كيف نفهم الواقع ونستشرف المستقبل ؟

الكاتب : الميزان العادل   المشاهدات : 1,048   الردود : 1    ‏2001-10-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-16
  1. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين القائل جلّ ذكره:
    {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون. ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمّن الله الذين صدقوا وليعلمّن الكاذبين}، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، الناطق بالوحي قائلا: (إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن جزع فله الجزع)، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

    وجدت هذا المقال ناطقا بلسان الحال، فأحببت مشاركتكم في الفائدة، والله من وراء القصد:


    مقال بقلم الدكتور هشام عبد القادر آل عقدة

    دروس وقواعد قرآنية في فهم الواقع ورؤية المستقبل

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..فقد قال الله - تعالى - في محكم كتابه : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ}[القَصَص:7] . آية واحدة من كتاب الله - جل وعلا - فيها عدد من القواعد اللازمة لفهم الواقع ورؤية المستقبل , قواعد لا بد لنا من استحضارها , ونحن نواجه الأعداء والخصوم .

    ولا شك أننا جميعاً حين نقع تحت مطارق المحنة يجول كل منّا بفكره , ويهيم بقلبه متطلعاً إلى رؤية المستقبل , وتلمُّس ما يؤول إليه الحال من وراء الأحداث , فمنّا مَن يجول هذه الجولة بعيداً عمّا في كتاب الله - جل وعلا - من السنن المذكورة والقواعد المسطورة مكتفياً بما بين يديه من معطيات الواقع المشهودة , ومنّا مَن لا يغترّ بمعطيات هذا الواقع حتى ينظر في السنن والقواعد القرآنية , فيتعامل مع معطيات الواقع في إطارها .

    إن وعد الله حق :

    فمن هذه السنن والقواعد أن وعد الله حق , فإذا وعد - جلّ وعلا - فما وعد به لا بد أن يكون ؛ فهو - سبحانه - لا يخلف وعده , ولا يُهزم جنده , ولا تتبدّل كلمته .

    {وَعْدَ الله لا يُخلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[الروم:6] , {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}[إبراهيم:47] , {ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً}[النساء:87] , {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}[النساء:122] ؛ ولهذا قال نوح - عليه السلام- : {وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ}[هود:45] .

    فإذا قال - جلّ وعلا - : {إِنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}[الأنفال:36] فلا بد أن يكون ما أنفقوا في حرب الإسلام حسرة عليهم , ولا بد أن يخيبوا ,

    وإذا قال - جل وعلا - : {وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}[النور:55] , إذا قال الله ذلك فلا بد أن يكون ,

    وإذا قال الله - جل وعلا - : {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ}[الأنفال:18] فلا بد أن يضعف الله كيدهم ,

    وإذا قال الله - جل وعلا - : {فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (6)}[الشرح] فلا بد أن ينجلي العسر ,

    وإذا قال - جل وعلا - : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}[غافر:51] فلا بد أن ينتصر المرسَلون والمؤمنون في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد {وَعْدَ الله لا يُخلِفُ الله وَعْدَهُ}[الروم:6] .

    وحين أُخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة مطارَداً , وكان في طريق هجرته إلى المدينة أنزل الله عليه آيةً وعده فيها وعداً , فقال - جلّ وعلا- : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}[القصص:85] , وكان لا بد لهذا الرد أن يتحقق ولو بعد حين , فبعد ثماني سنوات يعيد الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة من حيث أُخرج , ويدخلها فاتحاً منتصراً .

    وهنا في آية القصص التي افتتحنا بها المقال يقول - جلّ وعلا - لأم موسى : {فَإِذَا خفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} , ويُرَد إليها موسى- عليه السلام - يرده أعداؤه بأنفسهم إلى بيتها معززة مكرمة ؛ ولهذا يقرر الله هذه القاعدة بعد بيان ما آل إليه الأمر , فيقول - جل وعلا - : {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}[القصص:13] ,

    فالمؤمن حين ينظر إلى الأحداث يكون ذا ثقة بوعد الله , لا يضطرب , ولا يشك , ولا يسوء ظنه , ولنتعلم ذلك من رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين صُدَّ عن البيت عام الحديبية , وكان - صلى الله عليه وسلم - قد رأى في المنام أنه دخل مكة , وطاف بالبيت , فأخبر أصحابه بذلك , وهو بالمدينة , فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتحقق هذا العام , فلما وقع ما وقع من قضية الصلح , ورجعوا عامهم ذلك - على أن يعودوا من قابل - وقع في نفس بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - من ذلك شيء , حتى سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ذلك , فقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - : أفلم تكن تخبرنا أنَّا سنأتي البيت , ونطوف به ؟! , قال : بلى , أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟! , قال : لا , قال : فإنك آتيه , ومطوّف به , وبهذا أجاب الصديق - رضي الله عنه - أيضاً حذو القُذَّة بالقذة" ؛ ولهذا قال - تبارك وتعالى-: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخلُنَّ المَسْجدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}[الفتح:27] .

    وقد يتأخر وعد الله أحياناً , ولكن لا يتخلف , وإنما يتأخر لحكم , وقد يكون من هذا الحكم في بعض الأحيان إرادته - تعالى - تمحيص المؤمنين , كما قال - جل وعلا - : {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ}[آل عمران:179] .

    قد يكون الأمن من حيث يظن الخطر , ويخرج اليسر من كبد الشدة :

    ومن القواعد والدروس - التي نستفيدها من هذه الآية في معرفة الواقع والنظر إلى المستقبل - أن الأمن يكون من حيث يظن الخطر , وأن اليسر يخرج من كبد الشدة , وأن الفرج مع الكرب , وأن نور الصباح يخرج من ظلمة الفجر , وأن الأمور قد تتولد من أضدادها , وهذا يظهر من قوله - تعالى -: {فَإِذَا خفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي} , سبحان الله ! , إن إلقاء طفل رضيع في اليم لَهُوَ الخطر العظيم , ولكن الله - جل وعلا - يعلِّمنا أن الأمن فيما يرشد إليه وفيما يأمر به , وإذا أمرها الله - جل وعلا - أن تلقيه في اليم ففي هذا حفظه وتأمينه ؛ ومن ثم فقد خاب وخسر مَن نشد الأمن والسلامة في غير ما أمره الله به , وظن أن التزام أمر الله يفوت الأمن والنجاة , كيف ذلك والله - جل وعلا - هو الخبير ببواطن الأمور , وهو الحكيم العليم .

    حين صُد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن البيت يوم الحديبية , وعقد المشركون معه صلحاً ضيقوا فيه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون فيما يظنون , واشترطوا لأنفسهم من المَيْزات ما لم يشترطوه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين معه .. حين حدث ذلك , وكانت هذه الشدة ما أنزل الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - في طريق عودته إلى المدينة ؟ , نزل الوحي بقوله - تعالى - : {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}[الفتح:1] ؛ لتعلم الآمة - جميعاً - أن الفرج يأتي دائماً من حيث تكمن الشدة . وفي سورة الأحزاب يحكي الله - جل وعلا - مقالة المؤمنين الصادقين , فيقول : {وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}[الأحزاب:22] .

    وفي موضع آخر يبين الله - تعالى - أن قمة الشدة هي بداية الفرج , فيقول -جل وعلا - : {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجرِمِينَ}[يوسف:110] , ويقول - جل وعلا- : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخلُوا الجنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة:214] .

    لا يدوم حال :

    ومن الدروس والقواعد المهمة - التي نستفيدها من هذه الآية ونحن ننظر إلى الأحداث - أنه لا يدوم حال , وإنما الأمور تتبدل , والأحوال تتغير : {فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (6)}[الشرح] , {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَن يَتَخطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[الأنفال:26] .

    عواقب مكروه الأمور خيار

    وأيام ضر لا تدوم قصار

    وليس بباقٍ بؤسها ونعيمها

    إذا كر ليل ثم كر نهـار

    ففراق أم موسى لولدها وصيرورتها إلى اليم في ظل المخاوف من أخذ آل فرعون له وقتلهم له - لا يدوم , بل تؤول الأمور إلى ضدها , فيُرَد موسى إلى أمه , ويجعله الله رسولاً مؤيداً من عنده , كما قال - جل وعلا - : {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} , ويصبح اليم أماناً له , ومهلكاً لفرعون عدو الله .

    وهذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أُخرج من مكة مطارَداً , واختفي في غار ثور , وسلك في هجرته طريقاً غير معتاد .. إذا به بعد ثمانِ سنوات يعود إلى مكة فاتحاً , وأعداؤه ينتظرون - في ذلة - ما يقضي فيهم , ويطمعون في عفوه . وهذا يوسف - الذي أُلقي في البئر وبِيعَ , وسُجن , وفارق أبويه سنين طويلة لا يعلمان عنه شيئاً - يدور الزمان , ويمكِّن الله له في الأرض , ويؤوي أبويه , ويرفعهما على عرش مصر .

    ودائماً تجد أن الشخصيات العظيمة - التي مكَّن الله لها - كانت في بداية حياتها مضطهَدة معروكة بالشدائد والمحن , وهذه سُنة الله , مَن لم تكن له بداية محرِقة لم تحصل له نهاية مشرِقة , وأقل ما يُرجى التمكين للمرفهين الذين لم يذوقوا محنة ولا خوفاً , ويظنون أن التمكين يأتيهم دون أن ينقص من دنياهم وراحتهم وأمنهم شيء , وينسون أن التمكين إنما يكون من بعد الخوف والمحن {وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خوْفِهِمْ أَمْناً}[النور:55] , وليس المراد بالخوف - هنا - الجبن , وإنما ما تعرضوا له حقيقةً من المخاوف والمحن والتضييق .

    وهذا قارون - الذي طغى وبغى وتجبر واختال بما آتاه الله ونسبه لنفسه وجهده , وملأ عيون أتباعه من أهل الدنيا بماله وملكه حتى تنموا أن يكون لهم مثل ما له - يزول كل ذلك عنه في لحظة {فَخسَفْنَا بِهِ وبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ (82)}[القصص] .

    ثم يكون التبدل الأكبر والتحول الأعظم غداً في الدار الآخرة ؛ حيث يضحك المؤمنون من الكافرين بعدما كان الكافرون في الدنيا يضحكون من المؤمنين! , {إِنَّ الَذِينَ أَجرَمُوا كَانُوا مِنَ الَذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36}[المطففين] .

    {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} :

    فمن القواعد القرآنية التي لا بد أن نعيها - غير ما مر في الآية السابقة - ونحن ننظر إلى الأحداث لنتصور الرؤية المستقبلية لحال الأعداء معنا - قوله - جل وعلا - : {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجونَ مِنَ اللَّهِ} - أي من الأجر والمثوبة - {مَا لا يَرْجونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}[النساء:104] .. قاعدة عظيمة تُضم إلى قواعد سورة القصص السابقة ؛ ولهذا فالذين يراقبون الأحداث في جهالة وغفلة عن هذه القواعد أو يهمشونها ويذكرونها للبركة - مجرد ذكر باللسان - دون أن يبنوا عليها أي تصور عملي أو واقع نفسي , الذين يراقبون الأحداث بهذه الصورة يُفاجأون - دائماً - بأشياء تخالف ما توقعوه , مهما كانت دقة المراقبة للأحداث والاجتهاد في معرفة إمكانات الأعداء , ثم يجتهدون بعد المفاجأة في فلسفتها ليستردوا غفلتهم , أو ليتمادوا في تجاهل هذه القواعد .

    ولا يمكن للعبد تكوين رؤية مستقبلية صحيحة كاملة في ظل غياب هذه القواعد من الحسبان ؛ فالقرآن يعلو على كل علم , ولا يُعلى , وهو المهيمن على ما سواه من العلوم ومناهج البحث , ولعل فيما ذكرنا جواباً على تساؤل ربما يدور في نفوس بعضنا : لماذا لا نفهم الواقع فهماً جيداً ؟ , ولماذا لا نُحسن الرؤية المستقبلية لمـا تؤول إليه الأحداث , وما ينتهي إليه صلف الأعداء ؟ .

    فالجواب : لأننا نغفل عن قواعد النظر التي في كتاب الله - جل وعلا - وصرنا ننهج في فهم واقعنا نهجاً غير سوي , ربما نتأثر فيه - أحياناً - بطريقة اللادينيين التي لا تعلق كبير اهتمام , بل لا تهتم أصلاً ولا تعبأ بمثل تلك القواعد القرآنية .

    وبعضنا - ويا لَلأسف ! - يستحي ويخجل من الكلام بهذه القواعد في سياق تحليل الأحداث متأثراً بأصحاب التفسير المادي , وحتى لا يوصم بالتخلف , وهذا سر غياب الرؤية المستقبلية الصحيحة .

    إن الذي يريد أن يفهم الواقع فهماً جيداً ويحسن رؤية المستقبل لا بد له - إلى جانب العلم بمعطيات هذا الواقع وإمكانات الأعداء والأصدقاء -من علم آخر أعظم أهمية , ألا وهو العلم بالنفوس البشرية والخبرة بها , وهذا العلم يحصل من طول الخبرة في التعامل مع النفوس البشرية , بما فيها نفوس الأعداء مع استحضار القواعد القرآنية في كل التعامل .

    فنفوس الأعداء مهما تجبروا نفوس بشرية , وليست آلات صماء لا تخضع إلا للغة الأرقام , ولا تصيبها التاْثرات النفسية المختلفة , كلا , بل هي نفوس بشرية يصيبها التأثرات النفسية التي تحكم مواقفها وتغيرها , فتحصل لها الرغبة والرهبة ويصيبها الألم والاضطراب والفتور وغير ذلك من كما قال - تعالى - : {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ}[النساء:104] .

    ولعل في ذكرنا - أيضاً - جواباً على تساؤل أخر , ربما يدور في نفوس بعضنا : لماذا لا يثبت البعض , ولماذا يخور عزمه مع ما لديه من ثقافة ووعي بهذا الواقع ؟ , فالجواب هو نفس الجواب السابق ؛ فذلك الوعي وتلك الثقافة قد قاما بمعزل عن قواعد النظر في القرآن التي تفتح آفاقاً عظيمة في تصور المستقبل والحكم على الأحداث , ومن ثم فلا يبقى أمامه إلا معطيات الواقع المظلمة التي يراها المراقب للأحداث , فيضْحَى سجيناً لها , فهو يرى عدواً قوياً معه الإمكانات المختلفة , ويبدو قادراً على المضي في القضاء على مناوئيه حتى أخر قطرة , ومن ثم فلا بد أنه سيفعل ذلك لا محالة . هذا ما يراه ذلك الواعي بالأحداث وينسى {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ}[النساء:104] , وينسى {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}[الأنفال:36] , وينسى {ذَلِكُمْ وأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ}[الأنفال:18] , {ومَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ}[غافر:25] , {ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبَابٍ}[غافر:37] , {ومَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}[فاطر:10] , {يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجرِمُونَ(8)}[الأنفال] , وينسى {ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خوْفِهِمْ أَمْناً}[النور:55] وينسى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[الرحمن:29] , وينسى {فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً(6)}[الشرح] , وينسى {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا}[غافر:51] , وينسى { وَعْدَ الله لا يُخلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[الروم:6] .

    وإذا نسي كل ذلك فماذا يصنع بالعلم بمعطيات الواقع المظلمة , وما لدى العدو من قوى ومكر وكيد , غير أن يقتل نفسه بذلك العلم , فيصيبه اليأس والذبول والخور والإحباط والذل والتراجع .

    وإنما يستعين العبد على الثبات في الطريق بمثل تلك القواعد الربانية التي تحيي القلب .

    فيتمثل قول الشاعر :

    وتنقضي الحرب محموداً عواقبها

    للصابرين وعقبى الهارب الندم

    وقديماً قيل : "الشجاعة صبر ساعة" .

    وحكي أن أبا أيوب الكاتب حُبس في السجن خمس عشرة سنة , فكتب إليه بعض إخوانه يصبِّره ويطمعه في فرج الله وإنجلاء مـحنته , فأجابه أبو أيوب جواب الواثق بالقواعد القرآنية وبأن الفرج مع الكرب قائلاً :

    صبَّرتني ووعظتـني وأنا لها

    وستنجلي بل لا أقول لعلها

    ويحلها مَن كان صاحب عقدها

    كرماً به إذ كان يملك حلها

    فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أياماً حتى أطلق مكرماً .

    اللهم إنَّا نسألك الثقة بك واليقين بوعدك والثبات في الأمر والعزيمة على الرشد . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مجلة المنار الجديد
    العدد الثاني عشر"

    انتهى مقال الدكتور هشام جزاه الله خيرا.

    ولا يسعنا مع ما ابتلينا به من مصائب إلا أن نقول كما علّمنا حبيبنا المصطفى، صلوات ربّي وسلامه التاميّن الأكملين، عليه وآله وصحبه ومن والاه: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرا منها. اللهم آمين.

    الميزان العادل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2008-11-04
  3. Ahmad Mohammad

    Ahmad Mohammad عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2008-10-24
    المشاركات:
    276
    الإعجاب :
    0
    ما شاء الله. جزاك الله خيرا. هذه مواضيع تهم الامه.
     

مشاركة هذه الصفحة