الخاله ناجده

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 615   الردود : 3    ‏2001-10-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-21
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    iهذه القصة كتب أحداثها صديقي المبدع / أحمد حسن العبادي

    ناجدة




    ماذا احدث عن صنعاء يا ابتي مليحة عاشقيها السل والجرب

    لا ادري لماذا اتذكر هذا البيت من قول شاعرنا البردوني كلما حللت بصنعاء ... فبحكم دراستي الجامعية فيها فقد كنت آتيها من مدينتي عدن بافتراض انها العاصمة وانها لابد ان تمنحني ما لن تمنحني اياه مدينتي ...
    ورغم انني كنت مخطئا الا انني اكتسبت الكثير من الخبرات هناك , وقابلت الكثير من البشر ممن لم اكن اتخيل ان اقابل مثلهم ... ومن بين الذين تعرفت عليهم كانت الخالة ناجدة .
    * * * * *

    كانت امرأة في اواخر الأربعينيات من عمرها .. تغطي وجهها بنقاب اسود كسائر نساء صنعاء ... وكانت جارتي في احدى حارات صنعاء القديمة .. ولكنها كانت بالغة الطيبة والعفوية مع صرامة وشراسة ندر ان تجتمع الا بين نساء صنعاء ... وبعد فترة من الزمن وبعد ان ساعدتها في اكثر من موقف بدات تتلطف معي بالكلام كابن لها ....
    كانت تشتغل ببيع الاعشاب والمساحيق التي تستخدمها النساء في صنعاء مع بعض العقود والحلي المقلدة ... وكانت تضع صندوقا على الارض وعليه بضاعتها وتقعد خلفه من الصباح حتى المساء ...
    وكنت اشتري منها بعض بضاعتها وارسلها لاخوتي ...
    مع الايام اكتشفت انها تحمل هموم الدنيا لكنها لا تبوح ... تتفرس في الوجوه التي تمر من امامها كانها تنتظر ان ترى احدا بعينه ... وعندما اسالها عن ذلك تراوغ وتتهرب من الاجابة ..
    واكتشفت أنها جميلة جدا ولا يبدو عليها أي معالم الكبر من تجاعيد وخلافه وعرفت ذلك عندما ازاحت النقاب في احد الايام لتشرب ....
    ولم اعرف سرها الا بعد شهور ... وروتها لي بالقطارة وبما انني تحليت بالصبر فلقد حكت لي كل الحكاية .

    * * * * *
    قالت الخالة ناجدة :
    كنت في الخامسة عشر من عمري وكنت من اجمل بنات القرية ولولا ان ابي كان يريد ان يزوجني من احد الاثرياء او روساء القبائل لكنت قد تزوجت وأنا في العاشرة ...
    كنت اعيش في قرية على اطراف صنعاء ... وكنت لا احمل هم لاي شيء وكنت متمردة وعنيدة ... وكنت اعتمد على حب ابي لي فلا ابالي باي شيء ..
    كانت الأخبار بان ثورة قامت على الامام وقيام الجمهورية لا تعني لي شيء ايامها ... لكن ما حدث بعدها جعلني من اشد المهتمين بالمسالة ...
    وصل الينا جنود غرباء .. كانوا كثيرين ولم يكونوا مثل رجالنا بل كانوا يلبسون زيا واحدا ... وكانت بنادقهم لا تفارقهم ... واقاموا معسكر خارج القرية ... وعرفنا انهم من مصر جاءوا الينا ليساعدونا ضد الامام ورجاله ... ومن اجل الجمهورية ... وهو ما لم اكن افهم معناه في تلك الايام ...
    كنت أنا وبنات القرية نمر من جوارهم اثناء ذهابنا الى البئر وكانوا يتطلعون الينا بفضول رغم اننا كنا نغطي وجوهنا الا انهم كانوا يضحكون كلما رأونا ...
    وكان من بينهم شاب ... اجمل شاب رايته في حياتي ... كان طويلا وجميلا وفي عينيه حنان وعطف لم اعتد ان ارهما في عيني أي رجل من رجال القرية القساة القلوب ...
    ولم يكن يضحك عندما نمر به بل كان يتطلع الينا مع الايام صارت نظراته تتركز علي وادركت انه صار دائم التحديق في ... ربما لانني كنت اقود الفتيات دائما وكنت لا اخجل من نظراته ... وربما كنت صاحبة اجمل قوام واجمل عينان ...لا اعرف بالضبط ... لكنني كنت شديدة الفرح بذلك ... فخورة بنفسي .. وصرت اختال كالطفلة كانني حزت على رضى الامير ... عندما اتذكر تلك الايام اضحك على نفسي وعلى قلة خبرتي وسذاجتي ...
    لن احكي بالتفصيل ما حدث بعدها لكن جاء يوم ذهبت فيه الى البئر لوحدي واعترف انني تعمدت ذلك ... لا ادري لماذا فلم اكن بالفتاة الطائشة او الفاسدة ... لكن كان دافع لا اعرف له ردا ... وكان هناك ... وغني عن القول انه عرض علي المساعدة ومع الخجل والارتباك تبادلنا الحديث ...

    * * * * *

    كانت اروع أيام حياتي ... هل تعرف شعور من يفعل شيء لا يفعله الاخرون ... كنت اعرف انه لو راني احد اتكلم مع الاجنبي فانني ميتة لا محالة ... لكنني لم اكن افكر بالعواقب ...
    قطعت حديثها لاسالها :
    - عن ماذا كنتما تتحدثان ؟
    - كان هو من يتكلم وأنا اصغي .. احيانا لم اكن افهم عما كان يتحدث ... ومنه سمعت كلمات عرفت معناها لاحقا مثل السينما والمسرح و الملاهي ... وكان احيانا يكتب لي رسائل ...
    - وماذا كان يكتب لك فيها ؟
    - لا ادري ... أنا لا اعرف الكتابة ولا القراءة ... فانت تعرف انه لم يكن مسموح للفتاة ان تذهب للكتاب وان تختلط بالأولاد ...
    - اذن لماذا كان يكتب لك ؟
    - لم يكن يعرف انني جاهلة ... لقد كان يتحدث عن بنات مصر ويمدح فيهم ... وانهن متعلمات ... ولما سالني ان كنت اقرا لم اجرؤ على مصارحته حتى لا اسقط من نظره ... ومن ساعتها كان يترك لي رسالة في مكان محدد اذا لم نستطع ان نلتقي ... وهكذا حتى تراكمت لدي مجموعة من الرسائل ...
    - لكن كيف افترقتما ... هل انكشف امركما ؟ ام حدث سوء له ؟
    - لا الم ينكشف امرنا ... لكنه اختفى فجاة ... هو ورفاقه رحلوا فجاة ... في احد الايام وجدنا انهم قد تحركوا الى منطقة اخرى وانقطعت اخبارهم .. ومن حينها لم اره ....

    * * * * *
    - تزوجت بعدها من رجل غني لكنه كان متزوج اكثر من واحدة وكنت أنا الزوجة الصغيرة الجميلة ... لكن لانني متمردة فانه لم يرى يوما نعيما معي رغم انه كان يحبني ويتمنى لو احبه وانجب له ولدا ... لكن شاء الله الا يكون له اولاد مني ... وفي الاخير طلقني بعد ان ذهبت احلى سينن عمري وجعلني اعزف عن الزواج وكرهت جنس الرجال .
    - هل احببته يوما ؟

    احست بالخجل من سؤالي ولكنها على الفور قالت :
    - رحمة الله علية لقد كنت اتمنى ان ارى الموت ولا اراه فقد كان قبيحا كريها ... ولولا خوفي من العار لقتلته ...
    - خالتي ... لو تقدم لك الشاب المصري هل كنت ستوافقين
    - هه ... حتى لو وافقت لم يكن اهلي ليوافقوا ...انهم يفضلون موتي على زواجي من رجل من قبيلة اخرى فما بالك باجنبي من دولة اخرى ... لكنني اقسم انني كنت على استعداد لان اهرب معه الى بلاده كما وعدني ... فقد كنت حينها اخطب الى زوجي الراحل ... لكنه لم يوفي بوعده ورحل قبل حتى ان اراه واودعه ...
    * * * * *
    وهكذا والخالة ناجدة تكشف لي المزيد والمزيد من اسرارها التي تحتاج الى كتاب لاستيعاب ما فيها من ابهار وغرائب .. اشياء لم اكن اعرفها أنا ابن المدينة عن حياة القبائل وعاداتهم ونظرة المرأة لهذا كله واشياء اتمنى ان الجد الفراغ لاخراجها الى الوجود ...
    لكن افضع شيء كان هو ما عرفته لما سمحت لي الخالة ناجدة بقراءة الرسائل التي كتبها لها الشاب المصري ...
    كانت قد سمحت لي بقراءتها لها لعدة اسباب منها شوقها لمعرفة ما كتبه لها ... رغم انها امتنعت لفترة قبل ان ترضخ وتعطيني الرسائل ...
    * * * * *

    كانت رسائل تفيض عذوبة ورقة ... ومنها عرفت انه كان شاب رقيق مرهف الحس ومثقف ...
    اندمجت في الرسائل وقراتها لها مع شرح لعدم معرفتها ببعض الكلمات الفصحى ...
    لكن كانت اخر رسالة هن من المتني ... هي من قال لي ان الحياة غريبة ...
    كانت الرسالة تقول ..
    (( غاليتي ناجدة ..
    لقد قررت القيادة انتقالنا الى منطقة اخرى للدخول في معركة مباشرة مع الملكيين ... لكنني ولا ادري ما مصيري فيها ... لا ادري لماذا نقاتل هنا في حرب بين اليمنيين ... كنت اتمنى لو احارب على ارض فلسطين وليس هنا ... لذا فقد قررت ان نهرب كما تواعدنا ... لقد اعددت لكل شيء عدته ... هناك دليل ينتظرنا في منطقة عمران ... سيقودنا الى ميناء الحديدة ومنه سنركب سفينة الى جدة ومنها الى مصر وهناك سنتزوج وسنعيش سويا ... وأنا مستعد لتحمل كافة تبعات قراري بالعودة الى مصر ... لكن أنت لا تخذليني ... سانتظرك عند الفجر في المكان المعتاد للقائنا ...
    ناجدة أرجوك احضري ولا تخذليني ...سانتظرك ...
    ان لم تاتي فانك حينها لن ترينني ... سادخل في هذه المعركة اللعينة .. ولن اسمح لنفسي بالبقاء حيا بعدها ... لذا ارجوك ان تاتي ...
    المحب
    هاني ))

    - يالله ... مسكين أنت يا هاني ... مسكين أنت ....
    امتقع و جه الخالة ناجدة وهي تحدق في وتتوقع أي مصيبة وقالت :
    - ماذا هناك ماذا في الرسالة
    ماذا أقول لها ... هل أقول انها قتلت الشاب المسكين بجهلها ... وبكذبها ... ماذنب المسكين الذي راح ضحية فتاة جاهلة حمقاء ... ارادت الا تخسره فادعت العلم وقتلته من حيث لا تدري .
    - بالله عليك قل لي ماذا في الرسالة
    - لا شيء ياخالة .. اه يخبرك انه سينتقل مع الجيش الى منطقة اخرى ويتمنى ان تنتهي الحرب وتلتقيان وتتزوجان لكن يبدو انه اما فقد واما جرح وعاد الى بلاده للعلاج
    انتحبت الخالة ناجدة وقالت :
    - لا اظن انه عاد ... لا اظن انه عاد .
    اندفعت اهدئها و أواسيها حتى هدئت واستعادت رباطة جاشها وعادت تتظاهر بالقوة والامبالاة التي تعودت التظاهر بهما مع حياتها القاسية ....
    ومرت الايام .. وهكذا كانت الخالة ناجدة تحكي لي الكثير والكثير الذي يحتاج الى كتاب لاستيعابها وليس هذا المختصر الذي وضعته لنفسي حتى لا انسى ان اكتب عنها بالتفصيل مستقبلا ... لكنني اعد ان اكتب بالتفصيل اذا سنحت لي الفرصة ... اعدكم




    النهاية
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-10-21
  3. سرحان

    سرحان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-19
    المشاركات:
    18,462
    الإعجاب :
    23
    أخي فهيم

    قصة مؤثرة

    أرجو بأن لا تنسى وعدك مستقبلا وعند ما تسنح لك الفرصة

    تحياتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-10-22
  5. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الأستاذ العزيز فهمي :)

    اسعد الله اوقاتك .

    جميلة جدا هيى القصة وزادها جمالاً ان نزلت في هذا المجلس على يدك استاذي القدير .

    يستنشق القارىء وهو يجول في سماء هذه القصة هواء نقي .يدل على الحب العذري وفطرة وسماحة الخالة ((ناجده))

    حين يتأمل القارىء في فعلتها والتي أودت بحياة رجل بريىء الى الهاوية . وذلك من خلال عدم قول الحقيقة لحبيبها ,,حقيقة أميتها.

    ربما يكون لها مخرج وهو حرصها ومحافظتها على حبها أي انه قد تبادر الى ذهنها انها اذا ما اخبرتها بأميتها قد تفقده . ولذا لم تخبره..بدليل انها لو تعرف بالرسالة الاخيرة وما كان فيها لاستطاعة ان تجد له حل ! ولما سمحت له بالذهاب !

    انا اتفكر في البطل وهو ينتظر اللحظات الاخيرة اما اتت الى مكان الموعد واما ذهب وانتقل مع الجيش..كيف كان يعيش تلك اللحظة القاتلة التي سجلت فقدان روح ,,وذبح حب ومشاعر ! صعب هو الموقف وشبية بمن يحكم على نفسه بالاعدام !

    وذا كان لابد من خلاصة فهيى تتلخص في جملة بسيطة تحوي في طياتها معاني كثيرة..الا وهي.... ما اجمل الحب عند الاميين الذين لايجيدون اصطناع الكلمات ويتخاطبوا باعينهم أكثر مما يتكلموا..مع ان الامية في قصتك هذه كانت من طرف واحد!

    تحياتي لك سيدي الكريم :)
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-10-24
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    سعدت بتعليقاتكم يا أحباب :)
    التي سأنقلها الى المبدع أحمد العبادي ...
     

مشاركة هذه الصفحة