خطبة الجمعة لهذا الأسبوع

الكاتب : أبوهاشم   المشاهدات : 470   الردود : 0    ‏2004-07-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-09
  1. أبوهاشم

    أبوهاشم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-04-17
    المشاركات:
    403
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وأتباعه الأخيار ، إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الخلق وحبيب الحق، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
    اللهم صلِّ وسلِّم على هذا الرسول الكريم، والسيد السند العظيم وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أوصيكم عباد الله _ وأوصي نفسي - بتقوى الله العظيم، وأحثكم على طاعته، وأحذركم وبال عصيانه، ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ).
    أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون: إنَّ مقام الحياء مقام عظيم، وإنه لَيَجبُ على المؤمن أن يُراقب مولاه، وأن يخشاه في سره ونجواه، وأن يستحيي منه حق الحياء، باجتناب المعاصي والقبائح والشرور، وتهذيب النفس وترويضها وردْعها عن الشهوات المحرمة، وردِّها إلى العفة والرزانة والزهادة وكريم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم.
    وفي فضل الحياء قال صلى الله عليه وسلم: ((الحياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحَياءُ لا يَأْتِي إلا بِخَيْرٍ)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ في الجنة، والبذاءُ من الجفاء، والجفاءُ في النار)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما كان الفُحْشُ في شيءٍ إلا شَانَه، وما كان الحياءُ في شيء إلا زانه)).
    هذا هو الحياءُ: رأسُ الفضائل الخلقية، وعمادُ الشُّعَب الإيمانية، به يكمل الدين، وتصلح الحياة، وتسود الفضيلة، وتختفي الرذيلة.
    إخوةَ الإيمان : يكفي الحياءَ شرفاً أنه خُلُقٌ من أخلاق الأنبياء الذين اصطفاهم الله واجتباهم، فعن أبي سـعيد الخدري–رضي الله عنه- قال: ((كان رسـولُ الله أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرها، إذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه))
    وكان نبي الله إبراهيم عليه السلام أوَّل من اتخذ السراويل لشدة حيائه، لذلك كان جزاؤه أنه أوَّل من يُكْسَى يومَ القيامة يومَ يُحشر الناس حفاة عراة غرلاً.
    ولقد وصف الله تبارك وتعالى بنتَ شعيب عليه السلام بهذا الخُلُق الكريم خُلق الحياء فقال: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَت إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا.
    إخوة الإسلام: تعالَوْا بنا نتعرَّفْ على أنواعٍ وألوانٍ من الحياء، ولنبدأْ بحياء الكرم، كرمِ النفس بتحمُّلِ الأذى وغضِّ الطرف عما عساه يقع من الآخرين. يقول أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال ((كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَقَالَتْ لِى أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا: افْعَلِى. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِى بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِى إِلَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لِى:«ضَعْهَا». ثُمَّ أَمَرَنِى فَقَالَ: «ادْعُ لِى رِجَالاً -سَمَّاهُمْ- وَادْعُ لِى مَنْ لَقِيتَ». قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِى أَمَرَنِى فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ ، وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً، يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُمُ: «اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ». قَالَ: حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ ، وَبَقِىَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ: وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ الْحُجُرَاتِ ، وَخَرَجْتُ فِى إِثْرِهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا. فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَإِنِّى لَفِى الْحُجْرَةِ، وَهْوَ يَقُولُ..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيوتَ النَّبِيِّ إلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُم إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِن إِذَا دُعِيتُم فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُم فانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيي مِنكُم.
    هذا هو حياءُ الكرم الذي منع النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أن يقول شيئاً لمن أطالوا الجلوس في بيته.
    ومن أنواع الحياء – عبادَ الله - حياءُ الإجلال، والباعثُ عليه المعرفةُ بعظمةِ مَنْ تَسْتَحْيي منه، وعلى قدر المعرفة يكون الحياء.
    ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناسِ حياءً من الله لأنه أعلمُ الخلقِ به عز وجل.
    ولقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستحيون من أن يديموا النظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له.
    قال عبد الله بن عمرو بن العاص:صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سنينَ طويلة، وشهدتُ معه المشاهد، وما ملأتُ عيني منه صلوات الله عليه مهابةً وحياءً وإجلالاً وتعظيماً له، ولو قيل لي صفه لما استطعت.
    ومن أنواع الحياء – عباد الله- حياءُ العبودية:ويتحقق بالْكَفِّ عمَّا نهى الله تعالى عنه، وامتثال ما أمر الله به، وتذَكُّرِ الموت والقدومِ على الله.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )). قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ ((لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)).
    عباد الله : وإذ ذُكِرَ الحياءُ ذُكِرَ عثمانُ رضي الله عنه، ذاك الذي تستحيي منه الملائكة في السـماء.
    تحكي لنا أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في حجرتها، وقد ظهر بعض ساقه، ودخل عليه نفر من الصحابة وهو على حاله فلم يُغَيِّر من جلسته، فلما دخل عثمان استوى وغطى ما ظهر من ساقه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: لعلك استحييت من عثمان يارسول الله! فقال: يا عائشة وكيف لا أستحيي ممن تستحيي منه ملائكة السماء.
    إخوة الإيمان: لقد كان سلف هذه الأمة مَضْرِبْ المَثل في سمو الأخلاق واستقامة السلوك، والترفع عن الدنايا وعن سفاسف الأمور.. ثم خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وداسوا القِيَم ومَزَّقُوا العفاف وهَتَكُوا أستار الحياء.. ترى بعض الرجال قد فقدوا الغَيْرَةَ والأَنَفَةَ والحمية، وترى بعض ربات الخدور قد خَرَجْنَ كاسيات عاريات دون خجل أو حياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    أيها الإخوةُ المؤمنون: إن الحياء عزة وعفة وحشمة وطهارة، وإذا ذهب الحياء فعلى الدنيا السلام، يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)). إن الحياء رأسُ الفضائل وعمادُ المحامد وخُلُقُ الإسلام الأصيل فتَجَمَّلُوا عباد الله بهذا الخُلُقِ الكريم حتى تكونوا من الفائزين.
    أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
     

مشاركة هذه الصفحة