هل مظاهرة الكافرين،ونصرتهم على المؤمنين من الردة؟موقف وتعليق(ولاء،وبراء

الكاتب : عدنان الزهراني   المشاهدات : 424   الردود : 0    ‏2001-10-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-17
  1. عدنان الزهراني

    عدنان الزهراني عضو

    التسجيل :
    ‏2001-09-25
    المشاركات:
    10
    الإعجاب :
    0
    عدنان بن جمعان الزهراني
    هل مظاهرة الكافرين،ونصرتهم على المؤمنين من الردة؟
    موقف وتعليق
    موقف:
    أخرج البخاري في صحيحه ج: 4 ص: 1463،وغيره:"أن عليا رضي الله عنه قال:بعثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وأبا مرثد الغنوي،والزبير بن العوام،وكلنا فارس،قال:انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛فإن بها امرأة من المشركين،معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة،إلى المشركين.
    فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،فقلنا:الكتاب،فقالت:ما معنا كتاب!
    فأنخناها؛فالتمسناه،فلم نر كتابا،فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،لتخرجن الكتاب،أو لنجردنك،فلما رأت الجد؛أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته؛فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،فقال عمر:يا رسول الله،قد خان الله،ورسوله،والمؤمنين؛فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:ما حملك على ما صنعت؟
    قال حاطب:والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،ولكن أردت أن يكون لي عند القوم يدا يدفع الله بها عن أهلي،ومالي،وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله،وماله،فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:صدق،ولا تقولوا له إلا خيرا.
    فقال عمر:إنه قد خان الله،ورسوله،والمؤمنين؛فدعني فلأضرب عنقه؟.
    فقال:أليس من أهل بدر؟
    فقال:لعل الله أطلع إلى أهل بدر؛فقال:اعملوا ما شئتم؛فقد وجبت لكم الجنة،أو فقد غفرت لكم؛فدمعت عينا عمر،وقال:الله ورسوله أعلم".



    تعليق:
    إن تأملا في هذا النص وغيره،يوضح مدى القصور في البحوث التي تتعلق بالولاء والبراء،فلا تكاد تجد منها ما يشفي ويكفي،بل دعني أقول جازما لست تجد تعريفا للولاء والبراء من حيث الاصطلاح يسلم عن انتقاد،لمصادمته نصا أو نصوصا شرعية،ولست بصدد عرض دراسة كاملة في هذا الأمر،وهو ما قمت به ولخصته في قاعدة سأذكرها في آخر المقال،بل حسبنا هنا أن نتأمل هذا النص الذي بين أيدينا،مما يصدق يقينا أنه صورة من صور مظاهرة أهل الكفر ومناصرتهم على المؤمنين وتوليهم وهو لفظ ذكرته الآيات التي نزلت عقب هذه الواقعة،إذن ما فعله الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه من يعد من تولي الكفار ولا ريب في ذلك،وهو من الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين،لا سيما أنه يعلم قول الله تعالى:"يآ أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم؛فإنه منهم،إن الله لا يهدي القوم الظالمين"،لأنها من أوائل ما أنزل على المسلمين في المدينة،وما فعله رضي الله عنه كان في العام الثامن من الهجرة النبوية المباركة،وهو ما يبينه سبب نزول قوله تعالى :"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"،قال في زاد المسير ج: 2 ص: 377:"في سبب نزولها ثلاثة أقوال،أحدها:أنها نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح،رواه أبو صالح عن ابن عباس،وهو قول عكرمة،والثاني:أن عبادة بن الصامت،قال:يا رسول الله،إن لي موالي من اليهود،وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود،فقال عبد الله بن أبي:إني رجل أخاف الدوائر،ولا أبرأ إلى الله من ولاية يهود،فنـزلت هذه الآية،قاله عطية العوفي،والثالث:أنه لما كانت وقعة أحد خافت طائفة من الناس أن يدال عليهم الكفار،فقال رجل لصاحبه:أما أنا فألحق بفلان اليهودي فآخذ منه أمانا،أو أتهود معه، فنـزلت هذه الآية،قاله السدي،ومقاتل،……قوله تعالى:ومن يتولهم منكم فإنه منهم،فيه قولان:
    أحدهما:من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر.
    والثاني:من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر."انتهى من زاد المسير.
    أقول:ولدى تأمل المسألة والرجوع إلى العديد من المصادر،نجد أن الصحيح هو القول الثاني،لأن الباحث في مثل هذا الأمر يرجع إلى أصل ثبت به إسلام شخص ما،فلا يسعه تكفيره دون حجة تصلح لمثل هذا الحكم،وهذه الآية ظاهرها أن من تولاهم كافر،وهو يصحح الأخذ بالقول الأول،بيد أننا نجد من القرائن ما يكفي للجزم بصحة القول الثاني،لأننا رأينا الصحيح أن المسلم لا يكفر بفعل الكبيرة مهما جلت،سوى الاستهزاء بالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وما كان من معناه،وهذه الآية جعلت من تولاهم من المسلمين منهم ولم تصرح بكفره،بل لو جعلنا توليهم مما أطلق عليه الكفر الصريح؛لوجدنا من القرائن ما يكفي لاعتبار ما فعله من الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة،خذ كمثال يوضح وجه الحق في هذه المسألة ونظائرها ما أخرجه الترمذي ج5ص51 عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"سباب المسلم فسوق،وقتاله كفر" قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح،ومعنى هذا الحديث:قتاله كفر،ليس يعني به كفرا مثل الارتداد عن الإسلام،والحجة في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال:"من قتل متعمدا؛فأولياء المقتول بالخيار إن شاءوا قتلوا،وإن شاءوا عفوا".انتهى
    أقول يريد رحمه الله تعالى أن يبين عدم كفر القاتل المتعمد،لأنه لو كان كافرا مرتدا لما جاز تركه دون أن يقتل،حتى ولو عفي عنه؛لأنه إن لم يقتل قصاصا قتل ردة،وليس في النص أن القاتل قد تاب؛حتى يقول قائل إنما لم يقتل لتوبته،وهذا يتضمن ردا على من يقول بردة فاعل الكبيرة.
    والمقصود أن هذا الصنيع في فهم نصوص الشريعة ليس بدعا،وهو مذهب أكثر أهل العلم في فاعل الكبيرة التي أطلق عليها الشارع لفظ الكفر،مثل القتل،والاستسقاء بالأنواء،والفخر بالأنساب،ونحوها؛حيث حمل كل ما ورد من ذلك على الكفر الأصغر،سوى ما جاء في حق المستهزئ،مما يحتاج إلى مزيد بسط في وقت لاحق.
    والمهم أن هذا يصح على المسألة التي نحن بصدد بحثها،إذ وجدنا الشارع أثبت الإيمان لمن قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه،وذلك من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وســلم : " أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصا من قلبه " (أخرجه البخاري ( 8 – 210) ،وفي صحيح مسلم(1-177) ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة،ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء،حتى ينبتوا نبات الحبة في السيل،ويذهبوا حراقة،ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معه"،علما أنها القرائن ذاتها التي جعلتنا لا نكفر من يستسقي بالأنواء،ومن ينوح،ونحو ذلك،وهي القرائن التي لم تقبل بها بعض الفرق الإسلامية،بحجة أنها أحاديث آحاد،أو يستثنى منها من صح في حقه قيام وصف من تلك الأوصاف،من مثل القتل،والنياحة،ونحوها من الكبائر التي يعصى الله تعالى بها،حيث لم يجعلوا الأحاديث المذكورة آنفا قرينة لصرف نصوص الوعيد الخاصة،أو العامة عن ظاهرها،بل خصصوا عموم نصوص الوعد بها.
    ولا تثريب عليهم إذ مسلكهم الأخير تتسع له اللغة،ولا ينافي قواعد الشريعة،إلا أن الحق في غير قولهم،لأننا وجدنا عموم الوعيد،يقابله عموم الوعد،ولا سبيل للجمع بينهما قط،ولا يتصور في الأخبار وقوع النسخ،فصح أن المراد صرف ظاهر الوعيد وحمله على التأكيد والمبالغة لبيان عظم الفعل وقبحه الشديد،وإنما غلبنا جانب الوعد بتغليب الله تعالى له،لما ثبت عن أبي هريرة،عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"قال إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي"(أخرجه البخاري (6-2700)،وغيره).
    وبيان هذه الجملة سيخرجنا عن بحثنا،ولكن أقول ما لا بد من قوله هنا،وهو أننا لو لم نجد من نصوص الوعيد نصا عاما؛لما صح سوى القول بالتخصيص،ولصح أن كل ما أطلق عليه الشارع أنه كفر يعد ردة،وهو فيما أرى ما حمل ابن عباس وغيره من أئمتنا الكرام على تقسيم ما أطلق عليه الشرع لفظ الكفر إلى مرتبتين،(إلى كفر أكبر،وإلى كفر أصغر)،وكذلك كان الأمر بالنسبة للفظ الفسق والظلم ونحو هذه العبارات.
    انظر ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك قال:" إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه؛إنه ليس كفرا ينقل عن الملة،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)،كفر دون كفر"،أخرجه الحاكم في المستدرك(2-342)وقال عقبه هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
    وهذا النص وإن لم يكن في خصوص مسألتنا إلا أنه يوضح مأخذها،والقاعدة في فهمها،ممن شهد التنـزيل،وصحب سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وممن ملك من اللغة ناصيتها،ومن الفهم غايته،رضي الله عنهم جميعا.
    ملاحظة: أريد بعموم الوعد ما ورد في الأحاديث السابقة،وبعموم الوعيد ما في قوله تعالى:"ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا"،الجن.
    وفي خصوص مسألتنا القرينة أوضح حيث نجد قول الله تعالى:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"،مقابل بمثل فعل حاطب رضي الله عنه،ولم يأمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتجديد إيمانه،ولم يحكم بردته،بل حين استدل الجاحظ ومن سلك مسلكه على كفر مرتكب الكبيرة بأن عمر رضي الله عنه هم ليضرب عنق حاطب رضي الله عنه،وقد عده منافقا لموالاته الكفار،غاب عنهم أن النص عليهم لا لهم حيث لم يوافق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمر رضي الله عنه،بل ذكره بسابقته،ولم يعتبر هذا الفعل محبطا لها.
    وهذا يجعل من المتعين ترجيح أن المراد بقوله منهم في الآية الكريمة،أي(فإنه منهم)خلقا،ومسلكا،وطريقة مذمومة،لا أنه مرتد.
    قال الجصاص في أحكام القرآن ج: 5 ص: 325:"ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة؛وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له؛ليدفع به عن ولده وماله،كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية،ويستبيح إظهار كلمة الكفر،ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا يوجب الإكفار،ولو كان ذلك يوجب الإكفار لاستتابه النبي صلى الله عليه وسلم فلما لم يستتبه وصدقه على ما قال علم أنه ما كان مرتدا".
    اتضح مما سبق أن مجرد موالاة الكفار لا يوجب كفرا،ولا يعتبر ردة،لاسيما حين توجد من الأعذار ما يشبه ما كان من حاطب رضي الله عنه،ولا يصح اعتبار ذلكم تساهلا في أمر موالاتهم،فهذا غير صحيح وأجدني في غنى عن تأكيده،لأن التكفير والحكم بالردة شيء،وبيان أن موالاة الكفار ومظاهرتهم على المؤمنين وعد ذلك كبيرة بل من أكبر الكبائر،شيء آخر.
    وهنا يطرأ سؤال هام
    هذا رجل يقاتل مع الكفار ضد المؤمنين،ولا تعده كافرا،كيف نقاتله إذن؟
    الجواب:
    لست محتاجا لتكفير رجل،لتقاتله،بل تحتاج لمبيح أو موجب شرعي لذلك،وانظر ما أخرجه البخاري (2-877) وغيره،عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"يقول من قتل دون ماله فهو شهيد"،وكذا ما أحرجه مسلم في صحيحه(1-124) عن أبي هريرة قال:"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،فقال:يا رسول الله،أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟
    قال:فلا تعطه مالك.
    قال:أرأيت إن قاتلني؟
    قال:قاتله.
    قال:أرأيت إن قتلني؟
    قال:فأنت شهيد.
    قال:أرأيت إن قتلته؟
    قال هو في النار".
    أقول: ولئن يقاتل المرء من أجل عرضه،ودينه،أولى.
    وحين يجد المرء مؤمنا يقتل كافرا،فعليه نصره،والذب عنه قدر استطاعته،بل والنيل من كل من يقدم عونا لذلك الكافر ولو لم يحكم بكفره وردته من أبناء المسلمين.
    قاعدة في الولاء والبراء،والحب والبغض:
    مما أرشدت إليه نصوص الشريعة،في هذا الصدد:
    أولا:أن الأصل حب وتولي كل مسلم،ولا يتبرأ منه إلا لقيام موجب لذلك،ولا يجوز التبرؤ عندها إلا للفعل،أو القول، الباطل،ولا يجوز التبرؤ من المسلم لشخصه قط،مهما حدث منه.
    قال تعالى:" والمؤمنون،والمؤمنات،بعضهم أولياء بعض،يأمرون بالمعروف،وينهون عن المنكر".
    وأخرج البخاري (6-2550)،عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:" المسلم أخو المسلم؛لا يظلمه،ولا يسلمه،ومن كان في حاجة أخيه؛كان الله كان في حاجته".
    فمن علمنا أنه مسلم،ولم نجد من أدلة للقول بكفره،أو ردته،لا يجوز التبرؤ منه،أو إسلامه لعدوه،أو خذلانه،وإن بدر منه ما يوجب شيئا من ذلك عومل على قدر ما يستحق،حتى ولو وصل الأمر إلى قتله،ولسنا بحاجة للقول بكفره وردته،بل نتبرأ من قبيح فعله،وأما شخصه فشيء آخر.
    ثانيا:الأصل عدم حب الكافر لذاته،وقد يحب ويتولى لذاته حين يقوم سبب على ذلك،وأما بغض كفره،وما يقوم به من قول أو فعل أو اعتقاد باطل فيجب بغضه،بل قتاله بكل جهد ممكن،والتبرؤ منه،حين يحول دون بلاغ دين رب العالمين،وحين يعلنها حربا على المؤمنين،وهذا يعني أنه لا يمنع قيام ما به يحب من وجه،وما يبغض من وجه آخر،وأما ما به استحق اسم الكفر فلا يجوز قبوله وحبه والرضى عنه،قط.
    ودليل هذه الجملة:
    قال تعالى:"اليوم أحل لكم الطيبات………..والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"،في الآية جواز نكاح الكتابية،ومنه يلزم جواز حبها،وإلا فكيف سيجمعهما سقف واحد.
    قال تعالى:"إنك لا تهدي من أحببت…"،ومن المعلوم أن الآية تقصد أبا طالب،وهي تثبت حب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له،ووجود التناصر بينهما أي بين المؤمنين والكفار،ضد الكفار في موقع آخر.
    قد يقال:هناك فرق بين حبين،حب شرعي،وطبيعي.
    نعم،هل ذلك يغني شيئا؟
    يجوز حبهم بأي نوع،أم لا؟
    يجوز.
    وهو المطلوب،إذ معاداتهم عمليا ليست مفرغة عن سياقها وأسبابها،حتى يصبح بغضهم ومعاداتهم هما الأصل.
    قال تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم.."،ولا يسوغ القول بالنسخ،وبسط ذلك سيكون في مناسبة ثانية.
    والمواقف من السيرة في وجود مناصرة بين المؤمنين والكافرين عديدة،وهذا لا يعني الجواز مطلقا،بل فيه جواز قيام ولاء وتعاون بين المؤمنين والكافرين،في أمر يستفيد منه الاثنان،ولا يتنافى مع أوامر الشرع الحنيف،ولا يعطل العمل بأحكامه،وأما عندما يكون الأمر على خلاف ذلك؛فهذا هو المحظور وهو كبيرة من كبائر الذبوب،بل جديرة بالقتال من أجلها،فما القول حين يكون الأمر تناصر بين المسلمين والكافرين في ضرب مسلمين آخرين،لا شك أن الإثم أكبر.
    وجميع النصوص التي حرمت وشددت في أمر موالاة الكفار كان ذلك حالة وجود حرب معلنة،أو في صدد تصحيح أمر اعتقادي لوجود ركون لأهل الكفر،حتى يتحفز المؤمن لأي طارئ،لا أن عداوتهم واجبة لذاتها،أو بغضهم واجب لذاتهم،وهذا يعني تولي من وجد منه الولاء منهم،ومناصرته ولو كان كافرا حين نعلم منه نصر المؤمنين،أو لعهد بيننا وبينه،وحين نعلم منه الوفاء بالعهد فالإسلام يحرم علينا أن نخلف عهدنا معه،ولو قاتل المسلمين،شرط أن نكف أيدينا فلا نشاركه،في قتالهم،ولا نعينه في ذلك بأي شيء،وفي الوقت ذاته لا ننقض عهدنا معه،ودليل هذه الجملة،قوله تعالى:"إن الذين آمنوا،وهاجروا،وجاهدوا،بأموالهم،وأنفسهم،في سبيل الله،والذين آووا،ونصروا؛أولئك بعضهم أولياء بعض،والذين آمنوا،ولم يهاجروا،مالكم من ولايتهم من شيء،حتى يهاجروا،وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر،إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق،والله بما تعملون بصير"،قسمت الآية المؤمنين إلى فريقين،إلى من هاجر،ومن لم يهاجر،فهو مقيم بين أظهر الكافرين،وهذا الذي لم يهاجر،لو تعرض لقتال من أجل دينه،وجب على المؤمنين عونه ونصره،إلا في حالة أن يكون بيننا وبين ذلك العدو الكافر ميثاق،فيجب الوفاء به،والتزام جانب الحياد،قال ابن جرير الطبري في تفسيره(10-54):" …"وإن استنصروكم في الدين"، يقول:إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا،في الدين، يعني بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين؛فعليكم أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار النصر،إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق،يعني عهد قد وثق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه،والله بما تعملون بصير"انتهى.
    والسؤال الآن ماذا لو حدث العكس،بأن وجد عهد بين من لم يهاجر،وأولئك الكفار،يصبح به آمنا على دينه ونفسه وماله،وكان أن قامت حرب بين أولئك الكفار وفئة أخرى من مهاجرة المؤمنين،هل ينقض عهده،معلنا أنه سينحاز إلى المؤمنين؟
    هل يبقى على عهده،ويقاتل مع الكفار؟
    هل يبقى على عهده،ويلزم جانب الحياد،دون تقديم أي عون للكفار على المؤمنين؟
    والصواب هو الأخير،لأنه عين الفعل الذي طلبه الشارع من المهاجرين حين تقوم حرب بين الكفار المعاهدين لهم،وقوم من المؤمنين لم يهاجروا.
    وله أن يسلك المسلك الأول،وهو النقض بشرط الإعلان،وحينها لن يسعه البقاء وسيلجأ للانحياز إلى صف المهاجرين.
    سؤال آخر:ماذا لو كان الأمر بين دول وليس أفراد كما نره اليوم؟
    الجواب:
    يسع الحصيف اللبيب تبين الإجابة مما سبق،وليس أمر الدول مختلفا عن أمر الأفراد،فدولة ارتبطت بميثاق مع دولة أخرى كافرة،لها أن تلتزم جانب الحياد لو قامت حرب بين تلك الدولة الكافرة،ودولة أخرى مسلمة،أو نبذ العهد،وإعلان البراءة منه،وهكذا.
    أما تقديم العون بأي صورة فلا يجوز وهو من كبائر الذنوب،ويسع الدولة المؤمنة عندها النيل ممن يقدم العون لعدوهم،بأي وسيلة تردعهم.
    بقي حال الأفراد داخل تلك الدولة،وهو أن عليهم وجوبا اللالتزام بعهد دولتهم،والسمع لأميرهم وطاعته،وحين لا يجدون طاقة على ذلك ويضيقون ذرعا بما تفعله دولتهم،فعندها يسعهم سلوك أحد سبيلين إما إعلان البراءة من تلك العهود،مع الانحياز إلى الفئة المؤمنة المقاتلة،أو إعلان البراءة من ظلم الفئة المؤمنة المعاهدة، والتزام جانب الحياد،ولا يسعهم فعل ما لا يرضى به أميرهم،مما يعد نقضا للعهد الذي أبرمه أميرهم مع الكافرين،وإن كان ولا بد فليس من سبيل سوى السبيل الأول،وهو البراءة والانحياز.
    ملاحظة:ما كتبته هنا كان بغرض التوضيح لكثير مما يحتاجه المسلم في ضوء الواقع الذي أفرزته الحوادث الأخيرة،كما أنبه أن الحجة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وليس في شيء سوى ذلك حجة،وأعلم من بعض العلماء مخالفة لما ذكرت،وليس من دأبي خلاف أهل العلم،ولكن الحق أحق بالمتابعة.
    الشيخ:عدنان بن جمعان الزهراني
    054686397
    adnanzhrani@hotmail.com






    __________________
    الشيخ:عدنان الزهراني
    adnanzhrani@hotmail.com
     

مشاركة هذه الصفحة