أقسمت أن أروي

الكاتب : سحابه صمت   المشاهدات : 463   الردود : 2    ‏2004-07-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-02
  1. سحابه صمت

    سحابه صمت قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-24
    المشاركات:
    13,628
    الإعجاب :
    0
    حكامنا ليس عندهم الا الوحشية والعبودية والمذلة.. تجار الضجيج باعة السراب .. صناع العذاب..
    " يوسف معكرون"

    احذروا يا أهل فلسطين: مبارك أقوى من شارون وبوش وبوتن!!
    المملكة السعودية لم تعد عربية والجزيرة العربية لم تعد سعودية!!..
    أقسمت أن أروي
    مهزلة الاغتيال تكرار لتمثيلية المنشية
    حكاية لقاء لم يتم مع ولي العهد السعودي..
    رسالة أخيرة للرئيس مبارك..

    بقلم د محمد عباس
    mohamadabbas.net


    ما أشد الألم الذي يفري القلب..

    وما أصعب الكتابة..

    تنوء الكلمات فتكبو كلما حاولتْ النهوض.. وتنزف الحروف وتسقط الجمل صرعى.. لا بسبب ضعف في خير لغة أنزلت للناس.. بل لأننا نستعمل الكلمات فيما لا يجوز لنا أن نستعملها فيه.. و لأننا نفعل ذلك فإننا نشعر بالعجز المطلق.. تماما كمن يستعمل الورق لقطع الحديد أو القلم للكتابة على الهواء أو من يحاول السير بقدميه على الماء أو أن يحلق بذراعيه في الفضاء...

    كيف أستعمل الكلمات للكتابة عن حكام لن تزحزحهم عن خياناتهم آلاف المقالات.. وهم لا يحتاجون إلى أي مقال.. بل إلى تضافر مجهود مباحث الأموال العامة ومباحث أمن الدولة والمخابرات وكوكبة أمينة من رجال الشرطة التي لم تتحول بعد إلى عصابات وقطاع طرق.. عصابات لم تتفرغ إلا للتعذيب وانتهاك الأعراض وقتل من يقول ربي الله... كوكبة شرطة فعلا تلقي القبض على هؤلاء الحكام دون أي انقلاب ولا قوانين استثنائية لتقديمهم إلى محاكم عادية لا أشك أن الحكم عليهم فيها سيكون بالإعدام.

    نعم..

    الإعدام قصاصا لمن قتلوهم دون وجه حق..

    والإعدام قصاصا لمن أعدمهم رجاله بعد إحالتهم إلى قضاة أمليت عليهم الأحكام..

    والإعدام تعزيرا على جرائم ارتكبوها لا يحيط بها الحصر..

    والإعدام حرابة على ترويعهم للأمة..

    والإعدام خيانة.. خيانة لم يحدث مثلها في التاريخ..

    خيانة الله ورسوله والمؤمنين..

    خيانة الأمة.. والدولة.. والوطن..

    العمالة المباشرة للأعداء الله والاتفاق معهم على هدم أركان الإسلام وابتداع إسلام مزر مهجور..

    والإعدام ردة.. نعم ردة عن لا إله إلا الله محمد رسول الله.. والولاء لأعداء الله والبراء من المسلمين.

    وقد قصدت أن يكون هذا الأخير في الكتابة رغم أنه الأول في المعنى..

    فهل تغني ملايين الصفحات عن ذلك.

    وهل تغني هذه المقالات عن مواجهة كلاب الشيطان حطب جهنم بوش ورامسيفيلد وتشيني وشارون وبلير أم أن موقفا جماعيا أو نصف جماعي أو ربع جماعي.. موقفا يقول فيه أي حاكم عربي: كلنا استشهاديون وأنتم مجرمون عنصريون لصوص سفلة ولن نستسلم أبدا وسنرضى بطرفين للمعادلة : ألف شهيد طاهر منا مقابل كل نافق نجس منكم.. وسنرى لمن تكون الغلبة..

    هل تغني المقالات؟..

    هل تشبع الكلمات جائعا..

    أو تروي المعاني عطشانا..

    أو ترد المقالات شرفا انتهك وعرضا اغتصب وكرامة تمزقت..

    هل تغني الكتابة..

    بل هل تنجح حتى في فضح ما يحدث..

    والإجابة كلا.. فلا هي تستطيع وسط الحصار فضحه.. ولا هي تستطيع بعد الفضح منعه..

    إنني لا أغمط الكتابة حقها.. وهي ضرورية إذا كان لها تأثير أو استجابة.. لكنها إن كانت بديلا عن الفعل لتبديد الطاقة .. أو للإيهام بأن الكاتب فعل ما عليه حين كتب وأن القارئ كذلك فإن الأمر كله لا يعدو التنفيس. . لينفجر التساؤل:

    - ما جدوى الكتابة؟..

    انظروا إلى العراق وكيف يُمزّق.. وكيف تضرب أقوى قوة في العالم بجحافل جيشها قبيلة هنا وعشيرة هناك كي تغير من موازين القوى فيتسنى لها أن تختار أشد الخونة خيانة.. وأكثر اللصوص سرقة.. و أكفر الكفار كفرا و أخسهم خسة.. و أكذبهم قولا.. و أفجرهم خصومة.. و أنذلهم تصرفا .. و أسوأهم خلقا.. و أبعدهم عن الإيمان بأي شئ إلا ذواتهم .. ليحكموا العراق..

    وليس مجرد أمريكا وبريطانيا وإسرائيل..

    بل إن لص البنوك أحمد شلبي هو الآخر كون جماعاته المسلحة لتغتال قيادات في المجتمع العراقي بغض النظر عن اتجاهاتها لتغيير موازين القوى..

    أحمد شلبي الذي يوجد مستنسخ منه الآن في كل عاصمة عربية ينتظر الوقت الذي يغتال فيه كبار المسئولين وضباط الأمن، تماما كما حدث لرجال السافاك والشاة في إيران.. حين قُتلوا و ألقيت جثثهم للكلاب.. ولست أدري كيف يفكر رجال الأمن في العالم العربي في هذا.. وإن كانوا باليقين كله قد فقدوا الخشية من الله.. أفلا يخشون مما يمكن أن يحدث لهم ولعائلاتهم في الدنيا.. على يد الشلبي المصري والسعودي والأردني.. الخ..

    نعم.. منتهى التعسف لتسليط الضوء في اتجاه وفرض التعتيم على اتجاه آخر.. وصناعة نجم من اللاشيء وقتل نجوم موجودة وقلب وقائع ونشر افتراءات ودحض حقائق وتلميع أقلام مأجورة وقصف أقلام مقهورة.. واستئجار صحف وإغلاق أخرى.. وكل ذلك من أجل صناعة وصياغة النخبة الحاكمة العميلة الجديدة..

    وذلك هو ما يحدث في العراق – وفي فلسطين أيضا - الآن تحت أبصارنا..

    وذلك بعينه ما حدث في أفغانستان بالأمس القريب..

    وهو بعينه ما حدث في الأمس البعيد على يد فرنسا في الجزائر ولبنان وعلى يد بريطانيا في مصر والهند والعراق و..و..و..

    وكان كل ذلك لتشكيل النخب الحاكمة بالنار والدم..

    بالكذب وبالخيانة..

    ذاك ما نراه الآن رأي العين.. يتحرك أمامنا ويتخلق ويتجسد..

    ألم نصرخ طيلة قرن على الأقل لكي نلمح أو نشير أو نثبت أن السلطة في العالم الإسلامي كله قد تكونت بنفس الطريقة..

    أقوى جيوش الصليبيين في العالم بمعونة اليهود هي التي رسمت الحدود وخلقت الدول واختارت الزعامات وشكلت الحكومات..

    في كل عالمنا الإسلامي..

    بلا استثناء..

    من علم ومن جهل..

    من أدرك ومن لم يدرك..

    من استمتع بالخيانة ومن قبلها غصبا.. ومن غرته الأماني فحاول أن يناور فنالوا منه وطرهم ثم سحقوه..

    الجميع بلا استثناء..

    هانحن أولاء نرى التجربة الحية تجيب وتؤكد تكشف وتفضح: كيف وصل هؤلاء الذين يحكموننا الآن إلى الحكم؟!..

    لقد وصلوا جميعا بنفس الطرق.. بلا استثناء..

    وتلك حقيقة يجب علينا أن نحسم أمرنا فيها كي نتوقف عن التفاخر بهذا أو التنابز بذاك ولندرك أن الحكام جميعا طينة واحدة..

    كل الحكام كذلك..

    مهما اختلفت المظاهر فكل الحكام كذلك..

    كلهم نبتوا في محاضن الصليبية والصهيونية..

    وعلى سبيل المثال .. فما من نظام عربي واحد وما من حكومة واحدة كان مشروعها الرئيسي مقاومة العدوان الصهيوني الصليبي على فلسطين..

    إنني لا أقول هذا انتقاما من نظام هنا أو تشفيا في حكومة هناك..

    ولكن الواقع الذي يجب أن نتجرعه مهما كانت مرارته هو أن الشرط الواضح الذي وضع أمام كل حكومة عربية بل و إسلامية بلا استثناء كثمن لاستمرارها في الحكم كان:

    1- لا للإسلام.

    2- لا للشيوعية.

    3- البترول خط أحمر.

    4- أمن إسرائيل خط أحمر.

    ولقد قبلت كل الحكومات هذه الشروط منذ البداية..

    نعم منذ البداية..

    وما خيبة الأمل الهائلة التي تسحق الأمة الآن إلا بسبب تأخرها في اكتشاف الخيانة نصف قرن أو يزيد.

    إن ما أرجوه من القارئ ألا يخدع نفسه..

    كانت هذه الشروط هي شروط بريطانيا والدول الأوروبية على كمال أتاتورك كي يسمحوا له بالحكم..

    وكانت ذات الشروط على الملك عبد العزيز..

    وعلى جمال عبد الناصر..

    و..

    و..

    و..

    ***

    جملة اعتراضية قصيرة: - بالنسبة للشيوعية بالذات لعب بها الغرب بمهارة، فقد كان ضروريا لكي يعرف العالم العربي بشاعة الشيوعية أن تكون بعض دوله شيوعية، وأن تشتبك مع غيرها لاستنزاف الطرفين، بل وكانت المخابرات الأمريكية هي التي تنفق على مؤتمرات الشيوعيين ورائدات تعهير المرأة-.

    وأكرر.. كل الحكومات العربية بلا استثناء قد قبلت هذه الشروط منذ أكثر من نصف قرن..

    و أكرر:

    على رأس هذه الحكومات حكومة المملكة السعودية والحكومة المصرية قبل الثورة وبعدها.. بل لقد أصبح واضحا الآن ومكشوفا أن المخابرات الأمريكية – كيرميت روزفيلت ومايلز كوبلاند – قد شجعت انقلاب 23 يوليو لأن حكومة الملك والأحزاب كانت أضعف من أن تلتزم بالشروط الأربعة.

    ***

    الصدمة التي تعانيها الأمة الآن أنها خدعت طيلة الحقب الماضية.. وظنت أن ما ألمّ بحكامها هو العجز لا التواطؤ، والقصور لا الخيانة، و أنها حين تكتشف حقيقة ما جرى إنما تكتشفه بعد أن تيقن الآخرون أنه لم يعد لاكتشافها قيمة.

    ***

    نعم..

    ماذا يفيدك الآن أن تكتشف اسم من قتل جدك.. ومن سلب شرف عمتك.. ومن سرق أرض أبيك..

    ضاعت العلامات وضاعت الطرق..

    وضاع الحق..

    ضاع لأن من كان عليهم المطالبة به تواطئوا مع الأعداء ضد الأمة..

    أما رجال الأمة فقد خُدعوا فانخدعوا.. وكُذِبوا فصدّقوا..

    وعندما اكتشفوا الحقيقة كان الوقت قد فات لعمل أي شئ..

    وكانت الشتلات تترعرع في تربية الخيانة لا يرويها إلا الحرام والدنس.

    ***

    نعم كل الحكومات العربية قد تربت وزرعت شتلاتها في محاضن الصليبية الصهيونية..

    وليس الحكومات فقط ..

    بل كل النخبة الحاكمة..

    وفقدان هذه النظرة الشاملة هو الذي يسبب صدماتنا وانكسار آمالنا أملا بعد أمل.

    فقدان هذه النظرة الشاملة هي سبب الفجيعة في جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو..

    فقدان هذه النظرة الشاملة هي سبب الفجيعة في المملكة العربية السعودية.. بل إن مراجعة التاريخ لكشف موقف المملكة ضد عودة الخلافة كان كفيلا بألا نصدم لكننا نسينا..

    نعم ..

    فقدان هذه النظرة الشاملة هي سبب الفجيعة في باقي النظم العربية كلها..

    وفقدان هذه النظرة الشاملة هي سبب الفجيعة في الفرق بين المقال والأفعال في قضية فلسطين..

    و فقدان هذه النظرة الشاملة هي سبب صدمة حدثت لي شخصيا منذ عامين ونصف العام يختلط فيها الهزل بالجد والمحزن بالمضحك.. هذه الصدمة تتعلق بمشروع لقاء لم يتم مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله.

    وبرغم أن اللقاء لم يتم، إلا أنني أوصلت إليه ما أريد قوله عن طريق أحد معاونيه المقربين.. الذي جاءني يعتذر باسم ولي العهد عن طلب اللقاء لانشغاله الشديد في لقاء ضيوف أجانب.. وفيما بعد.. كي يكتمل التناقض .. ويتسع الخرق.. اكتشفت أنه يوم اعتذر عن لقائي.. و التي كنت أزمع فيها مطالبته بإعلان الجهاد ولو بدون معارك بالطريقة الذكية للخليفة المظلوم السلطان عبد الحميد.. كنت أزمع ذلك.. وكان جلالته.. يلقي بآخر ثمالة للقضية .. إذ كان في نفس اليوم يجتمع ب: "فريدمان".. تمهيدا لإطلاق مبادرته المشئومة التي قدمها إلى مؤتمر قمة بيروت..

    خلاصة ما قلته للمعاون أن المملكة في خطر شديد و أنها مستهدفة للتفتيت.. ليس بسبب أحداث 11 سبتمبر .. ب.. و أنها إن استسلمت ستتفتت.. و إن قاومت ستتفتت.. وليس أمامها سوي سبيل واحد.. هو إعلان الجهاد.. أن يحتمي الأمير بالسعوديين.. و أن يحتمي السعوديون بأهل الجزيرة.. و أن يحتمي أهل الجزيرة بالعرب.. و أن يحتمي العرب بالمسلمين.. وأن يقدم المسلمون للعالم ما افتقده.. الضمير والأخلاق والمعاملة.

    سوف نعود إلى التفاصيل في أجزاء تالية من هذا المقال..

    ***

    وعندما علم المحيطون بما فعلت كانوا بين مشفق ومرتعب حتى أن عددا منهم قاطعني خوفا من أنني سأكون تحت مراقبة شديدة.

    البعض الآخر لامني بشدة متسائلا عما دفعني لهذا.. وقلت لهم أظنه أفضل الأمراء السعوديين بعد الملك فيصل.. وكان رأي معظمهم على النقيض تماما من ذلك..بل عبر بعضهم عن دهشته الشديدة لأنني لا أعرف ذلك.

    كنت أظنه أفضل الأمراء.. رغم مجموعة من القواعد الذهبية وضعتها لنفسي لا تكاد تخيب.. من هذه القواعد أن حكامنا : ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أسوأهما.. و أن كل حاكم أسوأ من سابقة.. و أنه لم يعد يتغلب واحد من النخبة الحاكمة على رفاقه إلا لأنه أشد خسة وحقارة ودناءة وخداعا ونفاقا ونكثا بالعهد.

    ***

    إنني أنبه القارئ أنني في هذا المقال أترك لتداعي الأفكار الحر أن يأخذ مداه.. لا ليفقد المقال تماسكه.. بل على العكس.. ليترابط أكثر و أكثر.. لأنه لا يمكن – على سبيل المثال فهم موقف المملكة السعودية من أفغانستان إلا في ضوء تنصل الملك عبد العزيز من الخلافة.. ولا يمكن فهم موقف مبارك من المسلمين إلا في ضوء الاتفاق المبرم بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية:

    لا للإسلام

    لا للشيوعية

    لا لتهديد إسرائيل..

    النفط خط أحمر..

    ثم افعل بعد ذلك ما شئت..

    وصدّقهم الطاغوت وصدَقهم.. فنالوا منه وطرهم.. ثم انقلبوا عليه.. وسحقوه بعد أن تمكن – لا غفر الله له - من إحداث تحول حاسم في موقف الجماهير .. تحول وضع فيه الغشاوة على أعين الأمة فحجب عنها الإسلام الحقيقي وقدم لها مسوخا باسم الإسلام.. ولست أدعي براءة الأمة.. فهذه الأمة ذاتها هي التي سمحت للمقامر السكير المجاهر بترك الصلاة والصوم: سعد زغلول بقيادتها.. وهذه الأمة هي التي سمحت للملك عبد العزيز أن يقدم شكل دولة الإسلام بلا جوهر الإسلام وبلا سنامه ويتنصل من الخلافة ومسئولياتها.. وهذه الأمة هي التي سمحت أيضا لمرتدين وشواذ ومجانين وخونة أن يحكموها..

    سمحت.. وما تزال..

    وإنني هنا أعود إلى حادث المنشية المبتدع لتقديم عبد الناصر كنجم بعد أن تهاوت سمعته ( والقارئ يذكر أنه في يوم الحادث نفسه كانت الجماهير في صوان الاحتفال تهتف ضده إلى أن أخرجهم الأمن ووضع مكانهم جماهير تتبعه (- عمال مديرية التحرير)..

    أعود إليه..

    و أذكر القارئ أنني حذرت من تكرار ذات الأمر في المملكة العربية السعودية..

    ولست أدافع عن القذافي عليه من الله ما يستحق.. بل لعل بغضي له يزيد عن حكام العرب جميعا.. فموقع الرجل الإليكتروني يجهر بالكفر.. كما أن فتوى الشيخ بن باز تدمغه به.. ودعنا الآن من درجة الجنون أو الحماقة أو الخيانة أو تدمير الأمة أو الخسة والحقارة والدناءة والخداع والنفاق ونكث العهد..

    دعنا من كل ذلك الآن – ولا تثريب .. فالولايات المتحدة راضية وسعيدة بكل ذلك-..

    دعنا منه..

    لأننا هنا نتصدى لأمر آخر: وهو اتهامه بتدبير مؤامرة اغتيال ولي العهد السعودي.. نتصدى لهذا الأمر ليس بمجرد النفي بل بالسخرية والازدراء والمرارة..

    لا لأن الرجل أحكم أو أعقل من أن يفعل ذلك أو لأن دينه يردعه وخلقه يمنعه..

    لا.. ليس الأمر أيا من ذلك..

    فالرجل قرر منذ زمن أن يترك عبادة الله إلى عبادة الأمريكان.. و أشك أنه عبد الله في أي يوم..

    وهو يدرك قدر الأمير عبد الله عندهم..

    فلا يمكن أن يمسه بسوء ( إلا إذا أمره الأمريكيون بذلك).

    فرية الاغتيال إذن تخضع لنفس ظروف حادث المنشية..

    أمير أو ولي عهد أو ملك تدنت شعبيته وافتضح عجزه ويلزمه تدبير حادث يشعل تعاطف الجماهير معه ويعيد إليه شعبيته.

    ***

    نعود إلى موضوع الدعوة..

    كان ذلك منذ عامين ونصف العام، حين فوجئت بالملحق الثقافي في السفارة السعودية في القاهرة يعرفني بنفسه و يدعوني لحضور احتفالات الجنادرية.

    في الأحوال العادية أعتذر عن مثل هذه الدعوات، عزوفا، وتعففا، وحياء، وزهدا، وترفعا، و أحيانا اشمئزازا.

    لكن كلمة "الدعوة" كان لها وقع رهيب في أذني.. وقع لا يتعلق بهذه الدعوة بالذات، ولا بالجنادرية، وإنما يعود إلى ربع قرن مضى، حيث آخر عهدي بالجزيرة العربية، بعد زيارة السادات للقدس، في عام 1977. وكنت قد عملت هناك خمسة أعوام – كطبيب- حيث عاصرت الفترة الأخيرة من حكم الملك فيصل، الحاكم العربي الوحيد الذي يستحق في نهاياته الاحترام ( ولست غافلا عن موبقات البدايات).

    وفي عودتي تلك، منذ أكثر من ربع قرن، كنت ثائرا وحزينا، وكنت أدرك أن القشرة الظاهرية للحكم الإسلامي في شبه الجزيرة إنما هي تخدير للعالم الإسلامي، تخدير يصرفه عن السعي إلى وحدة حقيقية للأمة الإسلامية، بل وشرعت في ذلك الوقت في كتابة كتاب لم أتمه، وكان عنوانه: دور المملكة السعودية في هدم الأمن الإسلامي.

    كنت مستفزا بالفارق بين الواقع والمثال.. وكنت غاضبا لأن الدولة التي تحوي قبلة المسلمين تجعل من المسلمين فيها مواطنين من الدرجة الثانية.. وكان معروفا أن المواطن الأول في المملكة السعودية ( أحذف كلمة "العربية" عامدا متعمدا.. فالمملكة السعودية لم تعد عربية كما أن الجزيرة العربية لم تعد سعودية) ..أقول أن المواطن الأول هناك هو من يحمل الجنسية الأمريكية، والمواطن الثاني هم أفراد العائلة المالكة، والمواطن الثالث هم الأوروبيون، والمواطن الرابع هم العراقيون ( كان للعراق مهابة شديدة آنذاك للدرجة التي كانت الأخبار تتناقل أن السفير العراقي لا يدخل على الأمير إلا بعد أن يدفع الباب بحذائه.. وهو إن حدث سوء أدب على أي حال) ثم يتلو ذلك باقي الجنسيات حتى القاع حيث المصريين فاليمنيين.

    كان هذا الوضع مستفزا، فالدولة التي عليها أن تكون النواة كي تجمع كانت تفرق..

    وكان لي لقاء أيامها مع فضيلة الشيخ الإمام محمد الغزالي في منزله بمكة المكرمة- حيث كان يعمل أيامها- فكشف لي الكثير من عيوب الحكام والأمراء وعلماء السلاطين.. مما زاد من غضبي.

    الحاصل أنني في ذلك الوقت وقعت في معصية عجيبة لا أملك لها تفسيرا، فقد أقسمت ألا أعود إلى هناك أبدا إلا مدعوا.. ( يخجلني أن أقول ذلك، لكنه ما حدث) وقد كان علىّ أن أحنث بقسمي و أكفر عن حنثي ، لكنني لم أفعل، ولست أدري كيف احتمل القلب الصدئ أن يمكث ربع قرن دون اكتحال بمرأى الكعبة وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم..

    وبررت بقسمي.. وطيلة ربع قرن لم توجه إلىّ دعوة – لم أكن في الواقع أتصورها أبدا-.. لكنها في نفس الوقت لم تغب عن ذاكرتي يوما واحدا.. كانت كما وصف الحسن البصري رضي الله عنه الموت: يقين لا شك فيه شبيه بشك لا يقين فيه.

    كان الأمر أشبه بحلم يقظة لا ينفك أبدا.. ولا يحدث أبدا.. ولا يُنسى أبدا..

    حلم يقظة من نوع تلك الأحلام التي تتسلط علىّ أعواما وراء أعوام.. تحركها وتحددها صروف الزمن.. فمن حلم يقظة أملك فيه قنبلة نووية أهدد بها الغرب الفاجر فأراه يبتلع وحشيته وخسته ويعود إلى ادعاء الرقة والإنسانية.. إلى حلم آخر أكون فيه حيث الحجر يقول يا مسلم خلفي يهودي فاقتله فأذهب و أقتله.. إلى حلم ثالث أعاصر فيه عودة دولة الخلافة الراشدة .. ثم يأتي زمن تنكمش فيه حتى الأحلام ليقتصر الأمر على رغبة مشبوبة في رصاصة في جبهة الدجال بوش.. أو قنبلة تمزق الخنزير رامسيفيلد.. أو لهيبا يحرق كلب الشيطان شارون.. أو بئرا للدنس يغرق فيها نصف الرجل بلير.

    اجتمع النقيضان..

    ربع قرن لم أتصور فيها أن توجه إلىّ دعوة..

    وأيضا.. ربع قرن لم أتصور ألا توجه إلىّ دعوه..!!

    وربع قرن لم أنس فيها قط موضوع الدعوة..

    وطيلة ربع القرن لم أذهب..

    لذلك..

    عندما تلفظ الملحق الثقافي بكلمة "دعوة" أحسست بمس الصاعقة..

    ما أكرمك وما أحلمك..

    ما أكرمك و ما أحلمك ..

    ما أكرمك وما أحلمك..

    ومن أكون أنا حتى تبر بقسمي..

    سبحانك.. جل وعلا شانك..

    ***

    ربما، لولا تلك الخلفية لاعتذرت على الفور..

    لكنني أدركت أنها الدعوة التي طلبتها..

    تمالكت نفسي و أنا من الروع في غاية، وقلت للملحق:

    - أظن أن هناك خطأ في الاسم و أنكم لا تقصدونني.. إنني غير منضم لأي عصابة من عصابات أشباه المثقفين .. لست دجالا ولا مشعوذا ولا حامل مبخرة، ولا أنا منافق ، وليس لدي شك أن كل الذين يسمح لهم بأي درجة من درجات الظهور لابد أن يكون منتميا بشكل أو بآخر إلى هذه العصابات. ثم أنني أنبهك من البداية لشيء هام.. وهو أني قلمي غير معروض للبيع بأي ثمن.

    ورد الرجل بأنه متأكد من الاسم ومن الدعوة.. فعدت أقول له:

    - إنني لست معارضا لنظام الحكم في مصر فقط.. بل إن معارضتي لنظامكم لا تقل عنفا.. و آرائي في حكامنا وحكامكم منشورة.. أنا لا أرفض الدعوة.. بل إنني أسعد بها كثيرا لغير السبب الذي قد يخطر ببالك.. لكنني في نفس الوقت لا أريد أن أذهب لأكتشف أنني دعيت على سبيل الخطأ و أن المقصود كان سواي.

    وبدا أن الرجل بدأ يفقد ثقته، فراح يراجع معي بياناتي، وكانت صحيحة، إلا أنني عاجلته بالقول:

    - أحد كتبي الهامة: " إني أرى الملك عاريا" .. ولم أكن أقصد مليكنا فقط!!..

    وهنا فقد الرجل يقينه وتزلزل فقال متلعثما:

    - أمهلني ثلاثة أيام أعود فيها إلى الرياض لأستوثق.

    و أمهلته .. وتذكرت ما حدث من اعتذارات متعددة كان أحدها اعتذارا عن لقاء الرئيس مبارك.

    فمنذ عشرة أعوام، كنت أكتب سلسلة من المقالات في صحيفة الشعب المصرية، والتي لم تكن قد صودرت بسيف الطاغوت بعد، الطاغوت الذي ما يزال يفخر بأنه لم يقصف قلما ولم يصادر صحيفة!! .. وكان عنوان المقالات: "من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك".. ( وقد نشرت بعد ذلك في كتاب).. وجاء – من جهاز سيادي من يعدني بلقاء مع الرئيس في اليوم التالي بشرط التوقف عن سلسلة المقالات فاعتذرت.

    ***

    بعد ثلاثة أيام عاد الملحق الثقافي ليخبرني أنه استوثق من أنني المقصود بالدعوة. وسألني إن كان لي مطالب خاصة فأجبته أن لي مطلبان : أولهما إتاحة أداء العمرة وزيارة المدينة المنورة فأجاب أن ذلك بند ثابت في برنامج الدعوة لجميع المسلمين من ضيوف المؤتمر . وسألني عن مطلبي الثاني فقلت له:

    - أطلب تدبير لقاء مع الأمير عبد الله.

    واعتذر الرجل أن الوقت الضيق لن يتيح له أمرا كهذا و أنني يمكن أن أدبره مع سكرتارية المؤتمر في الرياض، ثم استحثني لإرسال الأوراق إليه لبدء الدعوة.

    ***

    الدعوة..

    ***

    من تابع مقالاتي القديمة أو كتبي الأولى سيتذكر أنني ذهبت إلى المملكة العربية السعودية في أوائل عام 73 في ظرف غريب ، حين رأيت رؤيا كان فيها من يخبرني بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مستاء لأنني لم أذهب، و أجبت في الرؤيا و أنا من الفزع والدهشة في غاية: لكنه لم يطلبني، فأجابني بإجابة لما أكد أفهم معناها.. كانت الإجابة : "فرق بين الطالب والمطلوب"..

    ***

    هل كان المعنى أنني أقل من أن أكون مطلوبا فعلى أن أحرص على أن أكون طالبا..

    هل يعني أن علىّ أداء واجب محدد في الدفاع عن قضية : "لا إله إلا الله محمد رسول الله".. و أنني مطلوب من أجله..

    لكن شأني أقل من ذلك و أهون..

    لم أفهم حينها.. ومر ثلاثون عاما.. لتجئ الدعوة الجديدة بعد قسم كان علىّ أن أحنث فيه..

    لماذا نسيت أنى طالب لا مطلوب؟..

    لماذا ابتعدت..

    لماذا ابتعدت ربع قرن..

    نعم

    كنت بعيدا.. وأظنني قريبا..

    فلما اقتربت اكتشفت كم أنا بعيد..

    وكلما اقتربت ابتعدت..

    أقترب فأبتعد.. أقترب فأبتعد.. أقترب فأبتعد.. حتى لتمر علىّ أوقات أوقن فيها بالهلاك.. ولم أكن كغريق يرده الموج إلى الأعماق كلما اجتهد وجاهد كي يقترب من الشاطئ.. بل كنت رغم ما أظنه اجتهادا وجهادا أكتشف أن الشاطئ لم يكن قريبا أبدا..كان الخطأ خطئي.. وقد ضللت الطريق.. وكان الأمان بعيدا.. ورحت أنا الأحمق أخيل لنفسي – ربما كي أنشد الاطمئنان – أنه قريب.. كان الخيال خيالي.. و لكنني كنت دائما بعيدا.. وكان البعد – فوق خطورته - ذنبي لا ذنب سواي.. وكانت المسافة فوق قدرتي على الاجتياز.. وكنت نملة صغيرة حقيرة تافهة قد تسحقها في أي لحظة قدم أوتطيرها نسمة ريح.. وكان على النملة اجتياز قفار وراءها قفار ولم يكن أمامها أي أمل إلا أن يتغمدها الله برحمته وعونه.

    نعم..

    كنت كلما ظننت الاقتراب أكتشف أن البعد أكثر مما تصورت..

    كنت كالأعمى الذي لا يرى الحفرة إلا بعد أن يقع فيها..

    أو كالأعشى الذي يخدعه بصره الضعيف فيحسب أن الهاوية أمامه ضحلة الأغوار.. فكلما قوي بصره واشتد اكتشف أنها بلا قرار..

    وكنت كالجاهل الذي ظن أنه يستطيع أن يرقى إلى السماء بسلم..

    أو كالأبله الذي راح يمد أصابعه كي يمسك بها القمر..

    وكلما حددت البصر غامت الرؤية..

    وكلما تلمست الأمن زاد الخوف.. أو نشدت الاطمئنان زاد الرعب..

    وكلما علمت أكثر جهلت أكثر.. فرحت آسى على إيمان المساكين..

    وطفقت أدرك كل يوم أكثر من كل يوم أن الأمر جد لا هزل..

    جد لا هزل..

    جد لا هزل..

    ***

    بعد الحرب الفاجرة الكافرة على العراق عام 91 كنت قد أدركت عمق الهاوية، كشفتها لي رحمة الله الذي هداني لقراءة محمود شاكر ومصطفى صادق الرافعي ومحمد قطب وسيد الشهداء في زماننا – بإذن الله – سيد قطب.. و أيضا على عزت بيجوفيتش ومحمد أسد والمودودي.. وعشرات وعشرات .. ولقد غسل هؤلاء نتاج ربع قرن من الثقافة الصحيحة التي اختلطت بالثقافة المزيفة تحت وهم الموضوعية والانفتاح على الثقافات والحضارات.

    وكنت حينذاك.. في بداية التسعينات أتمثل قول الشهيد العظيم سيد قطب في كتابه " معالم في الطريق" أثاب الله قائله ولعن قاتله:

    " إن حكاية فصل " العلم " عن " صاحب العلم " لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني ، والأوضاع ، والقيم ، والأخلاق ، والعادات ، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه من هذه النواحي .

    إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم عن غير المسلم ، أو عن غير التقي من المسلمين ، في علم الكيمياء البحتة ، أو الطبيعة ، أو الفلك ، أو الطب ، أو الصناعة ، أو الزراعة ، أو الأعمال الإدارية والكتابية .. وأمثالها . وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله ، كما هو واقع من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم ، الناشئ من بُعْدِهم عن دينهم ومنهجهم وعن التصور الإسلامي لمقتضيات الخلافة في الأرض - بإذن الله - وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والخبرات والمهارات المختلفة .. ولكنه لا يتسامح في أن يتلقى أصول عقيدته ، ولا مقومات تصوره ، ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه ، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه ، ولا مذهب مجتمعه ، ولا نظام حكمه ، ولا منهج سياسته ، ولا موجبات فنه وأدبه وتعبيره … إلخ ، من مصادر غير إسلامية ، ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه في شيءٍ من هذا كله.

    إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة . كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع فـي معظم حقول المعرفة الإنسانية .. ما هو من تخصصه وما هو مـن هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره . فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره . فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها ، وعلى انحرافها ، وعلى ضآلتها ، وعلى قزامتها … وعلى جعجعتها وانتفاشها ، وعلى غرورها وادعائها كذلك !!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي !!!

    ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديه .. إن الأمر أكبر من أن يفتى فيه بالرأي.. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه ، إنما هو قول الله – سبحانه - وقول نبيه صلى الله عليه وسلم .. نحكِّمه في هذا الشأن ، ونرجع فيه إلى الله والرسول ، كما يرجع الذين آمنوا إلى الله والرسول فيما يختلفون فيه .

    يقول الله - سبحانه - عن الهدف النهائي لليهود والنصارى فـي شأن المسلمين بصفة عامة :

    { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } … [ البقرة : 109 ] .

    { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } ... [ البقرة : 120 ]

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } ... [ آل عمران : 100 ]

    ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر - رضي الله عنهم :

    " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حلَّ له أن يتبعني " .

    وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه ، يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية ، أو التاريخ الاسلامي ، أو التوجيه في نظام المجتمـع المسلم ، أو فـي سياسته أو اقتصاده ، أو يقصدون إلى خير ، أو إلى هدى ، أو إلى نور … والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس - بعد تقرير الله سبحانه - إنما هم الغافلون !".

    ***

    مع الشهيد سيد قطب .. أتمني أن أتوقف عن كتابة مقالي لأواصل نقل كتابه لكم يا قراء..

    ولاحظوا أنني بدأت الكتابة المركزة عن الشهيد العظيم منذ ستة شهور وسط ظلام تعتيم لا يبدو له صبح..

    ومن ذلك الحين انطلقت كلاب الصيد المدربة لمواجهة أي تأثير لأي كلمة حق تقال في الشهيد العظيم..

    سنتجاوز سريعا عن محاولات قناة الجزيرة..

    ولكننا نركز على صلاح عيسي في صحيفة القاهرة..

    صلاح عيسي .. صياد المياه العكرة.. وصاحب باقة الشيطان المهاجمة للشيطان كلما هلك منهم واحد أتي بمن يحل محله..

    صلاح عيسي الذي يتحدث الكاتب المتميز محمد إبراهيم مبروك عنه فيقول: " ولكن منذ عامين فقط أدرك الماركسي القديم الأستاذ صلاح عيسى بذكاء لا يحسد عليه مدى ما يمكن حصده من ثمار خلال توظيف جمال البنا لتوجهات التيار العلماني الذي ينتمي إليه. ليس فقط استغلالا لاسم الرجل الذي يرتبط بأخوته للإمام حسن البنا أو حتى لصفة المفكر الإسلامي الملتصقة به. ولكن وقبل كل ذلك لأنه فهم مشكلة الرجل ومن هنا أتاح له الفرصة عبر صحيفته "القاهرة" أن يقول كل ما يريده، بل وكل ما يريده صلاح عيسى أيضا. وحتى إلى هذا الحد فليست هناك مشكلة ذات بال. فالجريدة تكاد تكون حكرا على العلمانيين وأما توزيعها فحدث عنه ولا حرج[1]. وبعض الإسلاميين الذين كانت تفزعهم آراء وفتاوى البنا في أول الأمر سريعا ما صاروا يقرؤونها من باب الطرائف والعجائب ولكن يبدو أن هذا الأمر ذاته أثار غضب الأستاذ البنا وعناده فقرر أن يعلن في الآونة الأخيرة عن أفكار أشد حدة وإثارة مثل كون الإسلام دينا علمانيا وانه ليس دينا ودولة وبطلان الجهاد في الإسلام وأن الحضارة الأمريكية حضارة رائعة رغم لوثاتها وأن على المسلمين أن يطوروا عقائدهم ومناهجهم الدينية استجابة لطلب بوش والإدارة الأمريكية. وبذلك حقق للتيار العلماني وللقوى التي يخدمها أكثر مما يريدون."

    ثم يواصل الأستاذ مبروك فضحه للاثنين:

    " ومن ثم فمن غير المعقول مطالبة الناس بالتخلي عن إيمانهم ذاته إرضاء للغرب وإن كان هذا يرضي أشد الرضا دعاة العلمانية عندنا ومن هنا كان التقاء الهدف بينهم وبين الأمريكيين. ولهذا ينشط أمثال جمال البنا في الدعوة للاستجابة لمطالب الأمريكيين في تغيير المناهج الدينية ويعلن الرجل للإسلاميين أنه ليس أمامهم الآن سوى قبول دعوته لما يقدمه لهم من إسلام بلا إسلام. أي إسلام بلا قواعد ولا شرائع ولا أحكام بل مجرد بعض الشعائر بحسب المزاج والطلب.. ومن ثم فإنه يرى أن المعترضين على هذا الطلب الأمريكي "لن يعسر عليهم أن يأتونا بنصوص من أقوال الفقهاء توقع عقوبة الموت على المرتد وتقرر مصادرة كل فكر مختلف.. ولن يعسر عليهم أن يقدموا نصوصا عن دونية المرأة وفرضية الحجاب عليها وتحريم المناصب العليا.. أما الحدود من قطع يد السارق ورجم الزاني فإنها بالطبع ستكون في صدارة ما يقدمون" (القاهرة: 10 سبتمبر 2002). والدليل على أنه يعلن للإسلاميين بل للمسلمين عامة أنهم ليس لهم سوى قبول ما يتفضل علينا به من إسلامه العجيب هو أننا لن نستطيع الدفاع عن أنفسنا تجاه الأمريكيين لأن ما يعترضون عليه "هو بالفعل أقوال أئمة المذاهب وفقهاء السلف الصالح فإذا أعادته المؤسسات الدينية فإن ذلك سيكون مصداقا لاتهامات الأمريكيين وهذا هو المأزق الذي سيجد فقهاؤنا أنفسهم فيه وكانوا في غنى عنه ومخلص منه لو" وأقف هنا وأقول : لو ماذا؟ لو ألغينا عقولنا واعتقدنا أن الإسلام الذي يقدمه جمال البنا ومن يقف وراءه من غلاة العلمانيين الحاقدين له أدنى علاقة بالإسلام. ذلك الإسلام الذي بلا تفسير ولا سنة ولا قواعد للحكم ولا جهاد في سبيل الله ولا حد ردة ولا حد زنى ولا حد سرقة ولا قصاص ولا حجاب ولا صلوات خمس وإنما صلاتان فقط ولا شعائر ذبح ولا شعائر ذكر ولا أي شيء على الإطلاق من قواعد الدين وأحكامه وهذا الذي يكمل به كلمة لو فيقول" لو أخذوا بما عرضناه مرارا وتكرارا وما سجلناه في "نحو فقه جديد" و"الإسلام وحرية الفكر وعشرات الكتب الأخرى" . وربما لو كان البنا قد أعلن عن علمانيته بوضوح لما أثار اهتمام أحد ولفات على العلمانيين ما يحققونه الآن من ثمار انتشار هذه الأفكار الشاذة. ولهذا انصب اهتمامنا هنا على تجريد أفكاره من تلك الصفة الإسلامية بوجه خاص وتقديم الأدلة والبراهين على ذلك ليكون التركيز على نفي هذه الصفة هي المهمة الأساسية لمن يواجهون بمثل تلك الأفكار من قبل بعض المدعين من العلمانيين استنادا على جمال البنا."[2]

    ***

    لا أملك إلا أن أضيف بعد كلمات مبروك القيمة أن الأزهر أصر تقريره عن كتابات جمال البنا الأخيرة بأنها إنكار للمعلوم من الدين بالضرورة و أنها كفر يوجب الاستتابة.

    ***

    كان جمال البنا أحد إبداعات صلاح عيسى الذي أطلق نكرة آخر يسود الصفحات تلو الصفحات في صحيفته يقول أن الإسراء كان للمدينة المنورة وأن لا علاقة له بالقدس الشريف و أن علينا أن نتركها لليهود بما فيها لتنتهي المشكلة!!..

    صلاح عيسى.. الشيوعي بالأمس.. والأمريكي اليوم.. والصهيوني غدا.. وعضو مجلس الحكم بعد غد..

    صلاح عيسى الذي أوجع قلوبنا ذات يوم بحديثه عن أنماط التعذيب الوحشية المجرمة التي عانى منها في سجون عبد الناصر.. أنماط التعذيب التي لم تكن تسمح لمعتقل إلا بالصراخ.. حين اجتاح طوفان الدنس الهادر الجيش والشرطة والنيابة والقضاء جميعا.. ولتتصوروا أن المجرم جمال سالم الذي كان يحاكم البطل الشهيد سيد قطب كان يقول:

    - لا يهمني أن تتزوج ابنتي يهوديا أو أمريكيا[3].

    صلاح عيسى انطلق أو أُطلق ليحاصر ما يمكن أن يكون قد تسرب من حصار الشيطان حول الشهيد العظيم فانطلق ليمارس نوعا مما أسميه:

    "الكتابة الفاسقة للتاريخ"..

    ذلك أنه ينشر الكذب بقلب بارد وبلا ضمير.. وتخيلوا معي أنه يجعل المرجع الذي يرجع إليه ويقيس عليه هو محاضر تحقيقات النيابة..

    سوف نتحدث يوما عن المستشار على جريشة الذي كتب يقول أن التعذيب الحيواني المجنون المجرم الذي تعرض له كان شديد الإيلام.. لكن ألمه كان أكثر حين استدعي للمرة الأولى أمام وكيل نيابة صغير السن ( وكان هو مستشارا) فوجده يدوس القانون بقدميه.. وللمرة الأولى رغم كل أنواع العذاب ينفجر المستشار في البكاء.. و أمام وكيل نيابة في عمر أبنائه..

    مثل هذا الوكيل هو ما يجعله صلاح عيسى مرجعا..

    ولقد حدثتكم عن المذيع حمدي قنديل حين كان يذهب إلى السجن الحربي ليحصل على تأييد من الإخوان للثورة.. وكان المعتقل يأتي من أمام وكيل النيابة أو الضابط نازف الجسد ممزق الروح من فرط العذاب بعد أن وعدهم بأن يقول ما يريدون كي يتخلص من التعذيب ولو لبرهة.. لكنه حين يذهب إلى حمدي قنديل يرفض أن ينطق بما يريدون فيصرخ حمدي قنديل:

    - تعالوا شيلوا القرف ده..

    وهو يقصد أن يأخذوه لمزيد من التعذيب كي يقول ما يريدون..

    تحت مثل هذا التعذيب يرص صلاح عيسى مراجعه..

    وغفر الله لحمدي قنديل جرائمه فقد اعترف بها و أبدى ندمه في أحد البرامج كما قال لي بعض من استمع إليه.

    وكان يمكن أن نعذر صلاح عيسى بالجهل.. وهو جاهل و لو علم.. و أن نفترض أنه من السذاجة بحيث يفترض النيابة في وضعها المتخيل المثالي لا في واقعها الوحشي الإجرامي الذي تحدثت عنه حيثيات أحكام نهائية.. أقول كان يمكن أن نعذره بالجهل.. وهو جاهل و لو علم.. لكنه هو بنفسه قد تعرض للتعذيب في الاعتقال كشيوعي.. وتعرض لبعض هذا التعذيب .. ويعلم كيف كان يدلي باعترافاته و أي نوع من وكلاء النيابة كان يتعامل معه.. ويعلم أكثر مما يعلم أي واحد آخر أن ما يكتبه وكيل النيابة منبت الصلة بالواقع. بل هو ما يمليه وكيل النيابة كي يحبك الأدلة المزورة ويحاصر بها الضحية، فهناك، كانت وما زالت الأحكام تصدر أولا، ثم تلفق لها التحريات المناسبة وتحقيقات النيابة التي تلف الحبل حول عنق المتهم.

    ***

    نعم..

    عذب صلاح عيسى مع الشيوعيين ورأي بعينيه و أحس.. ويعرف الحقيقة جيدا.. ومن شاء فليرجع إلى مقاله في كتابه مثقفون وعسكر: أضغاث أحلام..

    وهنا يجب أن نفرق بين تعذيب الإخوان المسلمين والوفديين والشيوعيين.

    كان تعذيب الوفديين هو الأخف.. إذ لم يكن الوفد يشكل منافسا حقيقيا للسلطة وكان المطلوب مجرد الترويع للابتعاد.. وبمجرد ممارسة القليل من العنف ضد موكب للنحاس باشا انسحب فورا من الحياة العامة.

    تعذيب الإخوان كان نوعا آخر.. كان هو الأعنف.. وكان يهدف ليس إلى الترويع كما حدث مع الوفديين.. بل إلى الاستئصال.. الاستئصال الكامل بالإبادة والإعدام والتحطيم النفسي.. ولم يكن من بداخل السجن هم المقصودون وحدهم .. بل كان المجتمع الواسع هو المستهدف أساسا .. كان المقصود أن يعرف المجتمع أن أي محاولة لاتباع الإسلام كما أراد الله له أن يكون سوف تقابل بهذا النوع من البطش الشديد.

    من السحق..

    والتعذيب حتى الموت..

    والتشهير..

    والإعدام الجسدي والمعنوي..

    ولقد ذكرت من قبل، مدى التأثير الهائل لهذا التعذيب، ولا نجحد فضل الذين صبروا، ولولا صبرهم لانتهت الدعوة لقرون، لكننا نتناول نوعا آخر لنرصد التأثير عليه، النوع الذي هُزم واستسلم، فالبعض قدم طلبا رسميا للتحول إلى النصرانية، والبعض الآخر، ومنهم واحد من قيادات خانت الدعوة مقابل أن تكون شاهد ملك ( في قضية 65)، هذه القيادة ترك الصلاة و أفطر في رمضان، بل وتحول – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – إلى شاذ جنسيا و أخذ يعلن ذلك كي يقنع أجهزة الأمن بصدق توبته.

    تعذيب الشيوعيين كان نوعا آخر..

    كان ترويضا..

    كانوا يعاملونهم كما تُعامل القرود..

    يضربونها بالسياط ثم يأمرونها بالرقص فترقص [4].

    نعم..

    كانوا يدربونهم كما تدرب حيوانات السيرك ليكونوا قادرين على أي فعل مهما بدا شذوذه أو نبت غرابته..

    كانت المشكلة مع الإخوان المسلمين هي مشكلة العقيدة.. كان ممتزجة في قلوب العديد منهم امتزاج الدم.. وكانت مغروسة في الجسد انغراس القلب والأحشاء.. بحيث لا يمكن انتزاع العقيدة قبل انتزاع الروح..

    هذه المشكلة لم تكن موجودة مع الشيوعيين ( وعندما أقول الشيوعيين فإنني أقصد المعنى الأوسع للعلمانيين جميعا ) .. كانوا بلا عقيدة.. وكان المطلوب هو تحويلهم إلى تلك القرود التي تضرب بالسياط لترقص.. كان المطلوب أن يقتنعوا بأن الحاكم هو ربهم الأعلى ولا رب لهم سواه.. وكان المطلوب هو القضاء على أي نوع من الكرامة الإنسانية داخل ذواتهم.. واستئصال أي إمكانية للاعتراض.. كان المطلوب أن يكونوا كلاب صيد شرسة يفعلون ما يفعلونه الآن تماما ..

    نعم..

    يفعلون ما يعلونه الآن من مطاردة وحصار أي توجه يعارض الحاكم.. ولا بأس أحيانا بتمثيل أدوار المعارضة..

    باختصار دخل العلمانيون إلى السجون وهم كافرون بالله..

    وخرجوا منه وقد كفروا بالإنسان أيضا..

    و أصبحوا لا يؤمنون إلا بالحاكم..

    هو الآمر الناهي..

    هو منبع الخطر والقوة..

    هو – أستغفر الله العظيم – يحيي ويميت..

    هو يعين ويفصل..

    هو يعذب ويعفو..

    فإذا كانوا لا يعرفون الله أصلا فلماذا لا يعبدون الحاكم إذن..

    لقد كان هذا جليا بحيث لا يكاد يحتاج إلى إثبات.. فبعد فترة الترويض.. خرجوا من السجن إلى المناصب القيادية ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله .. و إلى الآن..

    أما الأغرب فهي أن انتقالهم إلى المناصب القيادية لم يقتصر على عهد عبد الناصر فقط.. بل استمر في عهد نقيضه السادات.. كما استمر في عهد نقيضيهما مبارك.. والأغرب والأغرب أن ذلك لم يقتصر على مصر بل انتشر في العالم العربي كله.. وبصورة مذهلة.. ويكفي أن بلدا كالسعودية .. وهو آخر بلد كان المتصور فيه أن يوجد الصحافيون العلمانيون .. لم يكتف بمجرد الوجود بل انتقلوا إلى مرحلة السيطرة ثم حصار المسلمين.

    ***

    هل يتصور القراء على سبيل المثال أن تنشر الصحف السعودية غزلا وتشببا في ملحد سعودي مثل عبد الله القصيمي؟ ( وبالمناسبة فهو من أساتذة سيد القمني وخليل عبد الكريم وجمال البنا .. وكان من أساتذة خالد محمد خالد قبل أن يدركه الله برحمته فيتوب..)..

    يتبع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-07-02
  3. مـــتــــيــــم

    مـــتــــيــــم عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-02
    المشاركات:
    29
    الإعجاب :
    0
    اخي الكريم..... اليك التالي:-

    كما تكونوا يولي الله عليكم!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-07-03
  5. سحابه صمت

    سحابه صمت قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-24
    المشاركات:
    13,628
    الإعجاب :
    0
    نعم اخي!!
     

مشاركة هذه الصفحة