كتاب آداب سلوك المريد

الكاتب : أبوهاشم   المشاهدات : 627   الردود : 4    ‏2004-07-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-06
  1. أبوهاشم

    أبوهاشم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-04-17
    المشاركات:
    403
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أنقل لكم مقتطفات من رسالة آداب سلوك المريد للإمام عبدالله بن علوي الحداد
    و قد قصد بهذا النقل حتى أبين للأخوه المتحاملين على عموم الصوفية أن يتوخوا الحذر في إطلاق التهم على المسلمين
    أرجو من المولى عز و جل أن يرزقنا حسن الفهم

    رسالة ءاداب سلوك المريد
    للإمام شيخ الإسلام قطب الدعوةِ والإرشادِ
    الحبيبِ عبدِ اللهِ بن علوي الحداد الحَضرمي الشافعي رحمه الله



    قال المؤلفُ رحمَه اللهُ…


    بسم الله الرّحمنِ الرحيمِ
    و لا حولَ و لا قوةَ إلا باللهِ العليّ العظيم الحمدُ للهِ الذي يَقذِفُ إذا شاءَ في قلوبِ المُريدينَ لوعَةَ الإرادَةِ، فيُزعجُهُم إلى سلوكِ سبيلِ السعادةِ، التي هيَ الإيمانُ والعبادةُ، و مَحوُ كلِّ رسمٍ و عادةٍ، وصلّى اللهُ وسلمَ على سيدِنا محمَّدٍ سيدِ أهلِ السيادَةِ، وعلى ءالهِ وصحبِهِ السادَةِ القادَةِ، أما بعـدُ:

    فقد قال تعالى وهو أصدقُ القائلين:{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} (الإسراء:18/19)

    والعاجلةُ هي الدّنيا، فإذا كانَ المريدُ لها فضلاً عن الساعِي لطلَبِها مصيرُهُ إلى النارِ معَ اللومِ والصَّغارِ، فما أجدرَ العاقلَ بالإعراضِ عنهَا، والاحتراسِ منها، و الآخرةُ هي الجنةُ. ولا يكفِي في حُصولِ الفوزِ بها الإرادةُ فقطْ بل هيَ معَ الإيمانِ والعَمَلِ الصالحِ المشارِ إليهِ بقولِهِ تعالى:{ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} (الإسراء:19) والسعيُ المشكورُ هو العملُ المقبولُ المستوجِبُ صاحبُهُ المدحَ والثناءَ والثوابَ العظيمَ الذِي لا يَنقضِي ولا يفنَى بفضلِ اللهِ ورحمتِهِ، والخاسرُ مِن كلِّ وجهٍ منَ المريدينَ للدُّنيا الذي يَتحقَّقُ قي حَقِّهِ الوعيدُ المذكورُ في الآيةِ هوَ الذِي يُريدُ الدُّنيا إرادةً يَنسى في جَنْبِها الآخرةَ فلا يُؤمنُ بها، أو يُؤمنُ ولا يَعمَلُ لها. فالأولُ كافرٌ خالِدٌ في النارِ، والثاني فاسقٌ مَوْسُومٌ بالخَسَارِ.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسولِهِ فهجرتهُ إلى اللهِ ورسولهِ ومن كانَت هجرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )). ( متفق عليه)

    أخبرَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنهُ لا عملَ إلا عن نِيةٍ، وأنَّ الإنسانَ بِحَسَبِ ما نَوَى يثابُ ويُجزَى إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌ، فمنْ حَسُنَت نِيَّتُهُ حَسُنَ عملُهُ لا محالةَ، ومن خَبُثَتْ نيتُهُ خَبُثَ عَمَلُهُ لا مَحالةَ، وإنْ كانَ في الصورةِ طيِّباً كالذِي يَعمَلُ الصَّالحاتِ تصنُعاً للمخلوقِينَ.

    وأخبرَ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ أنَّ مَنْ عَمِلَ للهِ على وِفْقِ المتابَعَةِ لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ كانَ ثَوابُهُ على اللهِ وكانَ مُنقلَبُهُ إلى رِضْوَانِ اللهِ وجَنّتِهِ، في جِوارِ اللهِ وخِيْرَتِهِ، وأنَّ مَنْ قَصَدَ غَيرَ اللهِ وعَمِلَ لغَيرِ اللهِ كانَ ثوابُهُ وجَزاؤُهُ عِنْدَ مَنْ تصَنَّعَ لهُ ورَاءَى لَهُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ لَهُ ولا لنَفْسِهِ ضَرّاً ولا نَفْعاً ولا مَوتاً ولا حَياتاً ولا نُشوراً.

    وخَصَّ الهجرَةَ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ مِنْ بَينِ سَائِرِ الأعمَالِ تَنبيهاً على الكُّلِّ بالبَعْضِ لأنَّ مِنَ المَعلومِ عِندَ أُولِي الأَفهَامِ أنَّ الإخبَارَ لَيسَ خَاصّاً بالهِجرَةِ بلْ هوَ عامٌّ في جَميعِ شَرائِعِ الإسلامِ.

    ثمَّ أقولُ: اعلّمْ أيّها المريدُ الطَالِبُ، والمُتَوجِّهُ الرّاغِبُ أنّكَ حينَ سَألتَنِي أَنْ أبعَثَ إلَيْكَ بِشَيءٍ مِنَ الكَلامِ المَنسوبِ إليَّ لَم يَحضُرْنِي منهُ ما أرَاهُ مُنَاسِباً لِمَا أَنتَ بِسبيلِهِ. وقَدْ رَأيتُ أنْ أُقيِّدُ فُصُولاً وَجِيزَةً تَشْتَمِلُ على شَيءٍ مِنْ ءادابِ الإرَادَةِ بِعبَارَةٍ سَلِسَةٍ، واللهَ أسألُ أنْ يَنفَعَنِي وإيَّاكَ وسَائرَ الإخوَانِ بِمَا يُورِدُهُ عليَّ مِنْ ذلكَ ويُوصِلُهُ إليَّ مما هنالِك، فهوَ حَسْبِيَ ونِعْمَ الوكيلُ.


    فصلٌ
    ( في أنّ أول الطريقِ باعثٌ قوي)

    اعلَمْ أنَّ أولَ الطَّريقِ بَاعثٌ قَويٌ يُقذَفُ في قَلْبِ العَبْدِ يُزْعِجُهُ ويُقْلِقُهُ ويَحُثُّهُ على الإقْبَالِ على اللهِ والدّارِ الآخِرةِ، وعلى الإعْرَاضِ عنِ الدُّنيا وعَمَّا الخَلْقُ مشغُولونَ بهِ مِنْ عِمَارتِها وجمعِها والتَّمتِعِ بشَهَوَاتِها والاغتِرَارِ بزَخَارِفِها.

    وهذا الباعِثُ مِنْ جُنودِ اللهِ البَاطِنَةِ، وهوَ مِنْ نَفَحاتِ العِنَايَةِ وأعْلامَ الهِدايَةِ، وكَثيراً مَا يُفتَحُ بهِ على العَبدِ عندَ التَّخويِفِ والتَّرغيبِ والتَشويقِ، وعَندَ النَظَرِ إلى أهْلِ اللهِ تعالى والنَّظَرِ مِنْهُم، وقدْ يَقَعُ بِدُونِ سَبَبٍ.

    والتّعَرُضُ للنَفَحَاتِ مَأمُورٌ بِهِ ومُرَغَّبٌ فيهِ والانتِظَارِ والارتِقَابُ بِدُونِ التَّعرُّضِ ولزومِ البَابِ حُمْقٌ وغَبَاوَةٌ. كيفَ وقدْ قالَ عليهِ الصّلاةُ والسلامُ : (( إنَّ لرَبِّكُم في أَيّامِ دَهرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلا فتَعَرَّضُوا لَها )) .
    ومَنْ أكرمَهُ اللهُ بهذا البَاعِثِ الشّريفِ فليَعْرِفْ قَدرَهُ المُنِيفَ، وليَعْلَمْ أنَّهُ مِنْ أعظَمِ نِعَمِ اللهِ تعَالى عليهِ التي لا يُقَدَّرُ قَدْرُهَا ولا يُبْلَغُ شُكرُهَا فليُبالِغْ في شُكرِ اللهِ تَعَالى على ما مَنَحَهُ وأوْلاهُ، وخَصَّهُ بهِ مِنْ بَينِ أَشكَالِهِ وأقْرانِهِ فكَمْ مِنْ مُسلمٍ بلغَ عُمُرُهُ ثمانينَ سَنَةً وأكثرَ لَمْ يَجِدْ هذا الباعِثَ ولَمْ يَطْرُقُهُ يوماً منَ الدَّهرِ.

    وعَلى المُريدِ أنْ يَجْتَهِدَ في تَقوِيَتِهِ وحِفظِهِ وإجابَتِهِ - أعنِي هذا البَاعِثَ - فتقويتُهُ بالذّكرِ للهِ، والفِكرِ فيمَا عندَ اللهِ، والمُجالَسَةِ لأهلِ اللهِ، وحِفظُهُ بالبُعدِ عن مُجالَسَةِ المَحجُوبينَ والإعرَاضِ عن وَسْوَسَةِ الشَّياطينِ، وإجابتُهُ بأنْ يبادِرَ بالإنَابَةِ إلى اللهِ تعَالى، ويَصْدُقَ في الإقبَالِ على اللهِ، ولا يَتَوانَى ولا يُسوِّفُ ولا يَتَباطَّأَ ولا يُؤَخِرَ وقَدْ أمْكَنَتْهُ الفُرْصَةُ فليَنْتَهِزْهَا، وفُتِحَ لهُ البابُ فليَدْخُلْ، ودَعَاهُ الدَاعِي فليُسْرِعْ وليَحْذَرْ مِنْ غَدٍ بَعْدَ غَدٍ فَإنَّ ذلكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وليُقْبِلْ ولا يَتَثَبَّطْ ولا يَتَعَلَّلْ بِعَدَمِ الفَرَاغِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَّةِ.

    قَالَ أبو الرّبيعِ رَحِمَهُ اللهُ : (( سِيروا إلى اللهِ عُرْجَاً ومَكَاسِيرَ ولا تنتَظِرُوا الصِّحَّةَ فإنَّ انتِظارَ الصِّحَّةِ بَطَالَةٌ. وقالَ ابنُ عَطَاءِ اللهِ في الحِكَمِ : (( إحَالَتُكَ العَمَلَ على وُجُودِ الفَراغِ مِنْ رُعُونَاتِ النُّفُوسِ )) .


    فصلٌ
    ( في التوبةِ وشُرُوطِها)
    وأولُ شىءٍ يبدأ به المريدُ في طريقِ اللهِ تصحيحُ التوبةِ إلى الله تعالى من جميع الذنوبِ وإن كانَ عليهِ شىءٌ من المظالمِ لأحدٍ من الخلقِ فليبادر بأدائها إلى أربابها إن أمكن وإلا فيطلبُ الإحلالَ منهم، فإنَّ الذي تكونُ ذمتهُ مُرتَهَنَةً بحقوقِ الخلقِ لا يمكنه السيرُ إلى الحقِّ.

    وشرطُ صحة التوبةِ صدقُ الندمِ على الذنوبِ مع صحة العزمِ على تركِ العودِ إليها مدة العمرِ، ومن تابَ عن شىءٍ من الذنوبِ وهو مُصرٌّ عليه أو عازمٌ على العَودِ إليه فلا توبةَ لهُ.

    وليكن المريدُ على الدوامِ في غايةٍ من الاعترافِ بالتقصيرِ عن القيامِ بما يجبُ عليه من حقِّ ربهِ.

    وعلى المريدِ أن يحتَرِزَ من أصغرِ الذنوبِ فضلا عن أكبرِها أشدَّ من احترازهِ من تناولِ السمِّ القاتلِ، ويكونُ خوفُهُ لو ارتكبَ شيئًا منها أعظمَ من خوفهِ لو أكل السمَّ ، وذلك لأنَّ المعاصي تعملُ في القلوبِ عملَ السمِّ في الأجسامِ، والقلبُ أعزُّ على المؤمنِ من جسمهِ بل رأسُ مالِ المريدِ حفظُ قلبِهِ و عمارتُهُ.

    والجسمُ غَرَضٌ للآفاتِ وعمَّا قريبٍ يُتلَفُ بالموتِ، وليسَ في ذهابهِ إلا مفارقةُ الدنيا النكدةِ النغِصَةِ وأما القلبُ إن تُلِفَ فقد تَلِفَتِ الآخرةُ فإنهُ لا ينجو مِن سخطِ الله ويفوزُ برضوانِهِ وثوابِهِ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ


    فصلٌ
    ( في حفظِ القلبِ من الوساوسِ والآفاتِ والخواطرِ السيئةِ )
    وعلى المريدِ أن يجتهدَ في حفظِ قلبِه من الوساوسِ والآفاتِ والخواطر الرَّدِيةِ، وليُقِم على باب قلبِه حاجبا من المراقبةِ يمنعُها من الدخول إليه فإنها إن دخلتْه أفسدته،ويعسُرُ بعد ذلك إخراجُها منه.

    وليبالغ في تنقيةِ قلبِه الذي هو موضعُ نظرِ ربِه من الميلِ إلى شهوات الدنيا، ومن الحقدِ والغِلِّ والغَشِّ لأحد من المسلمين، ومن الظنِّ السوء بأحدٍ منهم، وليكن ناصحاً لهم رحيماً بهم مشفقاً عليهم، معتقداً الخيرَ فيهم، يحب لهم ما يحب لنفسِه من الخيرِ، ويكره لهم ما يكره لنفسِه من الشرِ.

    ولتعلم أيها المريد أن للقلبِ معاصيَ هي أفحشُ وأقبح وأخبث من معاصي الجوارحِ ولا يصلحُ القلبُ لنـزولِ معرفةِ الله ومحبتِه تعالى إلا بعد التخلي عنها والتخلصِ منها.

    فمن أفحشِها الكِبرُ والرياءُ والحسدُ. فالكبرُ يدلُ من صاحبِه على غايةِ الحماقةِ، ونهايةِ الجهالةِ والغباوةِ، وكيف يليق التكبرُ ممن يعلم أنه مخلوقٌ من نطفةٍ مَذِرَةٍ (أي مستقذرة) وعلى القرب يصير جيفةً قذرةً وإن كان عندَه شيءٌ من الفضائلِ والمحاسنِ فذلك من فضل الله وصنعِه، ليس له فيه قدرةٌ ولا في تحصيلِه حولٌ ولا قوةٌ، أَوَلا يخشى إذا تكبر على عباد اللهِ بما آتاهُ الله من فضلِه أن يسلبَه ما أعطاه بسوء أدبِه ومنازعتِه لربِه في وصفِه؟ لأن الكِبر من صفات الله الجبّارِ المتكبر.
    وأما الرياء فيدل على خُلوِ قلبِ المرائي من عظمةِ الله وإجلاله لأنه يتصَنع ويتزيَّن للمخلوقين ولا يقنَعُ بعلمِ الله ربِّ العالمين.

    ومَن عمِل الصالحات وأحب أن يعرفَه الناس بذلك ليعظِّموه ويصطنِعوا إليه المعروفَ فهو مُراءٍ جاهلٌ راغب في الدنيا، لأن الزاهد من لو أقبل الناس عليه بالتعظيمِ وبذلِ الأموال لكان يُعرض عن ذلك ويكرَهُه، وهذا يطلب الدنيا بعملِ الآخرةِ فمن أجهلُ منه؟ وإذا لم يقدر على الزهدِ في الدنيا فينبغي له أن يطلب الدنيا من المالكِ لها وهو الله فإن قلوبَ الخلائقِ بيدِه يُقْبِل بها على من أقبلَ عليه ويسخرُها له فيما يشاء.

    وأما الحسدُ فهو معاداة للهِ ظاهرةٌ، ومنازعةٌ له في مُلكِه بيِّنةٌ لأنه سبحانه إذا أنعم على بعض عبادِه بنعمةٍ فلا شك أنه مريدٌ لذلك ومختارٌ له إذ لا مُكره له تعالى، فإذا أراد العبد خلاف ما أراد مولاه فقد أساء الأدبَ واستوجب العَطب (أي الهلاك).

    ثم إن الحسد قد يكون على أمورِ الدنيا كالجاهِ والمال، وهي أصغر من أن يُحسد عليها بل ينبغي لك أن ترحمَ من ابتُلي بها وتحمد اللهَ الذي عافاك منها، وقد يكون على أمورِ الآخرة كالعلمِ والصلاحِ.

    وقبيحٌ بالمريدِ أن يحسِد من وافقَه على طريقِه، وعاونَه على أمرِه، بل ينبغي له أن يفرح به لأنه صار عوناً له وجنساً يتقوى به، والمؤمن كثيرٌ بأخيه (أي يَكثُر)، بل الذي ينبغي للمريدِ أن يُحب بباطنِه ويجتهدَ بظاهرِه في جمع الناس على طريقِ الله والاشتغال بطاعتِه ولا يبالي أفَضَلوه أم فَضَلَهُم فإن ذلك رزقٌ من الله وهو سبحانه وتعالى يختص برحمتِه من يشاء.

    وفي القلبِ أخلاقٌ كثيرة مذمومة، لم نذكرها حرصاً على الإيجازِ، وقد نبَّهنا على أمهاتها (أي الأصول)، وأم الجميعِ وأصلُها ومغرِسُها حبُّ الدنيا فحبها رأس كلِّ خطيئةٍ كما ورد (عن بعضِ السلفِ)، وإذا سلِم القلبُ منه فقد صلَح وصفا، وتنوَّر وطابَ، وتأهل لوارِداتِ الأنوارِ وصلُح للمكاشفةِ بالأسرارِ.


    فصلٌ
    ( في كفِ الجوارحِ عن المعاصي وفتنةِ الدنيا )

    وعلى المريدِ أن يجتهدَ في كفِّ جوارحِه عن المعاصي والآثامِ، ولا يُحركَ شيئاً منها إلا في طاعةٍ، ولا يعملَ بها إلا شيئاً يعودُ عليه نفعُه في الآخرةِ.

    وليبالغ في حفظِ اللسانِ فإن جِرمَه صغيرٌ وجُرمَه كبيرٌ، فليكفَّه عن الكذبِ والغيبةِ وسائرِ الكلامِ المحظورِ، وليحترز من الكلامِ الفاحشِ، ومن الخوض فيما لا يعنيه، وإن لم يكن مُحرماً فإنه يقسي القلبَ ويكون فيه ضياعُ الوقتِ، بل ينبغي للمريدِ أن لا يحركَ لسانَه إلا بتلاوةٍ أو ذكرٍ أو نُصحٍ لمسلم أو أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ أو شيءٍ من حاجات دنياهُ التي يستعين بها على أخراهُ، وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ : (( كلُ كلامِ ابنِ آدمَ عليه لا له إلا ذكرُ اللهِ أو أمرٌ بمعروفٍ أو نهيٌ عن منكر ٍ)) .

    واعلم أن السمعَ والبصرَ بابانِ مفتوحانِ إلى القلبِ يصيرُ إليه كلُ ما يدخلُ منهما، وكم من شيءٍ يسمعُه الإنسانُ أو يراه مما لا ينبغي يصل منه أثرٌ إلى القلبِ تعسُرُ إزالتُه عنه فإن القلبَ سريعُ التأثرِ بكل ما يردُ عليه، وإذا تأثر بشيءٍ يعسُر محوُه عنه، فليكن المريدُ حريصاً على حفظِ سمعِه وبصرِه مجتهداً في كفِ جميعِ جوارحِه عن الآثامِ والفضولِ (أي الشيء الذي ما فيه فائدة)، وليحذر من النظرِ بعين الاستحسانِ إلى زهرةِ الدنيا وزينتِها فإن ظاهرها فتنةٌ، وباطنَها عبرةٌ.

    والعينُ تنظر إلى ظاهرِ فتنتها والقلبُ ينظر إلى باطنِ عبرتِها، وكم من مريدٍ نظر إلى شيءٍ من زخارفِ الدنيا فمال بقلبِه إلى محبتِها والسعي في جمعِها وعمارتِها، فينبغي لك أيها المريدُ أن تغُض بصرَك عن جميع الكائنات ولا تنظر إلى شيءٍ منها إلا على قصدِ الاعتبارِ، ومعناه أن تذكر عند النظرِ إليها أنها تفنى وتذهبُ وأنها قد كانت من قبلُ معدومةً، وأنه كم نظر إليها أحدٌ من الآدميين فذهبَ وبقيت هي، وكم توارثَها خَلفٌ عن سلفٌ.

    وإذا نظرت إلى الموجوداتِ فانظر إليها نظر المستدلِ بها على كمالِ قدرةِ مُوجدِها وبارئِها سبحانَه، فإن جميع الموجودات تنادي بلسانِ حالها نداءً يسمعُه أهل القلوبِ المنوَّرةِ، الناظرون بنور اللهِ - أن لا إله إلا اللهُ العزيزُ الحكيمُ

    يتبع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-07-06
  3. أبوهاشم

    أبوهاشم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-04-17
    المشاركات:
    403
    الإعجاب :
    0
    فَصلٌ
    ( في المداومةِ على الطهارةِ وإيثار الجوع على الشبعِ )


    وينبغي للمريدِ أن لا يزال على طهارةٍ، وكلما أحدثَ توضأَ وصلى ركعتين (هذا الأمر سنة)، وإن كان مُتأهلا وأتى أهلَه فليبادر بالاغتسالِ من الجنابةِ في الوقتِ، ولا يمكثْ جُنباً، ويستعين على دوامِ الطهارةِ بقلةِ الأكلِ، فإن الذي يُكثر الأكلَ يقعُ له الحدثُ كثيراً فتشُقُ عليه المداومةُ على الطهارةِ، وفي قلةِ الأكلِ أيضاً مَعونةٌ على السهرِ وهو من آكدِ (أي أقوى) وظائفِ الإرادةِ.

    والذي ينبغي للمريدِ أن لا يأكل إلا عن فاقةٍ (أي جوع)، ولا ينامَ إلا عن غَلبةٍ، ولا يتكلمَ إلا في حاجةٍ، ولا يُخالطَ أحداً من الخلقِ إلا إن كانت له في مخالطتِه فائدةٌ، ومَن أكثر الأكلَ قسا قلبُه وثقُلت جوارحُه عن العبادةِ، وكثرةُ الأكلِ تدعو إلى كثرةِ النومِ والكلامِ، والمريدُ إذا كثُر نومُه وكلامُه صارت إرادتُه صورةً لا حقيقةَ لها، وفي الحديثِ: "ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شراً من بطنِه، حَسبُ (أي يكفيه) ابنِ آدمَ لُقَيماتٌ يُقمن صُلبَه فإن كان لا محالةَ فثلُثٌ لطعامِه وثلُثٌ لشرابِه وثلُثٌ لنفْسِه" رواه الترمذيُ



    فَصلٌ
    ( في الإقبالِ على اللهِ والتفرغ لعبادتِه )


    وينبغي للمريدِ أن يكون أبعد الناسِ عن المعاصي والمحظوراتِ، وأحفظَهُم للفرائضِ والمأموراتِ، وأَحرصَهُم على القُرُباتِ، وأسرعَهُم إلى الخيراتِ، فإن المريد لم يتميز عن غيرِه من الناسِ إلا بالإقبالِ على اللهِ وعلى طاعتِه، والتفرغِ عن كلِ ما يُشغلُه عن عبادتِه.
    وليكن شحيحاً على أنفاسِه، بخيلاً بأوقاتِه، لا يصرفُ منها قليلاً ولا كثيراً، إلا فيما يقربُه من ربِه، ويعودُ عليه بالنفعِ في معادِه.

    وينبغي أن يكون له وِردٌ من كلِ نوعٍ من العباداتِ يواظبُ عليها، ولا يسمحَ بتركِ شيءٍ منها في عُسرٍ ولا يُسرٍ، فليكثر من تلاوةِ القرآنِ العظيمِ مع التدبرِ لمعانيه، والترتيلِ لألفاظِه، ولا يقرأ كما يقرأ الغافلون الذين يقرأونَ القرآنَ بألسنةٍ فصيحةٍ وأصواتٍ عاليةٍ وقلوبٍ من الخشوعِ والتعظيمِ لله خاليةٍ، يقرأونَه كما أُنزلَ من فاتحتِه إلى خاتمتِه ولا يدرون معناهُ، ولا يعلمون لأي شيءٍ أُنزلَ، ولو علِموا لعمِلوا، فإن العلمَ ما نفعَ، ومن علِم وما عمِل فليس بينَه وبين الجاهلِ فرقٌ إلا من حيثُ إن حجةَ اللهِ عليه آكدُ، فعلى هذا يكون الجاهلُ أحسنُ حالاً منه (هذا الكلامُ مُقيَّدٌ)، ولذلك قيل: كلُ علمٍ لا يعودُ عليك نفعُه فالجهلُ أعوَدُ عليك منه.

    وليكن لك -أيها المريدُ- حظٌ من التهجدِ فإن الليلَ وقتُ خَلوةِ العبدِ مع مولاهُ فأكثِر فيه من التضرعِ والاستغفارِ، وناجِ ربَك بلسانِ الذلةِ والاضطرارِ، عن قلبٍ متحققٍ بنهايةِ العجزِ وغايةِ الانكسارِ، واحذر أن تدعَ قيامَ الليلِ فلا يأتي عليك وقتُ السَحَرِ إلا وأنت مستيقظٌ ذاكرٌ للهِ سبحانه وتعالى.


    فصْلٌ
    ( في الإقبالِ على الله والتفرغِ لعبادتِه )


    وكن - أيها المريد - في غاية الاعتناءِ بإقامةِ الصلواتِ الخمسِ بإتمامِ قيامهنَّ وقراءتهن وخشوعهن وركوعهن وسجودهن وسائرِ أركانهن وسننهن وأشْعر قلبَك قبل الدخولِ في الصلاةِ عظَمة من تريد الوقوفَ بين يديه جل وعلا، واحذر أن تناجي ملِكَ الملوكِ وجبَّارَ الجبابرةِ بقلبٍ لاهٍ مسترسلٍ في أوديةِ الغفلةِ والوساوسِ جائلٍ (دائر) في ميادينِ الخواطرِ والأفكارِ الدنيويةِ، فتستوجبَ المقتَ من اللهِ، والطردَ عن باب اللهِ.واللهُ سبحانه وتعالى لا ينظرُ إلى الأجسامِ والظواهرِ وإنما ينظرُ إلى القلوبِ والسرائرِ.

    واعلم أن روحَ جميعِ العباداتِ ومعناها إنما هو الحضورُ مع اللهِ فيها، فمن خلت عبادتُه عن الحضورِ، فعبادتُه هباءٌ منثورٌ.

    واحذر أيها المريدُ كل الحذرِ من ترك الجمُعةِ والجماعاتِ، فإن ذلك من عادات أهلِ البَطالاتِ وسماتِ أربابِ الجهالات.

    وحافظ على الرواتبِ المشروعاتِ قبل الصلاةِ وبعدَها، وواظب على صلاةِ الوترِ والضحى وإحياءِ ما بين العشاءين، وكن شديد الحرصِ على عمارة ما بعد صلاةِ الصبحِ إلى الطلوعِ، وما بعد صلاةِ العصرِ إلى الغروبِ فهذان وقتانِ شريفانِ تَفيضُ فيهما من الله تعالى الأمدادُ، على المتوجهين إليه من العبادِ.

    وفي عمارةِ ما بعدَ صلاةِ الصبحِ خاصيةٌ قويةٌ في جلبِ الأرزاقِ الجسمانيةِ، وفي عمارةِ ما بعد العصرِ خاصيةٌ قويةٌ لجلبِ الأرزاقِ القلبيةِ، كذلك جربَه أربابُ البصائرِ من العارفين الأكابرِ. وفي الحديثِ : (( إن الذي يقعدُ في مُصلاهُ يذكرُ اللهَ بعد صلاةِ الصبحِ أسرعُ في تحصيلِ الرزقِ من الذي يضربُ في الآفاقِ )) أعني يسافرُ فيها لطلبِ الأرزاقِ .


    فَصلٌ
    ( في الحث على ملازمةِ الذكرِ والتفكرِ )


    والذي عليه المُعوَّلُ في طريقِ اللهِ تعالى بعد فعلِ الأوامرِ واجتنابِ المحارمِ ملازمةُ الذكرِ لله فعليك به أيها المريدُ في كلِ حالٍ وفي كلِ وقتِ وفي كلِ مكانٍ بالقلبِ واللسانِ.

    والذكرُ الذي يجمعُ جميعَ معاني الأذكارِ وثمراتِها الباطنةِ والظاهرةِ هو قولُ "لا إلهَ إلا اللهُ" وهو الذكرُ الذي يؤمرُ بملازمتِه أهلُ البدايةِ ويرجِعُ إليه أهلُ النهايةِ.

    ومن سرَه أن يذوقَ شيئاً من أسرارِ الطريقةِ ويُكاشفُ بشىءٍ من أنواعِ الحقيقةِ فليعكف على الذكرِ للهِ تعالى بقلبٍ حاضرٍ،وأدبٍ وافرٍ، وإقبالٍ صادقٍ، وتوجيهٍ خارقٍ.

    ولتكن أيها المريدُ مُكثراً من التفكرِ، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ:

    1- تفكرُ في عجائبِ القدرةِ وبدائعِ المملكةِ السماويةِ والأرضيةِ، وثمرتُه المعرفةُ باللهِ.

    2- وتفكرٌ في الآلاءِ والنعمِ، ونتيجتُه المحبةُ للهِ.

    3- وتفكرٌ في الدنيا والآخرةِ وأحوالِ الخلقِ فيهما، وفائدتُه الإعراضُ عن الدنيا والإقبالُ على الأخرى.


    فَصلٌ
    ( فيما به زجرُ النفسِ عن التكاسلِ عن الطاعاتِ وعن الميلِ إلى المخالفاتِ )
    وإذا ءانست من نفسِك أيها المريدُ تكاسلاً عن الطاعاتِ وتثاقلاً عن الخيراتِ فقُدها إليها بزِمامِ الرجاءِ، وهو أن تذكرَ لها ما وعد اللهُ به العاملينَ بطاعتِه من الفوزِ العظيمِ والنعيمِ المقيمِ والرحمةِ والرِضوانِ، والخلودِ في فسيحِ الجِنانِ، والعزِ والرفعةِ والشرفِ والمكانةِ عندَه سبحانَه وعند عبادِه.

    وإذا أحسست من نفسك ميلاً إلى المخالَفاتِ أو التفاتاً إلى السيئاتِ فرُدها عنها بسوطِ الخوفِ وهو أن تُذكرَها وتعظَها بما تَوعدَ اللهُ به من عصاهُ من الهَوانِ والوبالِ، والخزي والنَكالِ، والطردِ والحرمانِ والصَغارِ والخسرانِ.

    وإياك والوقوعَ فيما وقعَ فيه بعضُ الشاطحين (المُغالين) من الاستهانة بشأنِ الجنةِ والنارِ، وعَظِم ما عظمَ اللهُ ورسولُه.

    واعمل للهِ لأنه ربُكَ وأنت عبدُه واسأله أن يدخلَك جنتَه وأن يُعيذَك من نارِه بفضلِه ورحمتِه.

    وإن قال لك الشيطان ***َه اللهُ إن الله سبحانه وتعالى غنيٌ عنك وعن عملِك ولا تنفعُه طاعتُك ولا تضرُه معصيتُك فقل له صدقت، ولكن أنا فقيرٌ إلى فضلِ اللهِ وإلى العملِ الصالحِ، والطاعةُ تنفعُني والمعصيةُ تضرني، بذلك أخبرني ربي في كتابِه العزيزِ وعلى لسانِ رسولِه صلى اللهُ عليه وسلم.

    فإن قال لك إن كنت سعيداً عند اللهِ فإنك لا محالةَ تصيرُ إلى الجنةِ سواءً كنت طائعاً أو عاصياً، وإن كنت شقياً عنده فسوف تصير إلى النارِ وإن كنت مطيعاً. فلا تلتفت إلى قولِه، وذلك لأن أمر السابقةِ غَيبٌ لا يطلعُ عليه إلا اللهُ وليس لأحدٍ من الخلقِ فيه شيءٌ، والطاعةُ أدَلُ دليلٍ على سابقةِ السعادةِ، وما بين المطيعِ وبين الجنةِ إلا أن يموت على طاعتِه، والمعصيةُ أدَلُ دليلٍ على سابقةِ الشقاءِ، وما بين العاصي وبين النارِ إلا أن يموتَ على معصيتِه.

    يتبع بإذن الله
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-07-06
  5. أبوهاشم

    أبوهاشم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-04-17
    المشاركات:
    403
    الإعجاب :
    0
    فَصلٌ
    ( في أحوالِ النفسِ ولزومِ الصبرِ )


    واعلم -أيها المريدُ- أن أولَ الطريقِ صبرٌ وآخرَها شكرٌ، وأولَها عناءٌ وآخرَها هناءٌ، وأولَها تعبٌ و نصَبٌ وآخرَها فتحٌ وكشفٌ ووصولٌ إلى نهايةِ الأرَبِ، وذلك معرفةُ اللهِ والوصولُ إليه والأنسُ به، ومن أسس جميع أمورِه على الصبرِ الجميلِ حصل على كلِ خيرٍ ووصلَ إلى كلِ مأمولٍ وظفِرَ بكلِ مطلوبٍ.

    واعلم أن النفس تكون في أولِ الأمرِ أمارةً تأمرُ بالشرِ وتنهى عن الخيرِ، فإن جاهدها الإنسان، وصَبرَ على مخالفةِ هواها صارت لوَّامةً متلونةً لها وجهٌ إلى المطمئنةِ ووجهٌ إلى الأمارةِ فهي مرةً هكذا ومرة هكذا، فإن رفَقَ بها وسار بها يقودُها بأزِمَّةِ الرغبةِ فيما عند اللهِ صارت مطمئنةً تأمرُ بالخيرِ وتستلذُه وتأنسُ به، وتنهى عن الشرِ وتنفِرُ عنه وتفِرُ منه.

    وصاحبُ النفسِ المطمئنةِ يعظُمُ تعجبُُه من الناسِ في إعراضِهِم عن الطاعاتِ مع ما فيها من الرَوْحِ والأنسِ واللَذةِ، وفي إقبالِهم على المعاصي والشهواتِ مع ما فيها من الغمِ والوحشةِ والمرارةِ، ويحسبُ أنهم يجدون ويذوقون في الأمرينِ مثلَ ما يجدُ ويذوقُ ثم يرجِعُ إلى نفسِه ويذكرُ ما كان يجدُ من قبل في تناولِ الشهواتِ من اللذاتِ وفي فعلِ الطاعاتِ من المراراتِ فيعلمُ أنه لم يصل إلى ما هو فيه إلا بمجاهدةٍ طويلةٍ وعنايةٍ من اللهِ عظيمةٍ.

    فقد علمت أن الصبرَ عن المعاصي والشهواتِ وعلى ملازمةِ الطاعاتِ هو الموَصِّل إلى كلِ خيرٍ والمبلِغُ إلى كلِ مقامٍ شريفٍ وحالٍ مُنيفٍ، وكيف لا وقد قال سبحانه وتعالى : { يا أيها الذينَ آمنوا اصبروا وصابِروا ورابِطوا واتقوا اللهِ لعلكُم تُفلِحون } .
    وقال تعالى :{ وتمَت كلمةُ ربِكَ الحسنى على بني إسرائيلَ بما صبِروا } وقال :{ وجَعلناهُم أئِمةً يهدونَ بأمرِنا لمّا صبَروا وكانوا بآياتِنا يُوقِنُون } .


    فَصلٌ
    ( في الاعتبارِ بالصابرينَ وأن الرزقَ مقسومٌ )


    وقد يُبتلى المريدُ بالفقرِ والفاقةِ وضيقِ المعيشةِ فينبغي له أن يشكرَ اللهَ على ذلك ويعدَّه من أعظمِ النعمِ، لأن الدنيا عدوةٌ والله يُقبلُ بها على أعدائه ويصرفُها عن أوليائِه، فليحمدِ الله الذي شبهَه بأنبيائِه وأوليائِه وعباده الصالحين، فلقد كان سيدُ المرسلين وخيرُ الخلقِ أجمعين محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلم يربِطُ حجراً على بطنِه من الجوعِ وقد يمرُ شهران أو أكثرُ ما توقد في بيتِه نارٌ لطعامٍ ولا غيرِه إنما يكون على التمرِ والماءِ، ونزل به ضيفٌ فأرسل إلى أبياتِه التسعِ فلم يوجد فيها ما يطعمُه الضيفَ. ومات يومَ مات ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍ في إصوعٍ من شعيرٍ وليس في بيتِه ما يأكلُه ذو كبِدٍ كفُ من شعيرٍ، فليكن قصدُك -أيها المريدُ- وهمتُك من الدنيا خِرقةً تسترُ بها عورتَك، ولقمةً تسدُ بها جَوعتَك من الحلالِ فقط.

    وإياك والسمَ القاتلَ، وهو أن تشتاقَ إلى التنعمِ بالدنيا وترغب في التمتعِ بشهواتِها وتغبِط المتنعمين بها من الناسِ، فسوف يُسألون عن نعيمها ويُحاسبون على ما أصابوه وتمتعوا به من شهواتِها.

    ولو أنك عرفت المشاقَ التي يُقاسونَها والغُصصَ التي يتجرعونَها والغمومَ والهمومَ التي في قلوبِهم وصدورِهم في طلبِ الدنيا وفي الحرص على تنميتها والاعتناءِ بحفظِها، لكنت ترى ذلك يزيدُ بأضعافٍ كثيرةٍ على ما هم فيه من لذةِ التنعمِ بالدنيا إن كانت ثَم لذةٌ، ويكفيك زاجراً عن محبةِ الدنيا ومزهِداً فيها قولُه تعالى : {ولولا أن يكون الناسُ أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفرُ بالرحمنِ لبيوتهِم سُقُفاً من فضةٍ ومعارجَ عليها يظهرونَ ولبيوتِهِم أبواباً وسُرُراً عليها يتكِئون وزخرُفاً وإن كلُ ذلك لمَّا متاعُ الحياةِ الدنيا والآخرةُ عند ربِكَ للمتقينَ } .

    وقولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : (( الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنةُ الكافرِ، ولو كانت تزِنُ عند الله جَناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شَربةَ ماءٍ )) واعلم أن الرزقَ مقدَّرٌ ومقسومٌ فمن العبادِ من بُسط له ووُسِع عليه، ومنهم من ضُيِق عله وقُتِر، حكمةً من الله.

    فإن كنت - أيها المريدُ- من المُقترِ عليهم فعليك بالصبرِ والرضا والقناعةِ بما قسمَ لك ربُك، وإن كنت من المُوسعِ عليهم فأصِب كفايتَك وخذ حاجتَك مما في يدِك، واصرف ما بقي في وجوهِ الخيرِ وسبلِ البرِ.

    واعلم أنه لا يتعين على الإنسانِ إذا أراد الدخولَ في طريقِ اللهِ أن يخرجَ من مالِه إن كان له مالٌ أو يترك حرفتَه وتجارتَه إن كان له مُحترِفاً أو مُتَّجِراً بل الذي يتعين عليه تقوى اللهِ فيما هو فيه والإجمالُ في الطلبِ بحيثُ لا يتركُ فريضةً ولا نافلةً، ولا يقعُ في محرمٍ ولا فضولٍ لا تصلحُ الاستعانةُ به في طريقِ اللهِ.

    فإن كان له أزواجٌ أو أولادٌ تجب نفقتُهم وكسوتُهم لزمُه القيامُ بذلك والسعيُ له، فإن عجَز عن ذلك عجزاً يعذُرُه الشرعُ فقد خرج من الحرجِ وسلمَ من الإثمِ.

    واعلم أيها المريدُ أنك لا تقدر على ملازمةِ الطاعاتِ ومجانبةِ الشهواتِ والإعراضِ عن الدنيا إلا بأن تستشعرَ في نفسكَ أن مدةَ بقائكَ في الدنيا أيامٌ قليلةٌ، وأنك عما قريبٍ تموتُ، فتنصِب أجلَك بين عينيك، وتستعدَ للموتِ وتُقدِر نزولَه بك في كلِ وقتٍ.

    وإياك وطولَ الأملِ فإنه يميلُ بك إلى محبةِ الدنيا، ويُثقِل عليك ملازمةَ الطاعاتِ والإقبالَ على العبادةِ والتجردَ لطريقِ الآخرةِ، وفي تقديرِ قربِ الموتِ وقِصرِ المدةِ الخيرُ كلَه، فعليك به، وفقنا اللهُ وإياك.


    فَصلٌ
    ( في الصبرِ على أذى الناسِ والحذر من فتنتِهم )

    وربما تسلطَ الخلقُ على بعضِ المريدين بالإيذاءِ والجفاءِ والذمِ، فإن بُليت بشيءٍ من ذلك فعليك بالصبرِ وتركِ المكافأةِ مع نظافةِ القلبِ من الحقدِ وإضمارِ الشرِ.

    وعُدَ إعراضَ الخلقِ عنك نعمةً عليك من ربك فإنهم لو أقبلوا عليك ربما شغلوك عن طاعتِه، فإن ابتليت بإقبالِهم وتعظيمِهم وثنائِهم وترددِهم عليك، فاحذر من فتنتِهم واشكر اللهَ الذي ستر مساويك عنهم.

    ثم إن خشيت على نفسِك من التصنعِ والتزينِ لهم والاشتغال عن اللهِ بمخالطتِهم فاعتزلهم وأغلق بابك عنهم، وإلا فارق الموضعَ الذي عُرفت به إلى موضعٍ لا تُعرف فيه.

    وكن مؤثِراً للخمولِ، فارّاً من الشهرةِ والظهورِ، فإن فيه الفتنةَ والمحنةَ.

    يـــــــــــــتـــــــــبـــــــــــع بإذن الله
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-07-09
  7. عبدالحميد المريسي

    عبدالحميد المريسي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-07
    المشاركات:
    2,296
    الإعجاب :
    0
    شكرا اخي العزيز ابو هاشم على هذه المشاركات
    تحياتي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-07-09
  9. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    أخي الكريم أبو هاشم المتتبع لأرباب علم تهذيب القلوب يجد انهم لم يخرجوا عن كتاب الله وسنة رسوله قيد انملة وانما الذين احدثوا هم المتشعبذين بعض المتصوفة الذين عبد الله على جهل فضلوا واضلوا . واما الرجال العارفين امثال الحبيب الحداد وغيره فترى انه لا يوجد عندهم شيئ سوى التهذيب وزيادة الأذكار وهما مطلوبان لمن اراد السلوك . والإجتهاد . والله تعالى اعلى واعلم
     

مشاركة هذه الصفحة