تعلموا الأخوة والنضال من الفلسطينيين

الكاتب : جرهم   المشاهدات : 501   الردود : 1    ‏2001-10-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-15
  1. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    مقابلة الدكتور فتحي الشقاقي

    مع صحيفة الشرق الأوسط

    العدد 17/3/1995م




    متى تأسست حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وكيف تطورت فكرة تأسيسها؟


    الشبان الذين أطلقوا "الجهاد الإسلامي في فلسطين" كحركة وتنظيم داخل فلسطين منذ مطلع الثمانينات 1980/1981كانوا شبانا صغار في المدارس الثانوية والإعدادية عندما حدثت هزيمة 1967 التي تركت أثرا هائلا عليهم، لقد كنت واحدا من هؤلاء الذين شعروا حينها وكان عمري 16 سنة بمرارة وحزن نادرين إثر تلك الهزيمة التاريخية الكبرى، لقد هزتني من الأعماق إذ ألقت بنا في فراغ بلا ضفاف، كانت أياما وشهورا صعبة تلك التي تلت الهزيمة شعرت فيها مع غيري ـ وأجزم أن من بينهم أولئك الشبان الذين شاركت معهم بتأسيس الجهاد الإسلامي لاحقا ـ شعرنا بعدم التوازن، ودعني اقرر مرة أخرى أن ما يسميه الغرب خطأ بظاهرة الأصولية الإسلامية ونسميها ظاهرة الصحوة والعودة إلى الله، قد ألقيت بذرتها في ذلك اليوم المر(5/6/1967)، حيث سقطت أشياء كثيرة إن لم نقل كل شيء، ولم نجد مع الأمة سوى الاعتصام بالله كمخرج من الأزمة ولتحقيق التوازن النفسي، والانطلاق نحو آفاق أرحب على أسس أكثر رسوخا ومتانة، لقد تم هذا بالتدريج وفكرة الجهاد الإسلامي بزغت في مرحلة لاحقة ونضجت أثناء دراستنا في مصر ومنذ منتصف السبعينات، كنت درست العلوم والرياضيات في كلية بيرزيت وعملت مدرسا في القدس لمدة أربعة أع وام قبل أن أتوجه إلى مصر لدراسة الطب عام 1974.


    وهناك في (مصر) التقينا كمجموعة من الشباب الفلسطيني والمتدين والمثقف، ذوي جذور وتجارب ثقافية وسياسية غنية، اكتشفنا في سهراتنا وحواراتنا أن أغلبنا قد قرأ شكسبير ودستويفسكي وتشيكوف وسارتر واليوت وآخرين وأيضا نجيب محفوظ وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور كما قرأنا السيد جمال الدين الأفغاني وحسن البنا وباقر الصدر وسيد قطب إضافة إلى علوم إسلامية متفرقة ومعارف إنسانية وتاريخية، أذكر أنني كتبت ملاحظات نقدية على سارتر وأنا في السابعة عشرة ومقالا عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده وكنت حينها في التاسعة عشرة.


    كما أذكر أنني في ذلك الوقت قرأت "أوديب ملكا" لسوفكليس بالنص الإنجليزي أكثر من عشر مرات وفي كل مرة كنت أبكي بحرقة ولا أنام ليلتها دون إكمال المسرحية، كما قرأت مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور أكثر من خمسين مرة بالفعل وحفظت أنشودة المطر للسياب عن ظهر قلب، وتركت ثلاثية نجيب محفوظ على حياتي أثرا لا يزول، وعندما كتب محمود درويش "أحمد الزعتر" حفظتها عن ظهر قلب وظننت حينها أنها أعظم القصائد التي كتبت باللغة العربية منذ أن عرفت هذه اللغة حروفها، ربما بالغت أو بالتأكيد كنت كذلك ولكن بمعزل عن أي تقييم سياسي أو شخصي يبقى درويش شاعرا مبدعا ونادرا حتى آخر أشعاره "لماذا تركت الحصان وحيدا".

    في تلك الفترة قرأنا أيضا السيد جمال الدين الأفغاني وكان محل إعجابنا الشديد على حساب الشيخ محمد عبده الذي كان محل نقد بالنسبة لنا قبل أن اكتشف في سنوات لاحقة أن الرجل كان يجب أن يحظى بمزيد من الاهتمام رغم أن تبايننا في النظر للسياسة لا يزال قائما، قرأنا من البداية رسائل الإمام البنا وأنا اليوم أكثر اهتماما بما جاء بها من ذلك الوقت، أما سيد قطب فكان تأثيره على جيلنا لا ينازع وقد بذلت جهدا لأخرج من إسار بيانه الكلاسيكي المدهش وكيف قاد طريقه إلى مصرعه واستشهاده إلى رؤية نقدية وأكثر موضوعية دون أي مساس بالقيمة الأخلاقية لا أنسى أن كتبا مثل "الفكر العربي في عصر النهضة" لالبرت حوراني و"المثقفون العرب والغرب" لهشام شرابي وأخرى مثلها كانت محل دراسة ونقاش مستمر في أوساطنا.


    في هذه الأجواء نشأ الحوار الذي استغرق منذ منتصف السبعينات في مسائل منهجية حول الدين والعلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي والتاريخ الأوروبي الحديث والعالم والواقع ومناهج التغيير قبل أن ينصب جل الأمر حول السؤال الفلسطيني حيث عايشنا بعمق وألم ومخاض حقيقي إشكالية "وطنيون بلا إسلام وإسلاميون بلا فلسطين" فقد تعاملت الحركة الوطنية الفلسطينية في سنوات الستينات والسبعينات مع موضوعة الإسلام بالنفي والاستبعاد أو باللامبالاة، في نفس الوقت كان التوجه الإسلامي نحو فلسطين قاصرا لأسباب موضوعية وذاتية أيضا ، لقد توصلنا في حواراتنا إلى ضرورة حل هذه الإشكالية من خلال مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية وللأمة الإسلامية، واعتبار الإسلام كأيديولوجية منطلقا وفلسطين هدفا للتحرير والجهاد وسيلة وهكذا تحول الحوار الفكري إلى حوار ومناخ سياسي افرز نواة تنظيمية في نهاية السبعينات، لقد تشكلت نواة حركتنا أثناء الدراسة في مصر وخلال عامي 1980/1981اندفعت هذه النواة باتجاه فلسطين ـ مع عودة الطلاب إلى وطنهم ـ لتتبلور تنظيميا حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

    في البداية كان الحضور دعوياً وسياسيا وجماهيريا وتعبويا شمل المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات، وخلال أعوام قليلة جدا تحولنا إلى الجهاد المسلح الذي شكل منذ منتصف الثمانينات رافدا هاما للانتفاضة التي جاءت كتحول هام في مسيرة جهادنا وجهاد شعبنا.


    ما هي الأهداف التي تسعى الحركة إلى تحقيقها؟


    تسعى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى تحرير كامل فلسطين وتعبئة الجماهير الفلسطينية وإعدادها إعداداً جهاديا شاملا لتأهيلها للقيام بواجبها الجهادي تجاه فلسطين كما تسعى إلى استنهاض وحشد جماهير الأمة العربية والإسلامية وحثها على القيام بدورها التاريخي في مواجهة العدو الصهيوني وتعمل لأجل توحيد الجهود عربيا وإسلاميا باتجاه فلسطين وفي نفس الوقت تدعو إلى الإسلام بعقيدته وشريعته وآدابه وإحياء رسالته الحضارية للأمة والإنسانية وتعمل لأجل ظهوره وانتصاره.


    وقد جاءت هذه الأهداف ضمن إدراكنا الترابط والجدل المتنامي بين مواجهة الصهيونية والاستعمار وبين نهضة الأمة. إذ لا يمكن أن نحقق مشروعا إسلاميا نهضوياً، إن لم تكن مسألة تحرير فلسطين في نواة هذا المشروع وساحة معركته الأساسية.


    ما هي قوة الجهاد الرئيسية وكذلك تركيبتها التنظيمية، هل وجودكم في الأراضي المحتلة في الأساس أم في سورية ولبنان؟


    قوة حركة الجهاد الرئيسية في فكرها وإخلاص رجالها وجهدهم المتواصل لتجسيد هذا الفكر، ولدي اعتقاد ويقين أن حركة الجهاد من أول الحركات التي لم تستنفذ أغراضها بل وتملك طاقة كامنة هائلة قادرة على أحداث تغيرات مهمة على مستوى فلسطين والمنطقة كلما أتيح لها من الإمكان ما يسمح لها بتفجير جزء من هذه الطاقة الكامنة بالنسبة للتركيب التنظيمي فرغم مساحات الشتات الواسعة والظروف الاستثنائية التي تعيشها الحركة فإن للحركة مؤتمر عام ينتخب مجلس الشورى العام وهذا بدوره يختار الأمين العام، المؤتمر العام يقر لوائح وأنظمة وقوانين الحركة وخط التحرك السياسي وأوجه النشاطات الأخرى، مجلس الشورى يباشر تطبيق وتنفيذ هذه الأنظمة والسياسات، يتعاون معه في ذلك لجان ومجالس شورى محلية في أماكن تواجد الحركة مرتبطة بمجلس الشورى العام والأمين العام، وهناك أجهزة تنفيذية في مجالات العمل المختلفة عسكرية وسياسية وعلاقات خارجية وتعبئة وتنظيم ومالية..


    أما وجودنا الأساس فهو في داخل فلسطين المحتلة، لم نتواجد في لبنان إلا بعد إبعادي من فلسطين مع بعض الاخوة عام 1988، أما وجودنا في سوريا فهو محدود جدا وعابر وليس له أي طابع رسمي وأقل من تواجدنا في أماكن أخرى خارج فلسطين.


    هناك معلومات تشير أن لديكم عددا من معسكرات التدريب؟


    غير صحيح، لقد كان لنا قاعدة عسكرية واحدة فقط شمال لبنان وقرب مخيم نهر البارد، قصفها العدو عدة مرات وحاول إنزال جنوده إليها، تعلمنا الدرس واستفدنا من تجربة المقاومة الفلسطينية ، تركنا القاعدة كما يعلم العدو الذي توقف عن قصفها منذ ذلك الحين، لسنا بحاجة إلى مراكز عسكرية ثابتة، جهدنا العسكري الأساسي يتم بمجمله داخل فلسطين، إن حربنا مع العدو غير تقليدية ونحتاج إلى أساليب غير تقليدية، لقد كان من أخطاء المقاومة الفلسطينية محاولتها التحول إلى جيش تقليدي في حرب العدو هو الأقدر عليها.


    وهناك أيضا ما يشير إلى أنكم تملكون في لبنان أكثر من 10 مقار موزعة بين لبنان وسورية تساعدكم في التخفي بعيدا عن العيون الإسرائيلية؟


    لا يوجد لنا مقرات سوى بيوتنا وبيوت إخواننا، يوجد أيضا في لبنان بعض النشاطات الاجتماعية المحدودة أما في سوريا فلا يوجد شيء من هذا.


    وفي هذا المجال ما هي علاقاتكم مع حزب الله اللبناني؟


    يوجد تفاهم وتنسيق سياسي.


    وعسكري؟


    أحيانا.


    هل صحيح ما يقال من أن عددا من عناصر حركة فتح المجلس الثوري جماعة أبو نضال تعمل من خلالكم ونفذت فعليا بعض العمليات في جنوب لبنان؟


    لم أسمع بهذا الحديث من قبل، على كل نحن نكن الاحترام لكل مناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي، وحركة فتح ـ المجلس الثوري موجودة في لبنان وجنوب لبنان قبلنا بكثير وتملك إمكانيات كبيرة وتقوم بنشاطها بنفسها دون واسطة من أحد كما يعرف الجميع.


    من أين تحصلون على التمويل والسلاح عدا عن التبرعات من الناس هناك من يقول أن إيران هي الممول الرئيسي لكم؟


    إن اعتمادنا على الدعم الشعبي هو الأساس في تمويلنا، أما الدعم الإيراني فهو إنساني في مجمله يشمل مساعدة عوائل الشهداء والأسرى وجرحى الانتفاضة، غير ذلك فالدعم الإيراني سياسي ومعنوي.


    ما دمنا نتحدث عن المال كيف تقيمون تأثير قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بتجميد أرصدة الجهاد بشكل عام وأرصدتكم الشخصية بشكل خاص في الولايات المتحدة على حركتكم؟


    لا شك أنه قرار مزعج بسبب دلالة التأثير المتزايد للوبي اليهودي الصهيوني على الإدارة الأمريكية والتي تشن بذلك حربا صليبية غير مبررة ضد الإسلام والعالم الإسلامي وتتهمنا بالإرهاب مع علمها أننا لم نطلق أي رصاصة ولم نهدد أحدا خارج حدود وطننا المحتل، إننا نحارب من أجل الحرية والعيش بكرامة كما حارب جورج واشنطن، ونملك في قلوبنا حبا يكفي لتحويل هذا العالم الظالم واحة عدل وسلام.


    أما حكاية الأرصدة فلا يوجد لنا أي أرصدة في بنوكهم، ولا معنى عمليا للقرار الأمريكي ولا يؤثر علينا ماليا.


    هل لديكم الاستعداد للقبول بدولة فلسطينية فقط في الضفة وغزة؟


    فلسطين بلد صغير لا تتسع لأكثر من دولة واحدة، هذا ما يفهمه الإسرائيليون ويصرون عليه بطريقتهم، وهو ما يجب أن نفهمه ونصر ونناضل من أجله من خلال عروبة وإسلاميــــة فلسطين، ولا استقرار في المنطقة بدون ذلك، ثم إن قيام دولة فلسطينية مستقلة فعلا مع وجود إسرائيل هو أمر غير ممكن، وطبيعة إسرائيل كدولة ووظيفة لا تسمح به، لقد قلت إننا نفهم الموقف من فلسطين كنواة لمشروعنا النهضوي، والقبول بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، عدا عن كونه غير ممكن يعتبر تقزيماً للمسألة الفلسطينية ومتنافيا مع مشروعنا النهضوي.


    يعني لن تعترفوا بإسرائيل في حال قيام دولة في الضفة والقطاع كدولة مجاورة، ماذا سيكون مصير إسرائيل واليهود من وجهة نظركم؟


    “إسرائيل" كيان استعماري يقوم بحكم طبيعته على دينامية توسعية وحلم السيطرة، وهي قاعدة استعمارية حليفة وشريكة للغرب لتسهيل اختراق الحوض العربي الإسلامي والهيمنة عليه ونهب ثرواته. ومنذ أن أعلن الغرب على لسان وزير خارجية القوة العظمى الأولى آنذاك لورد بلفور عن القرار الاستعماري بمنح فلسطين لليهود وللحركة الصهيونية لإقامة كيان خاص بهم والمنطقة تعيش عدم الاستقرار وغياب الأمن، الأمريكيون يعتقدون اليوم أن بإمكانهم تحقيق ذلك بعد أن دانت الدنيا لهم كما يتصورون، وهم يحاولون جهدهم دون أن يفطنوا انهم يحاولون إدخال الجمل العربي الإسلامي في ثقب الإبرة الصهيوني، ولأنهم أغبياء كفاية لا أظنهم يفطنون لذلك، من هنا يستمر عدم الاستقرار، إذ يستحيل أن يكون سلام على الأساس الذي يتوهمون، أما اليهود فقد كانوا على مدى قرون اضطهادهم في أوروبا موضع ترحيب في الوطن العربي والإسلامي، ونحن لا نعادي الإسرائيليين لأنهم يهود، بل لأنهم كيان استعماري غاصب لأرضنا وحقوقنا، يمكن لليهود أن يعيشوا بسلام أكثر بيننا وفي كل العالم إذا ما تخلوا عن أطماعهم بتملك أداة هيمنة استعمارية، والكيان الصهيوني أداة هيمنة استعمارية أولا وأخيرا، فهل اليهود بحاجة إلى ذلك هل يمكن أن يتحرروا من مأزقهم التاريخي بالدخول في مأزق تاريخي وأخلاقي أشد خطورة وأكثر سوداوية، في الوقت الذي سمح لهم تطور المجتمعات المعاصرة بحياة أكثر أمنا وسلاما ورفاهية اختاروا التحول إلى قوة استعمارية مدمرة تستعبد الآخرين وتهيمن عليهم بالقوة والجبروت، إنها خدعة صهيونية تغذيها الأطماع الاستعمارية الغربية وليس من خيار أمامنا سوى المقاومة.


    ولكن ألا تعتقد بأنكم في هدفكم هذا كمن يسبح ضد التيار؟ كيف ستعملون على تحقيق هذا الهدف علماً بأن العرب أجمعين فشلوا في ظل عالم المعسكرين والظروف الدولية الأفضل في تحقيق الحد الأدنى من أهدافهم؟


    تضطر في أحيان كثيرة أن تسبح ضد التيار لتنقذ نفسك أو لتنقذ آخرين. كل الأنبياء سبحوا ضد التيار ولو في البداية على الأقل، وهكذا فعل كل الثوار العظام والمبدعين. السباحة ضد التيار أمر صعب ولكنه ليس عيباً دائماً أو خطأ، وفي أحيان كثيرة يكون عين الصواب.


    نحن ندرك جيداً أن موازين القوى المادية ليست في مصلحتنا وبالتالي لن يكون في مقدورنا تحرير فلسطين لا غداً ولا بعد غدٍ، فهل هذا سبب للاستسلام وإضاعة الحقوق والقبول بالهزيمة والإذلال وربما الفناء، بحجة ضغط الأمر الواقع. على العكس إن وجود موازين القوى على هذا الحال الظالم سبب جوهري أمام الإنسان للنضال من أجل تغييرها، وبالنسبة لنا فهذا ليس مستحيلاً بل ممكن إن لم يكن حتمياً، فالأمة تملك مفردات القوة من الأيديولوجيا الحية الباعثة إلى الجغرافيا العبقرية إلى التاريخ الملهم الموحِد إلى الإمكانات البشرية والمادية الهائلة إلى دلالة واستحقاقات المصير الواحد والأمن الواحد والمصلحة المشتركة. صحيح أن هذه المفردات مبعثرة اليوم، ولكنها تستعصي على الإبادة والإفناء بانتظار ناظم ينظمها فتغير موازين القوى، في حين يستمد العدو قدرته من عناصر خارجية، طارئة، غير أصيلة، لا تملك إمكانية الاستمرار، وضربها في أي محور أو موقع يمكن أن يشلها في بقية المحاور والمواقع. ألا تلحظ أن أميركا ومعها الغرب والكيان الصهيوني ودول عربية وإقليمية ينفقون المليارات ويبذلون كل الجهد لخلق سلامهم الهش وتمرير مشاريعهم فيأتي مجاهد فرد أو مجاهدان فردان فيركمان كل ذلك بعض ه على بعض ويجعلانه هشيماً.


    نعم، إن توازن القوى المادي ليس في مصلحتنا اليوم، ولكن هذا لا يمنعنا من تحقيق توازن الرعب مع العدو، وهذا مغزى العمليات الإستشهادية التي تبرهن أن موازين القوى الظالمة ليست أبدية وأن شروطهم ليست قدر أمتنا وشعبنا وأننا نملك خيار القتال بديلاً عن خيار الاستسلام.


    إن التغيير قادم بلا شك، فهو قانون وسنة إلهية، والأفضل أن يجدنا صامدين ثابتين في مواقعنا، من أن يجدنا راكعين حاملين لصك الاستسلام أمام الكيان الصهيوني والحلف الأطلسي، بل إن صمودنا وثباتنا هو الشرط الأول لإحداث وإتمام التغيير.

    اليهود منذ ألفي عام وهم يُمَنّون أنفسهم باللقاء في القدس أورشليم دون أن يملكوا أي أمل وأي قوة، وحتى عندما بدأ مشروعهم الصهيوني الحديث، مع نهاية القرن الماضي ومطلع القرن العشرين، فقد بدت نسبة نجاحهم معدومة، أما نحن الذين نسبح ضد التيار، حسب رأي البعض، وعدميين لا ندرك طبيعة العصر ولا موازين القوى، حسب أوهام آخرين، فقد بتنا نشكل تهديداً استراتيجياً للدولة العبرية، كما قال رابين بعد عملية بيت ليد، لقد أضطر العدو لأول مرة منذ بداية الصراع أن يعترف بأن المقاومة الشعبية والعمليات الجهادية تشكل تهديداً استراتيجياً لوجوده، إن هذا يعني أننا ندرك جيداً ما نفعله وسوف نواصله مع التيار أو ضد التيار، ولكن ضمن المصلحة العليا لشعبنا وأمتنا أما فشل العرب في عالم القطبين وإمكانية فشلهم في عالم القطب فليس مرتبطاً بعدد الأقطاب والعلاقة بينهم، ولكن بسبب طبيعة القوى الحاكمة المضبوعة لصالح الغرب ولصالح المشروع الصهيوني، وعندما تنتهي حالة التبعية القائمة ونؤكد على هويتنا الحضارية المستقلة فإن النجاح سيكون مسألة وقت. إن للهزيمة شروطها وللانتصار شروطه، وعلينا إدراك ذلك موضوعياً وذاتياً في جميع الأحوال.


    ما هي الحركات التي انشقت عن الجهاد والأسباب التي أدت إلى هذه الإنشقاقات وهل كانت عقائدية أو سياسية؟


    صدقني أنه لم تنشق أي حركة عن الجهاد الإسلامي كما لم تنشق حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين عن أي حركة، وبعض المجموعات التي حملت إسم الجهاد لم تكن سوى أسماء اخترعها ياسر عرفات من عنده وليس من جسم الحركة وأنفق عليها أموالاً طائلة بعد أن يئس من احتواء حركة الجهاد الإسلامي، والجميع يعلم اليوم أنه فشل في ذلك فليس هناك سوى حركة جهاد واحدة هي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ذات الخط الفكري والسياسي والمنهجي المعروف داخل الحركة الإسلامية وداخل الحركة الوطنية الفلسطينية.


    إن الذين تكلموا سابقا عن حركات جهاد إسلامي وقعوا فريسة لعبة سياسية وإعلامية معروفة داخل الساحة الفلسطينية.


    هل هناك فروقات عقائدية أو سياسية بينكم وبين حماس تمنع توحيد الصفوف معها، خاصة أنكما تقفان الآن في خندق واحد وتتبعان نفس الأسلوب في محاربة إسرائيل؟


    لم تكن هناك أي فروق عقائدية مع الاخوة في حماس في أي يوم من الأيام، والفروقات السياسية التي كانت قائمة قبل تأسيس حماس بدأت تتلاشى منذ قيام الانتفاضة وانخراط ودور حماس المركزي فيها، يوجد اتفاق وانسجام سياسي كبير وأسباب توحيد الصفوف قوية وعديدة أو على الأقل الوصول إلى أقصى درجة من التنسيق والفعالية المشتركة وظني أن حوارا جادا وعميقا ومستمرا بين الطرفين كفيل بتحقيق هذه الأهداف، إننا في حركة الجهاد الإسلامي نمد أيدينا للاخوة في حركة حماس، حريصين على التعاون والتفاهم والتنسيق معهم واعتقد أن هذا أصبح ضرورة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.


    هل سيكون نهج العمليات الانتحارية الإستشهادية الأسلوب الذي ستتبعه حركة الجهاد في نضالها ضد إسرائيل، أم أن هذا النهج يخدم مرحلة سياسية معينة وستوقفونها لحظة انتهاء هذه المرحلة؟


    إن معركتنا مع العدو داخل فلسطين مفتوحة على كافة الاحتمالات الجهادية والأساليب الممكنة بما في ذلك العمليات الإستشهادية وهذا ليس مقترنا بمرحلة سياسية معينة، بل يجيء في سياق جهادنا المتواصل، لا نغفل أن العدو قد ظن بتوقيعه اتفاق أوسلو وغيره من الاتفاقيات أنه قد أطبق على القضية الفلسطينية ويوشك على تصفيتها، وهذا يتطلب منا جهدا متميزا لإفشال المؤامرة ومن هنا تبرز أهمية العمليات الإستشهادية في هذه المرحلة.


    ما هي الأسس التي يمكنكم على أساسها التعامل مع السلطة أو إجراء الحوار معها؟ وهل تعملون حقا على زعزعتها بهدف إفشال اتفاق غزة ـ أريحا أولا؟


    لا نخفي أننا ضد اتفاق غزة ـ أريحا ونؤمن بضرورة إسقاطه لأنه يجيء في سياق مضاد لجهاد شعبنا ونضاله وعلى حساب مصالحه وحقوقه ويقوم على ثلاثة أهداف الأول هو وقف الانتفاضة والتحرر من أعباء وجحيم غزة دون تركها والثاني هو حفظ وحراسة الأمن الإسرائيلي بمشاركة فلسطينية ومطاردة المجاهدين، والثالث اختراق المنطقة العربية والهيمنة عليها وفتح ساحات جديدة للتطبيع، لذا نرفض هذا الاتفاق ونعتبر أن المعركة مع العدو مستمرة دون قصد إحراج أحد أو استفزاز سلطة، أما الحوار السياسي مع سلطة الحكم الذاتي فغير وارد طالما أن السلطة تحمل مشروعا سياسيا مضادا تماما كالذي تحمله اليوم، ولكن في سعينا لتجنب الصدام والحرب الأهلية لن يكون مستبعدا معالجة مواضيع ميدانية لنزع أي فتيل اشتباك.


    طالب ارييل شارون، أحد زعماء الليكود، بترحيل كل من له صلة بأسرة الشقاقي من فلسطين، رداً على الهجمات الانتحارية للجهاد، ما هو تعليقكم على ذلك، وماذا سيكون موقفكم في حال تنفيذ هذا الطلب؟


    الشعب الفلسطيني هو الذي يحارب الاحتلال، وليست هذه العائلة أو تلك، وأنا ابن الشعب الفلسطيني وابن فلسطين قبل أي شيء آخر، وفلسطين بالنسبة لي فرض صلاة لا أساوم عليها تحت أي ظرف من الظروف، وأْعتقد أن الإسرائيليين، الذين صارعتهم وصارعوني مراراً في غرف التحقيق والتعذيب، يدركون جيداً أنه لا يغريني أي ترغيب، ولا يخيفني أي ترهيب، وأنا أحيل ارييل شارون وقبله اسحق رابين لقراءة محضر جلسة المحكمة العسكرية الاستشارية التي نظرت في مسألة إبعادي عام1988،

    لقد قلت لهم في قاعة المحكمة لا أدري بأي صفة أخاطبكم هيئة المحكمة .. (( إن كنتم ممثلين للشعب اليهودي فكيف تتكلمون عن عذابات اليهود في التاريخ واضطهادهم ثم تأتون اليوم لتمارسوا التعذيب والاضطهاد ضد شعب آخر، وإن كنتم تمثلون الحركة الصهيونية فاعلموا أنني سأقاتل الحركة الصهيونية حتى آخر قطرة من دمي طالما أن الحركة الصهيونية تحل مشاكل اليهود على حساب شعبنا، وإن كنتم تمثلون دولة إسرائيل فلا أراكم مؤهلين للنظر في قضية إبعادي من وطني كما أبعدتم والدي من قريته قبل أربعين عاماً )).


    مع صحيفة الشرق الأوسط

    العدد 17/3/1995م




    متى تأسست حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وكيف تطورت فكرة تأسيسها؟


    الشبان الذين أطلقوا "الجهاد الإسلامي في فلسطين" كحركة وتنظيم داخل فلسطين منذ مطلع الثمانينات 1980/1981كانوا شبانا صغار في المدارس الثانوية والإعدادية عندما حدثت هزيمة 1967 التي تركت أثرا هائلا عليهم، لقد كنت واحدا من هؤلاء الذين شعروا حينها وكان عمري 16 سنة بمرارة وحزن نادرين إثر تلك الهزيمة التاريخية الكبرى، لقد هزتني من الأعماق إذ ألقت بنا في فراغ بلا ضفاف، كانت أياما وشهورا صعبة تلك التي تلت الهزيمة شعرت فيها مع غيري ـ وأجزم أن من بينهم أولئك الشبان الذين شاركت معهم بتأسيس الجهاد الإسلامي لاحقا ـ شعرنا بعدم التوازن، ودعني اقرر مرة أخرى أن ما يسميه الغرب خطأ بظاهرة الأصولية الإسلامية ونسميها ظاهرة الصحوة والعودة إلى الله، قد ألقيت بذرتها في ذلك اليوم المر(5/6/1967)، حيث سقطت أشياء كثيرة إن لم نقل كل شيء، ولم نجد مع الأمة سوى الاعتصام بالله كمخرج من الأزمة ولتحقيق التوازن النفسي، والانطلاق نحو آفاق أرحب على أسس أكثر رسوخا ومتانة، لقد تم هذا بالتدريج وفكرة الجهاد الإسلامي بزغت في مرحلة لاحقة ونضجت أثناء دراستنا في مصر ومنذ منتصف السبعينات، كنت درست العلوم والرياضيات في كلية بيرزيت وعملت مدرسا في القدس لمدة أربعة أع وام قبل أن أتوجه إلى مصر لدراسة الطب عام 1974.


    وهناك في (مصر) التقينا كمجموعة من الشباب الفلسطيني والمتدين والمثقف، ذوي جذور وتجارب ثقافية وسياسية غنية، اكتشفنا في سهراتنا وحواراتنا أن أغلبنا قد قرأ شكسبير ودستويفسكي وتشيكوف وسارتر واليوت وآخرين وأيضا نجيب محفوظ وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور كما قرأنا السيد جمال الدين الأفغاني وحسن البنا وباقر الصدر وسيد قطب إضافة إلى علوم إسلامية متفرقة ومعارف إنسانية وتاريخية، أذكر أنني كتبت ملاحظات نقدية على سارتر وأنا في السابعة عشرة ومقالا عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده وكنت حينها في التاسعة عشرة.


    كما أذكر أنني في ذلك الوقت قرأت "أوديب ملكا" لسوفكليس بالنص الإنجليزي أكثر من عشر مرات وفي كل مرة كنت أبكي بحرقة ولا أنام ليلتها دون إكمال المسرحية، كما قرأت مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور أكثر من خمسين مرة بالفعل وحفظت أنشودة المطر للسياب عن ظهر قلب، وتركت ثلاثية نجيب محفوظ على حياتي أثرا لا يزول، وعندما كتب محمود درويش "أحمد الزعتر" حفظتها عن ظهر قلب وظننت حينها أنها أعظم القصائد التي كتبت باللغة العربية منذ أن عرفت هذه اللغة حروفها، ربما بالغت أو بالتأكيد كنت كذلك ولكن بمعزل عن أي تقييم سياسي أو شخصي يبقى درويش شاعرا مبدعا ونادرا حتى آخر أشعاره "لماذا تركت الحصان وحيدا".

    في تلك الفترة قرأنا أيضا السيد جمال الدين الأفغاني وكان محل إعجابنا الشديد على حساب الشيخ محمد عبده الذي كان محل نقد بالنسبة لنا قبل أن اكتشف في سنوات لاحقة أن الرجل كان يجب أن يحظى بمزيد من الاهتمام رغم أن تبايننا في النظر للسياسة لا يزال قائما، قرأنا من البداية رسائل الإمام البنا وأنا اليوم أكثر اهتماما بما جاء بها من ذلك الوقت، أما سيد قطب فكان تأثيره على جيلنا لا ينازع وقد بذلت جهدا لأخرج من إسار بيانه الكلاسيكي المدهش وكيف قاد طريقه إلى مصرعه واستشهاده إلى رؤية نقدية وأكثر موضوعية دون أي مساس بالقيمة الأخلاقية لا أنسى أن كتبا مثل "الفكر العربي في عصر النهضة" لالبرت حوراني و"المثقفون العرب والغرب" لهشام شرابي وأخرى مثلها كانت محل دراسة ونقاش مستمر في أوساطنا.


    في هذه الأجواء نشأ الحوار الذي استغرق منذ منتصف السبعينات في مسائل منهجية حول الدين والعلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي والتاريخ الأوروبي الحديث والعالم والواقع ومناهج التغيير قبل أن ينصب جل الأمر حول السؤال الفلسطيني حيث عايشنا بعمق وألم ومخاض حقيقي إشكالية "وطنيون بلا إسلام وإسلاميون بلا فلسطين" فقد تعاملت الحركة الوطنية الفلسطينية في سنوات الستينات والسبعينات مع موضوعة الإسلام بالنفي والاستبعاد أو باللامبالاة، في نفس الوقت كان التوجه الإسلامي نحو فلسطين قاصرا لأسباب موضوعية وذاتية أيضا ، لقد توصلنا في حواراتنا إلى ضرورة حل هذه الإشكالية من خلال مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية وللأمة الإسلامية، واعتبار الإسلام كأيديولوجية منطلقا وفلسطين هدفا للتحرير والجهاد وسيلة وهكذا تحول الحوار الفكري إلى حوار ومناخ سياسي افرز نواة تنظيمية في نهاية السبعينات، لقد تشكلت نواة حركتنا أثناء الدراسة في مصر وخلال عامي 1980/1981اندفعت هذه النواة باتجاه فلسطين ـ مع عودة الطلاب إلى وطنهم ـ لتتبلور تنظيميا حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

    في البداية كان الحضور دعوياً وسياسيا وجماهيريا وتعبويا شمل المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات، وخلال أعوام قليلة جدا تحولنا إلى الجهاد المسلح الذي شكل منذ منتصف الثمانينات رافدا هاما للانتفاضة التي جاءت كتحول هام في مسيرة جهادنا وجهاد شعبنا.


    ما هي الأهداف التي تسعى الحركة إلى تحقيقها؟


    تسعى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى تحرير كامل فلسطين وتعبئة الجماهير الفلسطينية وإعدادها إعداداً جهاديا شاملا لتأهيلها للقيام بواجبها الجهادي تجاه فلسطين كما تسعى إلى استنهاض وحشد جماهير الأمة العربية والإسلامية وحثها على القيام بدورها التاريخي في مواجهة العدو الصهيوني وتعمل لأجل توحيد الجهود عربيا وإسلاميا باتجاه فلسطين وفي نفس الوقت تدعو إلى الإسلام بعقيدته وشريعته وآدابه وإحياء رسالته الحضارية للأمة والإنسانية وتعمل لأجل ظهوره وانتصاره.


    وقد جاءت هذه الأهداف ضمن إدراكنا الترابط والجدل المتنامي بين مواجهة الصهيونية والاستعمار وبين نهضة الأمة. إذ لا يمكن أن نحقق مشروعا إسلاميا نهضوياً، إن لم تكن مسألة تحرير فلسطين في نواة هذا المشروع وساحة معركته الأساسية.


    ما هي قوة الجهاد الرئيسية وكذلك تركيبتها التنظيمية، هل وجودكم في الأراضي المحتلة في الأساس أم في سورية ولبنان؟


    قوة حركة الجهاد الرئيسية في فكرها وإخلاص رجالها وجهدهم المتواصل لتجسيد هذا الفكر، ولدي اعتقاد ويقين أن حركة الجهاد من أول الحركات التي لم تستنفذ أغراضها بل وتملك طاقة كامنة هائلة قادرة على أحداث تغيرات مهمة على مستوى فلسطين والمنطقة كلما أتيح لها من الإمكان ما يسمح لها بتفجير جزء من هذه الطاقة الكامنة بالنسبة للتركيب التنظيمي فرغم مساحات الشتات الواسعة والظروف الاستثنائية التي تعيشها الحركة فإن للحركة مؤتمر عام ينتخب مجلس الشورى العام وهذا بدوره يختار الأمين العام، المؤتمر العام يقر لوائح وأنظمة وقوانين الحركة وخط التحرك السياسي وأوجه النشاطات الأخرى، مجلس الشورى يباشر تطبيق وتنفيذ هذه الأنظمة والسياسات، يتعاون معه في ذلك لجان ومجالس شورى محلية في أماكن تواجد الحركة مرتبطة بمجلس الشورى العام والأمين العام، وهناك أجهزة تنفيذية في مجالات العمل المختلفة عسكرية وسياسية وعلاقات خارجية وتعبئة وتنظيم ومالية..


    أما وجودنا الأساس فهو في داخل فلسطين المحتلة، لم نتواجد في لبنان إلا بعد إبعادي من فلسطين مع بعض الاخوة عام 1988، أما وجودنا في سوريا فهو محدود جدا وعابر وليس له أي طابع رسمي وأقل من تواجدنا في أماكن أخرى خارج فلسطين.


    هناك معلومات تشير أن لديكم عددا من معسكرات التدريب؟


    غير صحيح، لقد كان لنا قاعدة عسكرية واحدة فقط شمال لبنان وقرب مخيم نهر البارد، قصفها العدو عدة مرات وحاول إنزال جنوده إليها، تعلمنا الدرس واستفدنا من تجربة المقاومة الفلسطينية ، تركنا القاعدة كما يعلم العدو الذي توقف عن قصفها منذ ذلك الحين، لسنا بحاجة إلى مراكز عسكرية ثابتة، جهدنا العسكري الأساسي يتم بمجمله داخل فلسطين، إن حربنا مع العدو غير تقليدية ونحتاج إلى أساليب غير تقليدية، لقد كان من أخطاء المقاومة الفلسطينية محاولتها التحول إلى جيش تقليدي في حرب العدو هو الأقدر عليها.


    وهناك أيضا ما يشير إلى أنكم تملكون في لبنان أكثر من 10 مقار موزعة بين لبنان وسورية تساعدكم في التخفي بعيدا عن العيون الإسرائيلية؟


    لا يوجد لنا مقرات سوى بيوتنا وبيوت إخواننا، يوجد أيضا في لبنان بعض النشاطات الاجتماعية المحدودة أما في سوريا فلا يوجد شيء من هذا.


    وفي هذا المجال ما هي علاقاتكم مع حزب الله اللبناني؟


    يوجد تفاهم وتنسيق سياسي.


    وعسكري؟


    أحيانا.


    هل صحيح ما يقال من أن عددا من عناصر حركة فتح المجلس الثوري جماعة أبو نضال تعمل من خلالكم ونفذت فعليا بعض العمليات في جنوب لبنان؟


    لم أسمع بهذا الحديث من قبل، على كل نحن نكن الاحترام لكل مناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي، وحركة فتح ـ المجلس الثوري موجودة في لبنان وجنوب لبنان قبلنا بكثير وتملك إمكانيات كبيرة وتقوم بنشاطها بنفسها دون واسطة من أحد كما يعرف الجميع.


    من أين تحصلون على التمويل والسلاح عدا عن التبرعات من الناس هناك من يقول أن إيران هي الممول الرئيسي لكم؟


    إن اعتمادنا على الدعم الشعبي هو الأساس في تمويلنا، أما الدعم الإيراني فهو إنساني في مجمله يشمل مساعدة عوائل الشهداء والأسرى وجرحى الانتفاضة، غير ذلك فالدعم الإيراني سياسي ومعنوي.


    ما دمنا نتحدث عن المال كيف تقيمون تأثير قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بتجميد أرصدة الجهاد بشكل عام وأرصدتكم الشخصية بشكل خاص في الولايات المتحدة على حركتكم؟


    لا شك أنه قرار مزعج بسبب دلالة التأثير المتزايد للوبي اليهودي الصهيوني على الإدارة الأمريكية والتي تشن بذلك حربا صليبية غير مبررة ضد الإسلام والعالم الإسلامي وتتهمنا بالإرهاب مع علمها أننا لم نطلق أي رصاصة ولم نهدد أحدا خارج حدود وطننا المحتل، إننا نحارب من أجل الحرية والعيش بكرامة كما حارب جورج واشنطن، ونملك في قلوبنا حبا يكفي لتحويل هذا العالم الظالم واحة عدل وسلام.


    أما حكاية الأرصدة فلا يوجد لنا أي أرصدة في بنوكهم، ولا معنى عمليا للقرار الأمريكي ولا يؤثر علينا ماليا.


    هل لديكم الاستعداد للقبول بدولة فلسطينية فقط في الضفة وغزة؟


    فلسطين بلد صغير لا تتسع لأكثر من دولة واحدة، هذا ما يفهمه الإسرائيليون ويصرون عليه بطريقتهم، وهو ما يجب أن نفهمه ونصر ونناضل من أجله من خلال عروبة وإسلاميــــة فلسطين، ولا استقرار في المنطقة بدون ذلك، ثم إن قيام دولة فلسطينية مستقلة فعلا مع وجود إسرائيل هو أمر غير ممكن، وطبيعة إسرائيل كدولة ووظيفة لا تسمح به، لقد قلت إننا نفهم الموقف من فلسطين كنواة لمشروعنا النهضوي، والقبول بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، عدا عن كونه غير ممكن يعتبر تقزيماً للمسألة الفلسطينية ومتنافيا مع مشروعنا النهضوي.


    يعني لن تعترفوا بإسرائيل في حال قيام دولة في الضفة والقطاع كدولة مجاورة، ماذا سيكون مصير إسرائيل واليهود من وجهة نظركم؟


    “إسرائيل" كيان استعماري يقوم بحكم طبيعته على دينامية توسعية وحلم السيطرة، وهي قاعدة استعمارية حليفة وشريكة للغرب لتسهيل اختراق الحوض العربي الإسلامي والهيمنة عليه ونهب ثرواته. ومنذ أن أعلن الغرب على لسان وزير خارجية القوة العظمى الأولى آنذاك لورد بلفور عن القرار الاستعماري بمنح فلسطين لليهود وللحركة الصهيونية لإقامة كيان خاص بهم والمنطقة تعيش عدم الاستقرار وغياب الأمن، الأمريكيون يعتقدون اليوم أن بإمكانهم تحقيق ذلك بعد أن دانت الدنيا لهم كما يتصورون، وهم يحاولون جهدهم دون أن يفطنوا انهم يحاولون إدخال الجمل العربي الإسلامي في ثقب الإبرة الصهيوني، ولأنهم أغبياء كفاية لا أظنهم يفطنون لذلك، من هنا يستمر عدم الاستقرار، إذ يستحيل أن يكون سلام على الأساس الذي يتوهمون، أما اليهود فقد كانوا على مدى قرون اضطهادهم في أوروبا موضع ترحيب في الوطن العربي والإسلامي، ونحن لا نعادي الإسرائيليين لأنهم يهود، بل لأنهم كيان استعماري غاصب لأرضنا وحقوقنا، يمكن لليهود أن يعيشوا بسلام أكثر بيننا وفي كل العالم إذا ما تخلوا عن أطماعهم بتملك أداة هيمنة استعمارية، والكيان الصهيوني أداة هيمنة استعمارية أولا وأخيرا، فهل اليهود بحاجة إلى ذلك هل يمكن أن يتحرروا من مأزقهم التاريخي بالدخول في مأزق تاريخي وأخلاقي أشد خطورة وأكثر سوداوية، في الوقت الذي سمح لهم تطور المجتمعات المعاصرة بحياة أكثر أمنا وسلاما ورفاهية اختاروا التحول إلى قوة استعمارية مدمرة تستعبد الآخرين وتهيمن عليهم بالقوة والجبروت، إنها خدعة صهيونية تغذيها الأطماع الاستعمارية الغربية وليس من خيار أمامنا سوى المقاومة.


    ولكن ألا تعتقد بأنكم في هدفكم هذا كمن يسبح ضد التيار؟ كيف ستعملون على تحقيق هذا الهدف علماً بأن العرب أجمعين فشلوا في ظل عالم المعسكرين والظروف الدولية الأفضل في تحقيق الحد الأدنى من أهدافهم؟


    تضطر في أحيان كثيرة أن تسبح ضد التيار لتنقذ نفسك أو لتنقذ آخرين. كل الأنبياء سبحوا ضد التيار ولو في البداية على الأقل، وهكذا فعل كل الثوار العظام والمبدعين. السباحة ضد التيار أمر صعب ولكنه ليس عيباً دائماً أو خطأ، وفي أحيان كثيرة يكون عين الصواب.


    نحن ندرك جيداً أن موازين القوى المادية ليست في مصلحتنا وبالتالي لن يكون في مقدورنا تحرير فلسطين لا غداً ولا بعد غدٍ، فهل هذا سبب للاستسلام وإضاعة الحقوق والقبول بالهزيمة والإذلال وربما الفناء، بحجة ضغط الأمر الواقع. على العكس إن وجود موازين القوى على هذا الحال الظالم سبب جوهري أمام الإنسان للنضال من أجل تغييرها، وبالنسبة لنا فهذا ليس مستحيلاً بل ممكن إن لم يكن حتمياً، فالأمة تملك مفردات القوة من الأيديولوجيا الحية الباعثة إلى الجغرافيا العبقرية إلى التاريخ الملهم الموحِد إلى الإمكانات البشرية والمادية الهائلة إلى دلالة واستحقاقات المصير الواحد والأمن الواحد والمصلحة المشتركة. صحيح أن هذه المفردات مبعثرة اليوم، ولكنها تستعصي على الإبادة والإفناء بانتظار ناظم ينظمها فتغير موازين القوى، في حين يستمد العدو قدرته من عناصر خارجية، طارئة، غير أصيلة، لا تملك إمكانية الاستمرار، وضربها في أي محور أو موقع يمكن أن يشلها في بقية المحاور والمواقع. ألا تلحظ أن أميركا ومعها الغرب والكيان الصهيوني ودول عربية وإقليمية ينفقون المليارات ويبذلون كل الجهد لخلق سلامهم الهش وتمرير مشاريعهم فيأتي مجاهد فرد أو مجاهدان فردان فيركمان كل ذلك بعض ه على بعض ويجعلانه هشيماً.


    نعم، إن توازن القوى المادي ليس في مصلحتنا اليوم، ولكن هذا لا يمنعنا من تحقيق توازن الرعب مع العدو، وهذا مغزى العمليات الإستشهادية التي تبرهن أن موازين القوى الظالمة ليست أبدية وأن شروطهم ليست قدر أمتنا وشعبنا وأننا نملك خيار القتال بديلاً عن خيار الاستسلام.


    إن التغيير قادم بلا شك، فهو قانون وسنة إلهية، والأفضل أن يجدنا صامدين ثابتين في مواقعنا، من أن يجدنا راكعين حاملين لصك الاستسلام أمام الكيان الصهيوني والحلف الأطلسي، بل إن صمودنا وثباتنا هو الشرط الأول لإحداث وإتمام التغيير.

    اليهود منذ ألفي عام وهم يُمَنّون أنفسهم باللقاء في القدس أورشليم دون أن يملكوا أي أمل وأي قوة، وحتى عندما بدأ مشروعهم الصهيوني الحديث، مع نهاية القرن الماضي ومطلع القرن العشرين، فقد بدت نسبة نجاحهم معدومة، أما نحن الذين نسبح ضد التيار، حسب رأي البعض، وعدميين لا ندرك طبيعة العصر ولا موازين القوى، حسب أوهام آخرين، فقد بتنا نشكل تهديداً استراتيجياً للدولة العبرية، كما قال رابين بعد عملية بيت ليد، لقد أضطر العدو لأول مرة منذ بداية الصراع أن يعترف بأن المقاومة الشعبية والعمليات الجهادية تشكل تهديداً استراتيجياً لوجوده، إن هذا يعني أننا ندرك جيداً ما نفعله وسوف نواصله مع التيار أو ضد التيار، ولكن ضمن المصلحة العليا لشعبنا وأمتنا أما فشل العرب في عالم القطبين وإمكانية فشلهم في عالم القطب فليس مرتبطاً بعدد الأقطاب والعلاقة بينهم، ولكن بسبب طبيعة القوى الحاكمة المضبوعة لصالح الغرب ولصالح المشروع الصهيوني، وعندما تنتهي حالة التبعية القائمة ونؤكد على هويتنا الحضارية المستقلة فإن النجاح سيكون مسألة وقت. إن للهزيمة شروطها وللانتصار شروطه، وعلينا إدراك ذلك موضوعياً وذاتياً في جميع الأحوال.


    ما هي الحركات التي انشقت عن الجهاد والأسباب التي أدت إلى هذه الإنشقاقات وهل كانت عقائدية أو سياسية؟


    صدقني أنه لم تنشق أي حركة عن الجهاد الإسلامي كما لم تنشق حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين عن أي حركة، وبعض المجموعات التي حملت إسم الجهاد لم تكن سوى أسماء اخترعها ياسر عرفات من عنده وليس من جسم الحركة وأنفق عليها أموالاً طائلة بعد أن يئس من احتواء حركة الجهاد الإسلامي، والجميع يعلم اليوم أنه فشل في ذلك فليس هناك سوى حركة جهاد واحدة هي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ذات الخط الفكري والسياسي والمنهجي المعروف داخل الحركة الإسلامية وداخل الحركة الوطنية الفلسطينية.


    إن الذين تكلموا سابقا عن حركات جهاد إسلامي وقعوا فريسة لعبة سياسية وإعلامية معروفة داخل الساحة الفلسطينية.


    هل هناك فروقات عقائدية أو سياسية بينكم وبين حماس تمنع توحيد الصفوف معها، خاصة أنكما تقفان الآن في خندق واحد وتتبعان نفس الأسلوب في محاربة إسرائيل؟


    لم تكن هناك أي فروق عقائدية مع الاخوة في حماس في أي يوم من الأيام، والفروقات السياسية التي كانت قائمة قبل تأسيس حماس بدأت تتلاشى منذ قيام الانتفاضة وانخراط ودور حماس المركزي فيها، يوجد اتفاق وانسجام سياسي كبير وأسباب توحيد الصفوف قوية وعديدة أو على الأقل الوصول إلى أقصى درجة من التنسيق والفعالية المشتركة وظني أن حوارا جادا وعميقا ومستمرا بين الطرفين كفيل بتحقيق هذه الأهداف، إننا في حركة الجهاد الإسلامي نمد أيدينا للاخوة في حركة حماس، حريصين على التعاون والتفاهم والتنسيق معهم واعتقد أن هذا أصبح ضرورة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.


    هل سيكون نهج العمليات الانتحارية الإستشهادية الأسلوب الذي ستتبعه حركة الجهاد في نضالها ضد إسرائيل، أم أن هذا النهج يخدم مرحلة سياسية معينة وستوقفونها لحظة انتهاء هذه المرحلة؟


    إن معركتنا مع العدو داخل فلسطين مفتوحة على كافة الاحتمالات الجهادية والأساليب الممكنة بما في ذلك العمليات الإستشهادية وهذا ليس مقترنا بمرحلة سياسية معينة، بل يجيء في سياق جهادنا المتواصل، لا نغفل أن العدو قد ظن بتوقيعه اتفاق أوسلو وغيره من الاتفاقيات أنه قد أطبق على القضية الفلسطينية ويوشك على تصفيتها، وهذا يتطلب منا جهدا متميزا لإفشال المؤامرة ومن هنا تبرز أهمية العمليات الإستشهادية في هذه المرحلة.


    ما هي الأسس التي يمكنكم على أساسها التعامل مع السلطة أو إجراء الحوار معها؟ وهل تعملون حقا على زعزعتها بهدف إفشال اتفاق غزة ـ أريحا أولا؟


    لا نخفي أننا ضد اتفاق غزة ـ أريحا ونؤمن بضرورة إسقاطه لأنه يجيء في سياق مضاد لجهاد شعبنا ونضاله وعلى حساب مصالحه وحقوقه ويقوم على ثلاثة أهداف الأول هو وقف الانتفاضة والتحرر من أعباء وجحيم غزة دون تركها والثاني هو حفظ وحراسة الأمن الإسرائيلي بمشاركة فلسطينية ومطاردة المجاهدين، والثالث اختراق المنطقة العربية والهيمنة عليها وفتح ساحات جديدة للتطبيع، لذا نرفض هذا الاتفاق ونعتبر أن المعركة مع العدو مستمرة دون قصد إحراج أحد أو استفزاز سلطة، أما الحوار السياسي مع سلطة الحكم الذاتي فغير وارد طالما أن السلطة تحمل مشروعا سياسيا مضادا تماما كالذي تحمله اليوم، ولكن في سعينا لتجنب الصدام والحرب الأهلية لن يكون مستبعدا معالجة مواضيع ميدانية لنزع أي فتيل اشتباك.


    طالب ارييل شارون، أحد زعماء الليكود، بترحيل كل من له صلة بأسرة الشقاقي من فلسطين، رداً على الهجمات الانتحارية للجهاد، ما هو تعليقكم على ذلك، وماذا سيكون موقفكم في حال تنفيذ هذا الطلب؟


    الشعب الفلسطيني هو الذي يحارب الاحتلال، وليست هذه العائلة أو تلك، وأنا ابن الشعب الفلسطيني وابن فلسطين قبل أي شيء آخر، وفلسطين بالنسبة لي فرض صلاة لا أساوم عليها تحت أي ظرف من الظروف، وأْعتقد أن الإسرائيليين، الذين صارعتهم وصارعوني مراراً في غرف التحقيق والتعذيب، يدركون جيداً أنه لا يغريني أي ترغيب، ولا يخيفني أي ترهيب، وأنا أحيل ارييل شارون وقبله اسحق رابين لقراءة محضر جلسة المحكمة العسكرية الاستشارية التي نظرت في مسألة إبعادي عام1988،

    لقد قلت لهم في قاعة المحكمة لا أدري بأي صفة أخاطبكم هيئة المحكمة .. (( إن كنتم ممثلين للشعب اليهودي فكيف تتكلمون عن عذابات اليهود في التاريخ واضطهادهم ثم تأتون اليوم لتمارسوا التعذيب والاضطهاد ضد شعب آخر، وإن كنتم تمثلون الحركة الصهيونية فاعلموا أنني سأقاتل الحركة الصهيونية حتى آخر قطرة من دمي طالما أن الحركة الصهيونية تحل مشاكل اليهود على حساب شعبنا، وإن كنتم تمثلون دولة إسرائيل فلا أراكم مؤهلين للنظر في قضية إبعادي من وطني كما أبعدتم والدي من قريته قبل أربعين عاماً )).
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-10-15
  3. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    أيها اليمانيون تعلموا الأخوة من الفلسطينيون

    فتحي الشقاقي

    بقلم: محمد الفاتح

    فتحي الشقاقي.. لم نكن بحاجة إلى اغتياله في 26/10/1995، حتى نعرفه جيداً ونبكي غيابه.. كنا بحاجة، نحن الذين عرفناه، إلى أن نعرف كيف ننهل من حضوره.

    لا أعرف في ذكرى رحيله الرابعة عن أي فتحي الشقاقي أتحدث.. فتحي الإنسان، أم فتحي القضية، أم علاقتي بالاثنين معاً؟

    ومصدر حيرتي هذه أنني لم أقرر أن أكسر الصمت وأبوح بسر العاشق، لكنني أردت أن أعلن البراءة كل البراءة من «الحياد» و«البرود» إلى حد الصقيع، الذي استوطن أفئدتنا حيال سخونة دمه على رصيف «حي سليمة» في مالطا، فلم نفتح مخابئ النور لتندلع نار العشق وتهزم حجب الظلام التي نثرها رصاص الغدر الصهيوني اللعين.

    حين ينساب فتحي الشقاقي خيطاً من اللآلئ على خد طفلة في رفح، يصبح اسمه سياجاً لصيانة الذاكرة من اجتثاث أكيد. وحين يفقد المناضل في زمننا «عذريته الوطنية»، ويبسط جناح الذل تحت أقدام الغزاة، يطلع فتحي الشقاقي على رأس مظاهرة العائدين من الموت، لتتحول سيرة الشهداء من نشيد ملحمي حزين إلى ملحمة شاملة للحزن والفرح.

    فتحي الشقاقي رفض أن يستجدي الحياة من العدو، أو يلتمس العفو من الجلاد.. رفض الحفاظ على ذاته ورأسه ووجوده بأي ثمن كما فعل كثيرون.. وعندما يفرض قانون غابة العصر على النور أن يسلم أوراقه للظلام، وأن يمنح الذئب اسم غزالة، كان خيار الشقاقي واضحاً، أن لا شيء على هذه الأرض يغري بهذه الحياة.

    كان فتحي الشقاقي جميلاً يحب الحياة الجميلة.. منذ اللحظة الأولى التي عرفته فيها، كانت روحه نسبح في مدارات الخطر: (الحرية، العشق، الثورة، الشهادة..).

    كما كل أبناء الجيل الذي ولد ما بين النكبتين، كانت الأسئلة الحائرة أحد مكونات الروح الفلسطينية، التي جادت بها النكبة الأولى على الشقاقي، فكانت إجابة الواقع العربي هي النكبة الثانية!

    داهمت النكبة الثانية عقل الشقاقي الفتى، الذي أحب جمال عبد الناصر، ولم يكن ناصرياً بالمعنى الذي دشن بعد موت عبد الناصر.. بحث الشقاقي عن طريق آخر، وفِكر آخر أكثر إضاءة وأكثر قدرة على فهم حكمة الطوفان ودرس الهزيمة.

    رست مركب الشقاقي على بر الإسلام العظيم عبر مرفأ الحركة الإسلامية في فلسطين.

    في الحركة الإسلامية كانت مشكلة الشقاقي في وعيه المتقدم جداً، وكما قال أحد المفكرين الكبار يوماً «عندما يأتي شكل من أشكال الوعي قبل زمنه يكون مأساوياً».

    لم تكن فلسطين حاضرة في التكوين الوجداني لأبناء الحركة الإسلامية، ولا في الدروس الباردة التي تستخف بفلسطين الجغرافيا استخفافاً على التاريخ.. بل إن «الأرض» بما هي «أرض» لم يكن مسموحاً أو مقبولاً مجرد الكلام فيها.

    أشعل الشقاقي الحوار في جدل الديني والوطني داخل الحركة الإسلامية. أتقن الشقاقي فن اختبار ما اصطلح علـى تسميته «المسلمات»، في الوسط الإسلامي التقليدي، لأنه أتقن فن مساءلة التاريخ وتفكيك رواياته السائدة، ليعيد تشكيل الوعي الإسلامي في فضاء تكون فلسطين بؤرته المركزية.

    لم يأتِ الشقاقي في الحقيقة من الفضاء الوطني، أو العروبي، إلى الفضاء الإسلامي أو العكس، بل بوقوفه على أرض الإسلام في فلسطين، رسم لفلسطين فضاءً واحداً مربع الأضلاع (وطني ـ عروبي ـ إسلامي، إنساني). بيد أن اقتحام مساحة المربع كان يتطلب أداة واحدة: الجهاد.

    أدرك الشقاقي بإيمانه المؤسس على المعرفة، ووعيه المرتبط بالواقع، حاجة المرحلة إلى المشروع الذي يعيد اكتشاف إسلامية الفلسطيني وفلسطينية الإسلامي، بما يعيد اكتشاف فلسطين من جديد؛ فعبّر بذلك عن ضمير «الجماعة الوطنية» الذي هو ضمير الأمة.

    كان الشقاقي يدرك أن تجاوز الهزيمة لا يتم في الفراغ، بل في دائرة الفعل، فأبدع اقتحامه المشهد الجهادي، بتأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين..

    تضيق مساحة البياض أمامي، فأختم معتذراً وكلي إحساس، أنني لم أفرغ من كتابة الحرف الأول في كتاب مفتوح على الأمل والوعد والنصر.. اسمه فتحي الشقاقي..
     

مشاركة هذه الصفحة