فقيرات السعودية.. يدفعن الثمن أولا

الكاتب : حفيد الفاتحين   المشاهدات : 391   الردود : 0    ‏2004-07-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-09
  1. حفيد الفاتحين

    حفيد الفاتحين عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-24
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    شهدت "المملكة العربية السعودية" خلال العقود الثلاثة الماضية نقلة نوعية من التقدم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمرانية، تركت آثارًا إيجابية واضحة وملموسة على البنى المجتمعية والشخصية في جوانب متعددة، إلا أنه ترتب عليها من جهة أخرى بروز العديد من الظواهر والمشكلات الاجتماعية على فئات من المجتمع بدرجات متفاوتة.

    يعد "الفقر" من أبرز تلك المشكلات التي تتسبب فيها عوامل دولية وقومية ومحلية وشخصية وغيرها. وتعتبر النساء أكثر الفئات الاجتماعية تضررًا من مشكلة الفقر، حيث يشكلن أغلب الحالات المتقدمة للجمعيات والمكاتب الخيرية والضمان الاجتماعي وغيرها من مراكز ومصادر المساعدات والإعانات الاجتماعية.

    وفقر النساء يعد إشكالية يندرج تحتها منظومة من المشكلات الفرعية المتنوعة؛ فالمرأة بصفتها محور الحياة الأسرية والأسرة محور الحياة الاجتماعية فإن أي قضية تمسها أو تؤثر على عطائها وأدوارها الاجتماعية ستؤثر بالتالي على حياتها الزوجية والأسرية وتنشئة أبنائها، وسيتكلف المجتمع كثيرًا في الإنفاق على تبعات تلك الآثار في وقت هو أحوج ما يكون أن ينفقها على مقومات تنمية البلاد وتطويرها وتقدمها.

    معدلات عربية

    إن ترؤس بعض النساء العربيات لبعض الأسر الذي قد يعتبره بعض المحللين ظاهرة من ظواهر تأثير الفقر هو مسألة خلافية؛ فالأسرة التي ترأسها نساء تمثل أقلية كبيرة في البلدان العربية إذ تبلغ 15-20%. ولا يرتفع احتمال الفقر بوجه عام في الأسر التي ترأسها نساء في مصر؛ إذ تشير نتائج بعض المسوح إلى أن تلك الأسر تحصل في المتوسط على دخل للفرد أعلى بسبب هجرة عائلها إلى البلدان النفطية، وتظهر نتيجة مشابهة في مسح مستوى المعيشة الذي أجري في المغرب عام 1991، وفي تونس لا تزيد نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء، وفي اليمن تقل نسبة الأسر التي ترأسها نساء قليلاً بين الفقراء (3%) عن غير الفقراء (4%). أما في الأردن فإن معدل الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء يبدو أعلى عن باقي الأسر. وفي غزة والضفة الغربية تعد الأسر التي ترأسها نساء بين الأفقر والأكثر تعرضًا لمخاطر الإفقار في المجتمع ككل.

    أبعاد فقر السعوديات

    لم يكن لفقر المرأة بصفته المفردة خصوصيته البارزة للعيان قبل التغيرات الاقتصادية الحديثة للمجتمع السعودي منذ استقرار الأحوال السياسية واكتشاف النفط وما لحق به من تطورات وتغيرات في البيئة الاجتماعية للمجتمع من عادات وتقاليد وقيم وأنماط سلوكية ووسائل معيشية، حيث كان الفقر في السابق يعم المجتمع المحلي أو المجتمع الريفي أو المجتمع القبلي أو مجتمع الجيرة في المدن الصغيرة بشكل عام، ولا يتضح فيه فقر أي فرد من أفراد الأسرة على حساب الأفراد الآخرين، وذلك لانتمائهم في الغالب لمجتمعات متجانسة. كذلك كان للنظام الغالب على الأسرة وهو نظام الأسرة المركبة أو الممتدة دور في تغطية الفروقات وإشباع الاحتياجات وحل المشكلات الخاصة بأفراد الأسرة حيث كانت المصلحة الجماعية هي السائدة والغالبة على المصلحة الفردية. وبعد التغيرات الحضارية الشاملة السريعة التي شهدها المجتمع السعودي حدثت تطورات كبيرة وسريعة لأغلب أجهزة الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والإسكانية وغيرها، وتفتت الأسرة الكبيرة أو الممتدة إلى أسر نووية صغيرة، واتجهت المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي تعمل على تلبية حاجات الأفراد وفرضت هذه التحولات إلى تنظيم برامج ضخمة وشبكات أمان متعددة.

    واستطاعت المرأة التي استفادت من فرص التعليم والعمل المتاح أن تساند نفسها إلى حد ما في حال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن بقيت المرأة الفقيرة غير المتعلمة في البيئة البدوية والريفية متضررة من فقدانها للدور الذي كانت تلعبه في الإنتاج بصورته التقليدية في فترة ما قبل التغيرات الحديثة في حال مواجهتها للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

    حرب الخليج

    منذ أكثر من 20 عامًا وتحديدًا بعد أزمة (حرب الخليج) شهدت المملكة أزمة اقتصادية شاركت المملكة فيها عددا من دول العالم لأسباب متعددة، منها ما يختص بتراجع أسعار النفط، ومنها ما يختص بمعالجة آثار الحروب، ومنها ما يختص بخلل الاستفادة من توزيع الموارد جغرافيا وفئويا ووظيفيا إلى جانب ضعف التخطيط التنموي للموارد البشرية. فحدثت العديد من قضايا البطالة والفقر والهجرة غير المتوازنة وانحسار فرص التعليم الجامعي وما تبع ذلك من بعض مشاكل من التفكك الأسري والسلوكيات الانحرافية والمشاكل الصحية والطلاق والعنف الأسري وبعض السلوكيات التطرفية وغيرها. ولقد أجمع كثير من الدارسين والمحللين على أن الأسرة هي المتضررة الأولى من ذلك كله وأكثر من يتحمل عبء تلك القضايا والمشكلات، حيث أثبتت الدراسات الاجتماعية أن وقع الطلاق والترمل والشيخوخة ومظاهر التفكك الأسري الأخرى كالانحراف والإدمان أكثر وطأة على النساء والأطفال منها على الرجال.

    تأنيث الفقر

    ومن أهم مؤشرات وقع الفقر على كاهل المرأة أكثر من وقعه على كاهل الرجل في مجتمعنا السعودي ما يلي:

    أولاً: زيادة أعداد النساء المستفيدات من مخصصات الضمان الاجتماعي، سواء المعاشات أو المساعدات الاجتماعية.

    ثانيًا: أشارت تقارير الجمعيات الخيرية الرجالية والنسائية إلى أن النساء والأيتام هم أكثر الفئات المستفيدة من مساعدات وإعانات تلك الجمعيات لما تحتاجه المرأة بشكل دائم من الإنفاق على صغارها وتحمل عبء مسؤولياتهم في حال ترملها أو طلاقها أو هجرها.

    ويمكن رصد بعض المشكلات المصاحبة لفقر المرأة في المجتمع السعودي والتي قد تشترك فيها مع نساء أخريات في المجتمع بحكم الجنس ومع فقراء رجال بحكم الشريحة الاجتماعية أو الفئة الاجتماعية أي الفئة الفقيرة في المجتمع على النحو التالي:

    أولاً: المرض:

    يرتبط المرض وبصفة خاصة أنواع منه بحالة الفقر التي تكون عليها الأسرة والمجتمع، وذلك لقلة الموارد من جهة ولضعف الوعي من جهة أخرى ولقصور التغذية من جهة ثالثة، أو لما ينشأ عنها من ظروف ويتصل بها من ملابسات تؤدي كلها إلى انعدام الصحة وقائيًا وعلاجيًا.

    وقد توصلت إحدى الدراسات المحلية إلى عدة مؤشرات تدل على تدني المستوى الصحي للأسر الفقيرة في الأحياء الشعبية من مدينة الرياض منها تدني مستوى النظافة الشخصية، وتدني مستوى النظافة العامة، وإهمال صحة البيئة، ونوعية الغذاء غير الجيدة، وإهمال طرق الوقاية من الأمراض المعدية، وإهمال رعاية الأمومة والطفولة، وعدم توفر الملف الصحي العائلي لبعض الأسر، والاعتماد على الرضاعة الاصطناعية مع إهمال طرق النظافة والتعقيم واستمرار الرضاعة الاصطناعية لما بعد سن الرابعة، وسوء استخدام وحفظ الأدوية وخاصة المضادات الحيوية، وإهمال طرق تجنب الحوادث المنزلية، وعدم الإلمام بأساسيات الإسعافات الأولية.

    والإشكالية في مرض المرأة الفقيرة في الوقت الحاضر ليس في الحصول على العلاج؛ لأن العلاج في المجتمع السعودي بالمجان لجميع المواطنين والمواطنات، ولكن ينقص المرأة الوعي المطلوب بالطريقة الصحيحة للعلاج ولتنفيذ تعليمات أخذ الدواء، وذلك لارتباط فقر المرأة في الغالب بأميتها وضعف وعيها وإدراكها بأهمية تلك التعليمات.

    ثانيًا: التفكك الأسري:

    ويقصد به هنا تخلخل روابط البناء الأسري وضعف التفاعلات الاجتماعية بين أفراد الأسرة واضطراب توقعات أدوارهم والشعور بالاغتراب وانعدام الأمن والرغبة في التحلل من القيود الأسرية والاتجاه نحو الجماعات الخارجية لضعف التماسك الداخلي.

    وقد أظهرت نتائج إحدى الدراسات أن التماسك الأسري يتأثر إيجابًا بكل من درجة التزام الأسرة الديني، وعدد من متغيرات الوضع الاقتصادي للأسرة هو دخل الأسرة ومستوى الحي الذي تقيم فيه ومستوى تعليم الوالد وعمل الأب ووضع الأسرة المهني والعلاقات القرابية القوية. كما أظهرت تحليلات التباين لنفس الدراسة أن التماسك الأسري يتأثر بصفة سلبية ودالة إحصائيًا بكل من عدد زوجات الأب، وسابق زواج أحد الوالدين، وغياب الوالدين أو أحدهما، وسابق طلاق الوالدين أو أحدهما، وإصابة الوالد أو الوالدة أو أحد الأبناء بمرض من طبيعة حسية أو عقلية أو نفسية.

    ومن ظواهر التفكك الأسري في المجتمع السعودي ما يلي:

    أ- العنف العائلي: المتمثل في الإيذاء والعدوان والإكراه والحرمان الذي يقع في إطار العائلة من قبل أحد أفراد العائلة بما له من سلطة أو ولاية. وفي المجتمع السعودي لا توجد إحصاءات محددة عن العنف ضد المرأة بالذات، إلا أنه ظهرت بعض الدراسات التي تؤكد العنف والإيذاء للأطفال في المجتمع السعودي. ولكن رصدت العديد من الجمعيات النسائية الخيرية في المجتمع السعودي ووسائل الإعلام المختلفة وطوارئ ببعض المستشفيات حالات متعددة لأنواع من العنف العائلي ضد المرأة سواء من قبل الزوج أو الأب أو الأخ أو غيرهم، منها العنف الجسدي بالضرب والإيذاء والعنف اللفظي بالشتم والإهانة والعنف النفسي المتمثل بالتهديد والتحقير والتشكيك وما إلى ذلك.

    ب- الطلاق: ارتفعت معدلات الطلاق في المجتمع السعودي في الآونة الأخيرة إلى الحد الذي بلغت فيه 12775 حالة سنويا، وبلغت نسبة عقود الطلاق إلى الزواج 21% وهي نسبة كبيرة ومقلقة. وقد كانت هذه النسبة تبلغ 31.4% في سنة 1405هـ(1984م). وهناك من يعزو ذلك إلى ضغوط الحياة المعيشية المعاصرة وتنوعها وتفاوتها وما صحبها من مخاوف واعية وغير واعية خاصة بالنسبة لبعض الأسر التي شهدت إيقاعات تغيرات لم تكن مهيأة لها؛ وهو ما جعل ذلك ينعكس بصورة أو بأخرى على بعض مظاهر التفكك الأسري ومنها الطلاق.

    ثالثا: قضايا المرأة الفقيرة مع القضاء والمحاكم:

    إذا كانت المرأة بشكل عام تعاني في المجتمع في كثير الأحيان من تعقد وطول إجراءات المحاكم فإن المرأة الفقيرة تتحمل تلك المعاناة بدرجات مضاعفة من حيث ارتباط فقر المرأة بأميتها وضعف إدراكها لمتطلبات التقاضي وجهلها في كثير من الأحيان بحقوقها الشرعية والقانونية، يقابله عدم وجود المساندة الفاعلة في الأنظمة القضائية لصالح المرأة بشكل عام والمرأة الفقيرة على وجه الخصوص، وضعف آليات تطبيق الأحكام ومتابعتها. ومن أكثر قضايا المرأة في المحاكم: الخلع والهجر والإرث والعنف والنفقة والتعنت في الطلاق والولاية وغيرها.

    تدخلات وتوصيات

    لا بد أن تنطلق كل رؤية بشرية حاضرة ومستقبلية لأي أمر من الأمور من استشعار هدف وجودنا على هذه البسيطة الذي بينه لنا جل وعلا في قوله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وترتكز على هذا التصور ارتكازًا يقظًا دائمًا في كل الأوقات والأحوال من خلال التشريعات الربانية في القرآن الكريم وسنة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وخلفائه من بعده ومن سار على هديهم امتثالاً واتباعًا وقياسًا واجتهادًا. ثم لا بد بعد ذلك من استشعارنا جمعيا لمسؤوليتنا الوطنية والاجتماعية تجاه بلادنا ومجتمعاتنا وأسرنا وأنفسنا والسعي الجاد في تفعيل ذلك بشتى السبل.

    إن التدخل الملائم لتخفيف حالة فقر المرأة في مجتمعنا يجب أن يسير في اتجاهين مهمين:

    اتجاه بعيد المدى من خلال خطط التنمية الوطنية، واتجاه قصير المدى من خلال خطط متوسطة وقصيرة:

    وفيما يلي أهم المقترحات في هذا الشأن:

    1- تنظيم برامج مكثفة لتوعية المرأة بحقوقها الشرعية وواجباتها تجاه نفسها وأسرتها ومجتمعها من خلال المدارس والجامعات والجمعيات الخيرية ووسائل الإعلام المختلفة.

    2- تنظيم برامج مكثفة لتوعية المرأة بمسؤوليتها الأسرية والوطنية وأهمية دورها في تنمية وتطور بلادها.

    3- تبني برامج تدريب حكومية وأهلية تتوافق مع احتياجات سوق العمل لتدريب النساء على مجالات عمل جديدة ونافعة كالتدريب الفني للتشغيل والصيانة لتنتفع بها وتنفع المؤسسات النسائية.

    4- تنمية روح المبادرة لدى الشرائح الفقيرة بشتى الوسائل من خلال دعم المشروعات الصغيرة وإيجاد فرص عمل ذاتية لهم تحولهم إلى قوى منتجة بالقروض الميسرة الحسنة من البنوك والجمعيات والمؤسسات الخاصة.

    5- التخفيف من تيار الهجرة للمدن الكبيرة من خلال الاهتمام بالمشاريع الصغيرة في القرى والهجر خاصة المشاريع الزراعية والحيوانية والصناعات الغذائية والتقليدية وما إلى ذلك.

    6- الاهتمام بالمراكز الاستشارية الأسرية لتوعية المقبلين على الزواج بمسؤولياتهم المشتركة ولدعم المتزوجين ومساندتهم في حال مشكلاتهم وتعاملاتهم مع أبنائهم وأسرهم والآخرين.

    7- العناية بالفئات الخاصة من المسنات وذوات الاحتياجات الخاصة والمنحرفات ومساندتهن والاهتمام باحتياجاتهن ومشكلاتهن وتنظيم الخدمات والبرامج التي يمكن أن يستفدن منها.
     

مشاركة هذه الصفحة