قراصنة ونخاسون وعبيد..!! د. محمد عباس

الكاتب : الشنفري   المشاهدات : 554   الردود : 0    ‏2001-10-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-21
  1. الشنفري

    الشنفري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-08-03
    المشاركات:
    62
    الإعجاب :
    0
    قراصنة ونخاسون وعبيد..!!
    ليست مشكلتنا أننا مارسنا العنف..

    بل أننا لم نمارسه بالقدر الكافي..



    بقلم : د.محمد عباس


    شق هذا الطفل قلبي..

    شق قلبي..

    طفل أفغاني هو.. كان جالسا علي فراش رث لسرير متهالك في حجرة متداعية في مستشفى ليس بها دواء.. وكان قد فقد كل أهله.. الأب والأم والجد والجدة والإخوة والأخوات.. اثنا عشر ماتوا جميعا عندما سقطت عليهم قنبلة قصفتهم بها طائرات القراصنة..

    ربما كان في الثالثة أو الرابعة من عمره.. لا أستطيع التحديد.. ففي عالم القراصنة مصاصي دماء كبوش وبلير يجعل فقر الدم وسوء التغذية من المستحيل تحديد عمر أي شخص.. فقد يكون الطفل في العاشرة من عمره وتحسبه في الخامسة، وقد يكون الرجل في الثلاثين فتحسبه في الستين.

    كان الطفل جالسا في سريره.. لم يكن يبكي.. ولا حتى يتأوه رغم الساق المكسورة والمحقن المغروس في عنقه.. رحت أرقبه – لهف قلبي- و أحاول أن أفسر معني التماعة عينيه.. هل كان الغضب؟ أم الفزع ؟ أم الحزن؟ أم الألم؟ أم الدهشة؟ أم عدم الفهم؟ أم الاحتقار؟..

    أم الإدانة..؟

    الإدانة..

    أحسب يا ناس أن ما قرأته في عينيه المتعاليتين كان الإدانة..

    إدانة لو وزعت علي أهل الأرض لوسعتهم..

    تخيلت عيسي وموسى عليهما السلام في السماء يهرعان ليتضرعا إلي الله متبرئين ممن ينتسبون بالزور إليهما..

    وتخيلت الدموع تطفر من العينين الشريفتين لحبيبنا المصطفي صلي الله عليه وسلم رحمة وتحنانا وعتابا: ألم أترك فيكم ما إن تمسكتم به لما وصلتم إلي هذه المهانة أبدا.

    تخيلت القرصان بوش وقد أمرهم أن يأخذوا جمجمة والد هذا الطفل كي يشرب فيها نخب المساء..

    يشرب فيها في صلف وغطرسة وشماتة وتشف وغرور..

    يستخف به السرور بما فعل.. رغم أن قطيعا من الذئاب كان يمكنهم أن يفعلوا الشئ نفسه..

    وتخيلت السافل بلير يمسك رمحا يطعن به موضع العفة من أم الطفل الميتة.. أمه التي غابت ملامحها خلف التراب بعد أن أخرجوها من تحت الأنقاض..

    هل قلت أن السافل بلير كان يطعن موضع العفة من أم الطفل؟..

    لا والله..

    بل كان يطعن موضع العفة من ملوكنا ورؤسائنا و أمرائنا ووزرائنا وقوادنا وجيوشنا وشيوخنا وقبائلنا و أحزابنا ونقاباتنا ومفكرينا وصحفنا وكتابنا ومضاربنا ومدننا وقرانا ونجوعنا وكفورنا وواحاتنا ووهادنا وسهولنا .... وشعوبنا..

    أما القرصان المجرم.. فقد بدا لي شيطانا يصيبه السعار والعطش عندما يشم رائحة بترول فلا يرويه إلا الدم..

    شيطان يصيبه السعار فيتحول إلي صنف رهيب مروع أشد وحشية من الحيوانات المفترسة.. فما من حيوان مفترس إلا وله بعض صفات طيبة.. ففي الجمل حياء وفي الأسد إباء وفي الكلب وفاء وهكذا دواليك، أما هذا الصنف الذي يحمل ملامح البشر، فليس فيه من صفة حميدة، ليس إلا القسوة والغدر والكذب والخداع ونعومة الحية الرقطاء وسمها النافث، والهرب ممن هو أقوى منه، والتهام من هو أضعف.

    هذا الشيطان، شيطان الحضارة الغربية، مستثار الآن، ليس بسبب أحداث 11 سبتمبر، بل لأن هذا السعار كامن فيه، كامن في وجدانه وعقيدته وتجاربه. كامن في جذوره الرومانية التي لم تنجح الديانة المسيحية السمحة في تهذيبها.. فلم تمنحها إلا غشاء رقيقا يتمزق دائما مع التجربة.

    نعم.. عندما أخذ الرومان المسيحية لم يتنصروا، بل روّموا الكنيسة!!.. و أصبح الإيمان ستارا يخفي خلفه أحط درجات الوثنية.. وهذا هو الشكل الذي يواجهنا به الغرب منذ أكثر من عشرين قرنا متسترا بالمسيحية لم يختلف أداؤه فيها عن عشرة قرون قبلها .. وفيها كان يجاهر بالوثنية..!!

    كانت حضارات الشرق قد بادت فغزانا الرومان، وسامونا سوء العذاب، حتى جاء الإسلام رحمة وهداية و إرهابا لأعداء الله فأجليناهم عن بلادنا المحتلة، ونفث هرقل كلمة مشتعلة بالحسرة وهو ينسحب مهزوما مذموما مدحورا :

    - يا دمشق عليك السلام.. سلاما لا لقاء بعده..

    ووقفت الحضارة الإسلامية في مواجهة الحضارة الوثنية، وحاول الرومان دائما أن يعودوا، فعجزوا. عجزوا في الحروب الصليبية عن قهرنا فتحالفوا مع التتار علينا ( أهدوا قائدهم زوجة مسيحية أخذت تحرضه على تغيير توجهه من الصين إلى بلاد العرب) . وسقطت بغداد، ولولا أن الله قيض لهذه الأمة الدولة العثمانية لسحقنا الغرب و أبادنا كما أباد الهنود الحمر.

    ففي ذلك الوقت، وبعد صدمة فتح القسطنطينية، والتي كانت في سياق التاريخ دفاعا عن قلب الإسلام ضد عاصمة كانت قاسما مشتركا في الحروب الصليبية ومحاولة تدمير الإسلام، بدأ الغرب ينهض من انحطاطه الحضاري، غولا متوحشا أشد من كل الحيوانات شراسة.. وحاول أن يدمر العالم..

    استأصل الغرب المجرم الأمم وقتل الشعوب بعد انتفاضة الشيطان فيه..

    نعم: تجربة الغرب في حروبه هي الإبادة والاستئصال.. بلا رحمة ولا شفقة ولا عقل ولا ضمير ولا رادع..

    أباد الغرب الشعوب ومحا البلاد وسمَّي الأوطان باسم قراصنته..

    سمَّي أميركا - بعد قتل شعبها الأصلي - باسم الجغرافي الإيطالي فيربيكو أميركو!..

    سمَّي كولومبيا – بعد قتل شعبها الأصلي – باسم البحار الإيطالي كريستوفر كولومبس!..

    سمَّي بوليفيا – بعد قتل شعبها الأصلي – نسبة إلى المستوطن الأسبانى سيمون بوليفار!..

    سمَّي ترينيداد نسبة إلى الثالوث سفينة كولومبس في رحلته الثالثة!..

    سمَّي فنزويلا على اسم المدينة الإيطالية :فينيسيا!..

    سمَّي السلفادور على اسم المنقذ نسبة إلى السيد المسيح عليه السلام!..

    سمَّي الأرجنتين أرض الفضة بالأسبانية!..

    سمَّي بورتريكو المرفأ الثرى بالأسبانية..

    سمَّي كوستاريكا الساحل الخصب بالأسبانية!..

    أليس سان دومنجو هو اسم قديس أسبانى!..

    ألم يسموا باربادوس على اسم عناقيد العنب التي بدت لهم فيها كاللحى؟!..

    ألم يسموا كوراكوا ومعناها القلب نسبة إلى القلب المقدس ؟!..

    سمَّي استراليا بالمعنى اللاتينى للأرض الضائعة، وإنتركتيتا وهى القارة القطبية باللاتينية، وفولكلاند أرض الشعب بالإنجليزية، وهندوراس أرض العمق بالأسبانية، ونيوزيلاند: أرض الميعاد الجديدة بالهولندية..

    ألم يقوموا غير ذلك بتغيير أسماء بلاد أخرى لمجرد طمس أسمائها القديمة فغيروا أسماء مكسيكو وجواتيمالا وهاييتى وكوبا و نيكاراجوا وجامايكا وشيلى و أوروجواى وباراجواى والبهاما و.. و.. و ..

    نعم ..

    كانت الحروب التي شنها الغرب باسم الصليب ليست إلا حروبا وثنية والمسيح والمسيحية منها براء..

    كان المسيحيون الشرقيون في حقب طويلة يدركون وثنية الغرب.. حتي حين كان يرفع الصليب.. وكان المسلمون والمسيحيون معا يدركون أن الوثني الذي يتستر خلف الصليب أشد وحشية و إجراما من الوثني المجاهر.. تماما كما أن المنافق أشد خطرا من الكافر..

    وفي معركة ذات الصواري الهائلة تم تدمير الأسطول الروماني.. مما كسر الرومان خمسة قرون..

    في هذه المعركة.. بعض هذه السفن لم يكن عليها مسلم!! كان كل من عليها من أقباط مصر… لم يكن الاختراق الفكريّ والغزو الثقافيّ قد بدآ بعد.. وكان مسيحيو الشرق يدركون وثنية الغرب..

    قاوم الفرنجة الهزيمة بشراسة، حاولوا طيلة الوقت امتصاص المد الإسلامى، رسموا خطتهم للصمود ثم الردع ثم التصدي ثم الغزو، عندما عجزوا وانهزمت جيوشهم بعد مائتي عام من الحروب الصليبية على أيدي أبطال جيش خرجوا من مصر، لكنهم لم ييأسوا فكاتبوا التتار وأغروهم بالهجوم على بلاد السلمين وكادوا يحققون أعراضهم لولا جيش خرج – أيضا - من مصر. تذكروا أنهم ظلوا يحاولون ثمانية قرون حتى طردوا المسلمين من الأندلس، و أنهم مازالوا يحاولون استعادة ملكهم القديم..

    وتذكروا أن الكثيرين ممن يلبسون عباءة الإسلام بيننا يطبقون مبدأ الثأر الذي لا يعرف النسيان على إيران ( ورثة الفرس) ، لمجرد أن يشقوا العالم الإسلامى ويبذروا الشقاق بين العرب وإيران، لكنهم سيشهقون متعجبين من تطبيق نفس المنهج على الروم الذين تتزعمهم الآن أمريكا.. رغم أن الأول باطل والثاني حق ..( الكاتب الصحفي جمال بدوي كتب مرة أن خطر إسرائيل علينا مجرد لعب أطفال بالنسبة لخطر إيران.. وهو قول أتوقعه من إسرائيلي أو أمريكي أو وثني لكنني لا أتوقعه من مصري أو عربي أو مسلم).

    في موجة الاندفاعة الصليبية لحصار الإسلام والمسلمين .. اندفع البرتغاليون والهولنديون مستهدفين المسلمين أنى كانوا.. وفى 1498 وصل فاسكو ديجاما إلى كاليكوت على ساحل مليبار، كانت دول المماليك في مصر وفارس ودلهى تعانى الضعف الشديد.. وفرض الأسطول البرتغالى سيطرته على المحيط الهندى، ولم يعد لأى سفينة أن تعبره دون أن تحمل ترخيصا يسمى: (Cartaz) من قرطاس، مقابل دفع إتاوة، وكانت السفن التي لا تحمل هذا الترخيص، و أحيانا التي تحمله عرضة للإغراق أو المصادرة من قبل الأسطول البرتغالى إذا ما كان التجار من المسلمين..( قارن ذلك بما تفعله أمريكا الآن)..

    وبرغم الضعف كان ما يزال للأوطان كرامة وللدين حرمة..

    أدرك السلطان الهندى المسلم خطورة الوضع فاستغاث بسلطان مصر قنصوه الغورى الذي أرسل أسطولا بقيادة الأمير حسين التركي حيث أوقع الهزيمة بأسطول برتغالي بالقرب من ميناء شيول في يناير 1508 إلا أن البرتغاليين استطاعوا في العام التالي القضاء الكامل على الأسطول المصري، ثم طوروا هجومهم ليحتلوا سواحل عدن وجزيرة هرمز وجزيرة سوقطرة فيمدوا سيطرتهم إلى جميع الدول المطلة على الخليج العربي..وتدهورت الحالة الاقتصادية في مصر بعد نجاح الحصار الاقتصادي الذي نجح البرتغاليون في فرضه، وبادر قنصوه الغورى بالاستنجاد بالعثمانيين، فأمدوه بأربعمائة مدفع و أربعين قنطارا من البارود ومواد لصناعة السفن وعدد من الخبراء والبحارة.

    انظروا يا قراء كيف كانت سائر الأعضاء تتداعى للعضو المريض ..

    وانظروا إلى حالنا اليوم..

    في عام 1513 دخل الأسطول البرتغالى إلى البحر الأحمر واحتل جزيرة كران بقيادة ألفونسو دى بوكويرك، كان ينوى الاتصال بملك الحبشة المسيحي وتدمير محاولة المصريين لبناء أسطول جديد واحتلال جدة و إنشاء قاعدة بحرية للأسطول البرتغالى بها ثم الإغارة على المدينة المنورة وحمل رفات النبي صلى الله عليه وسلم،للمساومة به علي بيت المقدس.

    تكررت المأساة التي ابتليت مصر بها دائما دون بلاد العالمين.. خطأ فادح من السلطان قنصوه الغورى، الذي شغل الأسطول بمعارك في عدن واليمن ثم أمر بسحبه ، وتعقب الأسطول البرتغالى الأسطول المصري الذي لجأ إلى جدة، كان العثمانيون قد أخذوا يد المبادرة وهزموا المماليك بعد تاريخ سابق خانت فيه مصر دورها التاريخي وتآمرت مع البندقية ضد الخلافة العثمانية( ومع ذلك لم يتوان العثمانيون عن المساعدة عندما يكون الأمر أمر الإسلام والأمة) ، ضم العثمانيون مصر إلى الدولة الإسلامية الكبرى وتولوا مسئولية الدفاع عنها ضد الصليبيين، وتصدى الأمير التركي سلمان للأسطول البرتغالى فمنعه من احتلال جدة ، وتولى العثمانيون مهمة حماية البحر الأحمر و أحبطوا محاولة البرتغاليين إقامة قاعدة لهم في سواكن بل واحتلوها..وبعد استيلاء العثمانيين على العراق أصبح في إمكانهم مواجهة البرتغاليين في البحر الأحمر والخليج بل وفى المحيط الهندى، وفى عام 1541 تحالف البرتغاليون مع ملك الحبشة ضد الزعيم الصومالي أحمد الغازى، فأمده بحامية على رأسها ابن فاسكو ديجاما، وبادر العثمانيون بالتدخل فأبادوا الحامية البرتغالية وهزموا ملك الحبشة.

    لم تتوقف روما أبدا عن مواجهة مكة.. تغيرت الأسماء والبلدان لكن المواجهة لم تتوقف أبدا.. الآن روما هي واشنجتن.. أما بديل مكة فشظايا ومزق..

    و لو أننا قرأنا التاريخ لكان أي تحالف مع واشنجتن هو حلف ضد الإسلام وضد الله.. ولكانت أي قاعدة لواشنجتن في أي بلد من بلادنا هي حرب على الله ورسوله والمؤمنين.. ولكانت كل كلمة مديح وتقدير وإطراء لحاكم من حكامنا تأتى من واشنجتن ليست إلا اتهاما بالخيانة العظمى..

    في فترة تدهور الدولة العثمانية أصابها الوهن ، حب الحياة وكراهية الموت، ونكصت عن الجهاد، ولم تعد ترهب عدو الله وعدونا، وراحت تساوم بالتنازل عن جزء كي تنقذ الباقي، وكل مرة تتلقى وعودا من الغرب أنه التنازل الأخير، وراح التنازل يتلو التنازل حتى ضاع الكل.

    نفس الوضع الذي يعيشه العالم الإسلامي الآن..

    بثوا فينا أفكار القومية والشعوبية والعلمانية فخانت تركيا العرب وخان العرب تركيا وابتعد الجميع عن الإسلام.. وانهارت الدولة الإسلامية وتمزقت إلي أكثر من ثلاثين دولة رسم حدود بعضها ضباط إنجليز!!.

    يقول القسيس "استيفاني" في كتابه تاريخ الإرساليات المسيحي :

    "إن الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا قد حددت نهاية الحلم الإسلامي بالسيادة على العالم ، ولم تسقط دار الإسلام، عالم الإسلام، إلى مثل هذه المنزلة الوضيعة من قبل ".

    بعد ذلك، ظهرت عنصرية الغرب ودمويته بأكثر مما كانت، أو أن هذه الدموية كانت موجودة علي الدوام فيما عدا فترات استثنائية كان الغرب يحتاج فيها للعرب أو المسلمين، لكن الأمر يستقر أخيرا على وضع يصفه مراد هوفمان أن كل شئ مسموح به في الغرب إلا أن تكون مسلما..

    سعار أمريكا الآن إذن ليس استثناء بل هو القاعدة..

    هناك الدافع الكامن دائما، وهو القضاء علي الإسلام.. وهناك السبب الحقيقي وهناك الذرائع..

    في هذه المرة.. بعد أحداث 11 سبتمبر.. كان الدافع الأساسي موجودا: القضاء علي الإسلام ، وكان البترول هو الهدف..

    أما ذريعة الإرهاب هذه فليست إلا وسوسة الشيطان و أذنابه.

    ***

    كان الغرب هو الذي يبادرنا دائما بالعنف والإرهاب، وكانت جل المعارك تجري علي أرضنا.. وعندما واجهنا عنفه بعنفنا و إرهابه بإرهابنا كنا نأمن مخاطره، بالرغم من أننا كما يسجل التاريخ لم نصل أبدا إلى عنفه ودمويته.

    دعنا الآن من عملية الخداع في استعمال كلمة الإرهاب لدمغنا بها، ذلك أن الترجمة الحرفية لكلمة Terrorism هي الترويع، وهي جريمة تصل عقوبتها في الإسلام إلي الحد الأقصى والأقسى، لكنهم في إطار الغزو الفكري اختاروا كلمة الإرهاب بدلا من كلمة الترويع، وذلك لعلاقة الكلمة بالأمر القرآني الذي يأمرنا بإعداد قوة نرهب بها عدو الله وعدونا.. إنهم لا يهاجمون القرآن مباشرة.. بل يهاجمون ما فيه..

    نفس الطريقة الخسيسة استعملوها بمعاونة أذنابهم بيننا، حين استعملوا العلمانية ( وترجمتها الحرفية : اللا دينية) إيهاما للناس بعلاقتها بالعلم، كذلك خلطوا بين الحداثة – وهي كفر صريح – وبين التحديث وهو مطلب كل أمة..

    ولكن..

    لنترك ذلك الآن ولنعد إلي سؤالنا الرئيسي:

    هل مشكلتنا أننا نمارس الإرهاب؟ أم أن مشكلتنا هي أننا لم نرد علي إرهاب الغرب لنا في الوقت المناسب بالقدر المناسب.

    ***

    السؤال المطروح إذن عن علاقة الإسلام بالإرهاب يحتاج منا أقصي درجات الدقة..

    هل نحن الذين مارسنا الإرهاب؟..

    هل مشكلتنا أننا نمارس الإرهاب؟؟

    أم أن مشكلتنا أننا لم نمارس القدر الكافي منه لإرهاب عدو الله وعدونا.

    ***

    في المستشفيات، وبالتحديد في وحدات الرعاية المركزة، يحدث لكثير من المرضي خلل في كيمياء الدم، فيرتفع الصوديوم وينخفض البوتاسيوم – علي سبيل المثال أو العكس. ويكون العلاج الذي ينقذ حياة المريض هو تصويب هذا الخلل، فإذا أخطأ التشخيص والتحليل، وأعطينا المريض مما يعاني من زيادته، أو جردناه مما يشكو النقص منه، فإنه يموت علي الفور.

    التشخيص إذن في حالة عالمنا الإسلامي تشخيص جوهري..

    والإجابة عن السؤال تحدد لنا الطريق..

    ***

    والآن مرة أخري: هل مشكلتنا أننا مارسنا الإرهاب ونمارسه؟ أم أننا لم نمارسه بالقدر الكافي؟..

    لن أجيب أنا يا قراء..

    سأترك العلامة الفرنسي فرانسوا بورجا يجيب حين سئل مرة أثناء محاضرة له عما إذا كان العنف الذي لجأت له بعض الجماعات الإسلامية هو توجه أصيل فيها ولم يكن وليد الظروف.؟..

    و وأجاب بورجا: اعطني أي حزب سياسي في الغرب وأنا أحوله لك خلال أسابيع إلى الجماعة الإسلامية المسلحة باتباع نفس الأساليب التي اتبعت ضد الحركات الإسلامية .

    ***

    أظن أن الإجابة واضحة يا قراء..

    و أعلم أن مصطلح الإرهاب قد تم صكه في المخابرات الأمريكية كي يحدث ما يحدث الآن..

    ودعونا نتناول الأمر باختصار شديد..

    انهزمت دولنا حضاريا وعسكريا أمام الغرب بعد أن ابتعدت عن الإسلام وذلت أمتنا بعد أن تركنا الجهاد. ملك الغرب ناصية أمرنا، ولي علينا ولاة أمور هم علينا وليسوا منا، واصطنعوا كتابا ومفكرين وشيوخا راحوا يروجون له، دعم الغرب أكثر الحكومات طغيانا وبطشا وفسادا، تململت الشعوب وهي تدرك أنها مساقة بالغرب وبحكامها وأولي الأمر فيها إلي الكارثة، حاولت الشعوب المقاومة السلمية لكن الحكومات واجهتها بمباركة من الغرب بمنتهي القسوة والبطش، كان لعنف السلطة اللامحدود رد فعله فبدأت بعض فئات الشعب تواجه عنف السلطة الهائل بعنف محدود، عنف بلغ من عجزه أنه لم ينجح في تغيير أي نظام للحكم- بغض النظر عن الأشخاص- وكان المحرك الأول لهذا العنف هو الحمية الدينية التي تدفع كل مسلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و إقامة شرع الله الذي أهدره الحكام بمباركة الغرب، وهنا تدخل الغرب ليصك مصطلح الإرهاب، وليهديه إلي ولاة الأمر في العالم الإسلامي، وجاء المصطلح علي هواهم، وتلقفوه بقصر نظر منقطع النظير ليرهبوا به شعوبهم، غير مدركين أن الدائرة ستدور، و أنهم مهما بلغت درجة عمالتهم فهم موظفون مؤقتون عند الغرب.

    كان الغرب يقهر الأوطان ويحارب الإسلام ويسيطر على موارده ويمزق أرضه كي يمنع عنه كل بصيص أمل في استرداد عافيته، وكان ولاة أمورنا يقهرون الشعوب .. ويحاربون الإسلام.. سفينة النجاة التي تعصمنا من طوفان الغرب. واصطنع أولئك الحكام شيوخا وكتابا يصوغون لهم إسلاما آخر غير الذي أنزل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم..

    إسلام أمريكي..

    إسلام ترضي عنه اليهود والنصارى والمشركين..

    إسلام لا نتحدث فيه عن الإيمان بالغيب.. بل يوصم الإيمان بالغيب بالجهل والخرافة..

    إسلام لا يتحدث عن الحلال والحرام بل عن الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد..

    إسلام لا نسمع فيه عن مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام الشافعي بل عن مذهب بوش ومذهب بلير ومذهب بيرلسكوني.

    ونجح الغرب من خلال وكلائه، والوكلاء من خلال الكتاب والصحافيين في أن يرفعوا لواء يحرمون فيه التكفير مطلقا..

    كان الكفر يحمي حصونه..

    و أصبح حق التكفير مقصورا على الكفرة..

    ومنعت معظم الهيئات الإسلامية من أن تقول هذا حلال وهذا حرام أو هذا إسلام وهذا كفر..

    ورتع كفار الداخل والخارج فينا.

    كان البطش هائلا ومزدوجا.. وكان الغرب قرصانا.. وكان ولاة أمورنا نخاسين باعوا شعوبهم.. وكان المسلمين أشبه ما يكون بالعبيد.. وكان عليهم أن يجاهدوا لاسترداد حريتهم لكن ولاة الأمر والغرب اعتبر هذه المحاولات للتحرر إرهابا..!!

    أصبحت أي درجة من درجات مقاومة فساد السلطة ولصوصيتها وإسرافها وفسادها وكفرها وتزويرها للانتخابات وتعذيبها للناس – بأجهزة مستوردة من أمريكا – إرهابا يجب تجريمه ووصم من يمارسه بالإثم الشديد.

    و أصبحت أي محاولة لتجميع الأمة كي تنهض من كبوتها لمواجهة الغرب إرهابا..

    ***

    في هذا الإطار كان معظم من اتهموا بالإرهاب أبطالا مجاهدين..

    و آخرهم المجاهد أسامة بن لادن..

    ***

    لو أن حكوماتنا قامت بدورها، ولو أنها نهضت بالحد الأدني الذي لا يسوغ بدونه لولي الأمر أن يحكم، وهو المحافظة علي الأمن لدولهم وشعوبهم لكان من الممكن أن نوافقهم أن الخروج عليهم إرهاب.

    ولو أنهم فتحوا الأبواب أمام الشعوب لأي قدر من التغيير لكان الخروج عليهم إرهابا..

    ولو..

    ولو.. ولو..

    ***

    في تجربة تربوية أجريت علي مجموعة مصطفاة من أفضل الطلبة كانوا يدرسون في معهد أمريكي لتخريج القضاة أجروا هذه التجربة:

    طلبوا من مجموعة من الطلبة إجراء بحث، وتعمدوا أن يكون إجراء هذا البحث محتاجا إلي عشرة أيام لإنجازه، لكنهم سمحوا لهم بيومين فقط، وسمحوا لهم بالاطلاع علي ما يشاءون من مراجع في المكتبة، و أخفوا عنهم أمر كاميرات التصوير التي تراقبهم، وانطلق الطلبة في المكتبة يحاولون إنجاز المستحيل، لكنهم سرعان ما أدركوا استحالة المحاولة، ونسي الطلبة كل ما تعلموه، و إزاء ظرف غير طبيعي تراجعت قيمهم و إحساس كل منهم بالآخر، فراح كل واحد منهم يسارع بالكشف في المراجع، ليس لإكمال بحثه، بل لتمزيق الصفحات المطلوبة في البحث و إخفائها حتى لا يستطيع زملاؤه الوصول إليها. لقد أدرك كل واحد منهم استحالة النجاح، فتحولت مهمته إلي منع الآخر من النجاح.

    وخلصت التجربة إلي] أنه إذا وضعت إنسانا طبيعيا بل متفوقا في ظروف غير طبيعية فمن المحتم أن تكون تصرفاته غير طبيعية!!..

    ***

    تري.. هل العلاقة واضحة..

    لقد وضع المسلمون في شتي أنحاء العالم في ظروف غير طبيعية..

    وكان من الطبيعي أن تكون ردود أفعالهم أحيانا غير طبيعية..

    ***

    علي أنني لا أقصد المجاهد أسامة بن لادن بهذا المثل..

    إنما أقصد به كل التجاوزات التي حدثت..

    ***

    عندما نقول أن شخصا ظل يدخن السجائر ثلاثين عاما فكان من الطبيعي أن يصاب بسرطان الرئة فليس معني قولنا هذا أننا نوافق علي إصابته بسرطان الرئة و أننا نشجع السرطان..

    وعندما نقول أن أمريكا والغرب ظلوا يمتهنون العالم الإسلامي طيلة قرون وقرون حتى كان من الطبيعي أن يحدث ما حدث في 11 سبتمبر فليس معني ذلك أننا نؤيد ما حدث أو نرحب به..

    فقط نقول أنه أمر طبيعي.. وكان لابد أن يحدث..

    وتماما.. كما أن الاستنكار تجاه السرطان لا يجدي في حالة مثلنا الأول، إنما يجدي أن نستنكر التدخين ثلاثين عاما فهو الذي أدى به إلي ما صار إليه. والاستنكار هنا يدفع الآخرين إلي عدم تكرار السبب كي لا تتكرر ذات النتيجة..

    كذلك تماما في أحداث 11 سبتمبر..

    إدانة الأسباب التي أدت إليه هي وحدها المجدية.. وهي التي تمنع تكراره..

    أما ما حدث في 11 سبتمبر فليس إرهابا.. إنه أمر طبيعي .. ونتيجة طبيعية .. كالسرطان.

    ***

    من خلال هذا كله نستطيع القول أن أسامة بن لادن ، حتى لو كان هو المسئول عما حدث في 11 سبتمبر ، ليس إرهابيا..

    لقد حاول القيام بما عجزت عنه جيوش أنفقت علي السلاح في العشرة أعوام الأخيرة فقط ألف مليار دولار..

    جيوش لم تطلق منها رصاصة واحدة لحماية الأمن القومي.. بل كانت كل جهودها لتهديده.

    حاول القيام بما لم يقم به حكام وكان واجبهم أن يقوموا به.

    حاول القيام بما كان يجب أن تقوم به شعوب فلم تقم به.

    حاول أن يقوم بدور أمة..

    أنفق ثروته كلها : ثلاثة مليارات دولار علي الجهاد في سبيل الله، مرة ضد طواغيت الإلحاد المجاهر ومرة ضد الوثنية التي روّمت الكنيسة.

    أنفق المال في سبيل الله وكان ذلك غريبا علي حكام تعودوا أن يسرقوا مال الله..

    جهز المجاهدين من ماله فقاتلوا وقتلوا وقُتلوا في سبيل الله..

    جيوشنا كانت تقتل شعوبنا في سبيل الغرب..

    ولو أن الجيوش كانت تواجه جيوشا لكان من الواجب اتباع قوانين الحرب وعدم التعرض للمدنيين..

    لكننا كنا إزاء وضع غير طبيعي، لفرد يواجه القراصنة الذين حولوا حكام بلاده إلى نخاسين ، فكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل غير طبيعي..

    ***

    إنني يا قراء أصل إلي الحد الأقصى.. و أفترض أن المجاهد العظيم أسامة بن لادن هو الذي قام بأحداث 11 سبتمبر..

    لكنني بالرغم من ذلك مازلت أشك كثيرا أنه فعلها.. لكنني وقد وصلت للحد الأقصى فلم يعد الولوج في غيره ذا أهمية..

    ***

    فلنتجاوز الآن عن أن الحكام لم يكونوا مجبرين عما فعلوا.. لأن أقل قدر من التعاون والاتحاد كان كفيلا بردع أمريكا و إسرائيل ..

    لكنهم لم يفعلوا..

    تصرف كل حاكم بدولته كما يتصرف الطفل الفاسد المدلل بدمية يعبث بها، فإذا ما أراد أحد أن يأخذها منه دمرها تدميرا..

    كانت غاية كل حاكم أن يستمر في ملكه .. مهما كانت النتائج وخيمة.. و أدرك الغرب هذا وشجع عليه.. وصارت كلمة الوحدة بين بلاد المسلمين أبغض الكلمات علي الحكام.. وارتضوا الشرذمة حتي تداعت علينا الأمم كما تتداعي الأكلة علي قصعتها.. وليس ثمة وجاء إلا وحدة الأمة.. لكن خضوعهم للبيت الأبيض والشيطان أهون عليهم من الخضوع لله..

    في ظل هذا الوضع المأساوي أتي أسامة بن لادن فهاله ما رأي..

    ***

    فلنواصل الافتراض إذن.. ولنقل أن أسامة بن لادن هو الذي فعلها ثم هرب إلي أفغانستان..

    فهل يسوغ هذا لأمريكا.. أقوي و أغني دولة في العالم أن تهاجم بهذه الوحشية أفقر دولة في العالم.. و أن تقتل منها حتى الآن مئات المدنيين انتقاما لرعاياها المدنيين!!..

    مئات سوف يصبحون ألوفا..

    منهم أسرة هذا الطفل الذي شق قلبي..

    ***

    هل يسوغ ذلك الإجرام الأمريكي والذي تبدي في قصف محطات الكهرباء في بلد يعاني من الجفاف وهي تعلم أنه يعتمد في إمداداته من المياه علي المضخات الكهربائية.

    هل يسوغ ذلك الإجرام الأمريكي بقصف مخازن الغلال التابعة للأمم المتحدة حتى تتحكم بغلالها وحدها في الشعب الأفغاني فتجوع من تشاء وتطعم من تشاء.

    وهل يسوغ ذلك الإجرام الأمريكي بإلقاء مساعداتها الغذائية في المناطق التي تعتزم إنزال قوتها البرية فيها ، وذلك حتى يتدافع الناس إليها فيطهروها بأجسادهم من الألغام، حتى يتمتع القرصان الأمريكي بالأمان حين ينزل..

    هل..

    وهل..

    وهل..

    ***

    وبعيدا عن أحكام الشريعة الإسلامية، فهل تنصاع أمريكا للقانون الدولي، إن بوش الأب متهم بارتكاب جرائم حرب بحكم محكمة أمريكية لجرائمه في العراق، فهل تسلمه أمريكا للعراق كي يحاكم فيها..

    وهل يسلمون المجرم شارون..

    بل هل يسلمون ذلك الجنرال الفرنسي الذي اعترف أنه قتل مئات الجزائريين من التعذيب.؟..

    ***

    ما يحدث أيها القراء هو إجرام وثني تمارسه قوة وثنية تتستر في المسيحية واليهودية ، وهو إرهاب فاجر ومجرم يستهدفنا كمسلمين ولا أمل لنا إلا في اتباع الأمر القرآني بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة .. لكي نرهبهم بها..

    أما عن السؤال : كيف؟ فلقد حاول أسامة بن لادن أن يجيب عن السؤال.. ولا أملك إلا الدعاء له بالنصر.. لكن السؤال الذي حاول هو الإجابة عنه.. فهو مسئولية الأمة كلها..

    ***

    طال المقال.. وكنت أريد أن أتكلم عن موقف الحكام، وموقف الكتاب والشيوخ والمفكرين، فلنؤجل ذلك إلى مقال قادم، لكن، قبل أن أنهي هذا المقال أهدي هذه الواقعة إليكم: فقارنوا بين ما فعلوه بأي شعب من شعوبنا وما يفعلونه الآن في أفغانستان وبين ما فعلناه نحن حينما كنا أكبر قوة في الدنيا..

    " أرسلت "فرتونة بنت عبد الملاك المسيحية المصرية من إحدى قرى الجيزة إلى الخليفة "الوليد بن عبد الملك" في دمشق رسالة تشكو فيها أن حائط بيتها منخفض وأنها تخاف على دجاجها من اللصوص !.. فما كان من أمير المؤمنين - المشغول بإدارة دولة من الصين إلى المحيط الأطلسي، والحرب مع الروم على أشدها – إلا أن يرسل رسالة إلى والي مصر "عبد الله بن شرحبيل " : من الوليد بن عبد الملك إلى والي مصر عبد الله بن شرحبيل إذا أتاك كتابي هذا فأقرئ فرتونة بنت عبد الملاك السلام، وابن لها من بيت المال حائطا يطول أعلى دار بجوارها، وأمنها على نفسها ودجاجها والسلام ".

    ***

    هل قرأتم يا قراء..

    وهل عرفتم الفرق بين حضارة مؤمنة وحضارة وثنية..؟؟

    وهل تفهمون الآن قول العلامة الفرنسي بورجا: اعطني أي حزب سياسي في الغرب وأنا أحوله لك خلال أسابيع إلى الجماعة الإسلامية المسلحة باتباع نفس الأساليب التي اتبعت ضد الحركات الإسلامية .

    وهل تدركون الآن أن مشكلتنا ليست أننا قد مارسنا الإرهاب، بل مشكلتنا أننا لم نُرْهب عدو الله..

    لم نرهبه.. فانكشفت بلادنا و أمتنا وعاث فيها الإرهابيون فسادا حتى وجدنا أنفسنا في هذا الوضع الزري..

    وتروحون مثلي .. ترقبون ذلك الطفل الذي شق قلبي.. فيشق قلوبكم دون أن تستطيعوا مد يد العون.. ترقبون في عينيه المتعاليتين إدانة لو وزعت علي أهل الأرض جميعا لكفتهم.. ولو وزعت على المسلمين جميعا لقادتهم إلى جهنم..
     

مشاركة هذه الصفحة