بيان هامة إلى الأمة الإسلامية .. بقلم الشيخ سفر الحوالي

الكاتب : أبو لقمان   المشاهدات : 506   الردود : 0    ‏2001-10-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-21
  1. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    بيان هام إلى الأمة الإسلامية .. بقلم الشيخ سفر الحوالي

    إخوتي الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله
    نظرا لطول البيان .. أرجو نسخه إلى محرر نصوص ومن ثم قرائته بتمعن ودون خسارة .. شكرا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    بيان للأمة عن الأحداث
    ومعه خطاب مفتوح للرئيس الأمريكي بوش

    الحمد لله الذي استأثر بالخلق والتدبير ، وأيأس الناس أن يكون لهم من ذلك صغير أو كبير، والصلاة والسلام على رسوله البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
    فهذه كلمات دعاني إلى إخراجها إبراء الذمة ، وإلحاح الأمة ، وجسامة الأحداث ، التي لا زلنا في أولها ونسأل الله أن يجعل عاقبتها خيراً . وقد كتبتها رجاء أن ينفع الله بها ، وأدعوه جل شأنه أن يغني المسلمين عنها بما هو خير منها ، وهي حقائق وتنبيهات وتساؤلات تشير إلى ما ورائها مما لا يسعف الوقت لتفصيله، أو لم يتمكن الفكر حتى الآن من تصوره وتحليله ، وما كنت أريد إلا أن تكون دراسة متكاملة ، ولكن الاستعجال الذي ابتليت به الأمة - وشباب الدعوة خاصة - جعلني أبادر بإخراجها مختصرة في فقرات ، لعلها تغنيني عن تكرار الحديث يومياً مرات وكرات ، مع مجموعات من هؤلاء ، وإن اقتضى الأمر تفصيل شيء منها أو إعادة النظر فيه فستأتي في وقته بإذن الله .
    وقد حاولت اقتفاء منهج القرآن في تجاوز تفصيلات الحدث إلى التنبيه إلى العبر والتذكير بالواجب .
    (1) وأول الحقائق الواجب معرفتها والتذكير بها : أنه لا يقع في هذا الكون حادث صغير ولا كبير ، مما يفرح لـه الناس أو يحزنون أو يتفرقون فيه ، إلا بقدر سابق سطره القلم في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة – وعرش الرحمن على الماء – مطابقاً لعلم العليم الحكيم ، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، فلا تهمس شفة ولا تنـزل قطرة ولا تستقر أو تتحرك ذرة ، إلا بمقتضى ذلك - عَلِمَ من علم وجهل من جهل ، ورضي من رضي وغضب من غضب - ومن هنا أخرس العارفون ألسنتهم عن السؤال والاعتراض ، وأخبتت قلوبهم لأحكام القضاء، وهان عليهم الصبر على البلاء والشكر على السراء . وزادوا على الإيمان بأنه تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }بأن فوضوا الأمر إليه وسألوه المغفرة والرحمة { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } [ الأعراف : 155 ] .
    (2) وثانيها وهو للأول تبع أنه لا يخرج عن سنة الله الكونية أمة ولا حال ، مهما تقادمت الدهور أو تأخرت العصور ، مهما طغى من طغى أو أوتي من العلو في الأرض والعتو عن أمر الله ، فما الحضارات المتعاقبة إلا قرون أو قرى تجري عليها السنة التي لا تبديل فيها ولا تحويل ، وما أمريكا إلا قرية من القرى التي أسرفت على نفسها بالمعاصي ، كما فعلت عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير ، فأحلّ الله عليهم سخطه ، وأنـزل عذابه فما أهون الخلق على الله إذا عصوه وتعرضوا لانتقامه {فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا } وترك الله مساكنهم داثرة وآبارهم معطلة وقصورهم مشيدة ، وخاطبهم حين ولوا مدبرين { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } ولكن هيهات ! فقد جعلها الله أنقاضاً وركاماً لتكون حسرة عليهم في الدنيا قبل الآخرة والعجب كل العجب من حلم الله على هذه الأمة الطاغية ، التي جمعت بين جبروت عاد ، وعدوان ثمود ، واستكبار فرعون ، وخبائث قوم لوط ، وتطفيف أهل مدين ، وضمت إلى ذلك مكر اليهود ، وحرصهم على حياة ، وتلاعبهم بالألفاظ ، وتـزكيتهم لأنفسهم على كل أحد سواهم ، فماذا ينتظر الناس لهذه الأمة إلا أن تحل بها سنة الذين خلوا من قبل ، وأن تتابع عليها أيام الله ، ولا غرابة أن يقول قسيسها الكبير ((هذه هي البداية فقط))!!
    أما أنا فأقول إن لم يدمرها الله كلَّها فلحكمة عظيمة يعلمها ، وهي أنه سيخرج منها من يعبده ولا يشرك به شيئاً وما ذلك على الله بعزيز .
    على أن الانتقام الرباني ليس لـه حدود ولا لصوره نهاية { وما يعلم جنود ربك إلا هو } :
    مثال : هاجم الأمريكيون الأوائل الهنود الحمر في بلادهم ، وشنوا عليهم حرب إبادة تعد وصمة عار في تاريخ أمريكا إلى الأبد ، والآن يَقْتُلُ الهنودُ من الأمريكيين سنوياً 300.000 إنسان !! كيف ؟ يقول ول ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" :
    ( لقد تعلم المستعمرون الأوربيون من الهنود البدائيين شرب هذه الشجرة الخبيثة ((الدخان)) فاستطاعوا بذلك الانتقام من عدوهم بما عجزت عنه سهامهم انتقاماً دائماً ) . دع عنك "الإيدز" والقلق النفسي والكساد وفساد ذات البين !!
    (3) أن هذه الأمة الإسلامية أمة " مصطفاة " " مرحومة " " منصورة " مهما نـزل بها من المصائب وحل بها من الضعف والهوان .
    أما الاصطفاء فقد أورثها الله تعالى الكتاب والحكمة ، وجعلها شهيدة على الناس ، وحسبك أن يكون ظالمها من جملة المصطفين مع أنه مأخوذ بظلمه محاسب على تفريطه { ثم أو رثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } فكل خير لدى أية أمة من الأمم ففي المسلمين أكثر منه ، وكل شر في هذه الأمة ففي غيرها أكثر منه ، وحضارتها هي حضارة العدل والرحمة والتسامح ، وصدق من قال من فلاسفة الغرب (( ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من المسلمين )) !! أما الحضارة الندّ " الغربية " فلم ترق إلى شيء من هذه القيم إلا بعد قرون من الصراع، ومئات الملايين من القتلى والمشردين ، ولا يزالون يتقاتلون إلى اليوم في إيرلندا وأوربا الشرقية !! وقد أهلكوا في توسعهم الاستعماري خلال ثلاثة قرون ما قدره بعض مفكريهم بمائة مليون إنسان ، وبعضهم أو صله إلى 300 مليون إنسان!!
    وأما أنها "مرحومة " فلأن الله جعل عقوبتها في الدنيا وذلك بتسليط الأعداء عليها وإلباسِها شيعاً كُلاً منها يذيق الآخر بأسه ، وابتلائها بالفقر والتقهقر الحضاري . كل ذلك ليطهرها ، أو يخفف حسابها يوم القيامة ، ويرفع درجات طائفة منها إلى منازل لم يكن لتبلغها بأعمالها ، وقد جاء في الحديث (( إن هذه الأمة مرحومة عذابها بأيديها )) وفي حديث آخر (( عقوبة هذه الأمة بالسيف )) قال في تكملة الأول (( فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجلاً من المشركين فقال هذا فداؤك من النار )) .
    وأما أنها " منصورة " فقد جاء تمثيلها في كتاب أهل الكتاب بالجبل الذي إن وقع على شيء سحقه ( كما وقع الفاتحون الأولون على مملكتي كسرى وقيصر ) . ومن وقع على الجبل ترضرض ( كما حدث للصليبين والتتار والمستعمرين الأوربيين) وقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تـزال طائفة منها منصورة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها يجاهدون على الحق حتى يأتي أمر الله .
    والمقصود أن أمة جمع الله لها هذه الخصال لا يجوز لها أن تيأس بحال من الأحوال، ولا يَظُنُّ أنها ماتت وقضي أمرها إلا من كان من الظانين بالله ظن السوء ، أو الغافلين عن سنة الله فيها ، فيحسبون أنها كسنته في غيرها ،مع أن تاريخها سجال بين الكَرَّة والفَرَّة ، والنهوض والسقوط، والاختلاف والائتلاف ، لكنَّ المَعْلَم الثابت في كل الأحوال هو حسن العاقبة وخير المآل ، فما كان لشرقي ولا لغربي إذ هاجمها الصليبيون أن يظن أنها ستقلب الميدان إلى عمق أوربا أو إذ اجتاحها التتار أن يتصور أنها ستفتح بهم روسيا وتغزو بهم شمال أوربا !!
    (4) أن كل ما أصاب هذه الأمة من ضعف أو ذل أو هزيمة أو فقر ، فبذنوبها ومن عند أنفسها ، مع أن الله لطيف بها فلا يسلط عليها من يستأصلها ، ولا يكون بلاؤها كله عذاباً ، بل منها الشهيد المصطفى ، ومنها المقتول المكَفَّر عنه بالقتل ، ومنها المصاب المخفَّف عنه العقوبة في الآخرة ، أما إذا اعتصمت بحبل الله وأنابت إليه وتركت الذنوب فلها النصر والعزة والتمكين في كل ميدان ، وما أعداؤها الكتابيون أو المشركون وحكامها الجائرون ومنافقوها الماكرون إلا بعض ذنوبها ثم الله يسلط عليهم جميعاً بذنوبهم من يسومهم سوء العذاب من داخل الأمة أو من خارجها ، ومن هنا كان أولى خطوات التغيير التوبة والضراعة ، وقد خرج أهل العراق على الحجاج ليقاتلوه فقال الحسن البصري رحمه الله : يا أهل العراق إن الحجاج عذاب الله سلطه عليكم بذنوبكم فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن توبوا إليه يرفع عذابه عنكم فإنه يقول {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } فإذا تابت الشعوب - ومن توبتها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوالي في الله وتعادي في الله - رفع الله جور الحكام عنها . وإذا تاب الحكام وأقاموا كتاب الله رفع الله عنهم إذلال قوى الكفر لهم وقومة الشعوب عليهم، وتسليط بعضهم على بعض . وإذا تاب المسلمون المقيمون في بلاد الغرب من المعاصي – وأعظمها نسيان الولاء والبراء والذوبان في مجتمع الكفر والفسق – رفع الله عنهم البلاء العنصري ، كما أن كل من سافر أو أقام لغير حاجة عارضة ، أو ضرورة قاهرة ، عاصٍ حتى يتوب بأن يعود ويفارق دار الكفر ، إلا من كان قصده الدعوة ومراده الهجرة .
    (5) وتأسيساً على ما سبق فإن المخرج من الفتنة والخلوص من الأزمة ، إنما يكون بالعودة إلى أول الطريق، وتصحيح أول منـزل ، كما فعل الغزالي رحمه الله حين ضرب في التيه كل سبيل ، وأخيراً عاد للكتاب والسنة ومات وصحيح البخاري على صدره وكان يردد :
    تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منـزل
    وجماع ذلك العودة إلى كتاب الله الحكيم الذي فيه نبأ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وتفصيل سنن الله فينا ، وفي غيرنا وبيان حقيقة عدونا ، بالإقبال عليه بالتدبر والفهم والاستنباط والعمل فكم من آية فيه كأنما أنـزلت علينا اليوم ، وبخصوص ما نحن فيه ، ولكن أكثر المسلمين يمرون عليها وهم عنها غافلون ، وهل فصل الله فيه الحديث عن أهل الكتاب في أطول السور إلا بعلم وحكمة وليكون هدى وذكرى ورحمة للمؤمنين ؟
    فلو أن المجاهدين التـزموا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على التمام – ومن ذلك التشاور مع من يهمه الأمر ، وترك الافتئات على سائر الأمة – لتحقق لهم من النكاية في العدو وقوة الشوكة ما ينفع ولا يضر ، ولما كان لأحد أن يعترض عليهم إلا منافق معلوم النفاق.
    ولو أن المفتين والكتاب والخطباء والمذيعين وزنوا هذا الحادث والمعاملة معه بميزان القرآن ، لخرجوا بأفضل النتائج وحققوا أعظم المصالح ، وتجنبوا المفاسد الكثيرة ، ومنها الفوضى والتضارب في الآراء ، مع أن العامة كانوا على قلب رجل واحد عند وقوع الحادث ، وما شذ من شذ منهم إلا بعد اختلاف أهل العلم والرأي .
    ولو أن المصلحين والمربين والدعاة أجمعين التـزموا ذلك لما تحولوا إلى ((ظاهرة صوتية !)) ولفزعوا إلى وضع الخطط والبرامج لتلافي الفرقة ، واستدرك التفريط في جوانب عظيمة من الدين ، باسم الحكمة أو مصلحة الدعوة أو ما كان عليه المشايخ المتبوعون !!
    ولو أن المقيمين في بلاد الغرب التـزموا ذلك لكان أعظم فتح للإسلام في تلك المجتمعات المظلمة الضالة .
    (6) إن نصرة الكفار على المسلمين - بأي نوع من أنواع النصرة أو المعاونة ولو كانت بالكلام المجرد - هي كفر بواح ، ونفاق صراح ، وفاعلها مرتكب لناقض من نواقض الإسلام – كما نص عليه أئمة الدعوة وغيرهم – غير مؤمن بعقيدة الولاء والبراء. فعلى الذين وعدوا بهذا من المعارضين الأفغان أو غيرهم أن يبادروا بالتوبة ويكفروا عن هذا العمل الشنيع بنصرة إخوانهم المسلمين ولو بالدعاء والمقال.
    إننا إذ نذكّر بهذا الأمر العظيم لنناشد إخواننا المجاهدين القدماء لاسيما الشيخ عبد رب الرسول سياف، والشيخ برهان الدين رباني أن ينأوا بأنفسهم عن هذا ، وأن يبادروا برفع الصوت عالياً بالبراءة منه ، ونذكّرهم بالله ثم بما كنا ننصحهم به أيام الجهاد ويؤكدون لنا أنه لن يكون أبداً ، وهاهو ذا قد كان وأسوأ مما توقعنا . وهاهو ذا الشيطان يريد أن يحبط جهادهم للروس بولائهم للأمريكان ! وليعتبروا بما قال المعتمد بن عباد حين قال : ((لئن أرعى الجمال لابن تاشفين أحب إلي من أن أرعى الخنازير للفونسو)) [الفنسو أمير النصارى الإسبان] وليعتبروا بما حرى لمن حالف هتلر ورضي بأن يكون رئيساً لبلاده في ظل الحكم النازي فصار ملعوناً عند شعبه إلى الأبد، كما حدث للجنرال "بيتان" الفرنسي . وليعتبروا بما فعلت أمريكا مع الأكراد فهي شاهد حي.
    كما نناشد حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان أن تبادر بمبادرة صلح بينها وبين تحالف المعارضة بإصدار عفو عام وتلبية بعض المطالب وفتح باب الحوار والتفاهم وإعطاء القادة المسلمين منهم فرصة لمناصب في الحكومة وما أشبه ذلك مما يحسم مادة الفرقة أو يقللها.
    ثم نتوجه بالمناشدة إلى الكتاب والمذيعين والخطباء - في هذه البلاد وكل البلاد - أن يتقوا الله فيما يقولون،فربما أعانوا على قتل مسلم بكلمة أو بشطر كلمة ، فأوبقت دنياهم وآخرتهم وأحبطت أعمالهم عند الله ، فإن ((الرجل يقول الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)) كما أخبر الصادق المصدوق .
    فكيف والمراد الآن إبادة شعب مسلم ، والثأر منه للهزائم المتتالية التي نـزلت بالصليبيين على يديه، منذ أكثر من قرن ونصف حتى إخراج الروس منه ؟ كيف يتحدث العالم كله عن حملة شعواء، أولها في بلاد الأفغان وآخرها في أمريكا ووسطها في لجج البحار ، وغرضها سحق شعب جائع منكوب من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وسيتبعونه بغيره حتماً - ثم يتحدث من يتحدث في الصحف أو فوق المنابر من أهل الإسلام عن تأييد الحملة على الإرهاب ، ووصف المجاهدين بأنهم إرهابيون ، وينـزلقون في منـزلق المصطلحات الخدّاعة فيقولون إن الله حرم الإرهاب ، أو أن دين الإسلام بريء من الإرهاب ،مع أن إرهاب أعداء الله في كتاب الله مطلوب { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } ، والنصر بالرعب من خصائص هذا النبي الكريم وأمته صلى الله عليه وعليهم وسلم . والله تعالى يقول { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } أما أحزاب الكفر فكلٌّ منها يفسر الإرهاب كما يريد، لكنهم مجمعون على أن المجاهد المسلم في فلسطين ، أو لبنان ، أو الشيشان ، أو كشمير ، أو الفلبين ، أو إريتريا إرهابي !! بل كل مسلم دخل لهم مطاراً هو عرضة لهذه الوصمة.
    وليعلم كل من أدان أو جرَّم أن لازم ذلك إجازة الانتقام ! وهو ما لا تريد أمريكا من الشعوب أكثر منه ، ثم هي بعد ذلك ستنفرد بكيفية الانتقام ، وتحديد من يشمله ، وإلى أي مدى يبلغ بلا حسيب ولا رقيب ، ولنا معها تجربة مريرة قائمة ففي حربها مع العراق أخذت التفويض من مجلس الأمن بالقتال ، وأخذت التفويض من بعض علماء المسلمين بصد العدوان ، والآن أين وصلت أمريكا ؟ لقد تجاوزت كل حد ولم تنته بعد ، وأصبحت ثلاث دول في مجلس الأمن وكل الدول العربية والإسلامية تطالب برفع الحصار لكنها لم تفعل ، ولن تَقِفَ أو تَكُفَّ حتى تستنـزف كل قطرة نفط في الخليج والعراق ، وتقضي - إن استطاعت - على كل نسمة مؤمنة في المنطقة . فالله الله من التحديث بحديث المحاربين (( العُرَنِيِّين )) بين يدي الحجاج بل من هو أعظم شراً منه بما لا يقاس .
    (7) إن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة : أن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة ، مع كل من حمل الرايةَ لنصرة الدين وصد عدوان الكافرين براً كان أو فاجراً ، ومن الهزيمة النفسية أن ترتفع الأصوات من هنا وهناك في تحريف مفهوم الجهاد أو تضييقه ، وحصره في مراحل تاريخية ماضية، أو بشروط قد لا تتحقق إلى يوم القيامة . بل إن بعضهم يتبرأ منه ويبرئ الإسلام منه – عياذاً بالله -.
    إن الحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه ، والفرق جلي لمن تدبّر بين عملٍ جهادي يُحدِثُ شيئاً من النكاية في العدو بغرض الانتقام والردع ، وبين الجهاد ذي الراية العامة الذي يأتي في موضعه الصحيح من البناء الإصلاحي والتربوي المؤَسَّس لإعادة الأمة إلى سابق عزها وإقامة دين الله في واقع الحياة متكاملاً ، بقدر الجهد البشري والوسائل المتاحة . لقد التـزم حذيفة رضي الله عنه وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـه والسهم في يده وصدر زعيم الكفر مكشوف أمامه في أصعب المواقف على المسلمين . ومن قبله فعل الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة . حين عرضوا عليه أن يميلوا على المشركين بالسيف فأبى ، ولكنه صلى الله عليه وسلم لما بايع من معه تحت الشجرة لم يتخلف إلا المنافق المستخفي ولما استنفرهم لحرب الروم في غزوة تبوك لم يتخلف عدا المنافقين إلا الثلاثة الذين تاب الله عليهم.
    فعلى المصلحين والمربين أن يدركوا الأهمية العظمى لدراسة السيرة النبوية ، واستنتاج المراحل الدعوية منها ، بفقهٍ يفرّق بين الأحكام المنسوخة والأحوال المرحلية ، ويعرف موضع الجهاد وأحكامه من كل مرحلة . وعليهم أن يتذكروا دائماً أن النفسية الإسلامية في العصور الأخيرة هي انفعالية غير متـزنة ، فهي تفضل أن تخوض معركة الآن أو تدفع كل ما تملك في لحظة انفعال - وإن كان قليل الجدوى - على أن تسلُك في برنامج أو خطة لنفع الدين نفعاً عاماً بعد سنة ، بجهد رتيب دائم أو نفقة مستمرة !!
    (8) أن على الدعاة المخلصين وأتباع منهج الأنبياء الصادقين أن يجتهدوا في حوط دين الله من جميع جوانبه ، كما جاء في السيرة النبوية في قصة وفد بني شيبان الذين ضمنوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحفظوا الإسلام من جهة العرب ، واعتذروا عن حفظه من جهة الفرس فقال (( إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه )) ولم يبايعهم ، وقيّض الله لـه الأنصار - رضي الله عنهم - الذين بايعوه على مبدأ (( الدم الدم والهدم الهدم )) فالمسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. ومن قام منهم بجانب من الدين علماً أو دعوة أو جهاداً وجبت محبته ونصرته، على أن يحرصوا جميعاً أن تتكامل الجهود وتتوازى الأعمال ، أما إذا طعن أهل العلم في أهل الجهاد ، أو تنكر أهل الجهاد لأهل العلم ، وما أشبه ذلك ، فقد ذهبت ريح المؤمنين وتناثر صفهم ووقعوا في سبيل المغضوب عليهم أو الضالين ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    (( السبيلان الفاسدتان : سبيل من انتسب إلى الدين ولم يُكمِّله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال ، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين – هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأولى للضالين النصارى والثانية للمغضوب عليهم اليهود– .
    وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.. إلى أن يقول : إن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكر الله تعالى [ يعني قوله تعالى{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنـزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنـزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله لقوي عزيز}25 : سورة الحديد ] فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى )) 28 / 395 مجموع الفتاوى .
    وصدق رحمه الله، فحين وقعت طائفة في سبيل المغضوب عليهم وأصبحت جيوش المسلمين للاستعراض وحماية الأنظمة أو مهاجمة الجيران الإخوان ، وحين وقعت طائفة أخرى من الأمة في سبيل الضالين فأهملت الجهاد وغفلت عن الإعداد ، جاءتنا العقوبات من كل مكان ، ومنها أن يدنس العدو مقدساتنا ، وينتهك حرماتنا ، وتتكالب قواه علينا في كل ميدان ،ثم لا يتصدى للجهاد ويرتدي اسمه ووصفه إلا مجموعات متناثرة لا راية لهم ولا منهج ولا تربية. فإن أحسنوا فمن عند الله وإن أساءوا فبتفريطنا وتقصيرنا مع تفريطهم وتقصيرهم .
    (9) أنه بعد أن انقسمت الأمة دويلات ، وهوت راية الخلافة الجامعة لهم، أصبحت كل طائفة سواءً كانت دولة أو جماعة تمثل نفسها وتستقل بذمتها وبموقفها حباً أو بغضاً، حرباً أو سلماً، عهداً أو نبذاً، فدويلة - كالبحرين مثلاً - لها سياسة تخالف مصر أو السعودية، وربما كان عدوها صديقاً لهؤلاء أو العكس، وقد تُعَاهِدُ أمريكا أو غيرَها وقد تُنَابِذُها دون أن يكون لغيرها علاقة بذلك ، وكذلك الجماعات فكل جماعة حاربها عدو وحاربته ونبذت إليه على سواء فلا عهد بينها وبينه وإن لم يكن الحال كذلك بينه وبين سائر دول المسلمين وجماعاتهم، وهي وحدها تتحمل مسؤولية عهدها أو حربها وربحها أو خسارتها . وقد لا يجب على غيرها من المسلمين نصرتها لكن لا يجوز لهم قطعاً نصرة الكافر عليها !!
    وحادثة أبي بصير سابقة يمكن للفقهاء أن يستنبطوا منها وأن يفرعوا على ذلك ما شاء الله أن يستنبطوا ويفرعوا . وموجز قصة أبي بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً يوم الحديبية على أن يرد إليهم من أسلم منهم وقدم إليه ؛ وتكملة القصة من الصحيح :
    ((فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فنـزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداًَ ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربتُ به ثم جربت به ثم جربت به . فقال أبو بصير : أرني انظر إليه، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعراً ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قُتل والله صاحبي وإني لمقتول . فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان لـه أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ؛ فخرج حتى أتى سيف البحر. قال وينقلب منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بابي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها . فقتلوهم وأخذوا أموالهم...)) ونستنتج من هذا :-
    1) أن المقتول من المشركين كان رسولاً والرسل لا تقتل كما هو ثابت معلوم – ومع ذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بصير قتله ولا أمر فيه بقود ولا دية وصدّق أبا بصير في قوله في الرواية الأخرى ((يارسول الله ليس بيني وبينهم عهد ولا عقد)) فكان ذلك إقراراً لـه منه على ما فعل ، وأن له ذمة مستقلة عن ذمة المسلمين ، وإذا أهدر دم الرسول فغيره أولى .(الفتح 5/412) .
    2) أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض المسلمين على اللحاق بأبي بصير بقوله ((ويل أمه مسعر حرب لو كان لـه أحد )) وفي الرواية الأخرى ((لو كان لـه رجال)) فزاد على إقراره تحريض غيره للحاق به .
    يقول ابن القيم رحمه الله في (( الفوائد الفقهية لصلح الحديبية )) :
    (( ومنها : أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم ، وسواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم . وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه نصارى ملطية وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين )) زاد المعاد 3 / 309 .
    وهذا صريح في استقلال كل دولة أو جماعة بذمتها وعهودها، والغرب نفسه يؤمن بهذه الحقيقة، وهي من القواعد المعروفة في القانون الدولي، وإلا لكان البابا في روما مسؤولاً عن إرهاب الكاثوليك في إيرلندا ،ولكانت ألمانيا مسؤولة عن النازيين الجدد ولكانت اليابان مسؤولة عن الجيش الأحمر. وفي خصوص الحدث يعلم الأمريكان أن الذي عاداهم وعادوه، ونبذ إليهم ونبذوا إليه هو ((تنظبم القاعدة)) أو بالأصح ((جبهة جهاد الصليبيين )) بأعيانهم وخصوصهم، وأن بقية المسلمين لا يأخذون هذا الحكم ولا يدخلون فيه . فحين تحذر أمريكا رعاياها منهم - لا من كل المسلمين - فإنها تعمل بمقتضى العداوة والمنابذة القائمة ، وحين اعترف كلنتون بأنه أمر بقتل هؤلاء عن علم وعمد في الهجوم الصاروخي السابق فإن معنى ذلك أن من حق الطرف الآخر أن يفعل المثل. وقد تضرر الملايين في السودان وأفغانستان بسبب قلة الدواء وفرض الحصار غير من مات أثناء الهجوم، وعلى هذا فلا عهود ولا مواثيق بين الطرفين. فقد سقط إذن الحاجز الشرعي عن الانتقام ولم يبق من حكم شرعي يُرَاعَى في هذه الحالة إلا حكم المعاقبة بالمثل وترك التجاوز في الاعتداء فهنا يقال :-
    هل فعل هؤلاء بأمريكا – إذا ثبت – تَجَاوَزَ ما صنعت أمريكا بالمسلمين في كل مكان؟
    ندع الإجابة للقراء ونقول : إن قول الله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } قد لا يلزم منه تساوي العدد في القتلى أو المال فهذا أمر لا ينضبط في كل حال وإنما المقصود مقابلة الفعل بالفعل : القتل بالقتل ، والأسر بالأسر ، والتخريب بالتخريب .
    أما أنه لا يجوز لهذه الفئة ولا لأي فئة أن تجلب على الأمة عداوة لا قِبَلَ لها بها وتجرها إلى معركة غير متكافئة لم تستعد لها الأمة ولم تتوقعها، فهذا ما نرفع به الصوت ولا نخافت. لكن إذا أبت تلك الفئة إلا الاستبداد بالرأي وفعلت ما عنّ لها بلا مشورة ولا مراعاة مصلحة، فإننا حينئذٍ سنكون نحن الأبرياء ونحن الضحايا لانتقام العدو الغاشم، وهذا ما سيقع للأفغان وغيرهم فهم الأبرياء وليس من سقط من العدو!!
    وليس الحل أن نقف مع العدو عليها فهذا حرام في كل حال، ولكنه في التحاور معها في قضايا المصالح والمفاسد، وبيان أخطائها ولو أدى ذلك إلى هجرها والتنفير منها.
    وعلى كل حال فذلك شأن داخلي بين المسلمين ولا يجوز إحالته إلى دوائر الكفر التي تتربص بالمسلمين كلهم الدوائر، وتوسيعه ليصبح حملة عالمية يكون بعض المسلمين مستخدمين فيها على بعض.
    (10) أن المسلم إذا اجتهد في نصرة الدين والانتقام لإخوانه المسلمين من الكفار الظالمين، وإحداث النكاية فيهم فأخطأ فهو مأجور على نيته وإن كان مخطئاً في عمله وليس هو كالمحارب العادي الذي غرضه نهب المال ، وهتك العرض ، وقطع السبيل ، وأهم من ذلك – بالنسبة للمسلمين – أن حقوقه من الأخوة الإيمانية لا تسقط ومن ذلك قولـه صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه )) وخذلانه ترك نصرته، وإسلامه التخلي عنه ليفعل به العدو ما يشاء .
    وهذا المسلم – على تقدير خطئه في الانتقام من العدو أو اعتباره من ليس بعدو عدواً – ليس بأكثر ذنباً من أصحاب الكبائر كالزنا والسرقة وعقوق الوالدين، ومعلوم مذهب أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر فهم يصلون عليهم ويستغفرون لهم ولا يُشَهِّرون بهم ولا يُشَمِّتون أهل الكفر بإخوانهم بذكر عيوبهم وذنوبهم ، وما دامت صفة الإسلام لهم ثابتة فهم كما قال صلى الله عليه وسلم : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )) ومن استحل غيبتهم والوقوع في أعراضهم مسايرة لأعداء الله ومجاراة للمنافقين والمفسدين في الأرض فهو أشد إثماً ممن فعل ذلك لحظ نفسه وهواه. أما تكفيرهم – صريحاً أو إيماءً – فهو من كبائر الذنوب ويخشى على صاحبه أن يعود ذلك عليه نسأل الله العافية، وهو مما قد يدفعهم لتكفير المجتمع بل العلماء والانتقام من كل مخالف وعواقب ذلك لا تخفى على عاقل .
    (11) قد تكون هناك قرائن تدل على ضلوع بعض الشباب المنتمين إلى هذا البلد فيما حدث، ولكن لا قرينة ولا شبهة في أن الخطة وتداعيات الحدث أكبر مما تتصوره عقول هؤلاء الفتية الأحداث الذين لم يغادر كثير منهم البلاد إلا منذ أشهر ، ومن هنا فإن الخطب الرنانة والمقالات والتحقيقات الواسعة في بلادنا عن الحادث التي توحي بأن التهم حقيقية، وأن التبعات مقصودة، وتصوِّر هؤلاء الفتية وكأنهم شياطين مردوا على الشر لا غاية لهم إلا تدمير السلام العالمي والبطش بالأبرياء ... هي مجافاة لمنطق العدل ومنطق الدفاع عن البلد وأبنائه، وإساءة بالغة لمشاعر أهلهم وقبائلهم، وهي منافية بوضوح لتصريحات المسؤولين التي لم تزد على وصف هؤلاء بأنهم ضحايا تغرير، فهكذا كان تصريح وزير الداخلية - وهو أكثر الناس متابعة لهؤلاء وأعرفهم بدوافعهم - وقد تحدث الإعلام في الغرب عن سذاجة هؤلاء مقابل دهاء شبكة الغربيين الذين فجروا في الرياض والخبر – وهناك من ربط بين الأمرين – أفلا يسع كتابنا وخطباؤنا الذين لم يصدر عنهم شيء عما وقع في بلادهم مما لم تنكشف أبعاده ولم تُستكمَل حلقاته، أن يسكتوا أيضاً عما وقع هناك ؟ أو يقفوا عند حدود تصريحات المسؤولين الذين يحسبون الحساب لما يقولون، ولا يجازفوا بالعبارات الإنشائية في مواقف شديدة الحساسية .
    الحقيقة أن الإعلام المصري أفضل موقفاً في هذه المرة مع أنه كان أكثر شيء عداوة وظلماً وتشهيراً ولكن لكل موقف حسابه .
    (12) أن التضييق الذي تمارسه أكثر الحكومات العربية على الشعوب هو سبب رئيس في تعاطفها المطلق مع كل ما يصدر عن هؤلاء، وإمدادهم بمزيد من الأفراد وقد صرحت المصادر الغربية نفسها بهذه الحقيقة ( منها الواشنطن بوست بعد الحادث بخمسة أيام فقط ) وقد جاء الدليل على هذا جلياً بعد الانتفاضة المباركة، حين أوذي بعضهم بسبب إبداء رأيه في الأحداث، أو توزيع فتاوى عن مقاطعة الشركات الأمريكية، فما كان منه إلا أن فارق البلد وخرج للجهاد ، وبقدر ما تعطي الحكومة في أي بلد الفرصة للإنكار على ما يجري في فلسطين وغيرها وحرية الاحتجاج والتعبير، وإيصال المساعدة للمجاهدين هناك ونصرتهم – بقدر ذلك تكون قد تجنبت تفريخ الخلايا الانتقامية التي لا تستشير ولا تبالي بالإقدام على أي عمل كبير أو صغير ، وقد أثبتت الحوادث المتكررة أنهم إذا قالوا فعلوا وإذا توعدوا وَفَوا، وهم أناس يفرغون أنفسهم لما نذروها لـه، ويجتهدون في الإخلاص فيه، ويكثرون من الدعاء والتضرع، ويدعو لهم صالحو المسلمين في كل مكان، وهم مع هذا مضطرون مكروبون بما جرى لهم وما يجري لأمتهم ، فتأتي أعمالهم بما يشبه المعجزات سواءً في أفغانستان أو في الشيشان أو في الصومال أو في كشمير أو في البوسنة، وإذا صح أن ما حدث من تفجيرات في الخبر وعدن وشرق إفريقية وأمريكا من أعمالهم فهي شواهد أخرى .
    إن الانفتاح على هؤلاء، وإتاحة الحرية لهم في عرض ما لديهم، ومحاورتهم على ضوء قاعدة المصالح والمفاسد الشرعية هو الحل الصحيح والوحيد، وإلا فسندخل في متاهة لا قرار لها. ولا أدل على ضرورة هذا من معرفة أسباب تسرب الغلو في الفكر والعمل إلى بعضهم كما سنعرضه مجملاً في الفقرة التالية .
    وأول ما يجب المبادرة إليه بهذا الخصوص: تغيير الخطاب الدعوي والخطاب الإعلامي الرسمي من النمطية التقليدية، إلى العرض الصريح الواعي لأسباب المشكلة، والنظر العادل إلى القضية وبيان مسؤوليتنا جميعاً: الحكومة، والدعاة والمربين والمجتمع عن كل ما حدث ويحدث، على ضوء الكتاب والسنة، وبما يخدم مصلحة بلادنا وأمنها اللذين يجب أن ننشغل بهما عن الانسياق وراء الإعلام الأمريكي وغيره في الحديث عن مصلحة أمريكا وأمنها .
    لقد شن العدو علينا حرباً نفسية منهجية، ووُجِدَ فينا سماعين لـه مروجين لمفاهيمه ومصطلحاته ، وإلا فمتى كان البنتاجون ((بريئاً)) وهو بتعبير المفكر الأمريكي الشهير "غور فيدال" وأمثاله - بل عند العامة هناك - ((وكر جهنم)) أو ((وكر المؤامرات الشريرة في العالم )) أو (( عش الشياطين )) فضلاً عن كونه أكبر هدف عسكري في العالم. وقالوا مثل ذلك عن وكر الجاسوسية وعش المافيا ومركز الربا وغسيل الأموال أعني مركز التجارة العالمية !!
    إن الإعلام الأمريكي نفسه لم يستخدم هذا المصطلح إلا بعد الحادث ونقلناه نحن هنا بلا تحفظ، فوصم بعض كتابنا وخطبائنا إخوانهم المتهمين في الحادث بكل عيب وشين وأسبغوا البراءة على من لا يدعي براءته أحد من قومه.
    إن أمريكا في كل حروبها ومنها هجومها الأخير على أفغانستان تعلن أنها تستهدف الأهداف العسكرية. ومعها أهداف أخرى مثل خزانات الوقود ومحطات الكهرباء ومراكز التموين والإمداد وهذه الأخيرة عمالها مدنيون غالباًَ، وقد أهلكت قرية بكاملها قرب جلال أباد وأحياء سكنية في كابل وما سمعنا أحداً أنكر عليها ممن رفعوا عقيرتهم بالحديث عن أبرياء أمريكا !! وكأن بعض المسلمين يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين أمريكا، نعوذ بالله من المسخ والخذلان .
    (13) قبل عشرين سنة هرعت ألوف من شباب المسلمين إلى أفغانستان بحسن نية وسلامة فطرة يدفعهم الشوق للجنة والاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في نصرة إخوانهم المظلومين . وكانت حكوماتهم ما بين محرض على ذلك وراضٍ عنه .
    وبعد سنوات أصبحت أخطر قضية أمنية لدى كثير من الدول العربية هي قضية ((العائدون من أفغانستان)). وأصبح مجرد وطء قدم الشاب لهذه الأرض كافياً لتصنيفه مع المجرمين المطلوبين، الذين تتنادى الأجهزة العربية الأمنية وتهرع في كل مكان إذا قال أحدهم هاهنا "أفغاني" !! فتشكل الشبكات السرية التعاونية للقبض عليه ثم تشكل المحاكم العسكرية الجائرة لتحاكمه !!
    فكيف حدث هذا ؟
    قبل الحادث الأخير تساءل كثيرون – منهم الكاتب المعروف فهمي هويدي عن سر التحول الهائل عن التأييد المطلق للقضية الأفغانية إلى النفور الشديد والتجاهل العجيب وقال: (( هذا التحول يحتاج إلى رصد ودراسة للتعرف على تلك المخططات الجهنمية التي تلاعبت بمدارك الناس وعقولهم، ونجحت في جذبهم إلى أفغانستان تارة، ثم حققت نجاحاً أكبر في تنفير الناس من أفغانستان حتى أصبحت هذه الكلمة ترتبط بكل ما هو مفزع وشرير، وكيف أننا استجبنا للموقفين المتناقضين – سياسياً وإعلامياً – فرضينا حين رضيت واشنطن وسخطنا حين سخطت)).
    وبعد الحادث أجمع كل العقلاء أو المتعقلين في العالم على أن الحل ليس تجريد حملة عسكرية شعواء لا أمد لها ولا حدود. ولكن بدراسة الأسباب ومعالجتها، وعاد السؤال ومعه أسئلة أخرى.
    فهل الألوف المؤلفة الذين هرعوا إلى بلاد الأفغان قبل عشرين سنة هم مجموعات من الأشرار الحاقدين المعادين للقيم والحضارة، أو من اللصوص المارقين الساعين لهدم الرفاهية والاستقرار في بلادهم والعالم، كما يصورهم الإعلام الغربي وأذياله عندنا؟
    أم أن أعداء الحق والعدل والسلام وكرامة الإنسان هم الذين اضطروا بعض هؤلاء ليفعلوا ما يرونه جهاداً وقربة وإن سماه الآخرون إرهاباً وهمجية ؟!
    وكيف تسلل الغلو وانتهاج العنف إلى بعضهم وحَوَّله إلى بلده ومجتمعه أحياناً ؟
    وما قصة هذا المصطلح ((الإرهاب)) والاستخدام المراوغ لـه ؟
    إن الإجابة على هذه التساؤلات لا بد أن تعيدنا إلى تاريخ الصراع بين الإيمان والحق والكرامة وبين الكفر والباطل والإذلال في البلد العربي الذي اقتدت به الدول الأخرى ولا تـزال في هذا المضمار (مصر) !!
    كان للدعاية الناصرية قصب السبق في إعلان الحرب على الدعوة الإسلامية وإلصاق التهم بالخيانة والاغتيال والتخريب بالدعاة , ولا نزال نذكر المذكرة الخطيرة التي أعدتها الأجهزة المعنية بالقضاء على الإسلام في مصر. ومنذ ذلك الحين حتى اليوم والدعوة في هذا البلد المعروف بالتسامح طوال التاريخ تلاقي من المحن وصنوف الأذى الشيء الكثير، دون أن ينجح ذلك في استئصال التدين من شعب متدين بفطرته .
    وأول عملية منظمة - وظَّفت ما سمي فيما بعد (( الإرهاب )) لتشويه المتدينين - كانت ضد التنظيم الخاص للإخوان الذي اتهمته الناصرية بالعمالة للصهيونية والاستعمار ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر تلك المسرحية التي لم يصدقها أحد , ولكن أودع العلماء والدعاة في السجون بسببها. ثم حين وضعت قائمة التهم – لمحاكمة سيد قطب رحمه الله ومن معه – كان على رأسها ((محاولة اغتيال سفيري أمريكا وبريطانيا في مصر)) !! وكأنما أنشأت أمريكا وبريطانيا التنظيم وأمدته بالمال والسلاح – حسب الزعم الدائم للدعاية الناصرية – لكي يقتل سفيريها !!
    وانهزمت الناصرية في كل ميدان، واتضحت الحقائق. وخفتت هذه التهمة أو حُفِظت حتى قُتِل السادات. والواضح أن الذين قتلوه أياً كانوا لم يخرجوا عن الإجماع العربي على رفض زيارته للدولة الصهيونية الذي قرره مؤتمر بغداد، ولم يزيدوا على أن ترجموا عملياً ،ما قرره الزعماء نظرياً، وحضوا عليه الشعب المصري من خلال ثلاث إذاعات من ثلاث عواصم غير الوسائل الأخرى، وهو أنه خان الأمة في أقدس قضاياها وأن الواجب على الشعب المصري التخلص منه !!
    وكان السادات قد فتح الباب لجمعيات دعوية مختلفة في الجامعات المصرية لا تديناً ولكن لكي يقاوم الشيوعيين والناصريين، وكانت هذه الجماعات في أغلبها ارتجالية مقتصرة في دعوتها على بعض أمور الإيمان الظاهر غالباً. إلا أن هناك خلايا محدودة من خريجي السجون الناصرية - الذين ذاقوا فيها من صنوف التعذيب ما لا يتحمله البشر - ذهب بهم الغلو إلى تكفير غيرهم . ومن ذلك تكفير الجماعات الإسلامية نفسها . وقد اتُّهِموا بقتل الشيخ الذهبي رحمه الله، وهي تهمة لم يصدقها كثير من الناس حتى أولياء الدم ، وكانت أصابع الاتهام تشير إلى أجهزة الأمن التي أرادت وضع حد لهذه الجماعات بالتخلص من الشيخ ومنها معاً، وسرعان ما أطلقت حملة رهيبة من الاتهام بالهجرة والتكفير شملت كل ذي لحية وجلباب وكل ذات حجاب ، وملأ السادات السجون حيث تلاقحت الأفكار ، وحلَّت الخلايا العنقودية - كما وصفها هيكل - محل الجمعيات الارتجالية، ثم كان قتله إيذاناً بدخول مرحلة جديدة من الاضطهاد وهكذا أفسح المجال لنشوء أو توسع جماعات جديدة تنتهج المقاومة المسلحة للتغيير ومنها "الجهاد" و "الجماعة الإسلامية" وعاصر هذه المرحلة قيام الجهاد الأفغاني الذي اجتمع لـه من أسباب جذب المتطوعين ما لم يجتمع لغيره، وكان ذلك فرصة للطرفين : الحكومة - التي تريد مسايرة رغبة أمريكا في محاربة السوفييت وفي الوقت نفسه تريد التخلص من هؤلاء ومن المتدينين عموماً بقذفهم في فوهة المدافع الروسية - والشباب المتدين الذي وجدها فرصة للهروب من وطأة السجن والملاحقة والعذاب النفسي من المجتمع والأهل وإحياء فريضة الجهاد .
    وفي أفغانستان التقى المتطوعون القادمون - من كل مكان حتى من مصر نفسها – بلا منهج ولا تنظيم بهؤلاء الذين يحملون منهجاً في التغيير وفكراً تنظيمياً ومعاناة طويلة.
    وهكذا تأثر بعض الشباب بهم على اختلاف فيما بينهم وتفاوت في الغلو أو الاقتناع باستخدام العنف. وظلت مصر مصدر الوقود لهذا الغلو والتفرق، فقد كانت شناعة التهم والمجازفة في الاتهام والتعميم وهي من الفنون التي يجيدها الإعلام المصري وقد ذاقها كثير من البلاد العربية، ثم كانت الحملة الشرسة التي بلغ سجناؤها 40 ألفاً – بالإضافة إلى التطبيع مع اليهود ونشر الفاحشة والرذيلة ونبذ شريعة الله ومنع قيام أي تجمع على أساس الدين أسباباً لإعطاء هذه الجماعات شرعية، وإيجاد نسبة من التعاطف معها، ليس فقط بين المجتمع بل داخل الأجهزة الأمنية نفسها.
    وهكذا دخلت مصر في دوامة من العنف الاجتماعي بسبب إرهاب الدولة والتشبث بالحل الأمني أو الحسم – كما سماه جلادوها – فقد بلغ هذا الإرهاب في انتهاك الحرمات واقتراف الفظائع حداً جعل أكثر الناس رقة ولطفاً يضمر الانتقام أو يوالي أهله ، الأمر الذي أحرج أصدقاء الحكومة المصرية وعلى رأسهم أمريكا نفسها، ولاسيما حين تتابعت تقارير الخارجية الأمريكية، ومنظمات حقوق الإنسان وتواترت عن صنوف التعذيب وتعسف المحاكمات. حتى أن بعض التقارير الأمريكية، أثارت قضية التعذيب باستخدام فيروسات الإيدز.
    وهكذا بلغ الشحن النفسي غايته داخلياً وخارجياً، دون أن تتراجع الحكومة المصرية عن مسلسل الحسم وحلقاته، من القتل والتشريد والسجن بالظنة أو لمجرد اللحية وغطاء الشعر للفتيات، ومضت قدماً في تحريض الدول الأخرى على الإسلاميين ونجحت مساعيها من خلال تبني مؤتمرات وزراء الداخلية العرب لذلك وسرعان ما سابقها النظام التونسي في هذا المجال، ناهيك عن النظام البعثي في سورية الذي كان قد دمر أهم مدينتين لأهل السنة حماة في سورية وطرابلس في لبنان وسجن وشرد عشرات الألوف !! بحيث تجاوزت مأساتهم مأساة الفلسطينيين !! وقل عن دول أخرى مثل ذلك .
    وهكذا كان الإنجاز الوحدوي الوحيد للأمة العربية ! ، وأصبح هدف الذين يزعمون أنهم صنعوا العفريت لمواجهة السوفييت أن ينصبوا لـه المصائد أينما مر حتى لا يبقى لـه من أثر.
    وقد صاحب توقف الجهاد في أفغانستان اشتداد الوطأة في البلاد العربية على كل من ذهب إلى أفغانستان، واستطاعت الحكومات العربية إقناع الغرب بعد جهد جهيد لمسايرتها في المواجهة والحل الأمني . وهكذا لم يجد كثير من الشباب الأبرياء فرصة للحياة المستقرة لا في الدول العربية ولا في الغرب، فأخذوا يبحثون عن مكان يجاهدون فيه ليهربوا إليه، وانضم الذين بقوا في أفغانستان إلى صفوف حركة طالبان.
    ومن عاد منهم لبلاده قبل اشتداد الوطأة أو استطاع التفلت من التهمة أو خرج من السجن وجد الطريق مغلقة في وجهه، فالدعوة محصورة محاربة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفقود أو ضعيف ، والأمة غارقة في الشهوات الرخيصة واللهو والعبث ، وباختصار وجد كل ما يصادم القيم الجهادية التي يؤمن بها ولم يجد المحاضن الدعوية التي تهذب وتربي أو وجدها لكن طبيعته لم تقبلها ، وهذه قضية مهمة بالنسبة للدعوة والدعاة.فهم أولى الجهات بأن يعرفوا تقصيرهم ويعترفوا بمسؤوليتهم.
    وفي ظروف القلق والمعاناة والحيرة اشتعلت الانتفاضة المباركة في الأرض المقدسة ، ودهش العالم كله للانحياز الأمريكي الصارخ لليهود، واستجمعت ذاكرة هؤلاء الشباب كل الأعداء الذين نكلوا بالمسلمين، وارتكبوا أبشع الجرائم في التاريخ سواءً في البوسنة أو الفلبين أو الصومال أو جنوب السودان أو تيمور أو في الجمهوريات المستقلة، وإذا بهم يتشخصون في شخص واحد هو "أمريكا" وما لها من توابع ، أي أن الانتفاضة الفلسطينية هي التي حددت ملامح هذا العدو الأخطبوطي بوضوح.
    ولأول مرة تطابقت آراء المجاهدين في كل مكان مع آراء الحكومات العربية كلها بأن أمريكا غير عادلة، بل لا تحب العدل ولا تعرفه، ووصل العداء لأمريكا ذروته في الصيف الماضي حين اتخذت الحكومات العربية مواقف واضحة الدلالة على الإحباط واليأس من اعتدال السياسة الأمريكية ، فبعضهم حمّل أمريكا كامل المسؤولية عن الإرهاب الصهيوني وبعضهم حذرها جداً من عواقبه ؟ فلم يعد في إمكان بشر ولو قُدَّ من حجر أن يسكت على طائرات ف 16 والأباتشي وهي تلاحق سكان المخيمات الفقيرة المعزولة وتقتل النساء والشيوخ ثم يأتي الموقف السياسي في مجلس الأمن فيضفي العدالة المطلقة على الإرهاب الصهيوني ويتهم المستضعفين بالإرهاب !!
    إن أشد الناس تحالفاً مع أمريكا في أوربا وغيرها استهجنوا ذلك وانضموا إلى موقف الشعوب الإسلامية التي سرى فيها الشعور بضرورة إيقاف هذا العدوان والانتقام للمظلومين سريان النار في الهشيم. فلم تقتصر على المتدينين بل وصلت إلى محترفي اللهو والتمثيل . وتجاهلت أمريكا كل هذا مع تكرار التحذير من عاقبته حتى أن مصر وجهت لها تحذيراً شديد اللهجة قبل الحادث بأيام فقط. أما العلاقات السعودية الأمريكية فقد وصلت إلى أسوأ مرحلة في تاريخها.
    وفي ذروة ذلك الغضب والغليان وقع الحادث فابتهج لـه المسلمون في كل مكان ، لا شماتة ولا تعاطفاً مع الفاعل - الذي لم تظهر أي إشارة إلى هويته بعد – بل تنفيساً عن ذلك القهر وذلك الإحباط، وأملاً في أن يردع الأمريكيون حكومتهم الغاشمة بعد أن ذاقوا يوماً واحداً مما يذوقه المسلمون كل يوم، وفي كل مكان - لاسيما في فلسطين – وعلى مدى عقود طويلة !!
    ولكن هل كان في ذلك عبرة لواشنطن ومن وراءها؟ هل اعترفوا بمسؤوليتهم في هذه المشكلات؟ هل راجعوا سياساتهم تجاه الشعوب الإسلامية أو اتجهوا إلى ذلك وفكروا في إعطاء الفرصة ليعبد هؤلاء ربهم في بلادهم بأمن ويدعوا إلى الله بصبر وحكمة ؟
    إن الإجابة معروفة للعالم كله وأسوأ ما فيها أنهم لم يكتفوا بالتهرب من المسؤولية بل ألقوها كلها على عاتق المسلمين وشخصوها في شخص (( حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان = طالبان )) وأجلبوا بخيلهم ورجلهم وإعلامهم وحلفائهم لتدميرها ومن ثم الانطلاق إلى غيرها !!
    ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى من صنع أمريكا نفسها ونجد ظلماً صارخاً تنتهجه أمريكا وحلفاؤها !!
    فلنتعرف إذن على طالبان وموقفها بعدل في الفقرة التالية :-
    (14) يتغير منهج السياسة الأمريكية وتتقلب مواقفها دون أن يعلم حلفاؤها وأولياؤها أو يفهموا. وليست هذه هي المشكلة ولكن المشكلة في أن التصنيف الأمريكي يأتي في كل مرة اعتباطياً، بحيث يصبح عدو الأمس صديق اليوم وحليف الأمس عدو اليوم بلا سبب واضح، بل ربما ادعوا صداقة من لم يصادقوه قط، أو مساعدة من لم يساعدوه بشيء، وربما قاتلوا من لا يزال سلاحهم في يده وغذاؤهم في بطنه وصادقوا من لا تـزال دماؤهم تقطر من يده ، وكل هذا فيما لا يمس الثوابت الدائمة في السياسة الأمريكية وأهمها :-
    1) المحافظة على أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على الدول العربية والإسلامية مجتمعة.
    2) ضمان تدفق النفط. والسيطرة على الممرات الاستراتيجية .
    3) عدم السماح بقيام دولة إسلامية حقيقية في أي مكان.
    وفي أفغانستان انقلب الموقف الأمريكي بعد خروج السوفييت يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، إلى استثمار حالة الفراغ السياسي التي أحدثتها الأحزاب بتفرقها وتقاتلها على الدنيا وشرع الجيران في اقتسام ولاء المتحاربين ومنافسة الآخرين. فالروس يجتذبون فلول الشيوعيين وإيران تجتذب الروافض ، والهند تسعى لمنع النفوذ الباكستاني، والصين تقاوم المخطط الهندي، وتخشى سريان عدوى الجهاد إلى مسلميها المضطهدين. إلا أن باكستان أكثر الدول فرصة للفوز بحصة الأسد، وذلك بسبب وشائج الدين والقبيلة والروابط الاقتصادية ، وهي تسعى لكسب ولاء أمريكا وشراكتها التجارية.
    وبالفعل هرعت الشركات الأمريكية لدراسة الجدوى الاقتصادية للمنطقة ووجدوا أن الفرص هائلة سواء في الجمهوريات المستقلة التي سارع اليهود والأمريكان باكتشافها بمثل مغامرات الأوربيين لاكتشاف أمريكا، أو في نفط بحر قزوين الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد نفط الخليج ، واستعاد المستعمرون الجدد ذكريات أجدادهم عن "طريق الحرير" الطريق القديم للقوافل التجارية بين شرق العالم وغربه، ووجد الأمريكان والباكستانيون أن العائق الوحيد يتمثل في فقد الاستقرار في أفغانستان التي لابد لكل طريق أن يمر منها.
    وهنا أقنع الباكستانيون أصدقاءهم بأن لديهم حلاً يتمثل في طلاب العلم الأفغان الذين يدرسون في باكستان، ففيهم من الصفات ما يؤهلهم لضبط الأمن وإيجاد وضع مستقر، فالناس كلهم يحبونهم وأيديهم نظيفة من دماء الشعب وقد نجح بعضهم بالفعل في توطيد الأمن في ولايته - ومنهم الملا محمد عمر! - وبادرت الولايات الأخرى في الكتابة إليه للدخول في طاعته والإفادة من هيبته بالقضاء على قطاع الطرق، ثم إنهم في تصنيف الأجهزة الاستخباراتية العوراء آخر من يمكن أن يؤسس حركة سياسية منظمة، فضلاً عن أن يستقل بحكم دولة.
    وهكذا أيدت أمريكا وباكستان ودول الخليج – التي كان منها مستثمرون أيضاً – قيام حكومة طالبان التي اكتسحت البلاد بسمعتها الحسنة وآثارها الحميدة وليس بقوتها أو بمعونة غيرها ضرورة . إلا أن الأمر الذي لم يتنبه لـه الباكستانيون ومن وراءهم هو أن أفغانستان لم تنتهِ معجزاتها، ولم تنفد مفاجآتها، وهكذا فوجئوا بأن طالبان ليسوا مجموعة دراويش يمكن باسمهم استغلال الدين وإقامة دولة ترفع شعارات جوفاء وهي في الواقع مطية لمطامعهم.
    صحيح أن الطلبة لم يتعاطوا السياسة بحكم إقامتهم في بلاد الغربة وانحصار تعليمهم في العلوم الشرعية والتراث، ولكن صدق تدينهم ووجودهم في بيئة مفتوحة سياسياً وارتباطهم القبلي وليس الحزبي والتأييد الشعبي الواسع لهم – كل ذلك جعلهم يستقلون برأيهم ويقيمون حكومتهم وفق المنهج الذي يرون لا وفق ما يمليه عليهم غيرهم . وهكذا كان.
    فليس صحيحاً ما يردد في الإعلام الغربي من أن طالبان صنيعة أمريكا وأن السحر انقلب على الساحر، ولكن الصحيح أن الأمريكيين يريدون إسلاماً أمريكياً، وهؤلاء أقاموه إسلاماً صادقاً حسب عقيدتهم ومذهبهم، ومن هنا افترق الطرفان. والشيء المتيقن هو أن نجاح طالبان كان أخلاقياً قبل كل شيء، وأنهم أعادوا للمسلمين شيئاً من الأمل الذي أحبطته الأحزاب، وأنهم بعثوا في الأمة فكرة قيام دولة العقيدة التي تراعي نصوص الكتاب والسنة والفقهاء وليس الأساليب العصرية الملتوية والقانون الدولي المطاط.
    وفيما يتعلق بالإرهاب يجمع المنصفون على أن حكومة طالبان هي التي قضت عليه ووطدت الأمن في أرجاء البلاد كما قضت على كثير من مصادر الفساد ومنها زراعة المخدرات.
    وكانت الأكاذيب الإعلامية الغربية عن اضطهاد المرأة والاتجار بالمخدرات من التفاهة لدى المسلمين بحيث أعطت نتائج عكسية، فضلاً عن منع التنصير وتحطيم الأصنام.
    بل إن العلماء الذين زاروا أفغانستان للمباحثة بشأن تحطيم الأصنام صرحوا بأن ما رأوا عكس ما سمعوا وأنهم كانوا ضحايا التضليل الإعلامي الغربي ، ونبهوا المسلمين إلى ذلك .
    وفيما يخص المشكلة الأخرى التي صارت أم المشاكل! وهي (( إيواء الإرهابيين )) ليس في إمكان أي ناظر بالعدل إلا أن يشيد بموقف طالبان الإسلامي الذي هو في نفس الوقت الموقف الإنساني والموقف الصحيح سياسياً من بقايا المجاهدين العرب .
    فأي ذنب لطالبان في إيجاد إرهابيين مزعومين وهي إنما جاءت متأخرة عن نشأتهم وعن قدومهم للبلاد وكانت معزولة عن منهجهم وعن فكرهم ، جاءت وقد نبذتهم حكومة الأحزاب وتنكرت لهم وجحدت جميلهم فأحسنت إليهم وإلى العالم الإسلامي والعالم كله من جهتين :-
    1- قيامها بواجب الوفاء للجميل لمن ناصروا الأحزاب بأنفسهم وأموالهم حتى إذا تمكنوا تركوهم بين فكي كماشة رهيبة ، أحدهما : حكوماتهم التي تنتظر عودتهم لتذيقهم ألوان النكال وتـزج بهم في غياهب السجون مع إخوانهم السابقين ، والأخرى : الفقر القاتل والتشرد في مخيمات اللاجئين شمال باكستان، حيث أمضى كثير منهم السنين تلو السنين يعاني الحر والقر ولا يأكل إلا من القمامة! وأي قمامة ؟ إنها ليست قمامة أثرياء الخليج بل قمامة مهاجري الأفغان وفقراء باكستان .
    أما حفظها لحق الجوار – إلا بسبب شرعي – فهو مما تشكر عليه، مع أن للضرورة أحكامها. وقد ذكّرنا حالها بموقف الملك عبد العزيز من تسليم الزعيم الثوري رشيد عالي الكيلاني لبريطانيا حين التجأ إليه. وكانت علاقته ببريطانيا قد أخذت في الفتور بسبب علاقته الناشئة مع أمريكا فرفض تسليمه محتجاً بأخلاق العرب وشيمهم ولم ينكر عليه الأمريكان ذلك.
    2- ضبطها لمن بقي منهم في أفغانستان : فبعد أن كانت الأمور فوضى أيام الأحزاب، وكان يمكن أن تتحول البلاد فعلاً إلى مفرخة للغلاة من كل جنس، جاءت طالبان لتفتح لهم المساجد والحلقات ليتعلموا ويعلِّموا وتفاهمت مع الحكومات ذات العلاقة بشأنهم بأن تعهدت ألاّ تسمح بعمل أي شيء ضدها وأبلغتهم أنها اشترطت ذلك عليهم وفي حالة ثبوت مخالفتهم لهذه الشروط فهي ستحاكمهم أو تسلمهم لحكوماتهم !
    وقد سمعنا وقرأنا جميعاً لرئيس تنظيم القاعدة التصريح تلو التصريح بأنه لا يستهدف أبداً بلاد الجزيرة بشيء، وأنه ليس ضد حكومة بلاده، ولا يريد تعكير الأمن فيها، وهذه التصريحات وأمثالها انتشرت في كل مكان ونقلتها بعض الصحف الغربية وكان لها دور في تهدئة الشباب في اليمن ودول الخليج، بعد أن كانت المرشَّح الأول للعمليات التي قد يخطط لها هؤلاء، وكل هذا بفضل طالبان التي قوبلت بالظلم والاتهام بأنها ترعى الإرهاب وتؤوي أهله!!
    هل نقول هذا دفاعاً عن طالبان ؟
    وماذا عسى أن يرجو المدافع عن طالبان لاسيما في هذه الأيام ؟!
    إننا نقولـه دفاعاً عن الحق والحقيقة، وليعلم العالم مقدار الغطرسة الأمريكية والحقد الأمريكي على كل ما يمت للإسلام الحقيقي بصلة، وليعلم الجور والحيف الذي يضطر المعتدل من المسلمين بل الغافل أن يتحول إلى متطرف في الحكم عليها، ومجاهر بالعداوة لها ، ولتعلم الحكومات العربية أنه لا مخرج لها من كل أزمة إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج الخلفاء الراشدين، وفتح المجال للدعوة وتربية الشباب تربية إيمانية متوازنة، وليعلم الدعاة في هذه البلاد وغيرها أن الصبر على هؤلاء الشباب واحتواءهم بالمعاملة الحسنة والتفهم لمواقفهم هو الحل الصحيح والمقدمة الحقيقية لتهذيبهم وتربيتهم وليس التشنيع بهم على المنابر وترديد ما يقوله أعداء الله عنهم .
    (15) الآن وقع ما كان منتظراً وبدأت الحرب الصليبية الكبرى بالعدوان على الشعب الأفغاني وفي هذا قطع للجدل غير المثمر حول الحادث ومدعاة للتفكير الجاد العميق في أهداف أمريكا. وكيف استثمرت الحدث؟ ثم كيف يجب أن نستثمره نحن؟ .
    لقد جاء هذا الحادث ليكون حلقة في سلسلة السقوط الأمريكي المتتابع ، فقد سقطت أمريكا أخلاقياً بفسق كلنتون ومهزلة مساءلته . ثم سقطت سياسياً بمهزلة الانتخابات والفرز اليدوي، ثم سقطت إنسانياً كما حدث في مؤتمري دوربان والبيئة، ثم جاء الحادث ليسقطها أمنياً ويهزها عسكرياً واقتصادياً، فقد هشم كبرياءها وكشف سوأتها لكل من كان يتربص بها ومن المحال أن تستعيد ما كانت عليه من الهيبة والشعور بالثقة وإن كانت بلاشك تستطيع تلافي آثار المأساة في جوانب أخرى، ولا ريب أن دارسي الحضارات ومستقبل العالم سيعيدون النظر في تقديراتهم وحساباتهم تجاهها.
    وتلافياً لآثار هذه الأزمة التاريخية الحادة اندفعت أمريكا لاستثمار الحدث بأوسع ما يمكن من المجالات. لفرض الهيمنة التي كانت مطلوبة من قبل، ولاستعادة الكبرياء والهيبة المفقودين . هذا عدا تلافي القصور الشخصي لرئيس يعاني من فقد كثير من مؤهلات القيادة، وحزبٍ لم يجد من رجالٍ للإدارة إلا عجائزه من أيام جونسون وبوش الأب، ومن هنا شرعت الإدارة الأمريكية في حشد كل ما تستطيع من القوى، واستنـزاف كل ما يمكن من المال، واستهداف كل من يمكن من الأعداء ، وبارتجال وارتباك واضحين استعجلت الخطط لذلك وتعسفت في فرضه على العالم بشقيه الموافق لها والمخالف .
    ولعل من أوضح الأدلة على الحصر النفسي والتخبط في استغلال الحادث من جهة ، والمبالغة في استثماره لأهداف مبيتة سلفاً من جهة أخرى – إعلانها ذلك المبدأ القائل ((من لم يكن معي فهو عدوي)) باختـزال المواقف كلها في معسكرين : معسكر الحرية والحضارة والديمقراطية، وهو شامل لكل من يقف مع أمريكا ، ومعسكر الإرهاب والبربرية والشر وهو شامل لكل من لم يقف معها، وإن لم يكن عليها ضداً ، وبالغت أمريكا في الاستبداد بزعامة الأول كما أفرطت في التهديد بمعاقبة الآخر.
    ومن هنا تعالت الأصوات من أصدقائها فضلاً عن أعدائها باستنكار هذا المبدأ الخطير والتصنيف الجائر ، واستنتج كثير من المحللين أن هناك أهدافاً بعيدة قد تكون الضربات العسكرية لبلدان عدة أهون ما فيها أو مقدمة لها ، أما هدف القضاء على تنظيم القاعدة وحكومة طالبان فلا يعدو أن يكون مبرراً ظاهرياً للتغطية.
    والذي يدفع لهذا الاعتقاد أن الخطة العسكرية الأمريكية منذ عقدين أو أكثر مرسومة أصلاً بحيث يمكن إشعال حربين إقليميتين في نفس الوقت – كما لو وجهت ضد العراق وكوريا مثلاً - ، فالعنصر البشري الذي يبلغ تعداده 300 ألف جندي موجود في منطقة المحيط الهندي والخليج بشكل دائم، وميزانية النفقات معتمدة سنوياً بانتظام.
    فلو أن المقصود الآن أفغانستان ودولة أخرى أيضاً لما احتاج الأمر إلى أكثر من تنفيذ ما هو مرسوم من قبل لاسيما والشعب سوف يقنع بهذا الرد وسوف تتجنب الانتقادات الحادة داخلياً وخارجياً.
    ولهذا كان السؤال القائم الآن هو : لماذا وسعت أمريكا وبوضوح تام نطاق المواجهة وأبعاد المعركة وعلقت نتائجها ونهاياتها وجعلتها مثاراً للجدل والتخمين والتحليل في كل مكان ؟
    إن مفتاح الإجابة على هذا السؤال الكبير يأتي باستعراض القوى العالمية الكبرى وموقع أمريكا منها، وهذه القوى هي :-
    1- الاتحاد الأوربي 2- اليابان 3- روسيا والجمهوريات المستقلة 4- الصين 5- الهند 6- العالم الإسلامي بعنصري القوة : أ – النووي : باكستان، ب- النفطي والاستراتيجي : العرب .
    وفرق كبير بين أن تظل أمريكا قوة من هذه القوى – وإن كانت الأقوى – وبين أن تتفرد بالهيمنة عليها جميعاً، وإحكام القبضة على مقود السيطرة العالمية، وتسحق كل هذه القوى أو بعضها ما أمكن، وهو ما كانت أمريكا تعد العدة لـه وتنتظر الذريعة الكافية لفعله لاسيما وإن التخويف من قوة العراق أو إيران وسيطرة قوة مارقة على منابع النفط والممرات الحيوية قد فقد سحره، بل لم يعد أحد يصدقه كما أن سحق آخر بؤرة معارضة في أوربا وهو الاتحاد اليوغسلافي فتح الباب للتساؤل عن العدو المرشح لحرب أكبر تخوضها أمريكا عليه.
    فقد أصبح معتاداً أن كل من يرأس أمريكا لابد أن يشن حرباً أو أكثر، فالحرب هي مصدر الثروة التي لا يحاسب عليها أحد ، وشركات السلاح وقوى العولمة والمرابون الكبار هم أقوى قوى الضغط جميعاً وهم لا يروي عطشهم إلا حرب كبرى أو مشروع حربي كبير والرئيس الذي يخالفهم يفعلون به ما فعلوا بكندي وكادوا أن يفعلوه بريجان. وتوريط أمريكا في حرب واسعة سيفتح لهذه الشركات مورداً أكبر بكثير من مشروع درع الصواريخ الاستراتيجية، وسوف يفرض هيمنة أمريكا التي هي هيمنتهم على كل القوى المنافسة.
    وقد أشار أكثر من دراسة إلى أن منطقة جنوب شرق آسيا هي المنطقة الأقرب لأن تكون مسرحاً لهذه الحرب فهي مجمع القوى الرئيسة الصاعدة ، وهي أكثر مناطق العالم توتراً بعد منطقة الخليج وفيها يمكن تجسيد العدو المفتعل الغامض "الإرهاب" في شخص أفغانستان ومن عليها. وهكذا جاء الحدث غير المتوقع لينجز خطة مرسومة من قبل :-
    1- فالاتحاد الأوربي تناسى بسرعة مدهشة موقفه المتميز عن المواقف الأمريكية في قضايا كثيرة أهمها "القضية الفلسطينية" وتعلق بأذيال أمريكا لمحاربة "الإرهاب" وأصبح "بلير" وزيراً لخارجية أمريكا في حملتها الدبلوماسية !! وتلاشى التحفظ الفرنسي الدائم ، وبالغت ألمانيا في الانبطاح إلى حد المبادرة والقبض على مشبوهين لم يطلبهم أحد ولم يتهمهم أحد أصلاً .
    2- أما اليابان فقد سنحت الفرصة لشطب اسمها من قائمة المنافسين لأمريكا إلى الأبد ، فهي دولة قومية وليست حضارة ، وهي نائية جغرافياً ولا جيش لها على الحقيقة وكل قوتها محصورة في الاقتصاد وهي الآن في ورطة اقتصادية عويصة. وطالما هددتها أمريكا وتربصت بها لتمويل حملاتها قائلة: إن اليابان تحصل على ما تريد من الطاقة وحرية التجارة مجاناً، مع أن أمريكا تتكفل بحماية النفط والممرات الاستراتيجية ، فهذا أوان المحاسبة ولا يسعها إلا أن تدفع وتركع بدون تردد .
    3- وأما روسيا والجمهوريات المستقلة فهي العالم الجديد الذي يسعى المرابون الكبار في العالم وطواغيت العولمة – وهم أمريكيون – إلى اكتشاف كنوزه الهائلة، ونـزع آخر أظافر القوة العسكرية لديه، وهاهي ذي الفرصة سانحة لوجود عسكري مباشر على أراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً ، ويالها من مفارقة مذهلة !! كان الروس يرفضون وجود قواعد أمريكية في جزر المحيط الهندي والآن يرحبون بها فوق أراضيهم لذلك تساءل الروس : أي شيطان يمكنه أن يبلِّغ خروتشوف بهذا؟
    4- وأما الصين فلن تكون العملاق الصاعد بعد اليوم فالنفوذ الأمريكي سيحيط بها من كل جهة – وهاهو ذا قد بدأ – والجزرة خير لها من العصا! نعم ستبقى قوية بشرياً لكن هذا سيجعلها أيضاً سوقاً هائلاً لأمريكا.
    5- وأما الهند فلابد أن تيأس من محالفة روسيا ولابد أن تندم على قوتها النووية وتكفِّر عن أحلام السيطرة على جنوب آسيا بالخدمة الرخيصة للإقطاعي الأمريكي .
    6- وأما العالم الإسلامي فهو المستهدف الأول والند الأبدي ليس لما لديه من قوى الآن فحسب، ولكن لأنه المرشح الوحيد للمنافسة ولو بعد قرن من الزمان ، بل العدو الوحيد الذي لا تحتاج الحرب عليه إلى أي مكسب آخر فالقضاء عليه هو الربح بذاته.
    واختيار أفغانستان لكي تكون كبش الفداء لحرب الاستكبار والهيمنة ليس بسبب الإرهاب ولا إيواء تنظيم القاعدة بل تعود أسبابه إلى أيام المنافسة بين السوفييت والأمريكان للسيطرة على الخليج. والموقع الجغرافي لأفغانستان هو الذي جعلها بؤرة الصراع وميدان المنافسة فعند هذا البلد القارّي المعزول عن البحار تلتقي أطراف أربع من القوى الكبرى السابق ذكرها : -
    (( روسيا ، الصين ، الهند ، العالم الإسلامي : باكستان ، إيران ، ثم الخليج )) .
    ومن خلال هذا التفسير يمكن فهم تكرار الحديث عن حرب طويلة وشاملة على لسان بوش وأعوانه ؟ إن المدى الذي حدده بوش بعشر سنوات ليس للقضاء على حركة طالبان بل لإحكام السيطرة على هذه القوى الأربع وذلك بجمع رؤوسها كلها وضربها بحجر واحد ، أوربطها بحبل واحد تكون عقدته في أفغانستان ، وزمامه في يد قواتها التي سوف تتضاعف في المحيط الهندي والخليج وآسيا الوسطى على مقربة من عين التنين الأصفر ، وسوف تلقي للاتحاد الأوربي ببعض الفتات وتلوح لروسيا بشيء منه فهاتان القوتان جزء من حضارة الرجل الأبيض !! أما اليابان فسوف تصبح معزولة تابعة بل يمكن أن تستخدمها مع كوريا الجنوبية لضبط قوة الصين والإجهاز على كوريا الشمالية .
    وأما الدول العربية فالخطة تقتضي جعلها منظومة تابعة مثل جمهوريات الموز ، أو دول الصحراء، وتغيير الأنظمة فيها – حتى المعتدل منها !! – وبهذا تتفرد أمريكا بالهيمنة على هذا الكوكب !!
    وقبل الحديث عن إمكان نجاح هذه الخطة من عدمه نشير إلى الجانب المهم جداً للصراع وهو الجانب الحضاري والثقافي الذي تلخصه الإدارة الأمريكية في عبارات من مثل : "تجفيف المنابع" أو "فرض القيم الأمريكية" والواقع أن العالم الإسلامي يتميز في هذا الجانب تميزاً هائلاً فالاختراق الحضاري الغربي لمنظومة الأديان الشرقية ممثلة في البوذية والكنفوشيوسية والهندوسية لا يحتاج إلى برهان، فقد اجتاحت الإباحية الأمريكية واللغة الأمريكية والثقافة الأمريكية القلاع التقليدية لهذه الأديان، وإن كانت الصين لا تـزال تحاول المقاومة ، أما العالم الإسلامي فشأنه منذ القدم أن يستوعب الثقافة الوافدة فلا هو يعاندها ولا هو يذوب فيها ، وكلما كان التحدي أقوى كانت استجابته أشد .
    نعم، إن هذه الهيمنة أعنف هجمة حضارية تعرض لها في تاريخه ولكن بوادر التميز قد ظهر لها إشارات وبشارات في كل مكان ومنها الوجود الإسلامي المتميز في داخل الحضارة الغربية نفسها ولا أوضح من معرفة السر في هذا فهو نقاء هذا الدين وربانيته وفطريته .لكن أمريكا لا تقبل الاعتراف بهذا ومن هنا يأتي المفتاح للجواب على السؤال الكبير وهو :
    هل ستكسب أمريكا هذه الحرب الطويلة الشاملة الذي فرضتها على نفسها وعلى العالم؟
    والجواب بدون تردد : لا . لن تكسبها ولو جعلت العشر السنين عشرين بل قرنين . إن أمريكا يمكن أن تكسب حرباً عسكرية خاطفة أو طويلة. أما أن تكسب حرباً شاملة فلا . ومن هنا من ثغرة الشمول ينتقض بناؤها على أم رأسها . والسبب توضحه جلياً التجارب الكثيرة من الأمة الإسلامية في كل صراع تلوح فيه شعارات الدين ، فلا شيء يستفز المسلمين أكثر من مس العدو جانب الدين أو المقدسات ، وقد نمى الوعي الإسلامي بحيث أصبح استخدام الأجواء مساساً بالمقدسات فكيف والإدارة الأمريكية تستفز المسلمين بشعار كشعار "الحرب الصليبية" أو "تجفيف المنابع" وتظن أنها تمتص المشاعر الجياشة بأعمال من قبيل زيارة مركز أو إلقاء غذاء مع الصواريخ المتساقطة !!
    إن شعوب العالم الإسلامي خاصة - وشعوب العالم عامة - تستريب من كل خطوة أمريكية وإن جاءت في الاتجاه الصحيح، فكيف وهي تسبح عكس التيار؟ فحين لوّحت بالاعتراف بدولة فلسطينية لم يأبه لها أحد، وحين ألمحت إلى تغييرات في الأنظمة العربية لصالح الديمقراطية وحرية الشعوب لم يصغِ لها أحد. أما حين تتحدث عن الحركات الجهادية في العالم باعتبارها إرهابية فإن المسلمين يتوقعون منها كل شر .
    إن المواجهة بين أمريكا والعالم الإسلامي ستكون عنيفة للغاية ومدمرة، وسوف تحدث شروخاً هائلة في الوضع القائم ما لم تتراجع أمريكا عن خطتها الغاشمة وعدوانها المستمر، وهو ما لا يظن بها - على الأقل في المرحلة الراهنة – ومن هنا نرجو أن يكون هذا استدراجاً لها من الله مع كونه ابتلاءً وامتحاناً للمسلمين.
    إن الله تعالى قد عَلِمَ حاجة هذه الأمة إلى اليقين والإيمان فجاء بهذا الحادث ليكون آية من عنده على ((أن القوة لله جميعاً)) وأنه تعالى قادر على أن يفعل بكل عدو للإسلام ما فعل ببني النضير الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب}
    إن هذا الحادث أكبر من كونه هجوماً مباغتاً على قوة عظمى زلزلَ أركانها وأفقدها صوابها، إنه قلبٌ لكل المعادلات ونسفٌ لكل الحسابات التي بنى عليها الغرب الصليبي حضارته وسيطرته وأسباب قوته منذ 500 سنة واكثر أي منذ أن أخرج المسلمين من الأندلس وشرع في كشوفاته الاستعمارية الأولى.
    فكل تلك المعادلات والحسابات والأسباب تقوم على التفوق العسكري والحضاري على الخصم في كل ميدان ، وهو التفوق الذي بلغ ذروته في المرحلة الأخيرة، حيث لم يعد في إمكان العالم الإسلامي التفكير في مقاومة هذا العدو، الذي تأهل بالتقنية المتطورة ليصنع أشد الأسلحة فتكاً ودماراً، وتوحّد ليصبح معسكراً واحداً من حدود روسيا مع اليابان شرقاً إلى أقصى الجزر التابعة لأمريكا غرباً ، وقد استنفد آلاف البلايين ليملك قوى جهنمية ومواقع استراتيجية وثروات طبيعية لا يقبل أن ينافسه أحد في شيء منها.
    هذا والعالم الإسلامي يعيش عقدة النقص والتخلف فأنىَّ لـه بجيوش كهذه الجيوش وقوى وموارد كتلك القوى والموارد وهو فقير متخلف في أهم أسباب القوة المادية وهو "التقنية" وأنى له أن ينافس في شيء ما من الميادين والعدو متربص به يحصي أنفاسه ويمتص دمه .
    إنها حال مؤلمة لا تبعث إلا على الإحباط واليأس وربما أنتجت شكاً في وعد الله وسوء ظن به بل تكذيباً لما جاء في كتابه – عياذاً بالله – ولكن هذا الحادث جاء ليقول للمسلمين والعالم بوضوح :-
    إن القلعة الحصينة التي بناها الغرب في قرون يمكن اختراقها بالحمام الزاجل ! وإن الجيوش الغفيرة يمكن هزيمتها بمئات من طالبي الجنة! وأن التقنية مهما تطورت لا يمكن أن تقاوم الروح المعنوية للمؤمنين.
    جاء وأمريكا تعمل على قدم وساق لبناء منظومة صواريخ للردع الاستراتيجي، وأقمارها الصناعية ترصد ما فوق الأرض بل ما تحتها من الكنوز، ولكن روحها خاوية من الإيمان بالله مشبعة بالكبر والغطرسة فاستطاعت ثلة قليلة العدد من أبناء العالم المتخلّف أن تدوس أنفها في التراب على مرأى ومسمع من العالم المذهول المصعوق.
    سبحان الله ! أيّ آية في هذا وأيّ عبرة للمؤمنين؟
    لو عقلت أمريكا هذه الآية لسارعت بطلب المغفرة من المسلمين وبادرت بالتكفير عن جرائمها الكبرى ومواقفها المشينة معهم ، ولكنَّها – لحكمة عظيمة قدرها الله – ركبت رأسها وشرعت في عدوان من شأنه أن يجعل الملايين في العالم الإسلامي تتحول من حياة المتعة الرخيصة إلى طلب الشهادة على نحو ما فعلت تلك الثلة أو أكثر وربما بوسائل أخطر.
    لقد انقلبت كل الخطط والمعايير والمعادلات والحسابات!!
    وأصبحت الترسانة الهائلة من الأسلحة – التقليدي منها والنووي و ... و ... مما لا نعلم – أشبه بأكوام السيارات القديمة أو "الخردة". لقد تم تحييدها في هذا النوع الجديد من الحرب الذي لا يعدو أن يكون مبارزة بين قوى خارقة غير مرئية يملك المسلمون منها ما لانهاية لـه وبين القوى المادية التي يكتظ بها الغرب ولكنها هامدة خاوية لا روح فيها، فهي كالعملاق الضخم الذي يمكن لفيروسات قاتلة أن تنخركبده وهو يستعرض قوته في مصارعة إنسان أنهكه المرض وأجهده الجوع!
    (16) أما نحن فلا أطيل بذكر قلة إفادتنا من الأحداث فهي لا تحتاج لدليل، وسبقت الإشارات إلى ذلك هنا ولكن التذكير بسنة الله واجب، والتدارك ممكن، والمؤمن مأمور بأن يدفع القدر بالقدر لا أن يعجز ويتواكل، والفرصة أمامنا كبيرة جداً لاستثمار الحديث في تقويم المسيرة واستكمال عدة النصر والتمكين.
    فليسأل كل منا نفسه ماذا عملت؟ وليحرض إخوانه على العمل فهذا خير من الجدل والتلاوم، وها هي ذي إشارات نرجو أن تفيد في هذا الشأن:-
    أولاً: يجب أن يكون هذا العدوان مصدر تفاؤل ورجاء لا يأس وخوف. وأسباب ذلك كثيرة سبقت الإشارة إلى بعضها، ومنها:-
    أ - عدالة القضية: فالثبات على الموقف العادل نصر بذاته. والجندي المسلم يقاتل عن دينه وأهله من هاجم بلاده ظلماً وعدواناً، والعالم كله يشهد أن أمريكا تسرعت في الاتهام، وبادرت إلى العدوان قبل تقديم الأدلة. وقد صرح بذلك كثير من حلفائها. بل من عقلائها المنصفين. وهذا يبشر بانتقام الله من الظالم ولو بعد حين { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً }.
    ب - البغي والغرور اللذان اتصف بها العدو: مستكبراً بقوته، متناسياً قدرة الله عليه، مثلما أخبر الله تعالى عن عاد الأولى: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة؟ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }.
    فلو أن لزعمائه أدنى ذرة من ضمير لما أستأسدوا على شعب محاصر منكوب أكثره أطفال وأرامل يعانون الجوع والتشرد والبرد والمرض، كنا نتوقع أن يستقيل بعض وزرائهم أو قادتهم بسبب هذا، ولكن تبين أنهم سواء في التجرد من الإنسانية والعدل. وقد عاقبهم الله بأن جعلوا أنفسهم في أصعب موقف، فإن الانتصار على مثل هذا الشعب هزيمة، أما الهزيمة على يديه فهي فضيحة الدهر.
    ج - توحد الرأي العام الإسلامي بصورة لا نظير لها ضد العدوان، وهذا مكسب كبير، إذ هو الخطوة الأولى لجمع كلمة الأمة ووحدة صفها، وقليلة هي الأزمات التي توحدها، وشيء يوحد المسلمين يستوجب الشكر وإن كرهناه.
    د - كشف المنافقين ومرضى القلوب وعبدة الدرهم والدينار والوظيفة والجاه عند الخلق: وهذا خير عظيم، كما حدث يوم أحد ويوم الأحزاب. وما بقي إلا معالجة السماعين لهم من العوام، قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب}.
    هـ - اتعاظ كثير من الدول المجاورة بما جرى في الأزمات السابقة، ورفضها أو تحفظها في المشاركة هذه المرة: وهذه خطوة جيدة في الطريق الصحيح، ودليل على أن إنكار المنكر يثمر ولو بعد حين، وأن الشعوب بيدها الشيء الكثير.
    و - وضوح السبيل ونمو الوعي: وذلك من خلال إجماع العامة على الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين وإدراكهم لمخططات العدو الماكر، وهو ما كان مشوشاً في أزمات سابقة {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة} وقد أدرك العدو ذلك فأخذ زعماؤه يعتذرون وهم كارهون عن فلتات ألسنتهم بما يضمرون.
    ز - افتضاح العدو وظهور زيف شعاراته عن الحرية والإنسانية والحضارة وحق الشعوب في تقرير المصير ... الخ حتى في تعامله مع مواطنيه من المسلمين. فالآن {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}.
    ح - إيقاف زحف العولمة – ولو إلى حين – وهذه فرصة لالتقاط النفَس والاستعداد لمواجهتها بخطط مدروسة وبرامج محكمة. وقد يؤدي ذلك إلى تركيز الاهتمام على التعامل بين الدول الإسلامية فتكون خطوة ثم تعقبها خطوات بإذن الله.
    ط - تجفيف منابع الفساد ومن أهمها السياحة في الدول الغربية، فالمعاملة غير الإنسانية للمسافرين والمقيمين وإن أصابت بعض الصالحين سينفع الله بها كثيراً من الطالحين الذين ينفقون سنوياً عشرات البلايين في أوكار الفساد ومباءات الفجور هناك. فالسعوديون وحدهم أنفقوا سنة 1420 هـ ما بلغ مائة وعشرين ألف مليون ريال !!
    ي – إحياء بعض المعالم الشرعية المندرسة مثل فقه "دار الكفر" و "دار الإسلام" والراية والملاحم مع أهل الكتاب والإقامة في بلاد الكفر، والهدنة والعهد، وأحكام عصمة النفس والمال، وكذلك الأحكام المتعلقة بالتحالف أو الاستعانة بالمسلمين على المشركين، وما أشبه ذلك مما سيكون مادة خصبة للاجتهاد والتفقّه ووزن الأمور بميزان الشرع المطهر.
    ك – ظهور فتاوى محررة – جماعية وفردية – في أكثر بلاد المسلمين واهتمام الغرب بهذه الفتاوى وإقبال الناس عليها، مما يؤصل مرجعية أهل العلم في أمور الأمة.
    ل – الإقبال غير المتوقع على الإسلام في أمريكا، وقد سمعنا وقرأنا الكثير من الشواهد على ذلك حتى أصبح في حكم المتواتر، وهذا في ذاته نصر عظيم وآية بينة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وغيظ للمنافقين المخذولين الذين شمتوا بالمسلمين العاملين في حقل الدعوة هناك بل اسْتَعْدَوا عليهم الكفار.
    م – نجاح فكرة الربط بين الحادث وبين القضية الكبرى للمسلمين: قضية فلسطين، واقتناع كثير من الناس داخل أمريكا - فضلاً عن خارجها - بضرورة التعامل العادل معها، مما يعضد الانتفاضة المباركة ويسند جهاد المسلمين لليهود.
    ثانياً : يجب على العاملين للإسلام أن يدركوا قيمة هذه الفرصة العظيمة وأن يجعلوا هذه الأحداث منطلقاً للمرحلة الدعوية التالية : وهي مرحلة الجهاد الكبير بالقرآن كما قال تعالى {وجاهدهم به جهاداً كبيراً} ومن أسباب ذلك :-
    أ – الدعوة الصريحة القوية إلى الإصلاح الشامل لحال الأمة ليطابق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وعصور العزة والتمكين، وذلك بواسطة برامج ودراسات محكمة تُنشر للأمة ويخاطب بها الحكام والعلماء والقادة والعامة.
    ب – تجييش الأمة كلها لمواجهة أعدائها المتكالبين من كل مكان مع تنوع وسائلهم وطوائفهم.وترك الاستهانة بأي قوة في هذه الأمة لفرد أو جماعة وبأي جهد من أي مسلم، ونبذ التقسيمات التي حصر بها بعض طلبة العلم الاهتمام بالدين على فئة معينة سموها "الملتـزمين" فالأمة كلها مطالبة بنصرة الدين. وكل مسلم لا يخلو من خير. والإيمان شُعَب منها الظاهر ومنها الباطن، ورب ذي مظهر إيماني وقلبه خاوٍِ أو غافل، ورب ذي مظهر لا يدل على ما في قلبه من خير وما في عقله من حكمة ورشد. وهذا لا يعني إهمال تربية الأمة على استكمال شُعَب الدين ظاهراً وباطناً، بل إن استنفار الأمة كلها لنصرة الدين وتحريك الإيمان في قلوبها هو من أسباب توبة العاصي ويقظة الغافل، وتزكية الصالح.
    وهذا جيش النبي صلى الله عليه وسلم خير الجيوش لم يكن من السابقين الأولين محضاً بل كان فيه الأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيه مَن خَلَط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وفيه المُرجَون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وفيه من قاتل حمية عن أحساب قومه فضلاً عن المنافقين المعلومين وغير المعلومين، وإنما العبرة بالمنهج والراية والنفوذ التي لم تكن إلا بيد النبي صلى الله عليه وسلم ثم بيد أهل السابقة والثقة والاستقامة من بعده.
    ولو لم نبدأ إلا باستنفار مرتادي المساجد لرأينا الثمار الكبيرة، وكذلك الأقرباء والعشيرة وزملاء المهنة وإن تلبسوا بشيء من المعاصي الظاهرة.
    والمقصود أن نعلم أن حالة المواجهة الشاملة تقتضي اعتبار مصلحة الدين قبل كل شيء، فالمجاهد الفاسق – بأي نوع من أنواع الجهاد والنصرة – خير من الصالح القاعد في هذه الحالة.
    ج – توعية الأمة بمفهوم نصرة الدين وتولي المؤمنين، التي هي فرض عين على كل مسلم، وأن ذلك يشمل ما لا يدخل تحت الحصر من الوسائل، ولا يقتصر على القتال وحده، فالجهاد بالمال نصرة، وكذلك الإعلام وبالرأي والمشورة وبنشر العلم، وبالعمل الخيري، وبنشر حقائق الإيمان ولاسيما عقيدة الولاء والبراء، وبالقنوت والدعاء، وبالسعي الجاد لجعل المجتمعات الأقرب إلى التمسك كمجتمعات دول جزيرة العرب قلاعاً تفيء إليها بقية الأمة، ومنارات للعلم وملاذات للأمن، فكل دعوة أو جهاد أو إغاثة تحتاج إلى من تفيء إليه، وتتحيز لجواره، والأخذ من علمه والإفادة من رأيه ومعونته، ولو استنفدنا طاقة هذه المجتمعات في حدثٍ ما لحلّت الخسارة بالجميع.
    ولو تفهم كثير من المتحمسين هذه الحقائق لما حصرت نفوسهم بين المشاركة في الجهاد في جبهاته المعروفة أو اعتبار أنفسهم عاطلين قاعدين.
    وأنت تعجب حين ترى كثيرين يسألون الشيوخ عن الجهاد: فإن قيل فرض عين سافروا إلى مواقعه. وإن قيل غير ذلك بقوا عاطلين بين اليأس والكسل، لا تَفَقّه في الدين، ولا تعليم، ولا دعوة، ولا جمع مال، ولا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، وهذه مأساة في واقعنا التربوي.
    د – تطوير وسائل الدعوة لمواكبة المواجهة العالمية الشاملة بين الكفر والإيمان،فلم يعد الوقت وقت الشريط أو النشرة أو الكتيب. بل القنوات الفضائية المتعددة اللغات والصحافة المتطورة، ومراكز الدراسات المتخصصة... والمؤسسات التعليمية والخيرية المُحْكمة التخطيط.
    هـ - تحويل وحدة الرأي والتعاطف إلى توحّد عملي ومنهجي لكل العاملين للإسلام في كل مكان، يقوم على الثوابت والقطعيات في الاعتقاد والعمل، ويدرس الفروع والاجتهادات بأسلوب الحوار البناء. فاجتماع كلمة الأمة أصل عظيم لا يجوز التفريط فيه بسبب تنوع الاجتهاد واختلاف الوسائل. وما يجمع المسلمين أكثر وأقوى مما يفرقهم. والشرط الوحيد لهذا هو أن يكون المصدر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما كان عليه الأئمة المتبوعون في عصور عز الإسلام. أما المتَأخرون فـتُحاكم آراؤهم ومواقفهم إلى ذلك دون بخس لحقهم أو إهمال لاجتهادهم.
    و – التيقظ الكامل لخطط العدو الماكرة وأهدافه المريبة، ومنها ما بدا من أفواه المسؤولين الأمريكان عن ضرورة تجفيف المنابع، وهي سياسة معمول بها من قبل، انتهجها أتاتورك وعبد الناصر ولا يزال ينتهجها معظم الأنظمة، والنظام التونسي مثالها العربي الواضح. والمقصود بها محو البقية الباقية من معالم الدين وشعائره على النحو الذي يطالب به المنافقون: مثل بعض الكتاب المارقين في صحف سعودية دولية. وأهم ما يرون تجفيفه من المنابع : مناهج التعليم، وخطب الجمعة، ووسائل الإعلام، ومدارس القرآن، وأول ما طالبوا بمحوه عقيدة الولاء والبراء، والأحكام التي تميز بين الكافر والمؤمن، والآيات والأحاديث المتعلقة بذم اليهود والنصارى، وكذلك أحكام الجهاد والترغيب فيه، وأحكام التشبه بالمشركين والسفر إلى بلادهم .
    ز – مخاطبة الحكومات في البلاد الإسلامية وإشعارها - كل بلد بحسب أحواله ووسائل الاحتجاج المتاحة فيه – بأن ما تريده أمريكا من مراصد استخباراتية ومراكز للمعلومات عن الصحوة الإسلامية ورقابة على خطب الجمعة وغيرها – بل وللاغتيالات كما صرح أكثر من مسؤول أمريكي – مرفوض جملة وهو من القضايا التي تمس مباشرة عقيدة الولاء والبراء وحق السيادة للدولة، وكل دولة توافق عليه ولاسيما تلك المجاورة للعدو الصهيوني فهي خائنة لله وللرسول ولقضايا الأمة، وموالية للكفار على المسلمين ويجب على بقية الدول فضحها، وعدم إمدادها بأي شيء أو التعاون معها بهذا الشأن، وينبغي التنبيه إلى أن وجود مثل هذه المراصد أو المراكز هو مما يدفع شباب الجهاد لمهاجمة السفارات والمصالح الأمريكية ، أما لو حدث اغتيال أحد المجاهدين من طريقها فسوف يؤدي إلى انتقام لا تحصر أبعاده.
    ح – مطالبة الحكومات الإسلامية – كل بلد بحسب أحواله أيضاً – بفتح باب الحوار وتفهم هموم الشباب ومشكلاته واستيعاب حماسته فيما يخدم الإسلام حقيقة. فهولاء الشباب في الأصل طاقة ذات حدين إن لم تستصلح وتهذب أصبحت وبالاً وبلاءً، وهم إذا رأوا الصدق من أحد وثقوا فيه وقبلوا توجيهه، وإذا ارتابوا في أحد أعرضوا عنه وحذّروا منه، فلابد في التعامل معهم من حكمة وأناة وصبر. ولابد للحكومات من الكف عن الدعاية المسيئة للدين ولهم، وترك ما يستفزهم من المنكرات، وغض النظر عما يبدر منهم من مخالفات توقياً لما هو أكبر منها، وأن تلغي من تعاملها الحل الأمني الذي ثبت أنه لا يؤدي إلا إلى ردّات فعل أعنف والدخول في نفق مظلم لا نهاية لـه.
    وعليها أن توضح لأمريكا وغيرها أن الصحوة شبّت عن الطوق وتجاوزت حدود السيطرة حيث وصلت إلى المطربين ولاعبي الكرة والممثلين ومروجي المخدرات وغيرهم، وأن الإسلام - ممثلاً في الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم – قادم لا محالة وهو كما قال بعض المعلقين الغربيين على الحادث (( إن العفريت قد خرج من القمقم )) والحقيقة أن القمقم لم يعد لـه وجود وأن العفريت يمكن أن يكون ملاكاً في رقته ورحمته إذا لم يستفزه أحد.
    وإجمالاً إن لم تغير الحكومات من سياساتها تجاه شباب الصحوة - بنفس القدر الذي تطالب به أمريكا بتغيير سياستها تجاه الانتفاضة - وإن لم تعتبر بهذه الأحداث وتداعياتها المتلاحقة فسوف تدفع ثمناً غالياً قد تضطرها أمريكا نفسها لدفعه.
    ط – ضرورة فتح باب الحوار بين المسلمين والغرب، ولا نعني به الحوار الرسمي السياسي ولا المؤتمرات المشبوهة مع البابا وأمثاله، بل الحوار العقدي والفكري والحضاري بين المؤمنين بأن رسالة الإسلام هي وحدها الحق، ودين الله الذي لا يقبل غيره، وأن خير ما يقدمه المسلمون للشعوب والحضارات هو هدايتهم للإيمان، ودعوتهم إلى الله، وبين الباحثين الجادين عن الحق والحقيقة في الغرب – وهم كثير – ولا مانع أن يشمل حوار المسلمين الجهات السياسية أو المؤثرة في صنع القرار هناك إقامة للحجة ولعلهم يتذكرون أو يخشون، ويجب اتخاذ الوسائل المحكمة لهذا مثل مراكز الدراسات المتخصصة والإصدارات العلمية الموثّقة والندوات التي يمثل المسلمين فيها أهلُ الرأي والعلم والخبرة بأحوال الغرب.
    ي – إن أمة تعيش حالة الحرب الشاملة يجب أن تكون أبعد الناس عن اللهو والترف. وأن تصرف جهودها وطاقتها للتقرب إلى الله ورجاء ما عنده، وأن تحرص على التأسي بالأنبياء الكرام والسلف الصالح في الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، فهي في رباط دائم وثغور متوالية، ولا قوة لها إلا بالله، ويجب أن يصحب أعمالها كلها إخلاص لله تعالى وصدق في التوجه إليه وتوكل عليه ويقين في نصره، وعلى أهل العلم والدعوة أن يكونوا قدوة للناس في هذا كله وأن يضعوه في أولويات برامجهم الدعوية، فإن الله سبحانه وتعالى لم يعلق وعده بالنصر والنجاة والإعلاء والعزة لمن اتصف بالإسلام بل خص به أهل الإيمان كما في قوله تعالى:
    {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} .
    وقوله : {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} .
    وقوله : {ونجينا الذي آمنوا وكانوا يتقون} .
    وقوله : {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}.
    وقوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.
    وختاماً أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينفعني وإخواني المسلمين بما نسمع وما نقول وأن يقر أعيننا بنصرة دينه وإعلاء كلمته وأن يجعلنا هداة مهتدين والحمد لله رب العالمين .
    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    وكتبه: سفر بن عبد الرحمن الحوالي
     

مشاركة هذه الصفحة