تطمح إليه النفوس , وديناً أعتمد عليه, وإنما قيامي بالحق الذي أمر الله عز وجل به , والعدل الذي أنزله في محكم كتابه , أحكم فيه بحكم أوليائه , وسنن أنبيائه , وأدعو إلى حجته والقائم بفرضه .... لست من أهل البدع, ولا من ذوي الزور والشفع الذين يعملون في الدين بآرائهم ويحكمون بأهوائهم , بل أنا متمسك بحبل الله المتين , عامل بما شرع الله في الدين وداع إلى أمير المؤمنين... لا أقول إلا سدداً , ولا إكراه في الدين أحداً ... فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه , ومن ضل فإنما يضل عليها , وما الله يريد ظلماً للعباد.
    واعلموا يا أهل \" حراز \" إني بكم رؤوف , على جماعتكم عطوف للذي يجب علي من رعايتكم وحياطتكم, ويلزمني من عشرتكم وقرابتكم.... أعرف لذي الحق حقه , ولا أظلم سابقاً سبقه, وانصف المظلوم واقمع الظالم الغشوم وأبث فيكم العدل . وأشملكم بالفضل فاستديموا ذلك بالشكر , ولا تصغوا إلى قول أهل الكفر فيحملوكم على البغي والعدوان . والخلاف والعصيان والكفر بالأنعام والإحسان.
    إن كتابي هذا حجة عليكم ومعذرة إليكم... والسلام على من اتبع الهدى . وتجنب أمور الردى.
    والحمد لله على ما أعاد وأبدى , وصلواته على من أرشد به من الضلالة وهدى سيدنا محمد , وعلى آله الأئمة الشهداء... وسلم تسليماً... وحسبنا الله ونعم الوكيل.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-08-05
  9. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    يتبع:
    مما لا ريب فيه أن ازدياد نفوذ" الداعي /على الصليحي قدس الله روحه" . وانتشار أمره بهذه السرعة استفز جماعة من زعماء اليمن , فأعلنوا خوفهم من تلك الانتصارات التي يحرزها "الصليحي قدس الله روحه" في كل يوم, فقام " جعفر بن القاسم بن علي العياني" صاحب " صعدة" في جمع كبير من أصحابه وهاجم حصن " الأخر وج " وقاتل أهله , وكان عليه " الحسين بن المهلهل" من أصحاب الداعي / على الصليحي قدس الله روحه" وجماعة من " حمدان " و " بني شهاب" , وانتهز هذه الفرصة أيضاً " جعفر بن العباس الشاوري " صاحب مغارب اليمن الأعلى , فقام على رأس جيش كثيف من " حراز وكرار" وغيرهما وقصد " عبرى " أسفل جبل "مسار" وأراد الصعود إليه , فنزل أنصار الصليحي يدافعون عن بقائهم وعن نصرة مبادئهم, لأن الانتصار معناه البقاء لدولتهم الفتية , وأما الهزيمة فمعناها الفناء التام والقضاء المبرم.
    ولما تكاثر القوم على جيش " الصليحي" خشي الهزيمة . وما يترتب عليها من سوء العاقبة , فنزل بنفسه, ومن بقي معه من القوى الاحتياطية . واستمد من الحرج قوة, فشد بذلك من عزم أتباعه , وحمى وطيس القتال , وأخيراً ربح الجولة ’ أما جيش "ابن عباس" فقد لاذ بالفرار مغلوب على أمره , ولاكن ما لبث أن عاد ثانية بقوة أكثر عدداً, وكان يطمع في النصر هذه المرة أيضاً , ولكن تدابير " الداعي / على الصليحي قدس الله روحه" القتالية مكنته من السيطرة على الموقف وقتل " ابن عباس " وأكثر من معه من الأتباع... وغنم " الصليحي " وأصحابه الكثير من السلاح والعدة والأمتعة , فقوي بذلك مركزهم وازداد نفوذهم, وارتفعت روحهم المعنوية وخافهم من كان يترقب من القبائل نتيجة لهذه المعركة , وفي هذه الفترة اضطر الشريف " جعفر بن القاسم " عند سماعه بالأنباء أن يترك حصن " الأخر وج" وينجوا بنفسه , وكانت هذه التجربة اختباراً لقوة الصليحيين وتعاونهم وتمسكهم بمبادئهم, كما أن شخص الصليحي وجلال قدره وحسن بلائه في تأييد أمره أسكن النفوس الغضبى , فسار بالأمر قدماً واستولى على " حضور " وأخذ حصن " بتاح " وهنا خاف أهل " حراز " النزال فقرروا الدخول في طاعته إلا " ابن جهور " فقد صمم على الاستمرار في المكابرة واعتصم في حصن " لهاب" ولكن الصليحي كلف القائد الفاطمي " عامر بن سليمان الزواحي" فصعد إلى جبل " شبام وبيت عناد" ومعه جماعة من بني " قليد و هو ازن وبني الهجري" ثم وصل "أحمد بن المظفر الصليحي " وجماعة من الحجازيين _ وفيهم عباس بن المكرم _ فعمروا داراً في قمة جبل " شبام" كما عمروا جبل بيت "عناد" استعداداً لمقاومة " ابن جهور " وبعد أن تحصنوا في هذه الناحية , اتجه جيش " الداعي/ على الصليحي قدس الله روحه " لمحاربة " ابن جهور" في " لهاب" فضيقوا عليه الحصار , وفكوا أسر جماعة كبيرة من أصحابهم ومنهم القاضي " لمك بن مالك" ولكن " ابن جهور" استمر في عناده, وتمكن من أن يؤثر على أتباعه ويقنعهم في الاستمرار في المقاومة , ولما ضعف جيشه, ورأى أن مصيره إلى الهلاك,استعان " بنجاح" في "زبيد" وكانت علاقته مع" الداعي الصليحي قدس الله روحه" حسنة , فتوسط بالصلح , ولكن وساطته لم تثمر , وكان أن تمادى " ابن جهور" في بغيه , فاضطر" الداعي/ الصليحي قدس الله روحه" إلى محاصرة حصن " زبار " حتى سقط , وهنا رضخ " ابن جهور" وسلم نفسه إليه مكرهاً في " مسار" فأنزله" الداعي الصليحي" في ضيافته وأحسن إليه . ويدل تسامح" الداعي /على الصليحي قدس الله روحه" مع عدوه على نبله وعراقته وطيب محتده, فقد كان من المفروض والمنتظر أن يأمر بقتل " ابن جهور " الذي تسبب في إقلاق راحة الصليحيين مدة من الزمن حتى استمات في سبيل الوصول إلى النصر وتحريض الحانقين والناقمين عليهم.
    بالرغم من هذا كله وجد" الداعي الصليحي قدس الله روحه" أن المعاملة الحسنة أجدى وأنفع في مثل هذه المواقف , وآثر أن يكسب ثقة الناس بالمزيد من أعمال الخير, وقد تحققت سياسته تلك فانقسمت منطقة " لهاب" فيما بينهم إلى فريقين : فريق انضم للصليحيين وقدم إليه المساعدات المالية , وفريق استمر في عداوته مما جعل"الداعي الصليحي" يرد كيدهم إلى نحورهم ويجتذب إليه الفريقين أخيراً, ولم يتوقف عند هذا الحد , بل نزل إلى "عبرى دعاس" وعقد مؤتمراً من جميع أهل " حراز" حذرهم فيه من الخلاف عليه والشقاق, وأعلن بدء قيام الدولة الفاطمية , كما وعدهم بحسن السياسة والقيام بالمحافظة على الشرع.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-08-05
  11. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    وبدأ"الداعي / على الصليحي قدس الله روحه " حكمه على الأسس التي أعلنها وتقدم في تنفيذ سياسته المرسومة بخطى حازمة سريعة وكان من ضمنها إتباع سياســـــة المهادنة إزاء أمراء اليمن وأصحاب الدويلات المجاورة - إذا نفعت هذه السياسة - و إلا فليس أمامهم إلا الحرب وإخضاعهم بالقوة , ولما ملك" الداعي /على الصليـــحي جبال " حراز" وما يجاورها , خشي ملوك " تهامة" أيضاً بأسه الشديد , وتملكـــه الحصون والبلاد , وخاصـــة حصن "حضور" وما يجاورها , وهنا بدأت التقولات والإشاعات... وكان لا بد له من مهادنة "أبي حاشد" صاحب " صنعاء" كمــا هادن أباه "يحي بن إبراهيم الصحارى" من قبل , فلما توفي يحيى سنة440هـ أرسل "الداعي / على الصليحي قدس الله روحه" بعض أصحابه وبني عمـــــــــــه إلى "صنعاء" لتعزيته في أبيه والإحسان إليه , ولكن " أبا حاشد" اعتبر تطلعات الصليحي هذه تدخلاً في أموره فساءت العلاقة بينهما أخيراً مما أدى إلى قيام حرب
    بين الفريقين... وقد انتهت تلك الحرب بمقتل صاحب "صنعاء" واستيلاء " الداعي/ على الصليحي قدس الله روحه "عليها وبوصوله إلى هذه المرحلة أقبل الناس علـى خطب وده والانضواء تحت رايته والدخول في طاعته.
    ومهما يكن من أمر
    فإن الإمام الزيدي " الناصر الديلمي" وكان قد وصل من "الديلم" إلى اليمن سنــــة
    437هـ لإعلان المذهب الزيدي, فانضمت إليه قبائل كثيرة في "صعدة" ومنها سار إلى "صنعاء" وملكها, فطرده " يحيى بن أبي حاشد" والشريف " جعفر بن الإمام منصور العياني" فعاد إلى "ذي أبين".
    أما "الناصر " فقد أعتبر استيلاء " الداعي على الصليحي "على " صنعاء" يشكل تهديداً له ولغيره من زعماء اليمن, فكان أن اتصل "بنجاح" صاحب "تهامة" وطلب منه إخراج الصليحي من "صنعاء" وهذه البادرة التي ظهرت من "الناصر" كانت مدعاة لغضب الداعي / على الصليحي, فسير إلية جيشاَ حاربه ثم قتله أخيراَ في موقع " نجد الجاح " ببلاد "رداح" .
    وفي هذا العام ثار بعض الهمدانيون وهم أكبر القبائل التي دانت للصليحيين, وفكروا بخلع طاعتهم, والخروج على حكمهم, بالرغم من أن الصليحي لا يسير فيهم إلا سيرة الحق والعدل, فاتصلوا بالشريف" القاسم بن جعفر بن الإمام منصور العياني" واستنهضوه وأتباعه فاستجاب لطلبهم , وخرجوا جميعاَ سنة 448 هـ لغزو الصليحي , فتقابل الجمعان بالقرب من قرية " الهرابة" ببلاد " حاشد فردهم " الداعي / على الصليحي قدس الله روحه" , وحاصر الشريف ومن معه بأحد الحصون , ونصب علية المنجنيق لكن أتباع الشريف دافعو دفاع الأبطال ومات أكثرهم لنفاذ المؤونة وعند ذالك اضطر الشريف إلى أن يسلم نفسه للصليحي فأكرمه وخلع عليه,ولم تكن سياسة الصفح التي اتبعها الصليحي في هذه المرة سياسة هوادة أو تردد,بل قصد منها تسكين الثارات , لأن في تسكينها الأمن و الخير والسعادة والاستقرار لليمن واليمنيين .
    وتمشياَ على هذه السياسة القائمة على المهادنة والملاطفة كان " الداعي / على الصليحي قدس الله روحه" يلاطف القائد"نجاح " صاحب الدولة الحبشية في " زبيد ـ تهامة " التي حملت لواء الدعوة الإسلامية السنية في اليمن بعد دولة" بني زياد " ولكنه كان يدرك أن دولته الفاطمية الفتية لا يمكن أن يكون لها شخصية معنوية قوية وكيان متين إلا إذا قضا على أكبر منافسيه وهو " نجاح" وكان الصليحي يلاطفه حتى قوي مركزه ودانت له معظم الجزيرة اليمنية , ثم بدأت العلاقات تتوتر بين الطرفين بفضل مساعي الإمام الزيدي "أبي الفتح " صاحب "زبيد" فحلت الوحشة بعد الأنس والجفاء بعد حسن الصلة, فأرسل "نجاح " جيشاً كثيفاً لمحاربة الصليحي والتقى الفريقان في خلف صعفان في "الجنة" المتصلة "بتهامة" ودارت بين الفريقين معارك طاحنة ومصادمات عديدة, وكانت الكرة الأخيرة للصليحي وجيشه من العرب على جمع الأحباش.
    ويذكر التاريخ :
    إن الأحباش عادوا فاجتمعوا سنة 450هـ في "ابن طرف " وكان معهم جميع أمراء الأحباش وكان جيشهم يتألف من عشرين ألفاً , فسار إليهم "الصليحي" في ألفين وسبعمائة فارس وهنالك التقى الجمعان "بالزرائب" فدارت الدائرة على الأحباش , ولم يسلم منهم إلا ألف لجأوا إلى جبل "يعرف" "بالعكوتين" فوق مدينة "الزرائب".
    وفي سنة 452هـ مات "نجاح" " بالكد راء". ومن الأقاويل التي تروى أن الصليحي هو الذي دبر قتله, على يد جارية حسناء كان قد أهداها إليه فيما مضى لتحقيق هذا الغرض... على أن أكثر المؤرخين يؤكدون أن موت "نجاح" كان طبيعياً, ولكن هذا الموت لم يكن حداً فاصلاً بين الطرفين ,بل على العكس كان بداية لعهد نزاع طويل بين الصليحيين والنجاحيين ,فقد تسلم الزعامة بعد "نجاح" ولده "سعيد" ولكن "الدعي / على الصليحي قدس الله روحه " أظهر براعته العسكرية بتأجيل أمر النجاحيين , وقرر أن يقضي أولاً على الفوضى الضاربة أطنابها في الدويلات في اليمن الأسفل , وبعدئذ يتجه إلى عدوه الرئيسي,وكل هذا حتى لا تشغله جبهة أخرى في داخل البلاد وفي هذا تتجلى حكمته ورأيه السديد, فزار "مسار" و"صنعاء.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-08-05
  13. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    تابع

    فزار "مسار" و"صنعاء" زيارة قصيرة ثم قصد بجيوشه اليمن الأسفل, واستولى عنوة على جبل "صبر " وعلى بلاد "بني الكرندي" وملوك "المعافر " وحصن "الدماة" كما استولى على بلاد "الحسين التبعي" صاحب حصن "حب" و"بعدان" و"السحول" و"الشواني" , ودخل "الجند وهي يومئذ مدينة اليمن الأولى , ولم يكن في اليمن أشهر منها , ومن مدينة "صنعاء" منذ الجاهلية حتى عهد الداعي / على الصليحي قدس الله روحه ,ثم سار إلى "عون" واستولى على بلاد "بني معن" الذين كانوا يملكون "عون " ثم هادنهم أخيراً وسلم إليهم بلادهم بعد أن بذلوا له السلم وأعلنوا الخضوع له والائتمان بأمره.
    ثم قصد بعد ذلك "تهامة" وسار إلى "زبيد" وافتتحها واحتل "التهائم" كلها وطرد منها أولاد "نجاح" الذين فروا إلى جزيرة "دهلك " في البحر الأحمر, واستقروا فيها ويذكر التاريخ:
    إنه بعد هذه الفتوحات سار في الناس بالعفو والصفح ورفع السيف, وبسط العدل, ولاذت به العرب ولا سيما في بلاد "تهامة" حيث كان العبيد يتحكمون بهم ويستطيلون عليهم أيام القائد "نجاح".
    وهكذا طوى " الداعي / علي الصليحي قدس الله روحه " بلاد اليمن طيا وأرضخها جميعاً لنفوذه وسلطانه, وافتتح كل ما كان مغلقاً في وجهه, فلم يأتي عام 454هـ. إلى وقد ملك الأقطار اليمنية كافة قلاعها وحصونها ومدنها وسهولها وجبالها وأمتد نفوذه من "مكة" حتى "حضرموت" وتمنعت عليها " صعدة" بعض التمنع, ولكنه مالبث أن قتل " القائم " وملكها وبذلك تمت أمور الدولة وأستقرة وتوحدة كلمة اليمن وجعل الداعي / على الصليحي قدس الله روحه "صنعاء" عاصمة لدولته وبني فيها عدة قصور , وأسكن معه جميع ملوك وأمراء اليمن تحت علم واحد, ورأت اليمن بعد قرون طويلة وحدة البلاد في ظل حكم عادل قوي يقوم على الحرية والحق والعدالة , وكل هذا كان من برنامج " الداعي/ علي الصليحي " الذي أخذ يوطد دعائم ملك الدولة على هذا الأساس , ويرسي قواعدها وينضم سياسة البلاد وأدارتها.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-08-05
  15. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    ويولي في المناطق والحصون من يرتضيه ويثق به من الولاة والحكام والقواد , فولى على " تهامة" "الأمير أسعد بن شهاب الصليحي" وهكذا دخل " زبيد " سنة 456هـ. وسكن " دار شحار" فأحسن السيرة في الرعية, وأذن لأهل السنة في إظهار مذهبهم, كما أمرهم بذلك الداعي /"علىالصليحي قدس الله "روحه , وعامل أيضاً أرباب الدولة النجاحية بالحسنى.
    وعين الصليحي أيضاً ابنه " الأمير المكرم" على " الجند" وما يليها, كما عين أخاه "عبد الله" على بلدة "ذي جبلة" فأخذ يصلحها ويعمرها. ومما تجدر الإشارة إليه أن الداعي علىالصليحي قدس الله روحه لم يكن اهتمامه مقصوراً على اليمن فحسب, بل كان ينظر إلى ما وراء حدود بلاده وبالأخص " الحجاز" وهي أقرب البلدان إلى اليمن, وأهمها في نظر المسلمين, وأحوجها إلى الاستقرار والأمن, وكان يتفانى في سبيل الدعوة الفاطمية والخليفة المستنصر بالله, فكان يجيب أوامره طائعاً، ويؤديها متبركا برضاه، معتزا بثقته، فلما خرجت "مكة" عن طاعة المستنصر بالله عليه السلام وقعت الخطبة التي كانت باسمه سنة 453هـ أرسل الداعي" على الصليحي قدس الله روحه "إلى واليها "شكر الحسيني "يحذ ره مغبة خروجه عليه, و تبودلت بين الطرفين مراسلات تنطوي على الكثير من التهديد والوعيد ولما عيل صبر الصليحي وضاق صدره طلب من الخليفة المستنصر بالله أن يأذن له بإزالة الشريف شكر من مكة ؟ فأجابه المستنصر بالله بكتاب ينهاه عن سفك الدماء بالحرم الشريف قائلاً:
    "إياك أن تلقي الله بدماء بني فاطمة" فأطاع الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" أمر الخليفة الفاطمي مكرهاً على ما كان يجري في البلاد المقدسة. ثم أنه توجه إلى "مكة" أخيراً سنة 454هـ وقضى فريضة الحج ومعه أمراء اليمن وزعماؤها, فانتزعها من "بني أبي الطيب" ولما توفي "شكر "خلفه "ابن جعفر " رئيس "الهواشم " وزوج ابنة "شكر" فشن حرباً على السليمانيين وأخرجهم من بلاد الحجاز, واستقل بإمارة "مكة" وأقام الخطبة للخليفة العباسي "القائم".
    ولما انتهى الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" من فريضة الحج أخرج من الأموال والصدقات للبيت وللحرم وللمناسك ما يفوق حد التصور, وعامل الناس بالحسنى, وأظهر العدل والإحسان, وعمل على استمالة الناس إلى جانبه بما امتلك من الأموال, فطابت قلوبهم ورخصت الأسعار وأمنت الحجاج "أمناً لم يعرف مثله من قبل حتى أنهم كانوا يعتمرون ليلاً ونهاراً وأموالهم محفوظة ورحالهم محروسة" ولم تقف أعماله هناك عند هذا الحد, بل أنه شن حملة تأديب على القبائل الثائرة التي كانت تعتدي على الحجاج, ورد "بني شيبة" عن قبيح أعمالهم وأفعالهم مع الحجاج, ورد إلى البيت من الحلي والأثاث ما كان "بنو الطيب" الحسينيون قد أخذوه عندما تملكوا بعد "شكر" وكانوا قد عروا البيت والميزاب, ثم أخذ يصلح ما أفسده الأشراف في هذه البلاد, وتحمل ديات القتلى من ماله الخاص, فكسب بحسن سياسته وإدارته رضا الخليفة المستنصر بالله عليه السلام, وثقة كثير من البلدان الإسلامية المجاورة لما قدمه من خدمات للحجاج عامه, وما قام به من كسوة الكعبة بالديباج الأبيض وما جابه من الأقوات إلى أهالي تلك البلاد... وفلهجت الألسن بادعاء له في كل مكان والثناء على كرمه وأفعاله.
    ومهما يكن من أمر فإن الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" أقام في الأراضي المقدسة حتى يوم عاشوراء سنة 455هـ, يخطب للخليفة المستنصر بالله عليه السلام, ويعيب على العباسيين إهمالهم شؤون الدين وفي أثناء إقامته في "مكة المكرمة" راسله الأشراف الحسينيين المغلوبون على أمرهم, طلبوا منه إن يختار من بينهم والياً عليهم لكي يبذلوا له الطاعة, فأقام على البلدة واليها السابق " محمد بن جعفر " وأعطاه مالاً وسلاحاً, وأصلح بين العساكر, فدل كل ذلك على حسن سياسته لأنه لم يتعنت مع الحسينيين ولم يظلمهم وآثر أن يحسن معاملتهم ليكسب ودهم وخاف أن يترك البلد قبل أن تستقر الأمور فيها, فتقع في أيديهم, ويستمرون في عنادهم وخلافاتهم, فأستعمل معهم اللين, وبذلك نجح في تحقيق سياسته مؤقتاً, وقفل بعد ذلك عائداً إلى " صنعاء". ومهما يكن من أمر فإن الشريف"محمد بن جعفر" أمير " مكة المكرمة" لم يعمل طوال عهده الذي بدأ من سنة453هـ إلى سنة487هـ على تنظيم الأمور في الأراضي المقدسة, وإقرار الأمن بها بالرغم من المساعدات المالية التي كانت ترد إليه من الخليفة العباسي أحياناً, ومن الخليفة الفاطمي أحياناً أخرى, بل أساء التصرف والسيرة فيها, وأصبح الحجاج في أواخر أيامه لا يأمنون على أنفسهم, كذلك لم يبدوا من هذا الشريف ما يشعر برغبته في الاستقلال عن الخلافة العباسية أو الفاطمية, بل دان لكل منهما بالطاعة في فترة متقاربة حتى وصل "أبو المحاسن " في كتابة " النجوم الزاهرة":
    " بأنه كان متلوناً تارة مع الخلفاء العباسيين العراقيين, وتارة مع الفاطميين المصريين, ويظهر من هذا أنه كان يلعب بمصالح البلاد المقدسة, ومصالح المسلمين جرياً وراء المال. وهناك من يقول:
    " إن هذا التلون يعود إلى دوافع سياسته وأخرى اقتصادية ".
    هذا....ومن الجدير بالذكر أنه بعد عودة الصليحي إلى " صنعاء" شكر له الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عليه السلام حسن صنيعه وامتثاله لأوامره بعدم إراقة الدماء في الأراضي المقدسة.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-08-05
  17. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    ولكن الشريف "محمد بن جعفر" رجع إلى ما كان يفكر به, وخرج على من أحسن إليه, ولم يكتف بذلك بل عمل على إثارة الفتن وتهييج العامة, وفي أثناء غيابه عن اليمن أيضاً قامت الفتن والثورات في بعض أنحاء المملكة, فقام عليه قومه من" عنس وزبيد" وأظهروا الخلفاء العصيان, والتفوا حول رجال منهم, ثم التجأوا إلى جبل " مثوة" وما جاوره من الجبال, وعندما عظم فسادهم قصدهم الداعي "على الصليحي قدس الله روحه "وأقتحم معاقلهم عنوة حتى دانوا له بالطاعة.
    وأخيراً:
    عاد الداعي " علي الصليحي قدس الله روحه " بالتفكير في شؤونه الخاصة وأمور الدولة الصليحية... ومنها ولاية العهد... وكان ولده الأكبر " الأمير محمد " قد بلغ مبلغ الرجال, فرغب في أن يوليه ولاية العهد لينوب عنه في الملك في حياته ومماته, وكتب إلى الخليفة المستنصر بالله عليه السلام سنة456هـ يخبره بما أستقر عليه رأيه, فورد إليه سجل الخليفة بالموافقة وأعطاه لقب: " الأمير أعز شمس المعالي وأذن له أن يعلن هذا اللقب على منابر اليمن, وفي ذلك الوقت توفى "الأمير أسعد بن شهاب" حاكم "زبيد" وما يتبعه, فرأى الداعي" على الصليحي قدس الله روحه" أن يولي أبنه " الأمير محمد" ما كان عليه خاله, وأعطاه صلاحية التصرف في شؤونها لكي يختبره ويدربه على الحكم.
    وصل " الأمير محمد" إلى " زبيد " سنة 457هـ بعد خمسة أشهر من حكمه سار والده ووالدته وولدهما الثاني " المكرم " سنة 458 هـ إلى " زبيد" وأقاموا في ضيافته مدة قصيرة, وبعدها عزموا إلى العودة إلى " صنعاء" فصاحبهم مودعاً وكان يريد أن يبلغ معهم " الغمد " ولكنه لما وصل إلى " المسقط" أصابته الحمى فأمر والده بالرجوع إلى "زبيد " فعاد إليها ولكن المرض اشتد عليه, وكان أن مات سنة458هـ وله من العمر سبعة وعشرين عاماً, ولما وصل الخبر إلى والده, وهو على وشك الطلوع إلى حصن "مسار" مع الملكة " أسماء " اشتد عليه الحزن, وقفل الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" عائداً إلى " زبيد" بجمع من أهله وأركان دولته فدفن ولده وجعل قبره بجانب ضريح خاله " الأمير أسعد بن شهاب ".
    وبعد عودته إلى " صنعاء" كان عليه أن يلقي خبر وفاة ابنته "ميمونة " التي ماتت غماً على أخيها... وقبل أن تصل رسالة الداعي" علي الصليحي قدس الله روحه" إلى مصر لإعلام الخليفة بالنبأ أرسل سجل يعزيه بوفاة ولى عهده وبالوقت نفسه يعين " الأمير المكرم " ولى للعهد. في تلك الفترة أوفد الصليحي إلى القاهرة وفداً مكون من: القاضي عمران بن الفضل, ونجيب بن عفير, ويوسف بن محمد, وعنتر بن غشم يحملون للخليفة المستنصر بالله عليه السلام رغبة الداعي " الصليحي " بزيارة القاهرة والتشرف بالمثول بين أيدي الخليفة, ولكن المستنصر بالله عليه السلام رفض طلبه, وأشفق عليه من بعد المسافة.
    ويذكر التاريخ:
    إن سبب هذا الرفض وجود مصر في حالة " الشدة العظمى" التي استمرة من سنة 459هـ إلى سنة 466هـ وهي المدة التي تعرضت لسلب والنهب والفوضى والخراب... وفي تلك الفترة كلف الخليفة الفاطمي " بدر الجملي " الأرمي بالوزارة فتغلب على المصاعب وعاد الأمن والثقة والاستقرار.
    وفي سنة 459هـ غادر الداعي " علي الصليحي قدس الله روحه " " صنعاء" قاصد الديار المقدسة لأداء فريضة الحج, وترك لولى عهده "الأمير المكرم" أمر إدارة المملكة بالنيابة عنه, وكان قد أرسل قبل سفره خمسين أميراً من أمراء اليمن و مائة وسبعين من آل الصليحي, وغيرهم ممن أرادوا أداء فريضة الحج من قبائل "يام" و" جنب" و" سخان" وأهل "حراز" وقد رمى من إرسالهم قبله عدم ازدحام الطريق بهذا العدد الكبير, ثم تبعهم هو في ألفي فارس, وخمسمائة فرس مطهمة بالسروج ومحلاة بالذهب والفضة وخمسون هجيناً, وغير ذلك من الهدايا والعطاء مما لا يمكن إدخاله تحت حضر.
    ويجب أن لا يسهى عن بالنا بأن نار الحقد وحب الانتقام كانت تستعر في قلوب بني نجاح وزعيمهم " سعد الأحوال" وهو من العبيد الأحباش المسموع الكلمة, فذكر له إحسانه إليه وتقديمه ورفع مكانته, فأنكر" فرح " أن يكون له أي ضلع بما يجري وأقسم الأيمان المغلظة عن استعداده بالذهاب وإحضار رأس " سعد الأحوال" ولكن الأمر جاء العكس, فإن " فرحاً" لما وصل إلى" زبيد" أخذ يحرض العبيد والأحباش على الثورة ويوغر صدرهم, فأمر الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" بإلقاء القبض عليه وقتله وهنا ثارت نفوس العبيد وشقوا عصا الطاعة وهاجموا ولاة الصليحيين وقتلوهما وهما: " أبا السعود" و" أحمد بن أسعد بن شهاب الصليحي " كما قاتلوا كل من كان معهما من أهل "حراز" ثم نهبوا كل ما كانوا يملكوه من أموال ومتاع, وفي الوقت نفسه استدعوا كل من كان على رأيهم من العبيد والأحباش " بتهامة" والحجاز وجندوا جنودهم ثم أنهم علموا أخيراً بمسيرة الداعي"على الصليحي قدس الله روحه "إلى الديار المقدسة وأنه لا يرافقه أحد من المحاربين وأهل البأس والمراس, لأن رجاله قد تقدموه إلى الديار المقدسة وأن جميع أمواله وأثقاله مبثوثة فيما بين "هجر" و"المهجم" وهذه البلاد قد تمهد مهدها واستقام عمادها وأمنت السبل وخضع فيها كل عزيز...ولم يكن مع الصليحيين في "المهجم" إلا أبنه "الموفق" وزوجته "أسماء بنت شهاب" وأخوه "عبد الله" و "إبراهيم" وجماعة من بني الصليحي, فلما علم أن الأحباش قد عبأوا قواتهم, وأنهم في طريقهم لقتاله أنفذ عبيدة الذين كانوا معه لمقاتلة العدوا المهاجم, وكان ظنه أنهم يقدرون فضله وإحسانه ويفدونه بالمج والأرواح, فذهبوا مسرعين متظاهرين بالحماسة وفي قلوبهم تكمن الخيانة والغدر, وحينما التقوا بأبناء جلدتهم انظموا إليهم وفي نيتهم الشر وقالوا المهاجمين:
    " إن فآتكم غداً لحق بأصحابه وعسكره, وامتنع عليكم" فساروا مجدين وفاجأ وه بقرية يقال لها " أم الدهيم".... وهناك انقضوا عليهم, ولم ينفع دفاعه ودفاع إخوانه وأبناء عمومته... فوقعوا تحت حراب كثرة من العبيد... وهكذا قتل الصليحي وكل من كانوا معه, وكان قد اتجه إلى مكان السيدات لحمايتهن... ولكن العبيد ما لبثوا أن حاصروا المكان... واستمر حصارهم أربعة أيام.... وعندما استأمن " مهن" خرج إلى " الأحوال" وأخذ منه ميثاقاً بالمحافظة على الحرائر الصليحيات وأقسم أنه سيطلق سراحهن ليسرون إلى "صنعاء" فوثق بقوله, ولكن الأحوال نقل النساء إلى دار أخرى ثم غادر بكافة الرجال وقتلهم عن آخرهم ونهب كل من كان معه من أموال وحلي وهدايا كان الداعي" على الصليحي قدس الله روحه" قد أعدها لينفقها على الحجاج المسلمين ومرافقيه من الخدم والعبيد.
    وهنا سألت الملكة " أسماء" "سعيداً الأحوال" أن يسمح لها ومن معها من النساء بالعودة إلى صنعاء فامتنع وسار بهن إلى " زبيد" ومعه رأس الداعي " علي الصليحي قدس الله روحه" وأخيه " عبد الله " محمولين على رمحين أمام هودج الملكة " أسماء" وقد نصب الرمحان فيما بعد أمام الشباك التي تنظر منه الملكة "أسماء" في الدار التي حلت بها, إلا أن سعيداً بذل ما استطاع من جهد في سبيل المحافظة وصيانة كرامة السيدات الصليحيات.
    وهكذا... ونحن عندما نتوقف لنسدل الستار على تاريخ هذا الرجل العظيم الداعي" علي الصليحي قدس الله روحه" نقول:
    إن عهده يعتبر بالنسبة لتاريخ اليمن من أنظر وأسعد العهود, ويكفي أن يكون معدوداً من الرجال الذين أسسوا دوله كبيرة.... على العموم فهو من الرجال الذين قل أن يجود بهم الدهر, خاصة وأن اليمن لم تجتمع في دولة واحدة, بل كان الرئيس منهم
    من يتسنى له امتلاك إقليم صغير أو حصناً حتى يأتي من هو أقوى منه فينتزعها...أما الداعي " على الصليحي قدس الله روحه" فقد تمكن من جمع اليمن كلها تحت لواء واحد ويقول المؤرخ "عمارة اليماني":
    " إن هذا أمر لم يعهد في جاهليته ولا في إسلامه "....
    وذكر " العرشي" في كتابه "بلوغ المرء": " ولم يقع لأحد فيمن ملك اليمن ما وقع " لداعي علي بن محمد الصليحي قدس الله روحه ".... فإنه استولى على اليمن سهله وجبله, شماله وجنوبه وشرقه في مدة يسيره بعد أن قهر أعداءه, فهو لذالك لا يقل في نظرنا عن بعض القواد الفاتحين الذين لمع اسمهم في صحائف التاريخ بما أحرزوه من انتصارات وما قاموا به من فتوحات وأعمال مجيدة وإن يك ذلك لمدة وجيزة".
    من هنا نرى أن الصليحي حكم البلاد حكماً مطلقاً لكنه كان حكماً (( مستنيراً عدلاً قائم على أسس حكيمة يتجلى فيها السمو والرفعة, وبالرغم من أنه ينتسب إلى الفاطميين فإنه لم يكره أحداً على الدخول في عقيدته, ولكنه لم يكن يغفر لأحد تهاون في أمور الدين )).
    ذكر المؤرخ " الفاسي" في كتابه " تحفة الكرام" ما يلي:
    " فطابت قلوب الناس, ورخصت الأسعار, وأمنت الحجاج أمناً لم يعرف له مثيل من قبل, حتى أنهم كانوا يعتمرون ليلاً ونهاراً وأموالهم محفوظة ورحالهم محروسة".
    وقال " ابن الجوزي في " مرآة الزمان ":
    " فرد بني شيبة عن قبيح أعمالهم وأفعالهم مع الحجاج, ورد إلى بيت من الحلي ما كان " بنوا الطيب " الأشراف قد سلبوه, وكانوا قد ملكوا الديار المقدسة بعد " شكر الحسيني" وعروا البيت والميزاب ".
    ومهما يكن من أمر فإن ما قام به الداعي " علي الصليحي قدس الله روحه" من إصلاحات في الأراضي المقدسة أكسبه ثقة الكثيرين في مختلف البلدان الإسلامية. من جهه أخرى فإن تسامحه مع علماء "السنة" والسماح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم بحرية أعاد ثقة الناس إليه.
    وكذلك فعل " أسعد بن شهاب " عندما كان والىاً على "زبيد" سنة456هـ فأحسن سيرة الرعية وأذن لسنة بإعلان عقيدتهم بحرية.
    ولا بد لنا ونحن نقترب من النهاية عن حياة هذا المؤسس الكبير من القول: أنه كان أديباً وشاعراً يعطف على الأدباء ويصل الشعراء لمعرفته بأن الشعر يجب أن يكون السلاح الماضي في خدمة الدولة وأنه من أهم وسائل الدعاية لها, فلم يشأ أن يترك هذا السلاح دون أن يشهره في وجه خصومه وفي الدفاع عن دولته والمباهاة بعدالتها والإشادة بذكرها... ومن أشهر الشعراء الذين عاشوا في عصره: " عمرو بن يحيى الهيثمي" و "الحسين بن القمي" و"الحسين بن أبي عقامة".
    وتذكر كتب الأدب اليمنية بعض المقطوعات "لعلي الصليحي" قالها في مناسبات عديدة.... ومنها قصيدة يذكر فيها احتلال حصن " وراخ":

    ما اعتذاري وقد ملكت وراخاً
    عن قراع العدا وقود الرعال

    ويقول:
    وألذ من قرع المثاني عنــــده
    في الحرب الجم يا غلام وأسرج
    خيل بأقصى حضرموت مجالها
    وصهيلها بين العراق ومنبج

    وكان الداعي "علي الصليحي قدس الله روحه" بالإضافة إلى كل ما ذكرناه عالماً وفقيهاً مستبصراً في علم التأويل وعلوم الشريعة, كما كان خطيباً مفوهاً.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-08-05
  19. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    كل الشكر والتقدير للأخ (حافي) لما قام به في توضيح التاريخ الصليحي
     

مشاركة هذه الصفحة