الملَكيات والجمهوريات العربية وتآكل الشرعيّة المشوّهة

الكاتب : دار الزهور   المشاهدات : 397   الردود : 0    ‏2004-07-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-15
  1. دار الزهور

    دار الزهور عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    342
    الإعجاب :
    0
    منقول:

    على الخارطة الجيوبوليتيكية للولايات اللاّمتحدة العربية تنتظم وفق مشهد بديع قلاع حصينة لأنظمة سياسية شيّدت أسوارها على محوري إحداثيات نقطة تقاطعهما ثقافة الرعب والخوف بين من نصّبوا أنفسهم " حماة " للقلعة من جهة، وبين الرّعية المحاصَرَة داخلها من جهة ثانية. والأنظمة السياسية في مختلف ولاياتنا العربية، على قاعدة الاستبداد والخوف، حالة تراجيدية Tragedy مأزومة بالشرعية.

    الشرعية في جوهرها قبول المحكوم، وليس الإذعان، لحقّ الحاكم في أن يحكم. وقد يكون هذا القبول على قاعدة الاعتقاد الديني السائد، أو الأعراف والتقاليد المتوارَثة. ولا يتضمّن ذلك بالضرورة " الرضا الدائم " انطلاقا من ذلك يعيش الحاكم حالة القلق والخوف مهما كانت وسائله ترغيباً أو ترهيبا.

    اعتبر عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber أنّ النظام الحاكم يحقّق الشرعية عندما يشعر المحكوم أنّ النظام صالح ويستحقّ التأييد والطاعة.ثم إنّ هذه الشرعية يمكن أن تنحصر مصادرها في ثلاثة:
    المصدر الأول يتعلّق بالتقاليد Traditions ويدخل في نطاقها المعتقدات بما فيها الدينية، إضافة الى العادات والأعراف المتوارَثة.

    أما المصدر الثاني فيتعلق بالكاريزما Charisma، أو الزعامة المُلهِمة. وهي حالة استثنائية في تاريخ المجتمعات، ومرتبطة فقط بشخصية الحاكم الزعيم.وكان عالم الاجتماع المصري سعد الدين ابراهيم قد اعتبر أنّ " هذا النوع من الشرعية لا يُورّث، ومن النادر أن تظهر زعامتان متعاقبتان، لذلك عادة ما تُستَمدّ الشرعية بعد وفاة الزعيم الكاريزمي من التقاليد والعقلانية القانونية ".

    والمصدر الثالث هو العقلانية القانونية Legal-ration.وفي أدبيات العلوم الاجتماعية والقانونية المعاصرة الشرعية الدستورية، أو الشرعية المؤسسية، أو الشرعية القانونية.وهي تستند على قواعد مقنّنة تحدّد واجبات وحقوق كلا من الحاكم والمحكوم، بما في ذلك ممارسة السلطة وانتقالها وتداولها.
    يُذكر ان بناء الدولة القومية الحديثة في الغرب قام على أساس هذه الشرعية، وهذا ما تترجمه الديمقراطية الليبرالية. Liberal Democracy

    لكن الشرعية " عملية صيرورة تطوريّة متدرّجة " كما يرى د. سعد الدين ابراهيم. بمعنى آخر يمكن لنخبة حاكمة بلا شرعية ان تكتسب وتكرّس شرعيتها مع مرور الزمن والعكس صحيح.والأمر مرتبط،كما يرى،بدرجة " الفعالية " في إدارة شؤون المجتمع.فالفعالية كالشرعية توفران الاستقرار السياسي والاجتماعي.

    لكن ما تؤكده الوقائع التاريخية أنّ المحكوم لا يرى في كل من " الشرعية و " الفعالية " إلا " متغيراً " مرتبطاً بعوامل كثيرة على رأسها العامل الاجتماعي/ الاقتصادي.
    وبالتالي إنّ ما يقتنع به المحكوم في فترة تاريخية ما قد لا يقتنع به في فترة أخرى، وأكبر مثال على ذلك نجاح الدول الأوروبية في تحويل مصدر الشرعية من النمط التقليدي-الحق الإلهي الى النمط العقلاني القانوني-الديمقراطية الليبرالية.
    والنمط التقليدي " الرابطة الإسلامية " كان المصدر الوحيد للشرعية في الولايات العربية منذ إنشاء الدولة العربية الإسلامية وحتى سقوط الخلافة العثمانية 1922، وذلك على قاعدة من الهياكل الاقتصادية/الاجتماعية التقليدية التي بدأت بالتآكل والانحلال منذ القرن التاسع عشر لتحلّ مكانها هياكل أخرى جديدة بفعل الاختراق الاستعماري الأوروبي.
    ولأنّ هذه العملية التاريخية كانت بفعل قوى خارجية فان " تآكل القديم كان بمثابة القتل البطيء ان لم يكن الاغتيال، وولادة الجديد كانت بمثابة الولادة القيصرية المتعسّفة لأجنّة غير مكتملة النمو، ان لم تكن مشوّهة عضويا ".

    انطلاقا من ذلك، وبعد "استقلال" الولايات العربية و"خروج" المستعمر الأوروبي عاشت النخبات التي تسلّمت السلطة تخبطاً فيما يتعلّق بمصدر الشرعية الأساسي الذي تستند إليه. من هنا ظلّت الى الآن قاصرةً عن ملء فراغ الشرعية الذي نشأ منذ سقوط المجتمع التقليدي وشرعيته الدينية المتمثلة بدار الخلافة العثمانية.

    فالنخب الحاكمة التي ورثت السلطة بعد الاستقلال اعتمدت الإسلام أو النَسَب " القرَشي" كمصدر تقليدي والشكل الليبرالي البرلماني الجمهوري ترجمةً للعقلانية القانونية الدستورية، كما اعتمدت الملَكيات البرلمانية الدستورية كنوع من التوفيق أو التلفيق بين التقليدي والعقلاني، ومن ثم جاءت الايديولوجيا وبدعة الحزب الطليعي أساساً لشرعية ثورية اتضح زيفها فيما بعد.

    هذه اللوحة الفسيفسائية من التعدّد في مصادر الشرعية لم تكن بإرادة وطنية شعبية حرّة، أو حتى إرادة النُخَب الحاكمة، أكثر مما كانت تعبيراً صريحاً لإرادة قوى خارجية كانت وما زالت تمارس دوراً رئيسياً في زرع وإنبات نخبات حاكمة واستنساخها من جديد.

    والذي " زاد في الطنبور نَغَما "وما زال يتردد صداه حتى اليوم هو انفصال مساري التعبئة الاجتماعيSocial Mobilization والسياسيPolitical Mobilization عن بعضهما.فالنخبة الحاكمة ظلت قاصرة عن استيعاب مؤشرات التغيّر الاجتماعي ( التعليم، أنماط المعيشة، الاثنيات ودورها على مسرح الحياة العامة الإعلام، الطبقة العمالية.. الخ ).
    ومن المفارقات العجيبة، أنّ النخب الحاكمة قامت بتعبئة سياسية اعتماداً على ما أفرزتها التعبئة الاجتماعية من قوى اجتماعية جديدة، ولكن لم يكن ليسمح لها ان تتحوّل الى مشاركة سياسية حقيقية.

    الأنظمة الحاكمة في الولايات العربية هي إما ملَكية أو جمهورية، ونقطة الالتقاء بينها هي شرعيتها المأزومة أبدا.
    الأنظمة الملَكية العربية هي أنظمة اوتوقراطية بالأساس، ومصدر شرعيتها تقليدي داخل إطار الإسلام، أو الانتماء القبائلي أو كليهما معا.وتدرك هذه الأنظمة أنّ مصدر شرعيتها التقليدي مهمّ ولكنه غير كاف.من هنا لجأت هذه الأنظمة الى الحماية الأجنبية المُعلنَة أو المستترة، واعتمدت على استخدام العوائد البترودولارية في عملية رشوة أو تدجين جماعية لرعاياها، أو لبعض الأنظمة "الثورية"، أو حتى لدولٍ من خارج المنطقة.
    كما حاولت بعض الأنظمة الملكية أن تبني مصدراً جديداً للشرعية العقلانية القانونية والذي تجلّى في الملكيات البرلمانية الدستورية، وهو ما أطلقنا عليه سابقاً التوفيق أو التلفيق ما بين التقليدي والعقلاني.

    وبالرغم من القفزات التي حققتها الملكيات العربية من حيث وجود الخدمات، أو برامج الرفاهية والحراك الاجتماعي، أو من حيث قدرتها على الحفاظ على كياناتها حتى الآن بإدارة ذكية لعلاقاتها الإقليمية والدولية، فان معظم هذه الأنظمة ما تزال تعتمد " استراتيجيا وقائية " جوهرها تطويق أو محاصرة أي توسّع في دائرة المشاركة السياسية الحقيقية.
    على هذه الملكيات مراجعة ذاتها، باختيارها، وخاصة في ظل عصر" الفتوحات " الاميركية وتغيير الأنظمة من الخارج.
    فالتغيّر والتغيير الاجتماعي في ظل العولمة وثورة المعلوماتية لا يمكن ضبطه بشرعية تقليدية، كما ان النفط الى زوالٍ والرعايا لا يمكن ان تبقى محاصرةً في قلاعها الى الأبد.

    أما فيما يتعلق بالأنظمة الجمهورية فهي لا تستمد شرعيتها من مصدر تقليدي " دين، قبيلة، عشيرة، طائفة" أو من مصدر عقلاني قانوني " حقوق وواجبات مقننة، تداول السلطة "، بل تستمد شرعيتها، باستثناء لبنان، من " إيديولوجيا ثورية " اعتمدت عليها هذه الأنظمة في " رسم وبرمجة " سياساتها الداخلية والخارجية
    كما وعدت من خلالها جماهير شعوبها بالعدالة والحرية والرخاء مقابل أن تمنحها الولاء والطاعة.وعلى شمّاعة هذه الوعود تم إنكار مبدأ التعددية السياسية Multi-political وكذلك مبدأ التعددية الاجتماعية Multi-social، فتمّت محاربة الأحزاب السياسية، وضُرِب بقسوة أي توجّه أو تجربة ليبرالية، كما حُوصِرت أي خصوصية اثنية ولو في إطار الوحدة الوطنية بزعمهم أنّها تفرّق ولا توحّد، كما تمهّد الطريق لعودة "القوى العميلة" الى السلطة.
    وكانت " الفعالية " هي السبيل الوحيد أمام هذه الأنظمة لتكريس شرعيتها. فخاضت تجارب عدة على مستوى التنمية الاقتصادية/ الاجتماعية.إلا ان المنجزات كانت محدودة قياساً بالشعارات الثورية المتضخّمة بالوعود، والتي ربما كانت مبرراً من اجل الاستيلاء على السلطة واحتكارها.
    وتبرّر هذه الأنظمة فشلها باسم المؤامرات الخارجية، أو باسم القوى الداخلية الحاقدة والمناهضة للشعب والثورة.
    إلا ان الهزيمة العربية على يد إسرائيل 1967والانتصار المعنوي 1973 مثّل الشرْخ الأكبر في شرعية معظم الأنظمة الثورية التقدمية، فبدت وكأنها قد فقدت قدرتها على التغيير، وتحقيق الأهداف التي روّجت لها ووعدت بإنجازها.
    فتحوّل الحلم بالوحدة العربية الى تكريس بناء الدولة القطرية، واختفى هدف " تحرير " فلسطين من قاموس السياسة العربية ليحلّ محلّه هدف " السلام العادل والشامل " كخيار استراتيجي، كما أصبحت أميركا قِبْلة الأنظمة ومَحَجّها، ملكية أم جمهورية، للحفاظ على بقائها وتكريس" شرعيتها " وذلك بدءاً من سقوط بيروت، مروراً بحرب الخليج الثانية، وانتهاءً بسقوط بغداد.
    وبدلاً من أن تسعى هذه الأنظمة" الثورجية أو القومجية" لملء فراغ الشرعية بمزيد من الديمقراطية والتعددية الحقيقية، فإنها لجأت الى أساليب من اجل استمرار الهيمنة والتسلّط على خيرات البلاد ورقاب العباد.

    ربما تكون الحدود الفاصلة بين الأنظمة الجمهورية والأنظمة الملكية قد اختفت أو في طريقها الى الاختفاء.
    وما يتواجد الآن من حدود بينها لا يتعدّى أن يكون مجرّد " شطارة " سياسية. أما من حيث الشرعية، فان الأنظمة الملكية ما زالت تستمد الولاء والطاعة باسم الشرعية التقليدية التي بدأت بالتآكل. أما الأنظمة الجمهورية فلم يتبق لمعظمها أيّ نوع من الشرعية.
    الحلم القومي تبخّر، ومشروع الدولة/الطائفة/ الفرد تعمّر. السياسة تحولّت الى مخابرات وعسكر. والاقتصاد بفعل الصفقات والرشاوى في مكانه تسمّر. الثقافة تحولت الى لقب أو كناية، والإعلام الى إعلان ودعاية. وكل ذلك في ظل سياسات القمع والاستبداد.
    العالم العربي يتألّم... فهل من شعب يصحو ويتكلّم، أم أنّ القهر سيبقى رفيق الدرب الى مالا نهاية ؟!

    مصادر ومراجع باللغة العربية:
    1- ياسين الحافظ، الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة1979.
    2- صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة 1969.


    مصادر ومراجع باللغة الإنكليزية :
    1- Max Weber, the theory of Social and Economic Organization.
    2-Saad Eddin Ibrahim,"A Socio-Cultural Paradigm of Pan-Arab Lleadership"in:Fuad khuri,ed.,Leadership and Development in Arab World ( Beirut : American
    University,1981).
    3-Karl Deutsch ,"Social Mobilization and Political Development " American Political Science Review 1961.
    4-Hisham B.Sharabi, Nationalist and Revolution in the Arab World1966
     

مشاركة هذه الصفحة