خاص بـ "الإسلام وفلسطين"

الكاتب : جرهم   المشاهدات : 538   الردود : 0    ‏2001-10-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-16
  1. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    بعد الحادي عشر من أيلول الماضي.. الحقائق أكثر وضوحاً

    الملامح الأخرى في استراتيجية السلطة الفلسطينية السياسية


    كان شهر سبتمبر (أيلول) الماضي حافلاً.. فتداخلت وقائع، وظهرت معطيات ستكون عميقة الأثر على طبائع التطورات السياسية المقبلة والمواقف والتوجهات المطروحة في أتونها.

    وربما يمكننا القول، إن المشهد على هذا النحو سيرفع ستائر الدخان عن الكثير من المناورات والاحتمالات التي تتضمنها الصورة، إلى جانب مسألة أكثر جوهرية تتمثل بإمكان بروز معالجات وحقائق جديدة لما يجري تحديداً في ساحة الصراع العربي ـ الصهيوني، وخاصة الفلسطيني ـ الصهيوني من هذا الصراع.

    لكن، وقبل مقاربة وجه الموضوع الفلسطيني والمواجهة بين الانتفاضة والاحتلال، هناك حقائق قديمة ـ جديدة، لعله من المهم وضعها أساساً أو مرجعاً لقراءة موضوعية للراهن والمقبل من سياق الاحتمالات السياسية في هذا الجانب.

    ـ أول مسألة تتعلق بجوهر اتفاق أوسلو. فهذا الاتفاق الذي وصف كثيراً بأنه قد فارق الحياة، ولفظته الأحداث السياسية والوقائع على الميدان، ما زال الحديث بشأنه إشكالياً، وإذا كانت الانتفاضة قد حطمت مساراته وأجوائه إلى درجة بدا معها ميتاً، فإنه ما زال يحتفظ بشيء من الحياة، ربما لعدم قدرة طرفيه على التخلي عنه حتى الآن، لأسباب دولية واستعصاءات ميدانية كما هو الحال بالنسبة لشارون وكيانه الصهيوني، ولأخرى أكثر جوهرية بالنسبة للسلطة الفلسطينية لأن اتفاق أوسلو وبقاءه يرتبط بوجودها ويحدده على أرض الضفة والقطاع أو يذهب إلى نفي هذا الوجود.

    ـ وإلى ذلك، تظهر المسألة، أو الحقيقة الثانية التي تشكل محصلة لبقاء روح اتفاق أوسلو على قيد الحياة. وهنا الحديث عن أسلوب إدارة السلطة الفلسطينية للفعل السياسي في ظلال الانتفاضة وفهمها أيضاً لأهداف هذه الانتفاضة وما يمكن أن تحققه سياسياً وميدانياً. ومن نافل القول أن الأحداث كانت تؤكد أن خيار السلطة اعتبار الانتفاضة في أفضل الأحوال شكلاً من أشكال الاشتباك ذي المحصلة السياسية التفاوضية. واستمر هذا التصور وما زال كخط أفق شاخصه الأبعد تحسين شروط التفاوض، ما يخلق مفارقة مؤسية حيث يستمر شعب فلسطين بتقديم التضحيات بجانب استمرار هذا النهج والمنطق على مدار أشهر الانتفاضة التي اجتازت عامها الأول، ودون أن يمر شهر واحد لا تعقد فيه لقاءات أمنية أو تحدث اتصالات سياسية مع رموز من حكومة العدو وأقطابها، فضلاً عن إعلانين لـ "وقف النار" في عام واحد أو أكثر من جانب السلطة بكل ما يعنيه هذا التعبير من مؤشرات التنازل السياسي بالتأخر عن م طالب الانتفاضة السياسية، وما يعنيه من مؤشرات التفريط المعنوي لموقع جهاد شعب فلسطين وانتفاضته في هذه المواجهة كشعب محتلة أرضه لا كطرف في معركة أو حرب متكافئة.

    ـ من واقع الحقيقتين السابقتين هناك مسألة ثالثة. فالبرنامج السياسي والقول السياسي اليومي المطروح من جانب السلطة الفلسطينية لم يعد يتعدى حدود تقرير (ميتشل) وتفاهمات (تينيت) ما يعني أن الموافقة الإسرائيلية ـ والتي لم تتم حتى الآن عليهما ـ ستكون بالنسبة للسياسي الفلسطيني الرسمي شارة وطريق العودة إلى ما قبل الثامن والعشرين من أيلول 2000، وهي عودة بالتالي إلى هاويتين؛ الأولى تأخذ الوضع الفلسطيني إلى حيث كان اتفاق أوسلو يلقى حتفه، أو كان في طريق حتفه على مقصلة اللاءات الصهيونية التي واجهت المفاوض الفلسطيني ووقفت جداراً في وجه أي تقدم تفاوضي لتحقيق مرحلة ثالثة من إعادة الانتشار، وأخرى نهائية ترسي عوامل ما عرف بالحل النهائي الذي كانت محطته الأساسية الفاشلة كامب ديفيد، أما الهاوية الثانية فهي تتجسد في محاولة هذه السياسة توجيه واستثمار وتسمية أهداف الانتفاضة بعنواني ميتشل ـ تينيت بما يشكلان من مطروح سياسي هو أقل بكثير من حي ثيات أوسلو نفسه، لا بل إن ذلك يعود بانتفاضة الشعب إلى ما هو أدنى من نقطة الصفر قبل اندلاع انتفاضة الأقصى، وبالمفارقة، فإن أن وضع ما قبل الانتفاضة، سيكون أفضل من وضع محتمل في ظل ميتشل ـ تينيت لو حدث وأن وجدا معبرهما وسط مشهد الصراع.

    نقطة تحول في حدود السياق

    على ضوء هذه الحقائق، وبالنظر أيضاً إلى التطورات الأخيرة في الضفة والقطاع، ثمة استخلاص سهل مؤداه أن الاستراتيجية السياسية التي تتبناها السلطة الفلسطينية لم تتأثر مطلقاً بعامل مفصلي وفاعل كالانتفاضة الفلسطينية، إلا إذا كنا سنتحدث عن بعض التكتيكات والمواقف الآنية وبعض تصريحات التسخين السياسي التي ظهرت من حين لآخر على أدائها.

    وكي لا يحدث الالتباس فإن الحديث هنا ليس عن الموقع الميداني للسلطة وأجهزتها في خضم الانتفاضة، إذ من الواضح خلال السنة الماضية أن السلطة قد لجأت، ولأول مرة إلى شكل من أشكال الممانعة في مواجهة الاشتراطات الإسرائيلية، وانعكس ذلك ميدانياً بطبيعة الحال، إلى درجة أن الصهاينة صرحوا كثيراً بأنهم لم يعودوا يرون في السلطة ورئيسها شريكاً في التسوية السياسية. والحقيقة أن هذا الموقف لم يكن اختيارياً، بل أملته هواجس وآلام الأنشوطة الخانقة التي راحت السياسة الصهيونية تلفها حول عنق خيارات المفاوض الفلسطيني، فلم تترك له متسعاً لأي إنجاز وطني، على الرغم من قبوله بصيغة تسوية هي الأخطر في تنازلاتها في تاريخ الصراع.

    ولم يمض وقت طويل حتى تبين أن ذلك الموقف لا يتمتع بالصلابة الكافية وبكلمة أخرى ليس موقفاً استراتيجياً، فسرعان ما حدثت نقطة التحول الاستراتيجية أيضاً وانكفأ الخطاب والموقف إلى الوراء، بل إلى ما هو أتعس من الوراء حيث انتصر داخل صناعة القرار في السلطة الفلسطينية أصحاب الخيار السياسي الداعي إلى وقف المواجهة بالعودة إلى ما قبل 28 أيلول، أي ما قبل اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة، بكل ما يعنيه ذلك من التنازل عن عام كامل من الدماء والتضحيات رسخت فيه الانتفاضة ثقافة المواجهة وواقعاً جهادياً له ركائزه العميقة في المجتمع الفلسطيني وصداه في الشارع العربي وأثره في النظام الرسمي العربي. ولا شك في أن هذا التحول (إن جازت تسميته كذلك) ليس عارياً من الأسباب، وأولها وأساسها كما بات معروفاً خشية السلطة الفلسطينية من "حل" شارون العسكري الذي أشهرته الحكومة الصهيونية كرسالة تهديد وابتزاز سياسي من خلال إطلاقها مؤشرات وحشدها وقائع تقول بوض وح إن هدف ذلك الحل على المستوى النهائي اجتياح مناطق السلطة وسحق مؤسستها السياسية والإدارية والأمنية وإنهاء تجربتها، ما يعني إنهاء ومسح اتفاق أوسلو تماماً.

    وعلى ذلك أيضاً أطلق الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي مقولة تفويت الفرصة على مخططات شارون العسكرية، وقد كان يمكن ترجمة ذلك بالصيغة الإيجابية التي تجترحها الانتفاضة، أي عبر تصعيد الضربات في جسد الاستيطان وجيش الاحتلال، بيد أن ذلك الخطاب جعل التراجع أسلوباً لهذه المهمة، فكانت مقولة تفويت "الفرصة" على مخططات الصهاينة مسوغاً "أساسياً" للقبول بطروحات سياسية وأمنية هزيلة كميتشل وتينيت.

    إن جوهر الصورة التي تنقلها كل تلك التصورات والعوامل تجتمع في نقطة واحدة هي أن الاستراتيجية السياسية التي تتبناها السلطة الفلسطينية ـ وربما منذ توقيع أوسلو ـ لم تتغير.. فلم يطرأ انتقال جوهري على فكرة التسوية السياسية، اللهم سوى ما فرضته انتفاضات الشعب الفلسطيني وهباته. وفي هذه النقطة بالذات كانت هناك مشكلة أخرى، فالفعل الشعبي الجماهيري المقاتل بكل قواه الحية في مواجهة الاحتلال، لم يكن بالنسبة لصناعة القرار الرسمي الفلسطيني، ليمثل أكثر من عامل تأثير على المواقع حول موائد التفاوض، مع الأخذ بالاعتبار أن الانتفاضة الفلسطينية قادت في كثير من المواقف توجه السلطة، نحو صلابة اعتقدت أنها لا تحتملها. وفي هذه الظلال، ولأن الاعتبار السياسي والخطوة المقبلة ظل يجري ربطهما بالاحتمالات الإسرائيلية وخطوة المخطط الصهيوني القادمة والخشية من نتائجها، فإن استراتيجية السلطة السياسية سعت إلى الحفاظ على روح أوسلو الذي ربما ماتت إيقاعاته وأشكاله وآلياته السابقة لكنه لم يمت كمناخ للتسوية السياسية.

    من هنا، مثلاً، وفي هذا الفلك تدور الحسابات السياسية الأخيرة في أجندة السلطة الفلسطينية. وقد كان لدخول عامل الهجمات على مبنيي التجارة العالمية والبنتاغون في الولايات المتحدة الأميركية أثر انعطافي في ظهور التحركات أكثر وضوحاً على مسرح السياسة والدبلوماسية ما وراء ميدان الصراع بين الانتفاضة والاحتلال الصهيوني.

    وقد ظهر تصوران كلاهما جعل من سطوة الحدث فزاعة لكل الخيارات السياسية الأخرى وعلى رأسها لفكرة استمرار الانتفاضة.

    أول هذه التصورات يقول إن الولايات المتحدة الجريحة الآن بفعل ما تعرضت له، باتت تقف على أولويات مختلفة عن ما قبل 11 أيلول الماضي، وإن من شأن تلك الأولويات في إطار الرد الأميركي على الضربات، أن تتيح للفلسطينيين وضعاً أفضل، خاصة إذا استدركوا أخطاء الماضي وانضووا، أو على الأقل لم يرفضوا التعاطي مع صيغة التحالف الدولي الذي تزمع الولايات المتحدة حشده في مواجهة ما تسميه بالإرهاب. ويستشهد أصحاب هذا التصور بمؤشرات فبعض تلك الفضائل الأميركية المحتملة حينما ضغط وزير الخارجية الأميركي كولن باول على شارون للسماح لوزير خارجيته شيمون بيرز بالاجتماع إلى عرفات معتبرين أن ذلك يشكل أول بوادر تؤكد رغبة الولايات المتحدة في إخماد نيران الصراع تمهيداً لحل سياسي، وكي تتمكن بدورها من ترويج فكرة التحالف الدولي في المنطقة العربية دون عقبات.

    والمحصلة التي ينتج إليها التصور أن الفلسطينيين يحصدون بذلك حطام خيارات شارون العسكرية ويجعلون من هذه النتيجة هدفاً، لكأن الانتفاضة قامت لنقل خيارات شارون من عسكرية إلى سياسية وحتى لو كانت النتيجة بقاء الاحتلال.

    يفوت أصحاب هذا التصور ودعاته، أو ربما بكلمة أدق يتجاهلون حقيقة أن طلب الولايات المتحدة من الكيان الصهيوني بث الروح في الاتصالات السياسية لا يعني بالضرورة بث الروح بالتسوية ذاتها، حتى ولو في معايير اتفاق أوسلو. فالإدارة الأميركية حددت توجهها الذي كان واضحاً منذ البداية في ما يتعلق بالصراع في المنطقة. وقد كانت العلاقة الأساسية في هذا التوجه أن تُترك حكومة العدو كي تستكمل وتستنفذ جميع مراحل الحل العسكري بشكل يحقق تمهيداً شاملاً لتدخل أميركي يعيد صياغة العملية السياسية انسجاماً مع متطلبات الأمن الصهيوني وأهداف حكومة شارون على نحو محدد.

    إن ذلك يعني أن اهتمام الولايات المتحدة بملف الصراع، بهذا الشكل المفاجئ بعد (11) أيلول يهدف أساساً إلى كسب الوقت ووضع الموقف في محطة الانتظار معلقاً ما بين السلم والحرب.. وبمعنى آخر هي محاولة لتجميد الخيار العسكري الصهيوني وضبط إيقاعاته في توافق مع مسعى المشروع الأميركي الدولي الراهن.

    أما التصور الثاني فهو يبدو أكثر تواضعاً في استقراء الآمال، لذلك يقوم على فكرة أن على الفلسطينيين أن يرضوا بواقع الحال وما يطرح عليهم بانتظار تغيرات قد يحملها المستقبل.. أما الآن فأميركا الغاضبة ستطوي صفحاً عن قضية الصراع العربي ـ الصهيوني إلى أمد بعيد، ذلك لأن هذا الصراع لن يكون ذا أثر على سياق تحركها المقبل واهتماماتها الدولية. وعليه فإن التوجه السياسي الفلسطيني ينبغي أن يشق سبيله بالكثير من الانتظار مع الحذر من منح شارون فرصة العثور على ثغرة للعودة إلى خياراته.

    لعل في التصورين الكثير من الحقائق التي تؤيدها الوقائع، لكنهما ينطويان على رؤى كارثية بالنسبة لجهاد شعب فلسطين وانتفاضته، والاستخلاص الأساسي منهما فهما دعوة إلى وقف الانتفاضة والقبول بما يقدم من مشاريع أميركية وإسرائيلية.

    وإذا كانت السلطة الفلسطينية ما زالت تحافظ على استراتيجية سياسية عمقها عملية التسوية وتحسين شروطها في أحسن الأحوال، فإنه ليس مستغرباً أن تنشط الحركة في أوساطها على خطوط ثلاثة هي وقف النار، واستعادة الاتصالات السياسية، وتجديد التنسيق الأمني، داخلةً بذلك في شَرك الأهداف الصهيونية ـ الأميركية بعد أجواء الرهبة التي أشاعتها في العالم الماكينة الإعلامية والسياسية الأميركية والصهيونية.. وأول هذه الأهداف العودة بالسلطة إلى جوهر المبتغى الصهيوني ـ الأميركي من وراء اتفاق أوسلو وهو نقل مهمة الاحتلال الأمنية إلى قائمة مهمات مؤسسات السلطة وأجهزتها. على أن المهمة هذه المرة ليست محلية وحسب وإنما تحظى بموقعها في إطار التحالف الدولي الذي تدعو إليه واشنطن.
     

مشاركة هذه الصفحة