أميــر الفقــراء ، و قـــائـــدهــم إلــــى الفـــرن !

الكاتب : مروان الغفوري   المشاهدات : 1,340   الردود : 18    ‏2004-07-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-25
  1. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0




    .
    أمير الفقراء ..



    ----------------------------------------




    ارفعوا عن ظلالي ظلالَ المساء !
    أنا قائدُ الفتيةِ المؤمنينَ ، الذين أوَوا في المدينةِ ،
    يهذون عن قادمٍ أرسلتهُ السماءُ
    ليصنع في جانب الطورِ مدفأةً ، لا تجيئُ على ثغرها الريحُ
    أو ....
    تكتريها الأيادي السمينةُ ، و الأولياء ..
    و لمّا تطولُ الحكاياتُ يطوون أرديةَ اللحظةِ المستعارةِ ،
    حتى تغيبَ الحصى في الخدودِ العراء ..
    ارفعوا ، أيها المترفون ، أحاديثكم
    أن تراها عيونُ الملائكةِ الجائعين ...
    منذ مات الخليفةُ في حادثٍ دبّرته الرياحُ
    و ما جاءنا من نبيٍّ - كما عوّدتنا مناشيرُ رفقتنا الطيبين ..
    لم تزل جارتي - بنتُ سبعينَ عاماً - تردّدُ أهدافنا الستةّ المستطيلةَ
    و الريحُ تصفِرُ في أعظُم الكاتبين َ ..
    ارفعوا عن صلاتي مياهَ الوضوءِ الدنيئةَ
    لا دينَ في ملّة الفقرِ إلا لمنْ صان أطمارنا
    أو كوتهُ صباباتنا -
    و انتظارٌ تعثّـر في همهماتِ النساء ..
    أنا قائدٌ ، منذ جوعٍ تخلّق في مضغةٍ من شفاهِ الحكومةِ ،
    ثم اكتسى الجوعُ عظماً ، فنفطاً ، فمملكةً تحلبُ الشاةَ للأصدقاءْ
    و نامت عيونٌ ، كما خبّـرتني العيونُ التي لم تنمْ
    و امتطت ذكرياتُ الصبا أذرعَ الرفقةِ الغائبين !
    أنا قائدُ الفتيةِ المؤمنينَ
    الذين أوَوا في المدينةِ ،
    ينضونَ عن ربّهم تهمة الحقدِ و الظلمِ و الاصطفاء !
    و ناموا - معلّقةً في حوافِ الشبابيكِ - أعينُهم
    و ارتخت فوق أسمالهم ثرثراتُ الشتاء ..!
    مكوّمةً تحت جنحِ المدينةِ أجسادهم ،
    يسرِقون هياماً تقطر من شقّ نافذةٍ ، أو رمتهُ الستائرُ للمارةِ الجائعينَ
    يُـمنون فوق ملابسهم خشيةَ العهر في درجاتِ المدينةِ
    خوف الخطيئةِ ، أن تستميلَ الرجولةَ فيهم بناتُ الذوات
    - و قد قيل أنّ بنات المدينة ، و المـُخبِراتْ ،
    يمتنَ اشتياقاً إلى ملمسِ الجسدِ المتشققّ ،
    و الأذرعِ القاسيات -
    و ما زلتُ فيهم أحدّثهم بحديثٍ ضعيفٍ عن الصومِ ،
    ظلّ الإلهِ الذي فوقنا ،
    و ....
    الوجـاء ..!
    أنا قائدُ الفرقةِ الجائعينَ ..
    لأبتاعَ للكهفِ ثقباً كبيراً ،
    يعلّق رجليه من فتحتيهِ الهواء !
    و شيئاً يسيراً
    نميمةَ أنثى ..
    خيانةَ زوجٍ
    حديثاً طريّاً عن البرلمانِ ،
    و أسطورةً عن سجون العراقِ ،
    و حريّةِ الناعسات ، و كيدِ النساء ..!

    " غدّرَ الليلُ"
    و الخبزَ وحدهُ لا يقطعُ الوقتَ
    وحدهُ ..لا يُسكِنُ البردَ ..
    لا بدّ من قصّةٍ ،
    تنتهي عندما يخرج العسكرُ ـ التاركون الصلاةَ ـ
    إلى الصمتِ .. و الانحناء !

    ارفعوا عن سنابِك شعري ،
    و سلّةِ سحري
    و شالِ الحبيبةِ ، و الرفقةِ المعدمين
    دعاياتكم ..
    " نحنُ ، أهلَ الدثورِ النحيلةِ ، لا دِينَ في كهفنا لامتهانِ الكفوفِ
    و لا نشتري سنبلات العزيزِ السمانِ بسجنِ النبيّ العفيفِ
    و أوردةِ الفرقةِ المبعدينَ ... "
    نحن .. الذين تشظّت سراويلُهم في رصيف المدينةِ
    ينضون عن جوعهم ما تخلّفُهُ نظراتُ النوافذِ و العابرين ..
    و عند انفتاقِ الصباحاتِ تكنسُهُم شرطةُ البلديّةِ ،
    تسحبُهم من شوارِبِهم
    للبقاعِ البعيده ..
    حناجرهم ، بعد أن مزقّتها الهتافاتُ ، صاحتْ
    و لكنّها لحظة الأمنيات المديده ..
    ركّعتنا قليلاً .. فخرّت أساطيرُنا عن حياةٍ جديده
    و .. خانتنا أورادُنا ، و الدعاءُ الحزين !
    يولدُ " الحاكمون " من النارِ ،
    لكننا - نحنُ أهل الحَديده –
    نموتُ من النارِ و البردِ ، و الشلّة المخبرينْ ..!
    أتيتُ ..
    و خلفي
    تضجُّ الخدورُ ببقيا حديثٍ روتهُ العجائزُ
    عن جائعٍ عن أبيهِ
    بأنّ امرأً لم يجِد ما يسدُّ به رمقاً ،
    فاقتنى خنجراً ،
    و استدارَ إلى بيتِ جارٍ سفيهِ ..
    و أنّ القبيلةَ توشكُ أنْ تستحلّ القوافلَ
    و المـاءَ ،
    تقسمُ أن تشهرَ السيفَ في وجهِ من أزهقوا في عيونِ الطفولةِ
    حلماً صغيراً ..
    و كرّاسةً ملؤها الأنبياء ْ !



    ----------------------------




    الفقراء !



    [​IMG]



    تـَخِذناكَ - يا فارساً من ذنوبِ الصبايا -
    نبيّاً ..
    له سورةُ الفقرِ ، و الخبزِ ، و السمنِ
    و القِدْرِ .. و الاشتعالْ
    صلاةً نردّدها حين يجلو الأذانُ
    ختومَ الفروجِ ، و إربَ الرجالْ ..
    فاستعذْ بالعيونِ التي خانها " الربُّ " من خائناتِ النّصالِ
    و ذلِّ السـؤال ْ !
    في كتابِ الفقيرِ المدنّسِ بالسوطِ و الساجنينَ
    قالت لنا آلهاتُ السنابلِ
    أنّ الجدارَ الذي ردمتْهُ الحكومةُ حيناً من الدهرِ
    كانت به آيتانِ ..
    و شيءٌ من البسملاتِ ، نصيدُ بها كائناتِ المطرْ
    فلماذا -إذن - دفنته أكفّ الخَضِـر ؟!
    و السفينةُ - حين أرادَ لنا ربُّـنا-الجوعُ
    أن نهجرَ الأرضَ و السلطةَ المجرمين
    مزّقتها بعرْضِ المحيطِ عيون الملائكةِ الطيبينَ ..
    و بعضُ البـشرْ ..
    فماذا فعلنا سوى أنّنـا ما اقترفنا صلاةَ السفَرْ !؟
    فاستعذ - يا أميرَ الحفاةِ
    بحزنِ العجائزِ ،
    و الطفلِ - يرقبُ ناراً ..
    و أبعَـد من ضوئها لا يضيئُ القمرْ ..!
    و انطلِقْ ..
    عند آخر هذا المساءِ المخثّرِ بالشرطةِ الخائفينَ
    سنوقدُ تنّورنـا بالحصى ، و المـدَرْ !


    ----------------------------





    أمير الفقراء .. و قائدهم إلى الفرن !





    " منذ عقدين مرّا ،
    و أمّي تدسُّ لنا في نطاقيها خبزاً و تمرا ..
    و تمضي الحكاياتُ عن مرأةٍ حلُمت أنّ هذي البلادَ
    ستغرقُ في القحطِ دهرا ،
    فأشربُ حبّ " النبوّةِ " ،
    و "القمحِ "
    و "الفرنِ" .. طفلاً ،
    و أنسى بأن أستزيدَ من الرملِ شبرا !
    أبونا - الذي لا يصدّقُ قول المفسّر للحلم -
    أمضى السنينَ يفكّر كيف ينمّي رجولته ،
    فاقتنى نهدَ أخرى !
    و في كلّ يومٍ تخفّفُ تلك السحابُ زياراتها
    يستفيق لديّ اليقينُ
    و يزدادُ والدنا بالنبوءةِ كفرا !
    منذ عقدين مرّا ..
    خبّرتني النبيّةُ أمّي
    بأنّ الإله الذي في السماءِ
    سيختارني - ذاتَ جوعٍ - لأكرِزَ بالسيفِ
    للخبزِ ، و الحقلِ ،و الصبيَةِ الراكضينَ
    وراءَ الهلال الذي خبّأتُه الأساطيرُ في الباديه
    خبّرتني النبيّةُ أمّي
    بأنّ الحبيبة
    ، تلك التي غادرتني عشيّة جاءَتها جاراتُها بحديثٍ شهيٍّ
    عن ابن الـ فلان - العريسِ الثريِّ ،
    ستفقدُ في مدخلِ الدارِ ذكري
    و ديوان شعري
    - و خبّأتُهُ بين نهدِيها خوفَ الرياحِ ، و أوجهها القاسيه -
    و أنّي
    سأنزلُ ، من بعد دهرٍ طويلٍ ، على رحلها
    إذ أسائلُ في الحيّ عن طفلةٍ غادرتني بأغنيّتي
    عن شفاهٍ تمـرّ على جبهتي ،
    و تسافرُ حتى غيَابات صدري ..
    - و قد بادلتني العيونُ سؤالاً ،
    وقيل بأنّي عشقتُ وراء الأحاديثِ طفلةَ مفتي القبيلةِ ،
    حين استهمتُ بأكمام نهديها شعراً ..
    و ثغرا !
    و خنتُ مواثيق جيراننا مرّتينِ ..
    على حافةِ الساقيه !
    و أنّي سأجهل ، عند الزوالِ ، ذؤاباتها
    حين تخرجُ من دارها و تمرّ أمامي
    كأنّ أناملها لم تزل فوق صدّري تقلّبُ في شعرةٍ غافيه
    أو كأنّ أحاديثها لم تعُد تبعثُ الدفءَ في غرفتي النائيه !
    و أنّ الزمان الذي ضمّنا بين ضلعيه
    لمّا يعُد في القصيدة ذكرى !

    و أنّ النبوءةَ قالت لأمّـي :
    ستلقين من بعدِ عسرِ الأنوثةِ ، و البعلِ
    يسرا !
    منذ عقدين مرّا ،
    سمعتُ اْبنَ جاريْ - اليهوديّ َ-
    يهمسُ في سمعِ جارتنا البكرِ
    أنّي سأزدادُ من بعدين فقرينِ فقرا ..
    و أنّي أكونُ أمير الفقيراتِ ،
    حين يبعنَ بكاراتهنّ ليرتقنَ بالعرضِ جوعاً
    و يدفنّ في خافياتِ المقابرِ
    إثمـاً ، وقهرا ..!

    ربما مرّ عقدٌ أخيرٌ ،
    لأجلس ما بين قبري و نشري
    و أتلو على مسمعِ الريح من بين كفّي تجري :
    منذ عهدٍ مضى
    لم يكُن ربّنا ، قد تجلّى على سفحِ صنعاءَ
    موتاً و نشرا !
    لم نكُن نعرفُ الصيفَ و الشتوَ ..
    ما جاءنـا من نبيٍّ بعثناهُ في الحالِ للسوقِ يبتاعُ سمناً وبُرّاً
    و لكنها سنّةُ الريحِ
    تنثرُ في الأرضِ من بعد غيثٍ صقيعاً
    و غدرا ...!





    -----------------------



    مروان الغفوري /
    أمــير الفقراء ..
    21/7/2004 مسيحيّـــه .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-07-25
  3. ناصر البنا

    ناصر البنا شاعـر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-06-11
    المشاركات:
    7,641
    الإعجاب :
    0
    أشكرك على هذه المشاركة العظيمة التي تأجج المشاعر بالتعاطف التراحم عند من كان له شعور
    وأهنئك على غزارة قلمك السيال وقوة طرحك وعبارتك

    مع خالص تحيتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-07-25
  5. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    البنا .. أيها الشاعر

    أنت قارئ استثنائي

    أحييك من كل قلبي .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-07-26
  7. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    أمير الفقراء ..



    ----------------------------------------




    ارفعوا عن ظلالي ظلالَ المساء !
    أنا قائدُ الفتيةِ المؤمنينَ ، الذين أوَوا في المدينةِ ،
    يهذون عن قادمٍ أرسلتهُ السماءُ
    ليصنع في جانب الطورِ مدفأةً ، لا تجيئُ على ثغرها الريحُ
    أو ....
    تكتريها الأيادي السمينةُ ، و الأولياء ..

    يبدأ "الغفوري" بفعل أمر , وهذا ينسجم مع العنوان "أمير الفقراء" , فلغة الأمر حين أن تكونَ مفتتحاً فلا بدّ أن للكلمات قوةً تشي بما سيرد بعدها من قوة تؤثر على نفسية القارئ وتقوده حيث يريد الكاتب من القصيدة . وكلمة "ظلالي؟ هنا مبهمة , إذ لا يفهم المقصود منها على وجه الدقّة فلربّما أنه يقصد "ظلال قطب" , وإن كان يتجه إلى ظلالي ذات نفس القياس فإن ذلك خالٍ من أي جمال فنّي كونه طلب رفعاً لظلال عن ظلال , وإن كان ظلال المساء يكنّى به الليل البهيم , وجميعها صورة رمزية للظلم والطغيان , إلاّ أن ذلك يصب في خانة واحدة هي "التساوي في القتامة والإيحاء شديد الوطأة على النفس".
    ويدلف "الشاعر" – شخص القصيدة - في حكايةٍ عن الذات وتعريف بالـ "أنا" , فيصف نفسه بالإمارة ويكرمها بالإحالة إلى "الفتية المؤمنين" , وهذه توطئة لما بعدها , ويلوي على المؤمنين فيمعن في تعريفهم ويربطهم بالمدينة فيكوّن ثلاثية فنيّة راقية مكوّنة من الشخوص , والزمان "المساء" , والمكان "المدينة" . ومما يدلل على ذلك استخدامه للفعل "أووا" وهذا يدلل على أن الوقت مساءً , وإن كنت أرى أن "أووا" ترتبط بحرف الجر "إلى" ويرتبط حرف الجرّ "في" ما الفعل "آووا". وهنا صورة مستنسخة عمّا ذكره الله في سورة الكهف التي أثّرت على طريقة "مروان" في رص مشاعره , بل أن الصورة تكاد تكون نسخاً إذا ما عدنا إلى "فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى" وجميع الظلال التي وردت في قصة أصحاب الكهف , ومما يدعم هذه الرؤية الاستدعاء المستمر للكهف .
    ثم يفاجؤنا الشاعر بفعل غريب "يهذون" , إذ أن هذا الفعل يتصادم تماماً مع الصفة التي قرنها بهم "المؤمنين", فالعلاقة متراخية تماماً هنا بين إيمان وهذيان , ولم يسند الفعل إلى أي جهة أخرى بغية الحديث عن رأي المحيط في هؤلاء الفتية بل جاء تقريراً من لدنّه وحكاية عن أحوال هؤلاء المؤمنين فتولد – لديّ شخصيّاً – تضارب في كسوة أصل واحد لمتنافرين من المعاني .
    كما أن "السماء" هنا تعطي انطباعاً توقنيّاً وهذا يخالف الفعل "يهذون" , ولا أظن أن الشاعر أراد أن يضعضع القارئ حول طبيعة هؤلاء الفتية من اللمحة الأولى, وحسب ظني أن "مروان" وقعَ في فخ القولبة, فكان الأجدى أن يجدَ ألفاظاً تتناسب وطبيعة الظلال التي طالب في المبتدأ أن ترفع عن ظلاله, وهنا ثمّة أمر يدعو إلى الاستغراب يتمثل في إلحاح "الشخصية" على أن ترفع من نفسها بحط كريم ذي شأن في القلوب, ثمّ لمَ جمع الشاعر بين "الإمارة" و "الرسالة" ؟؟ الغرض من ذلك إضافة تكريم لشأن الشخصية إلاّ أن ذلك سيوقعه في مأساة ادعاء نبوّة جديدة وخاصة بعد أن ربطها بالسماء فلا مناص حينها من القول "اتق الله يا شاعرنا وتذكر قول النبي الكريم "إلاّ أنه لا نبيّ بعدي" .

    ويعود تارةً أخرى لمحاكاة صور القرآن – لتأثر الشاعر به – فيأتينا بالطور "وهو جبل في سيناء وهذا الأظهر , كما أن بعض العلماء يرى أن الطور اسم من أسماء الجبل وتعني العظيم ودلّل على ذلك بإضافته بسيناء إلا أن الأظهر هو تعيينه بجبل سيناء للقسم عليه في معرض سورة من القرآن الكريم" حكي عنه في معرض الحديث عن نبي الله موسى – عليه السلام – بل ويواصل الشاعر إكمال الصورة بالحديث عن "مدفأةٍ" فكانت كما "القبس" كلاهما يصطلى ويبتغى لجلب الدفء , وهي صورة أخرى تقود إلى محضور في التشبّه بنبي معلوم حكايته – موسى عليه السلام – وبهذا يضع "الشاعر" إشارة جليّة أخرى إلى أنه توغّل وأفرط في رسم شخصيته التي أراد لها التبجيل,
    ثمة أمرٌ آخرٌ هنا هو النبوّة الجديدة التي أتى بها الشاعر لتحرم الأغنياء والأولياء على حد السواء "الأيادي السمينة والأولياء" , وقد يروغ الشاعر هنا إلى مقام عليّ إذا أراد بذلك أولياء السلطان ولكنّه – للأسف – لم يضع إشارة تقود إلى هذا البيان لأن الأولياء تتسق مع النبوة والسماء والفتية المؤمنين ومن الصعب حشر ولي الأمر هنا لمجرد وجود "الأيادي السمينة "..
    ولا أخفيكم إعجابي بجمال الكلمات والاستعارات المستغلّة استغلالاً موفّقاً في تلحين الكلمات لا سيما الاختتام بالهمز المشكول , وإن كان الشاعر أهمل ذلك في البدء والانتهاء إلاّ أن ذلك وارد , كما أعجبني الجناس الناقص في "المساء , السماء" , وإن كان تحريك الكلمتين يقلق اللحن فالأولى مجرورة والأخيرة مرفوعة فلو أن الشاعر سكّن لكان أسلم.


    و لمّا تطولُ الحكاياتُ يطوون أرديةَ اللحظةِ المستعارةِ ،
    حتى تغيبَ الحصى في الخدودِ العراء ..
    ارفعوا ، أيها المترفون ، أحاديثكم
    أن تراها عيونُ الملائكةِ الجائعين ...
    منذ مات الخليفةُ في حادثٍ دبّرته الرياحُ
    و ما جاءنا من نبيٍّ - كما عوّدتنا مناشيرُ رفقتنا الطيبين ..

    وهنا إشارة أخرى لوصف "الفتية المؤمنين" وقُرنَ الوصفُ بحركة الفعل الخفيفة "يطوون" , وجعل اللحظة المستعارة ترتدي أردية تُطوى دلالة على نفض الماضي والتحوّل من حال إلى حال, وهناك إشارات على طول الفترة الزمنية نلحظها في "تطول" . ثم ينتقل الشاعر إلى وقت ومضيّ بـ "اللحظة" , فكأن لحظة التغيير لا بد أن تأتي بعد وقت طويل من "الحكايات" , ولا أدري أيّ حكايات يريدها "مروان"؟؟!!
    ورابط جميل بين تطول ولحظة مع "حتى" التي أصبحت تحصيلاً زمنيّاً لطول الحمايات واللحظة لتأتي بعدها النتيجة بالفعل "تغيبَ" المتأثر بـ "حتى" , وبالنظر إلى "الحصى في الخدود العراء" نجد إشارة جميلة إلى المعاناة التي يعانيها هؤلاء الفقراء وتذكير بـ "الفتنة في بطحاء مكة" , وهي استدعاء من الذاكرة لمرحلة في عمق التأريخ الإسلامي وفي أصعب المراحل , وهذا يعكس بجلاء طبيعة الحالة النفسية للشاعر وارتبطاها بالإيدلوجية التي تشكّ رؤاهُ.

    ويعود الفعل "ارفعوا" كرّة أخرى دلالة على دورة جديدة , وخلف ذلك تكرار لمشهد ولكن بألوان أخرى وإن حمل بعض المشابهات , فالمترفون هم هنا وهناك , والجائعون هم "الفتية المؤمنون" , والنبيّ ما زال حاضراً بقوّة , ويكأن "مروان" يصرّ على أن ندمغه بقلة التأدب مع المقدسات , ولاحظ معي قرن الملائكة بصفة الجائعين , وهذا يتصادم جملة وتفصيلاً مع ما جاء من وصفهم في القرآن الكريم, ولو رغنا إلى الرمزية التي أوحى بها "مروان" لما وجدنا شفيعاً واحداً يحرف المعنى عمّا وصلنا إليه , خاصة في ظل المقدمات الأولى للنبوة والإيمان والطور وانتهاء بالملائكة , ولا شك عندي أن "الشاعر" أراد معنى آخر ولكنه لم يضع أي إشارة أخرى له في ثنايا النص تدلل عليه, ولو أخذنا - جزافاً – أن الملائكة كناية عن الفقراء فإنه لا مجال هنا لوصفهم بالملائكة الجائعين لأن التوصيف هنا ناقص لأهم نقطة فيه وهو المشابهة في الحال, فكيف يكونون ملائكة – أي هؤلاء الفقراء – وهم يعانون من الجوع ؟؟!!

    ولن أقف أمام "ما جاءنا من نبيّ" وعلاقتها بما بعدها " كما عوّدتنا مناشيرُ رفقتنا الطيبين" , فاستحالة الجمع بين الصورتين وارد وإن كان يريد بالأخيرة "صور الأمن النظامي المتعددة"


    لم تزل جارتي - بنتُ سبعينَ عاماً - تردّدُ أهدافنا الستةّ المستطيلةَ
    و الريحُ تصفِرُ في أعظُم الكاتبين َ ..
    ارفعوا عن صلاتي مياهَ الوضوءِ الدنيئةَ
    لا دينَ في ملّة الفقرِ إلا لمنْ صان أطمارنا
    أو كوتهُ صباباتنا -
    و انتظارٌ تعثّـر في همهماتِ النساء ..

    وهنا يدلف الشاعر منعرجاً جديداً نحو الرمزية على طول أمد الثورة وتبخر آمال الشعب في أن يجد فيها ما نشده من تحقيق لأهدافها الستة , والذي أكّد على هذا المعنى قوله "المستطيلة" , دلالة على أن الفترة طالت إلى حد لم يعد محتملاً , كما أن – بنت سبعين عاماً – عضدت هذا المعنى وآزرته في الدلالة على الاستطالة .
    وهنا لفتة جليلة تجاه الشهداء الذين كتبوا هذه الأهداف بنجيعهم الطاهر , فجعل "مروان" الريحَ تصفر في أعظُمهم, وهنا نرى تركيزاً على أمرين ؛ أولهما : أن الثورة انحرفت عمّا رسمت له , والثاني : أن زمن الثورة قد أخذ من المدى ما مكّن من تحويل أجساد الشهداء إلى أعظم نبذتها الأرض فعصفت بها الريح, وهذا دعم آخر لاستطالة الثورة وعدم تحقق الأهداف إلاّ في أيسرها .

    وهنا رمزية أخرى , ولكنها غير مكتملة المعاني وتحتاج إلى توضيح من الشاعر نفسه حول "مياه الوضوء الدنيئة", ولا أجد مفرّاً من التساؤل , ما هذا يا مروان؟؟؟
    ولن أعلق على "لا دين في ملّة الفقر" لأن هذا تأصيل خطير تم تفسيره على ضوء أثر "عام الرمادة" ولكنه تفسير ***** جداً إذ أن إسقاط الحدود الناشئة عن الجوع لا يعني الكفر!!!!
    وأخيراً نجد مؤازرة جديدة لاستطالة عمر الثورة باستخدام " و انتظارٌ تعثّـر في همهماتِ النساء"

    وفيما يلي سأضع خطاً تحت الكلمات التي أرغب في أن يفسرها "مروان الغفوري" . وسأضع إشارات لمن رغب في الفهم في رمزية مروان المفرطة .

    أنا قائدٌ ، منذ جوعٍ تخلّق في مضغةٍ من شفاهِ الحكومةِ ،
    ثم اكتسى الجوعُ عظماً ، فنفطاً ، فمملكةً تحلبُ الشاةَ للأصدقاءْ
    و نامت عيونٌ ، كما خبّـرتني العيونُ التي لم تنمْ
    و امتطت ذكرياتُ الصبا أذرعَ الرفقةِ الغائبين !

    منذ جوع تخلق : كناية عن الجرعات .
    اكتسى الجوع عظماً : حال الفقراء الناشء عن هذه الجرعات المتلاحقة .
    فنفطاً = تلميح إلى أن الفقراء يموتون في سبيل أن يعتاش المترفون بالنفط .
    فمملكة : تعبير عن مبدأ التوريث الذي يسير على قدم وساق .
    الشاة = اليمن .
    الأصدقاء = الأقارب سواء في الدم أو في المصلحة .


    أنا قائدُ الفتيةِ المؤمنينَ
    الذين أوَوا في المدينةِ ،
    ينضونَ عن ربّهم تهمة الحقدِ و الظلمِ و الاصطفاء !
    و ناموا - معلّقةً في حوافِ الشبابيكِ - أعينُهم
    و ارتخت فوق أسمالهم ثرثراتُ الشتاء ..!
    مكوّمةً تحت جنحِ المدينةِ أجسادهم ،
    يسرِقون هياماً تقطر من شقّ نافذةٍ ، أو رمتهُ الستائرُ للمارةِ الجائعينَ
    يُـمنون فوق ملابسهم خشيةَ العهر في درجاتِ المدينةِ
    خوف الخطيئةِ ، أن تستميلَ الرجولةَ فيهم بناتُ الذوات
    - و قد قيل أنّ بنات المدينة ، و المـُخبِراتْ ،
    يمتنَ اشتياقاً إلى ملمسِ الجسدِ المتشققّ ،
    و الأذرعِ القاسيات -
    و ما زلتُ فيهم أحدّثهم بحديثٍ ضعيفٍ عن الصومِ ،
    ظلّ الإلهِ الذي فوقنا ،
    و ....
    الوجـاء ..!

    فحديث الصوم حديث صحيح
    ظل الإله : هذا تجسيم , فليس الله بمادة حتى يكون له ظلّ , فاتق الله يا مروان .
    الوجاء : هو الجُنة , وهذه مختتم الحديث الشريف الذي ضعّفه الغفوري واختتمه بعلامة تعجب "!" لا أجد لها أي معنىً غير الاستغراب من كون الصوم وجاء .



    أنا قائدُ الفرقةِ الجائعينَ ..
    لأبتاعَ للكهفِ ثقباً كبيراً ،
    يعلّق رجليه من فتحتيهِ الهواء !
    و شيئاً يسيراً
    نميمةَ أنثى ..
    خيانةَ زوجٍ
    حديثاً طريّاً عن البرلمانِ ،
    و أسطورةً عن سجون العراقِ ،
    و حريّةِ الناعسات ، و كيدِ النساء ..!

    " غدّرَ الليلُ"
    و الخبزَ وحدهُ لا يقطعُ الوقتَ
    وحدهُ ..لا يُسكِنُ البردَ ..
    لا بدّ من قصّةٍ ،
    تنتهي عندما يخرج العسكرُ ـ التاركون الصلاةَ ـ
    إلى الصمتِ .. و الانحناء !

    ارفعوا عن سنابِك شعري ،
    و سلّةِ سحري
    و شالِ الحبيبةِ ، و الرفقةِ المعدمين
    دعاياتكم ..
    " نحنُ ، أهلَ الدثورِ النحيلةِ ، لا دِينَ في كهفنا لامتهانِ الكفوفِ
    و لا نشتري سنبلات العزيزِ السمانِ بسجنِ النبيّ العفيفِ
    و أوردةِ الفرقةِ المبعدينَ ... "
    نحن .. الذين تشظّت سراويلُهم في رصيف المدينةِ
    ينضون عن جوعهم ما تخلّفُهُ نظراتُ النوافذِ و العابرين ..
    و عند انفتاقِ الصباحاتِ تكنسُهُم شرطةُ البلديّةِ ،
    تسحبُهم من شوارِبِهم
    للبقاعِ البعيده ..
    حناجرهم ، بعد أن مزقّتها الهتافاتُ ، صاحتْ
    و لكنّها لحظة الأمنيات المديده ..
    ركّعتنا قليلاً .. فخرّت أساطيرُنا عن حياةٍ جديده
    و .. خانتنا أورادُنا ، و الدعاءُ الحزين !
    يولدُ " الحاكمون " من النارِ ،
    لكننا - نحنُ أهل الحَديده –
    نموتُ من النارِ و البردِ ، و الشلّة المخبرينْ ..!
    أتيتُ ..
    و خلفي
    تضجُّ الخدورُ ببقيا حديثٍ روتهُ العجائزُ
    عن جائعٍ عن أبيهِ
    بأنّ امرأً لم يجِد ما يسدُّ به رمقاً ،
    فاقتنى خنجراً ،
    و استدارَ إلى بيتِ جارٍ سفيهِ ..
    و أنّ القبيلةَ توشكُ أنْ تستحلّ القوافلَ
    و المـاءَ ،
    تقسمُ أن تشهرَ السيفَ في وجهِ من أزهقوا في عيونِ الطفولةِ
    حلماً صغيراً ..
    و كرّاسةً ملؤها الأنبياء ْ !

    لم تخن الأوراد والأدعية أبداً .
    عن جائع عن أبيه , استخفاف بالسند في الحديث الشريف , فبعد أن شكك مروان في المتن إذا به يستخف بطريقة إتيان السند!!!


    ----------------------------

    وسأقف هنا منتظراً ما سيفسره الغفوري ...
    والسلام عليكم ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-07-26
  9. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [color=000000][align=justify]
    في البداية ، أودّ أن أشكر الأستاذ / الشاحذي على هذه اللحظات الجميلة التي عشتها معه ، و على تلك التي عاشها منفرداً مع النص ، فأعاد بعث النص من جديد ، حتى كأني أعيشُ مرحلةً متطوّرة لنشوء و ارتقاء نص ..

    لحظة النص كانت تسرّباً لا أتذكر منه شيئاً ، لذا فأنا أعتقد أنّ أي مرافعة ستكون خاسرةً من الطرف الذي يجلسُ فيه أنا ، كوني أفتقد الآن كل أوراق الدفاع ، من " المقصد " و " المعنى الاجمالي " التي يمكن أن ألجأ إليها في اثبات براءة السطر ! .. غالباً ما كنتُ أقول أن تعويمات من مثل " المعنى في بطن الشاعر " لا تنطبقُ عليّ و لا أشابهها . و ربما رميتُ لشيءٍ و بعد انتهائي من اللحظة الشعريّة تساءلتُ : ماذا أريدُ ! و لعلّ هذا هو ما قصده المتنبي حين قال لسائليه : اذهبوا إلى ابنِ جنّي يحدثكم بما قلته و " ما لم أقُله " .. و هو ما فعله الأستاذ الشاحذي حين قال كثيراً مما لم أقُله ، و هو بهذا لم يبتدع تأولاً أو قراءةً أحادية المنهج للنص الشعري ، بل يضع أقدامنا على الظاهرة " الأدبية " بكل مفارقاتها ، إذ ، في تصوّري ، يصبحُ فيها القارئ هو صانع المعنى النهائي للنص ، و يشارك القائل في صنع رؤية أو زاوية للرؤية ، بتكثيف أو تعليم جوانب معيّنة في النص الشعري لتوجيه الواعية تجاه معنى محدد ، و حتى عند هذه الزاوية المختلقة سيفقد النص خاصيته الجمعية ، و يجوز عندئذٍ أن يندرج تحت بند " الحجر / الوصاية الأدبية على القارئ " .. و عند خروج النص إلى المدى المقروء فإنه يفقد ارتباطه الاحتكاري بقائله ، و يصبح للقارئ العام ، بمثابة الوقف ، أو الملكيّة العامة ، في معنى تخليقيّ للوظيفيّة الشعرية . و بناءً على هكذا وعي ، فسأتعامل مع القراءة الذكية للأستاذ الشاحذي لا بوصفي قائل النص و إنما بوصفي متوحّداً مع النص و صاحب رؤية أخرى ، و تأولات أخرى .. و أنفضُ عند نهاية القراءة كل تبعة ٍ قد تلقى عليّ في أي تجاوزٍ أو اضطرابٍ ، أو حتى وهن في النص .

    سأوافيك قريباً إن شاء الله .. حين افرغ من انشغالاتي الكثيفة .
    [/color]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-07-27
  11. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    [color=339900][align=justify]جميل هذا الذمّ في صورة المدح , ومع ذلك أقبل ما تراه أخي مروان . ومن حيث المرتكز الأوّل فأنا لم أدعُك إلى محاكمة - كما تصوّرت - ولا أدعي أنني أجيز لنفسي هذا الأمر , ولكني طلبت منك إجابات تتكرّم بها عليّ , وأموراً وضعت فيها ما يمكّنني من القول أنها قراءة متأنية اتسمت بالاعتدال والحيادية , وسلطت الضوء على ما قلته ساعتئذٍ .

    مروان : أنتظر إجابتك الشافية على ما نقلناه في الغيهب الأعلى , وإلا فما عليك إلا أن تقول : اللهم إني أبرأ إليك من شرور نفسي الأمارة بالسوء , وتسح دمعتين حين خلوة وتتركني مستوحشاً مع هذا النص , ولا أريد أن آخذ منك اعترافاً أو أن أجعلك أمام منصة قضاء , فإن هذا الأمر في النيات وما علينا إلا ما ظهر منها نحاججك فيه ونعيبك عليه إلاّ أن يأني منك البلاغ والبيان ..

    أخي الحبيب :
    لم أجد فهماً عميقاً لكلمات من أمثال "تسرّباً لا أتذكر منه شيئاً" سوى مقابلاً واحداً أربأ بنصك وأدبيتك أن يكونا مستقراً لذاكَ.... هل عرفت ما هو هذا الذي لا تتذكر منه شيئاً , إنه الـ "هذيان" , فهل كنت تهذي يا مروان؟؟؟

    دعني أيها الكريم أقف على الضفة الأخرى لأحدثك على أنّي لا أُجمل النصّ ولا أبعثره بعد تفريق , ولا يمكّنني شيء من الأخذ بشآبيبه سواءً ما أخذت منه أو ما تركت , كلّما في الأمر أن ذخيرة تقاسمت بين صدرينا رأيتها حائلاً أمام هذا الذي رأيت من سفور تجاه الذات الأعلى والمقدس الأهمّ ..

    مروان : هل رمزت إلى **** , وأفصحت عن جليل بانتقاص ؟؟؟ لو كان ذاك الذي أراه فإنّي أنا من يتمنى أن يكون المرآة التي حدثنا عنها ابن الخطّاب - رضي الله عنه , سواءً أعجبك هذا الانعكاس أم لا , وأحسبه سيعجبك لأن المعدن الذي داخلك لا يصدأ ...

    أنتظر قراءتك الأخرى للنص , واختلاف الزاوية وارد تماماً , وليس لي إلا أن أحاججك على مقصدك فقط , أتمنى أن نلتقي هنا ونحن جميعاً نرفع لواء "الله غايتنا" , وأن لا يتحول الأمر إلى "قاض ومتهم" , ويوم أن يخالجك هذا الشعور أومئ إليّ كيما أنسحب عن مقامك هذا بهدوء ...

    والسلام عليكم ..
    [/color]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-07-28
  13. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [color=990000][align=justify]








    الحبيب ..

    أذكر أنّي كنتُ أقرأ في النقد التحليلي للدكتور / محمد عناني ، فوجدتُه يذكر حكايةً طريفة . تحدّث عن أنه قرأ في عام 1956م مقطوعةً شعرية للشاعر الكبير / محمد الفيتوري و فيها :

    أيها السائقُ
    رفقاً بالخيول المتعبه
    قف
    فقد أدمى حديدُ السرجِ عظم الرقبه !

    يقول ، و لأننا كنا ساعتئذٍ في زمنِ تحرّر فقد حمّلتُ قصيدته معنى رسالياً ، و جعلتُ من " السائق " قوى الاستعمار .. و عندما التقيتُه و أثنثتُ على قصيدته التي هاجم بها الاستعمار ، استغرب من حديثي ، و لما حددتُ له القصيدة بالضبط ، قال لي : لم أذهب إلى شيءٍ مما ذهبت إليه ..

    أعلاه .. قصدتُ بظلالي كل ما يلقي حزناً و مأساةً عليّ ، و المعنى: يكفي ! يكفيني حزني / ظلالي ، فلا تزيدوني حزناً إلى حزني " ظلّاً إلى ظلّي " .. حدثَ أن الناقد المصري / نبيل القلاوي حادثني منذ أيام من الكويت يناقشني في بعض الايغاالات في النص و منها الظلالين في المقطوعة الأولى . الظلال هنا يعكسُ ما ألقيه أنا على الأرض من وهمٍ لي .. ليس تجسيداً بالمعنى المتداول ، بل أشياء كثيرة تتساقط على الرض بقياس جسدي ، ربما كان الحزنُ أولّها .. و الجوع آخرها . إنها خيالات ما يجري في خلَدي من احتلامات و أحلام ، و .. هذيان .

    ------------



    هنا مطالعة ذكيّة ، .. وقفتُ أمام الفعل " أوى " فوجدته يتعدّى إلى مفعوله بحرف جر ، إلى ، أووا إلى الكهف ، آوى إليه أخاه .. لكني ، ربما بحسٍّ حداثوي ، رأيتُ - ليس من أجل الحفاظ على كيان التفعيلة الشعرية فإبمكاني الاتيان بأفعالٍ أخرى تسدّ مسد المعنى و التنزيل الشعري ، و إنما رأيتُ أن ثمّة مساحة لاستخدام حرف الجر ( في ) لأن فعل " الإيواء " يشي بوجود " مدخل " أو كيان كبير يحتضن أجزاءً صغرى .. فناسبتها في تصوّري " في " .. كما ماثلتها " إلى " .. أرى أن الحرف " في " يعني الانتهاء ، بمعنى أنّهم انتهوا إلى المدينة فأصبحوا الساعة بداخلها ، بينما " إلى " يعني المسير .. و المعنى أنّهم في طريقهم إلى المدينة و لمّا يصلوا بعد !




    -------------





    لم آتِ بالفعل " يهذون " إلا لأوضحَ حالةً نفسيّة مملوءة بالشتات و التيه ، و الارتقاب .. و اليأس . فعل الهذيان أو hallucination ليس فعلاً مشيناً أو قادحاً في قيمة أخلاقية أو عقائديّة .. الهذيان حالة من الانفلات العاقل ، أو من جزءٌ من اللاوعي ، يظهر إلى الحيز الممارس من درجة دنيا من الاستيعاب . و يمثّل حالة من " الاسترجاع " أو retrieval لمفاهيم مقدّسة أو قضايا عالقة في الوجدان العاقل . فالذي يدخلُ في حالة هذيان ثم يكرر و هو في حالة الاغماءة تلك سورة الملك ، مثلاً ، لا شكّ أنه يسترجع في اللحظة الغير- واعية مادته المقدّسة . لذا كان الهذيان صورة واضحة للحالة الحقيقيّة . و قد أتيتُ بها أنا لأماثل و أزامل بين الجوع و الهذيان , و اعتقاد راسخ في عقول هؤلاء الفتية المؤمنين . فالجوع مقدّمة هذيان ، كما أن الهذيان حالة استرجاع غير واعية . إذن فالقضية ليس فيها فخاخ قولبة ، كل ما في الأمر إني أختلف معك في نافذة إدراكي لفعل " الهذيان " .. فقط .


    --------------




    قد يكون مستفزّاً أن تقرأ للشاعر المصري / أحمد بخيت : سألت المدرسة الطلبة : ماذا تريدُ أن تكون حينما تكبُر ؟ قاختار كلّ منهم أمنيّة ، و ظللتُ صامتاً ، فلما سألتني / قلتُ / أريدُ أن أكون نبيّاً .

    الرسالة / النبوّة مفردات أدبيّة واسعة و فضفاضة ، هي النقاء و الرسالية و الهمة العالية و الاحتمال .. و الإمارة . في قصيدتي هذه جعلتُ من نفسي أميراً و لم أجعل من ذاتي نبيّاً ، ربما خشيتُ بعض الشيء من كسر هذا الثابت التصوّري لمفهوم متيبّس . و الامارة أداةٌ رسالية ، فلا مانع من الربط بينهما .. بل لا بد من وجود تلازم حتمي بينهما .


    ------------------


    كان بإمكان هذا التقديم أن يكون أكثر فنيّة لو لم تكرّسه في اثبات مفهوم تعكفُ على اقناعي به ، و هو " الافراط في امتداح الذات " .. أنت تعلم أنّ مثل هذه القراءات الأخلاقيّة و الدعويّة لا تقدّم نقداً واقعيّاً للنص و إلا رفضنا شعر المتنبي وغيره .. و الشعر أولاً وآخراً لغةٌ مطهّرةٌ من لغات الكذب ، بتعبير القرآن الكريم نفسه ، كما في آخر سورة الشعراء . أمّا عن أنّي أتمثّلُ حكاية نبيّ ، فالأمر بسيطٌ جدّاً ، و هو أن بإمكاني أن أتحدّث عن اضطهادٍ و هجرة و جهاد و موت .. ثم تتطابق حكايتي مع قضية الرسول الكريم محمد عليه الصلاة و السلام .. الرسالية طريقٌ طويل و متشابـك ، علّمنا إياه النبي الكريم في قوله : العلماء ورثة الأنبياء .. و بهذا تتقاطع المقابسات و المحاكات و التماثلات .. فيلقى في البعض في النار ، ويكون " إبراهيميّاً " ، بينما يقطع رأس آخر فقول عنه : يحيويّاً . أما إن كنتُ تقصدُ أنّ التناص مع القرآن الكريم هو المشكل عندك ، فأنا ، ببساطةٍ متناهية ، لا أراهُ كذلك .



    -------------------
    بل تتمشى مع " الريح " و " الأيادي السمينة " ، ثم الصورة الهروبيّة التي تحكي عن مكان قصيّ يصلحُ أن يجثو فيه الفقراء " جانب الطور " بعيداً عن الأغنياء و الأولياء .. و الشرطة ! فهنا الأولياء تأخذ معناها في رقافلة رحلة الفقير ، و ليس فيها شيء من الاعتداء على مقدّس ، فالخروج بالمعنى إلى الحديث عن " أولياء الله " لا يخدم النص / وليس فيه من الفنيّة شيء !

    --------
    هي أحاديثُ الفقراء و حكاياتهم و أمانيهم ، عندما يخلدون إلى النوم ، يتحدّثون حديثاً خفيّاً عن أملٍ بالثورة ، و .. رغيف الخبز ، ثم يطوون أرديتهم على وجوههم و يغرقون ! ألم تلاحظ أنّي تحدّثتُ عن " مساء " و " مدفأة".. هاتان الكلمتان كفيلتان لسحب التصوّر إلى حكايات ما قبل النوم .. لا أضع مفرداتي " قط و لصق " في الأعم الأغلب .

    -----------------


    لا اعتقد أن الفعل " ارفعوا " كان كافياً لاتهامي بادعاء النبوّة .




    أنت ملاكٌ ، أيها الرفيق الشاحذي ، تعاني من الجوع أحياناً .. هل أخطأتُ الآن؟ ! لقد استقلّت كلمة " ملك و ملاك و ملائكة " عن معناها التجسيدي و أصبحت تطلقُ لكل ما هو أبيض شفّاف ، كملائكة الرحمة .. و متلأت لغات العالم بمفردات مثل : angel و angelee .. الأمر أبسط من التعقيد اللاهوتي الذي تعتمده أيها الصديق . أمّا عن مقدمات الحديث عن النبوة و الطور فتستطيع أن تأخذها في ظلالها الغير واقعي و الايحائي ، و هناك أن تصِل إلى هذه الاستنتاجات التي لا تصبّ في خانة القراءة النقديّة الشعرية ، بل تمثّل سلطة إكليروسيّة ، أنأى بك عنها . و من المتوقّع ، كذلك ، أن تصل إلى نتيجة اتهامي بتحريف عقيدة المسلم و أنّ الملائكة لا يأكلون و لا يفترون ، ما دمت أخذت معانِ القصيدة بطريقة تجريدّة بحتة . فالطور عندي هو المكان القصيّ و هو الجبل النائي ، بينما جعلته في قراءتك طور موسى عليه السلام ، لتصل إلى أنه لا يوجدُ تأولٌ واحد يصرِف لفظة الملائكة إلى معنى إيحائي بحت، بناءً على تقديمي لحديثٍ تماثل و مطابقة مع الطور .. و ادعائي الخفيّ للنبوّة . أما عن تساؤلِك كيف يكونون ملائكة و هم يعانون من الجوع ، فهنا تبرز رؤية صاحب النص الخاصة ، و سواءً اتفقت معها أو اختلفت إلا أنها خاصة جدّاً ، و أنا أربأ بك عن مثل هذا التساؤل غير النقدي ، و ليس من المنطقي أن أجيب على معضلة من مثل : كيف جعلت الفقراء ملائكة !.. هذا شيءٌ آخر .


    ------------------------------


    ليس ثمّة من مستحيل .. لقد عوّدتنا المناشير على أحاديثٍ شهيّة عن " المخلص " و المنقذ .. و كأنّها تحدّثنا عن أنبياء قادمين ، ولم يكُن الأمر كذلــك . و ليس الأمن النظامي و حسب ، بل حتى الأمان العقائدي .



    ----------------------------------

    أصدُقك القول أنّ المعنى ها هنا بعيدٌ جدّاً و بحاجة إلى إعمال التصوّر المتكامل الذي بناه النص في سيرورته حتى هذا المشهد . فالتقديم بالفعل " ارفعوا " جاء أكثر من مرّة كخطابٍ موجّهٍ إلى طائفة الأولياء و المترفين ، و هنا يجري ماءُ الوضوء الدنيئ على معنى " أنباء الحكومة المتتالية عن الغيث و القطر ، و الخير " ، فهم يغسّلوننا و يوضّؤن أسماعنا بمياهٍ قذره كاذبة، أثبتت عريها التأريخي على مدار أكثر من أربعة عقود .


    مفردة " دين " كبيرة ، حتى في القرآن الكريم و السنة النبويّة وجدناها على أكثر من معنى .. فهي بمعنى الأخلاق " المرء على دين خليله " و هي بمعنى النظام " ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين الملك " و هي بمعنى الاسلام " إن الدين عند الله الاسلام " و هي بمعنى الجزاء " ما لك يوم الدين " .. كما أنّها تعني لغويّاً " الملّة أو المنهج ". بناءً على مثل هذه السعة شكّل معنىً كما تريد . أما عن عن عام الرمادةِ فلم يحضرني ساعة كتابة النص . و إن كانت الإشارة إليه منك الآن تقوم مقام " إعادة انتشار النص الشعري " من جديد !

    -----------------------------------


    صدقني أيها الرفيق ، لستُ مطالباً بالنزف مرّتين ، مرّة عند كتابة النص وأخرى عند تأوليه .. و ما فعلتُ في نقاشي أعلاه أكثر من أنّي وقفتً مع صديقٍ وقفة استطلاع ، فقط . و لو أعلمُ أن أكثر من عشرين شخصاً سيقرؤن حديثي أعلاه ما كتبته !




    فحديث الصوم حديث صحيح : أعتقد أنّي قصدتُ " ضعيفٌ في قلوبهم " .. الجوعى يا سيدي العزيز لن يلتفتوا إلى حديثٍ عن الصوم و هم يتضوّرون جوعاً .. رميتُ لشيءٍ آخر ، غير تضعيف الحديث .

    " سبعةٌ يظلّهم الله في ظله " .. نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير تعطيل و لا تأويل ولا تحريف و لا تشبيه .



    أما عن الوجاء فأنا أعرِف أنّه ، من الناحية النفسية ، جُـنّة . هنا ، الحديث ينصرِف إلى فرقة جائعين ، فما هو صحيحٌ عندك هو ضعيفٌ من الناحية العملية عندهم ، أو على الأقل آنيّاً .. و أمثلة ذلـك كثيرة . نحن نؤمن ببشارات الرسول الكريم / لكنها ضعيفةٌ الآن كون الزمن الحالي لا يسمح بظهورها ، فهي ضعيفة من حيثُ عدم تطابق الظرف الزمني مع المضمون الرسالي . نفس الحال عند هؤلاء الفقراء ، يطالبون بالثورة ، و أنا أطالبهم بالوجاء .. و الوجاء يكون تحت كفالة بيت المال، و ليس تحت سلطة النوافير و الأرصفة .

    ---------------



    ليس كذلـك ، سامحك الله . التعبير لا يحتمل الاستخفاف . ربما عجزت عن جعله " امتداحاً للذات " فاضطُرِرت لجعله استخفافاً بالسند :)


    أشكرك من كل قلبي على قراءتك هذه ، و دائماً ما أردد : يكفيني أن أنشر في المجلس اليمني ليقرأ لي الشاحذي و إن ألقى عليّ بكل الوسائد الموجودة في غرفته ، و ربما .. أسرع نحوي بمرزبّة ، سنتفقُ يوماً ما حتما .





    :):)
    [/color]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-07-28
  15. رفيقة امس باهت

    رفيقة امس باهت عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-16
    المشاركات:
    141
    الإعجاب :
    0
    رائــــــــــــع بكل معنـى الكلمــة.....

    قراءتكمــا ... لا أدري مــاذا أقــول.... أنا بجــد مستمتعــة... لدرجــة الهذيان..
    وكأنــي طفلــة تصفق بجذل...

    أعذرونــي..


    رائـــــع ...

    دمـــتـم بكـل ود

    نــوره
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-07-30
  17. عين العقل

    عين العقل قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-06-09
    المشاركات:
    3,141
    الإعجاب :
    0
    ايها الاديب الطبيب ما اروعك

    من سويداء القلب احييك ... ولك مني ارق وازكى التحايا
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-08-01
  19. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    أخي مروان :
    أشكرك على كريم استجابتك لطلبي وإماطة اللثام عمّا انحجب عنّا , وإن كنت أستميحك عذراً أن أبيّن بعض الأمور التي أراها من الأهميّة بمكان :
    1- لا أدّعي أنني ذهبت إلى غير ما تريد لأنني لم أجزم بما أقول بل استفسرت, وكان ردّك الأوّل يدلّل على ذلك ويتفهّم هذا الأمر, ,وقد تملكّني العجبُ وأنا أقرأ قولك "و هو ما فعله الأستاذ الشاحذي حين قال كثيراً مما لم أقُله ، و هو بهذا لم يبتدع تأولاً أو قراءةً أحادية المنهج للنص الشعري ، بل يضع أقدامنا على الظاهرة " الأدبية " بكل مفارقاتها " ولا أخفيك أني لم أعد أتمتع بفهمٍ صائبٍ يتوافق مع قولك الأخير : "لم أذهب إلى شيءٍ مما ذهبت إليه .." فأي القولين أصدّق؟؟؟

    ومع هذا فإن بادئة الأمور التي تفضّلت بها حول "الظلال" جاءت لتتسق مع ما وصلت إليه أنا من أنها مضللة وهلاميّة وتفتقر إلى معنى محدد وقوام معيّن, وقد حاولت تفسيرها على وجوهها التي رأيتها منّي , وقد وصلت إلى أن ذلك يمكن دراسته من عدة أوجه :
    أ- أن للظلال معنىً مضللاً؛ فانظر إلى قولك : ".. حدثَ أن الناقد المصري / نبيل القلاوي حادثني منذ أيام من الكويت يناقشني في بعض الايغالات في النص و منها الظلالين في المقطوعة الأولى " وهنا وجدت من شاطرني الرأي, وإن كنت أراك ألمحت إلى هذا الأمر في معرض كلامك.

    ب- أن الظلال بمعنى الحزن والألم والحيرة والظلم والظلام , وكلها تقابل معنىً واحداً يؤدّي إلى عدم الاستقرار النفسي, وهذه كلها تستوحش مع ظلمة المساء, وهي كما ترى صورة ملازمة للظلام إذ أن الظلمة تذكي في النفس مشاعر الحزن والألم , وهذه الصورة ليس فيها جديدٌ, والمطالبة برفع ظلمة المساء لا يؤدّي بالضرورة إلى انقشاع غموم النفس وأحزانها, ولنتذكر قول إيليا يوم قال :
    والذي نفسه بغير جمال = لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً .

    2- "أووا في المدينة" ليس المقصود هنا المعنى الحرفيّ والارتباط فقط بل الحركة الخفيّة داخل الفعل, إذ أن "أووا في المدينة" لا تعني شيئاً ذا قيمة فنيّة , فحتى الكلاب تأوي في المدينة, وإنما "آووا إلى المدينة " يعني أن هناك مطاردة ومتابعة وتضييق, وهذا يحيل القارئ إلى شعورٍ توحّدي مع الشخصيات وتقمّصٍ للمعاناة, فلو استبدلنا "أووا في" بالفعل "ناموا في" فهل ترى في ذلك إبداعاً أدبيّاً , ولكن لو استبدلنا "أووا إلى" , "بلجأوا إلى" لوجدنا أن للمعنى وميضاً آخراً.

    3- وأما الفعل "يهذون" فيبدوا أنك اكتفيت بالإجابة المباشرة دون أن تمعن في المقصود من ذلك , فالهذيان ارتبط بـ "عن قادم أرسلته السماء" , ومن هان نرى أنك ربطت الهذيان بأمر الرسول القادم من السماء ولم أجد ثمّة إشارة إلى الجوع الذي جعلهم يهذون بسببه, بل أن الجوع لم يرد في أي منعطف داخل منعطفات القصيدة إلا في معرض ربطه بالملائكة الجائعين , وهذه - كما ترى - إشارة متأخرة جداً للربط بينها وبين الهذيان الوارد في مفتتح القصيدة . ونحن نعلم أن الهذيان مرحلة من مراحل اللاشعور وهذا اللاشعور لا يمكن أن يكون فيه تعقّل كما سبق وأشرتم إلى ذلك, ولو كان الهذيان جزءاً من العقل لما سُمّي كذاكَ.
    كما أن الهذيان الذي ورد في النص عكس اضطراباً مع صفات بذاتها أو إشارات وردت خاصة إذا ما استبعدنا الجوع الذي أتيت به دون أن يكون هناك إشارة إليه ابتداءً , ومن هذه القرائن : (الفتية المؤمنين), فكيف يكونوا مؤمنين وهم "يهذون" عن قادم أرسلته السماء , فإن كان الهذيان حال الحديث عن ماضٍ انقضى فما نفع ذلك في ظل "ليصنع", وإن كنت أرى أن الفعل "أرسلته" يمكن أن ينسحب على الحاضر أو المستقبل لأن الحركة فيه غير ملزمة له بالآنية فيمكن أن يكون أرسل ولمّا يصل بعدُ, ومن هنا نرى أن "هذيان" هنا لا تتناسب مع الجو العام الذي وضع فيه الفعل خاصة وأن إشارة عن الجوع لم ترد. إلا متأخراً.


    وحتى لا أبدو متجنياً أو متحاملاً أنقل إليك رأياً لواحد من النقاد المشتهرين ذائعي الصيت يوم قال : "ولذا فالقصيدة العربية المعاصرة من خلال هذه الرؤية الحديثة تعمل على تفكيك بنيات العالم العربي المعاصر وكثيراً من قيمه الزائفة، وتعري بنياته الهشة، ومن ثم تعيد صياغته وفق حركية ترفض الثبات والجمود، وتشيد عالماً مفتوحاً على الصيرورة التاريخية، والسيرورة الزمنية في آن ، ولا اقصد بذلك تبني هذه القصيدة لخطابات الايديولوجيا، وفرزها السياسي، واشكاليتها المعرفية في بنية المجتمع. الابداع لاجل الابداع، والفن لاجل الفن، ظاهرتان ادخلت عليهما الرؤية المعاصرة مفاهيم جديدة، فالابداع وجمالية الفن مضافا اليهما حركية التغيير والهدم تأسيساً للبناء الجديد، ولا قيمة للترف الشكلي والزخرفي والاغراق في الحلم، والهذيانات السريالية، الا اذا كان الهدف من ذلك تأسيس رؤية انسانية قادرة على إدانة المظاهر السلبية في بنية الحياة العامة، و«قد ساعد فتح الابواب امام الابداع الشعري الجديد على وجود هذه التيارات وتعددها داخل حركة الشعر الجديد، ونشأ عن ذلك اجتهادات وتيارات منحرفة لا تنشر سوى هذيان لا علاقة له بالشعر أو الفن ولاعلاقة له بالتجديد أو الابتكار وخطر هذه التيارات المنحرفة انها تدفع نحو اللامبالاة اللغوية ونحو اللامبالاة العقلية." د. محمد عبد الرحمن يونس , الأسطورة في الشعر والفكر .
    مع ملاحظة أنني لست في حاجة إلى إثبات أن الهذيان مرض سايكلولوجي وليس كما تفضلتم به من أنه مرحلة غير معيبة , ولو أردتم الأدلّة العلمية المثبتة على أن الهذيان علّة نفسية قدنا أمامكم الإثباتات العلمية , على الرغم من يقينني أنكم – ومن خلال دراستكم الأكاديمية – قد درستم الإكلنيكية وتعرفتم عن كثب على هذا المرض!!!!

    4- ما أتيت به عن أحمد بخيت كمثال يدلل على ما تريد نيله لا يقود إلاّ إلى أمر أخالك لم تتنبه إليه وهو أنه كان "غرّاَ" لا يحاسب على ما يقول, ولا أدري هل سيجرؤ "بخيت" على أن يعلن اليوم أنه "نبيّ" ؟؟!!! إلا إذا كنت تريدنا أن نذهب إلى أن ما تكتبه يشابه تفكير بخيت في تلك الفترة!!!!!! وهذا ما أربأ بك عنه قطعاً .

    أنا لم أرمك بشيء من بنات أفكاري, فأرجوا أن تراجع ما كتبتُ أنا على ضوء ما كتبتَ أنت : فأنا ربطت بين "قادم أرسلته السماء" , "والملائكة" , و"الطور" و" المدفأة" , "والنبي" فلا أدري ما الذي سترسله السماء من رسل غير الأنبياء؟؟؟ ولم أعرف اقتراناً للملائكة هنا غير الذين نعرفهم :

    ارفعوا ، أيها المترفون ، أحاديثكم
    أن تراها عيونُ الملائكةِ الجائعين ...
    منذ مات الخليفةُ في حادثٍ دبّرته الرياحُ
    و ما جاءنا من نبيٍّ - كما عوّدتنا مناشيرُ رفقتنا الطيبين ..

    فأريد تفسيراً لهذا الكلام , فإن كان لا مقارنة بين الملائكة هنا وبين النبيّ فأريد أن أفهم طبيعة الربط الذي حلّ ليجعل الملائكة الجائعين - حسب الغفوري – يصيبون المترفين وأحاديثهم بالفزع , وهذه لغة تهديد , ثم يحدث نفي لمجيء النبيّ الذي بشرنا به في السطور الأولى ؟؟؟
    إن كانت "الملائكة الجائعين" تساوي "الفتية المؤمنين" فإن الجوع سيقضي على الإيمان وعلى الملائكية التي رأيتها فيهم , وهذا رأيك أنت لا رأيي أنا , فإن كنت قصدت أن تشبههم بالملائكة ففي أي شيء؟؟ وإن كنت حمّلتهم صفة الجوع فقد نقضت نظريتك حول "الجوع والإيمان" التي سقتها في معرض ردك .

    ودعني أقف هنا وقفة بسيطة مع الكلمات التي سقتها هناك , فأنت تطالب المترفين بأن يرفعوا أحاديثهم لئلّا تراها عيون الملائكة الجائعين, وهذا الجوع حلّ بعد أن مات الخليفة في حادثٍ ولم يأتِ نبيّ بعد موته حسب ما نزل من منشورات صدح بها الرفقة الطيبون. وهذا ما أفهمه هنا مما قيل , وهلمّ معي ندرس ما قيل , فأنت تأمر بـ "ارفعوا" , وجاء الخطاب بتهديد سيأتي من "الملائكة الجائعين" , وسمها ثورة الجياع إن شئت, فإن يكن الملائكة الجائعون هم الفتية المؤمنون والمترفون جزء من رفقتنا الطيبين فعلام الأمر إذاً, وكيف لنا أن نستسيغ أمر شخصية القصيدة على حال هذا شأنه من الضعف أمام القوة , وقدرة أمام العجز , فالتهديد لا يكون إلاّ من مقتدر على مقدور عليه أما والحال من الضعف بما تراه فإن هذا مما لا يليق بالمقام , فأنت منحتهم صفات حرمت منها فتيتك المؤمنين , فهم مترفون ,والمترف عادة ما يكون غنيّاً ذا سعة, وشبعان لا يهمّه قوت يومه , وذو بسطة في الجسم لظهور النعمة عليه, كما أن هناك رفقة وطيبين, وهذه ألفاظ محببة إلى النفس , وانظر إلى وصف "الملائكة الجائعين" فقد انتقصت وصفهم بالجوع الذي أزال أي صفة حميدة لهم تأتي بعدها , وجعل الغلبة والكفّة للآخرين, ومن هنا أسأل , ما مناسبة ورود "وما جاءنا من نبيّ " فإذا كنت تقصد الخليفة الجديد فهذا بعيد كل البعد عن مفهوم النبوة, وإن كنت تريد النبيّ ذاته فهذا يتعارض مع الرسول الذي أرسلته السماء , فما الذي حشر النبيّ هنا يا مروان؟ وما الذي تقصده من قولك هذا؟؟؟؟ ثم انظر إلى الفعل "عوّدتنا" الذي يوهن فعل الأمر "ارفعوا", فالتعوّد ملازمة للصبر والاحتمال والتكرار دون تحريك باتجاه الضد أو القيام بفعل مضاد , وينبئ عن الاستكانة للحاصل والتسليم بالواقع وهو ما يقلل من شأن فعل الأمر "ارفعوا" في بداية السطر, ولو قال قائل أن المراد منه هو الثورة على واقع حال نيئوس منه عُبّر عنه بالفعل "ارفعوا" فإن ذلك يدخلنا في تناقض , إذ كيف يحذرهم من ثورة الجياع "الملائكة الجائعين" وهو يثور عليهم في المبتدأ ؟؟؟
    وأخيراً لنا وقفة مع "أحاديثكم"

    وعجبت منك لمّا قلت : "الرسالة / النبوّة مفردات أدبيّة واسعة و فضفاضة ، هي النقاء و الرسالية و الهمة العالية و الاحتمال .. و الإمارة . في قصيدتي هذه جعلتُ من نفسي أميراً و لم أجعل من ذاتي نبيّاً ، ربما خشيتُ بعض الشيء من كسر هذا الثابت التصوّري لمفهوم متيبّس . و الامارة أداةٌ رسالية ، فلا مانع من الربط بينهما .. بل لا بد من وجود تلازم حتمي بينهما ." ومن هنا أطلب منك أن تأتني ببيت شعر يدعي فيه شاعر أنه نبيّ ولم يسلم من التوبيخ والتقريع والاتهام بالزندقة , قد تكون الرسالية مضللة كون الرسل يختلفون , ولكن يوم أن ترتبط بالسماء فلا أدري أين سنذهب بعد ذلك؟؟؟ أما النبوّة فلم أجد أحداً يقول لآخر : أنت نبيّ , ويقصد بها أنك كثير الاحتمال والصبر , ولو كان تداول الكلمة على هذا المحمل وبهذه البساطة لاستخف الناس بكل من يدّعيها حتى لو كان مسيلمة ذاته .
    وأستغرب أكثر ما أستغرب من قولك "مفهموم ثابت" لتجعله متيبّساً , ولا أدري مما خشيت بعد هذا الكلام ؟؟!!! ليست النبوة مفهوماً يمكن تغييره , فهو كما قلت "ثابتاً" أي محدد المعالم, والمقدّس هو ماكان له ثبات , ومن هنا فهمنا معنى النبوّة والرسالة التي جاءت من السماء, ولولا هذا المعنى "المتيبّس" لما رأينا الأدباء ينفرون من استخدام كهذا. أما القيادة والإمارة فلا إشكال حولها إلا من حيث التأكيد على (الشخصية) والإفراط في امتداح (الأنا), ولا أدري كيف تفهم الفرق الأدبيّ بين شخصيّة القصيدة ومروان الغفوري؟؟؟؟ أنا لا أقصدك أنت إلا في مجمل اللفظ ونافر القول, أما عن التقييم الشخصيّ من تكبّر أو ادعاء لعلوّ فهذا أهيله على شخصية القصيدة لما أراه من إشارات تتماثل هنا وهناك, فلا تذهب بالمقصد عمّا رأيناه ولا تدخلنا في زاوية التوبيخ لشخصك الكريم , فأربأ بنفسي أن أفعل ذلك وأربأ بك من أن يصلك هذا الفهم الذي تجاوزه القوم منذ عقود .

    "يا سيدي أنت حمار" , هل تعتقد أن كائناً من كان سيستيغ مثل هذا الأمر , لو أتيت إليه وقلت أنني كنت أقصد من "حمار" هذه أنه صبور , وأنه جلد على تحمّل الأذى, قطعاً لن يصطبر على ذلك لأنه لم ترد إشارة إلى أني أقصد المعنى الأخير , وهذا الذي فعلته أنت تماماً , تطالبنا بأن نأتي المعنى المخفيّ لديك دون أن تضع إشارة إليه, ثم تعيب علينا أن رأينا هذا ...

    أخي الحبيب مروان :
    هل سيأتي اليوم الذي نرى فيه قرآن الحب, وجبريل العشق, ونبيّ الغرام ؟؟؟ قد يأتي لأن هذا المحدود للفكر قد انقطع بقاطع ارتبط بالتفلّت عن كل مقدّس, ولو أن أحدهم كتب عن "رئيس الخصيان, أو زعيم المخنّثين" في دولة ما وأحضر ألف حجّة على أنه لم يقصد النظام لما شفع له شافع ولا قامت له حجّة , ولكن أن يكون الله ورسوله والنبوة والملائكة استعارات وكنايات فهذا أمر فيه سعة .. وهذا الحديث لا يوجّه إليك , ولكن إلى كل من يحملون هذا الفكر , وقد رأينا بعض الأدباء يعتذر إلى البعض الآخر بجميل القول ولطيف الكَلِمِ لمجرد إشارة إليه ظنّ أن فيها طعناً , ومع ذلك فإنهم لا يتأدبون مع الله ولا مع رسوله نتيجة لإيمانهم أن هذه "مفاهيم متيبّسة" تحتاج إلى مراجعة .....

    إن الرب , والإله , والرسول , والملائكة والنبيّ, لم تعد تحمل ذات القداسة في أدبنا اليوم, بل أنها صارت من أهون الأمور, وهي المطيّة التي يهتبلها الأديب فرصة لأن يذاع صيته ويعلو شأنه بين الأنام ويشار إليه بالبنان إما مدحاً أو قدحاً.

    وسأتوقف هنا , وأعدك بالمواصلة للحديث والبوح المفتوح دام أن قلبك الكبير يسعني ويسع كل ما أقوله هنا..

    وهناك لمحات نقديّة سأوردها فيما بعد حال أن نخلص إلى نتيجة هنا ...

    والسلام عليكم ..
     

مشاركة هذه الصفحة