الحـــــمـــــــــار فـي الـذاكــره العربيه

الكاتب : المنسـي   المشاهدات : 606   الردود : 5    ‏2004-07-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-03
  1. المنسـي

    المنسـي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    49,862
    الإعجاب :
    4
    [color=CC0033][align=right]

    ممّا سبق اتضح مدى ما تتمتّع به هذه المفردة من ( حصانة ) ضدّ الضياع في الذاكرة العربيّة ، لهذا نجد كتب التراث والطرائف زاخرة بالمواقف والقصص التي يكون فيها ( الحمار) بطلاً من أبطالها ، فجحا الضاحك المضحك لا يفارقه حماره ، حيث صار من أهله وخاصّته :
    - جاءه رجلٌ ذات يوم وطلب منه أن يعيره الحمار
    - فقال له : غير موجودٍ الآن
    - فنهق الحمار وقال الرجل : وهذا ؟ !
    - فأجابه جحا : أتكذّبني وتصدّق الحمار ؟!
    وحينما سئل بشّار بن برد عن مفردة غريبة وردت في أحد أبياته التي كتبها على لسان حمار ، أجاب : هذه من غريب الحمار !
    فقد حظي الحمار بشيءٍ غير يسير من الاهتمام ، وصار في طليعة الحيوانات التي وردت في الأدب العربيّ ، قديمه وحديثه ، فالشاعر والكاتب إبراهيم المازني أحد شعراء العصر الحديث : تحدّث في كتابه ( صندوق الدنيا ) عن فروسيّته على ظهر حمار ، والشيخ الأديب علي الطنطاوي استلهم في كتاباته الرائعة سخريته اللاذعة من مادّة "الحمار" ، ففي إحدى جولاته في حديقة الحيوان : رأى الحمر الأهليّة وتساءل – بعد أن صارت الحمير مادّةً للسياحة – عمّا إذا كانت الحمير تغضب حينما تُنادى : يا بشـر ! ، أولسنا نغضب مثلها حينما يقال لنا : يا حمير !
    أظنّ أنّ الزمن الذي ستتحقّق فيه هذه المعادلة أوشك يا شيخي ووالدي الأديب !


    ( 6 )


    ..وفي شعر العصر الحديث – عصر النهضة كما يزعمون!- يفرد أمير الشعراء أحمد شوقي ، في شوقيّاته ، باباً شعريّاً ومملكةً عامرة بالحيوانات الأليفة والمتوحّشة ، غير أنّه – ربما من باب المصادفة – قرّر ملك الغابة أن يستوزر من يخلفه من بعد وزيره الراحل ، بعد اجتماعٍ حيوانيّ يشبه كثيراً الاجتماعات التي يعقدها البشر في قاعاتهم ! فكان القرار :
    قال : الحمار وزيري
    ....... قضى بهذا اختياري !
    فاستضحكت ثمّ قالت
    .......ماذا رأى في الحمـار ؟!

    وبعد أن قال الأسد قولته الشهيرة ( الحمار وزيري ) حدث ما لم يكن في حسبانه ولم يضرب له قطّ موعد :

    حتّى إذا الشهر ولّى
    ...... كليلةٍ أو نهـارِ
    لم يشعر الليث إلاّ
    ....... وملكه في دمار
    الكلب عند اليمين
    ...... والقرد عند اليسار
    والقطّ بين يديــــه
    ....... يلهو بعظمة فـار !

    فكان من الطبيعيّ أن يصرخ غاضباً بعد هذه الفوضى ، ويؤّنّب نفسه التي أمرته بوزارة الحمار وزيّنتها له :

    قال : من في جدودي
    ........ مثلي عديم الوقار
    أين اقتداري وبطشي
    ....... وهيبتي واعتباري!

    بيد أنّ القرد الحكيم ، ومن عجبٍ أن تؤخذ الحكمة هذه المرّة من أفواه القردة والـ ..... أشار إليه بدهاء إلى موضع الداء ! :
    فجاءه القرد سرّاً
    ....... وقال بعد اعتذاري
    يا عالي الجاه فينا
    ....... كن عالي الأنظـار
    رأي الرعية فيكـم
    ....... من رأيكم في الحمار !

    ( 7 )


    ..فإذا تحدّثنا عن الشعر العربيّ المعاصر ، وفي شعر التفعيلة خاصّة ، يظهر لنا الشاعر الثائر /أحمد مطر ، إذ إنّه أحد أخطر شعراء التفعيلة في زماننا المعاصر ، ليس لأنّه ثوريّ الاتّجاه ، بل لأنّه يتعامل مع إيقاع الشعر التفعيليّ بطريقة : سقوط المطر ، القنابل ، الرؤوس ، فغالباً ما تكون قصيدته ذات إيقاعٍ يبدأ من الأعلى ، ثمّ ينحدر حتّى يبلغ ذروته في نهايته عند الانفجار العاطفيّ ، وهذاعنصر المفاجأة ، وهو من أهمّ خصائص الإيقاع التفعيليّ : أن يكون ساقطاً ، مفاجئاً ، مدوّياً في نهايته ، ولأنّ مفردة "الحمار" تصلح كثيراً لهذه الخاصيّة ، فقد حظيت باهتمام الشاعر أحمد مطر ، وسقطت على "سجّانه" بطريقةٍ إيقاعيّة ، وتهكّميّة على حدٍّ سواء :

    وقفت في زنزانتي
    أقلّب الأفكار
    أنا السجين ها هنا
    أم ذلك الحارس بالجوار ؟

    *****
    فقال لي الجدار :
    إنّ الذي ترثي له قد جاء باختياره
    وجئت بالإجبار
    وقبل أن ينهار فيما بيننا
    حدّثني عن أسدٍ
    سجّانـه حمـار !

    ( 8 )

    ..وحينما ندع موروثنا الفصيح في الأدب العربيّ ، ونتّجه إلى ثقافتنا الشعبيّة وموروثنا المحكيّ يستقبلنا على بوّابة الذاكرة أشهر حمار في الشعر العامّي ، رغم اختلافاتنا حوله ، أعني به حمار الشاعر الخالي من الكولسترول : عبد المجيد الزهراني :
    قالت : امسك يا حمار !
    وقلت : هاتي
    كانت احلى حمار
    أسمعها فـ حياتي !
    والحقّ أنّنا نخطيء كثيراً حينما نظنّ أنّ عبدالمجيد الزهراني فشل في توظيف هذه المفردة فشلاً محضاً ، إذ من وجهة نظري ، وبعد أن تأمّلت في النصّ أكثر، اكتشفت أنّ فشل عبدالمجيد كان في احتواء المتلقّي فحسب ، حيث لم يُراعِ الحالة النفسيّة والحساسيّة الشديدة تجاه هذه المفردة من قبل النفس العربيّة ، والتي قرّرناها في مطلع المقالة ، وهذا – في رأيي سبب الضجّة حول هذا الحمار ، أمّا من حيث توظيف المفردة في بناء النصّ الداخلي ، فلا أبالغ لو قلت : إنّه نجاح بمرتبة الإسراف في البساطة والصدق في نقل نفسيّة الشاعر كما هي ، إذا علمنا أن عبدالمجيد يأتي بكلّ أدوات الشارع لا يستثني منها شيئاً ، وهو ما انتقدته عليه مسبقاً ، ولا زلت إلى الآن ! ،
    ترى ما سرّ نجاح اتّساق المفردة في نصّ عبدالمجيد ؟!
    عندما نتأمّل تكرار مفردة "حمار" في نصّ مختزل ، وقصير جدّاً ، ندرك أنّ الشعور بصوتيّة المفردة وقدرتها على تفريغ الشحنة النفسيّة المصاحبة لها – كما تقرّر سابقا – أمرٌ غير غائبٍ في هذا النصّ ، وحينما نقرأ بناء هذا التركيب ( كانت أحـ لـى حـ ـ ـ ـ مار ) بطريقةٍ تشريحيّة/عروضيّة : أح ، لـح ! مـار ، تظهر لنا صوتيمات توافق ما ذكر عن الدلالة النفسيّة العاطفيّة لمفردة الحمار ، حيث الشعور بلذّة مشحونةٍ بالطاقة ، إذا ما سلّمنا بأنّ المنتقم، أو الموجوع يشعر باستراحة مؤقّتة بعد الفراغ من إلقاء هذه المفردة / حمار/ وذلك حينما يملأ بها صدره وفمه ثمّ يلفظها ، ولهذا جاء في الحديث ( ليس الشديد بالصرعة ، إنّما الشديد من يمسك نفسه عند الغضب ) ، والغاضب تنازعه نفسه لتفريغ طاقته ! ، وكذلك الموجوع .
    تأمّلوا مرّةً أخرى : أح لـح ، أح لـح ، أح لـح ، إنّها أصوات تحدث غالباً حيينما ننتعش ! ، تذكّروا – أيضاً – أنّني أتحدّث عن الشاعر داخل النصّ ، كي لا تذهبوا بعيدا عمّا أريد قولـه ، ولهذا فأنا أجزم أنّ الشاعر كتب هذا النصّ واستمتع بمفردة الحمار أكثر ، ليس لأنّه يريد أن يوظّف رؤيته النقديّة ، بل لأنّ شعوره النفسيّ أملى عليه هذه المفردة فأخذ يردّدها بعقله الباطن قبل لسانه : أحلى حمار ، أح ، لح :
    قالت اسمع يا حمار
    وقلت هاتي
    كانت احلىحمار
    أسمعها فحياتي !
    حقّاً ..لقد كان الشاعر صادقاً في تصويره للمفردة من داخل النصّ : كانت احلى حمار أسمعها فحياتي !
    بعد هذا الحمار توافدت الحمر الأهليّة في النصوص الشعبيّة ، فكان من الطبيعيّ أن يكون لكلّ شاعرٍ حمار في زمنٍ كثرت فيه الحمير ، فهذا الشاعر محمّد النفيعي يوظّف اللهجة المحكيّة التي غالباً ما يصم بها أصحاب النفوذ ضعفاءهم : اسكت يا حمار ، وقد جاءت في هذا السياق معتدلةً تصف الواقع الواقع ، بعد أن صارت لغة الحوار فيما بين القويّ والضعيف : اسكت يا حمار !
    صايمٍ وافطر بثــومـه
    ...... هي كذا بكلّ اختصـار
    وان بغى يشكي همومه
    ...... قالوا : اسكت يا حمار !

    بيد أنّ للشاعر فهد عافت معادلةٌ أخرى ، لاتبعد عن معادلة الأديب الفذّ الشيخ علي الطنطاوي التي ذكرتها في معرض هذه الرحلة ، يقول فهد عافت :
    ما دام دنيا وترفعها قرون السيّد الثور
    ........ وش يزعل العاقل ان نادى عليه حمار : يا حمار !
    وإذن ، فالملاحظ ، على بيت عافت تكرار المفردة في مساحةٍ ضيّقة ، مع الحرص على تذييل البيت بها ، وكذلك فعل النفيعي ، تأكيداً على أنّ هذه المفردة لاتصلح في صدر الكلام إمعاناً في التنكيل بها وبرهاناً على سيكولوجيّة النفس العربيّة المسكونة بالأنفة !

    ( 9 )

    ..وحتّى لا أتّهم بخبث "العنوان" أعلاه فإنني مضطرٌّ إلى أن أسوق تجربتي الشعبيّة المتواضعة مع "حماري" المفلح ، حيث صادفني أثناء معاناة "مفلح" ، ذلك الرجل البسيط ، الذي يبحث عن لقمة عيشه ، وحينما كنتُ أعالج أمره في أحد مواقفه ، تدلّت عليّ "حماران" من ذاكرتي ، تحديداً عند هذا المقطع من النصّ :
    والاّ تبــي زوجٍ ثيــابه شفيفـه
    ....... خدّه شبر وعيونه دعاج وكبار
    هنا ، عند هذه المفردة اقتحمت أسوار الذاكرة حماران ، ربما استدعتهما مصادفةً جملة ( خدّه شبر ) والقافيـة التي- أحياناً - تفتن الشاعر في عقله ودينــه !!! ، ولحسن حظّي سلمت من إسقاطها عليّ فنجوت من شرّها ، وشرعت بكلّ بساطة وارتياح في تفريغ صدري من هذه الطاقة الشعوريّة المفعمة بالأحاسيس المنتقمة من الواقع :
    تبغاه لو حتّى عيونه كفيفـــه
    ........ لو انّه حمـارٍ وابو جدّه حمـار !

    ( 10 )


    ماذا عن الحمار الأخير ؟!
    وصلنا إلى آخر الحمير ، وهو – للحقّ – حمارٌ فيلسوف ؛ عاصر الحمير المتنكّرة في جلود وأردية أهل السفسطة والتمنطق ، أولئك الذين حكم لهم الواقع بامتطائه و"أخوته" من أبناء جدّهم حمار الحكيم توما ، ولأنّ الابن يرث جدّه ، فقد ورث الحمارُ الحمارَ ، وورث صاحبُ الحمار المتأخّر صاحبَ الحمار المتقدم ! ، ولاتزال بنو الحمير تطالب بني البشر ممّن هم من سلالة توما بحلّ معادلة الركوب المعقّدة ، التي ورثوها من جدّهم السابق :
    قال حمار الحكيم توما
    .... لو أنصف الدهر كنتُ أركب!
    لأنّني جاهـلٌ بســيطٌ
    .... وصـاحبي جاهــلٌ مـركّب !!
    ورغم اختلافي مع بعض نصّ الوثيقة ، في تهمتها للدهر ! على عادة شعرائنا وأدبائنا من بني البشر ، إلاّ أنني أرى أنّ حقّ الركوب مشروعٌ للحمير هذه الأيّام ، فالحمار أحقُّ بالركوب من صاحبه الذي لايدري ولايدري أنّه لا يدري ، وهو – أي الحمار – ( ما ألذّ مفردة الحمار في زماننا ! ) أحقُّ بالركوب من صاحبه الذي يطلّ على النّاس من ( زاوية ) العولمة الجديدة ليعولم العالم كلّه ويجمعه على ثقافةٍ واحدةٍ تقرأ السطور بنظّارةٍ أمريكيّةٍ عوراء !
    وهو – أي الحمار- أحقّ من صاحبه الذي يلبس جلداً غير جلده وينسى أنّه :
    مادام يصحب كلَّ شيءٍ صوته
    ...... هيهات يخفي ( العير ) جـلدُ ( جبان ) !!
    ..هل لاحظتم ؟!
    هذه المرّة : الأنَفَـــةُ للحمار ! إذ لا يليق به هذا الموضع في السياق !
    أجل ، إنّه زمن الحمير : يا بشــــرررر!!
    أين الصارخ في البدء : لقد ذهب الحمار ؟! هل ذهب هو الآخر ؟
    إذاً سجّلوا بلغة العصر: لقد ذهبوا وقــد رجــع الحمــارُ !



    ملطوووووووووووووووووووووووووووش:D
    [/color]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-07-03
  3. YamanY

    YamanY عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-29
    المشاركات:
    2,301
    الإعجاب :
    0
    [color=CC0033]موضوع حلو مثلك يا منسي[/color]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-07-03
  5. المنسـي

    المنسـي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    49,862
    الإعجاب :
    4


    [color=CC0033]اقطع يدي انك ما قرات منها كلمة :D[/color]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-07-03
  7. الزعيم

    الزعيم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-10-04
    المشاركات:
    3,053
    الإعجاب :
    0
    تصدق يا منسي قرأت كل الارقام الموجوده فقط :)
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-07-03
  9. المنسـي

    المنسـي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    49,862
    الإعجاب :
    4


    [color=CC0033]انت عادي قدحنا متعودين عليك :D


    مستر مطنش :D
    [/color]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-07-03
  11. بسيم الجناني

    بسيم الجناني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-16
    المشاركات:
    10,620
    الإعجاب :
    0


    هههههههههههههههههههههههههههه

    حلوة
     

مشاركة هذه الصفحة