مع أإلى كتاب (جولات في سورة يوسف 1)

الكاتب : د. محمد ناجي   المشاهدات : 490   الردود : 0    ‏2004-07-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-02
  1. د. محمد ناجي

    د. محمد ناجي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-06-10
    المشاركات:
    22
    الإعجاب :
    0
    هيكلة المبحث أو فهرسة موضوعية:
    1. أثر العقيدة في العملية الإعلامية
    2. الفترة الحرجة التي نزلت فيها السورة
    3. قصة يوسف تمثل الأداء الفني الكامل
    4. قصة يوسف في فهرسة نوعية
    5. المردود الإعلامي للصبر الذي تضمنته السورة
    6. السورة تمثل صورة دقيقة من صور الإسلام الشامل
    7. التركيز على العلم
    8. رسمت الطريق الصحيح والمفاصلة من أجله
    9. التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعا بدعوته
    10. الانسجام بين المقدمة والنتيجة
    11. رسم الشخصيات



    1- أثر العقيدة في العملية الإعلامية:
    السورة الكريمة مكية بكاملها لا استثناء لآية منها على القول الراجح ( ) ومعلوم أن القرآن المكي ركز على العقيدة تركيزاً ينم عن مدى أهميتها في إصلاح النفس. ولا يهمنا هنا عرض الآيات التي وقع الاختلاف في مكيتها ، ومناقشة أدلة القائلين بذلك ، وإن كانت قليلة لأن الذي يعنينا هنا هو دراسة الأثر الإعلامي الذي يُحْدِثُه القرآن، المكي في ثنايا السور والآيات ؛ إنه يعالج النفس ببناء الركائز الأساسية فيها ، والتي تكون بمثابة الأرضية الصلبة التي لاتتأثر بالعوادي الهوج العاتية الواردة من قنوات الإعلام المضاد الصافية .
    ولقد عني القرآن المكي بهذه الناحية عنايةً فائقة لا يقدر قدرها إلا من تمعن القرآن وعايشه وتدبر مراميه من خلال جزالة ألفاظه ودقة أساليبه وكثرة تركيزه على كل دقيق وجليل فيها ونسبة القرآن المكي في القرآن هي النسبة الكبرى فيه مما يدل على خطورة هذا الجانب في الثبات على الحق مهما كانت الطريق طويلة وشاقة .
    عرض لأركان الإيمان فجلاها وأبرز ما هو غيبي حتى أضحى وكأنه مُشَاهد منظور ، وأبرز ما هو معنوي فكأنه ظاهر محسوس ، وحشد الأدلة والصور الحسية التشبيهية من واقع الناس لتقريب المراد بما هو معهود عندهم حتى لم يبق مزيد لمستزيد ولنأخذ مثلا لذلك قوله تعالى  وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم  ( ) الاستدلال بالبدء على الإعادة ، لأن البدء عند البشر أصعب ...والإعادة عندهم أيسر ، فالمادة متوفرة والخبرة مترسخة و هذا الأسلوب من باب مراعاة حال المخاطب ونزولاً إلى دائرة الوسع في فهمه ( ) ، وإلا فإن الله تعالى قادرٌ على البدء والإعادة على السواء ....

    لا يعجزه شيء من ذلك ألبته وليس شيء عنده أسهل من غيره بل الكل عنده يسير  إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون( ).
    ومثل هذا التشبيه والتصوير للغرض نفسه -تقريب صورة البعث إلى ذهن المخاطب مما هو مشاهد مكرور عنده ، وهو إحياء الأرض الميتة بإنزال المطر ، كقوله تعالى : ونزلنا من السماء ماءً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ( ) ، والنخل باسقات لها طلع نضيد ( ) ، رزقاً للعباد وأحيينا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج ( ) ( )
    وإذا أمعنا التأمل والنظر في السياق الكريم فإننا سنصل إلى ما تقرر وهو أن القرآن الكريم وهو يقرر حقيقة من الحقائق يحشد لها الأساليب حشدا ابتداءً من انتقاء الألفاظ ومروراً بعرض الأفكار وموجبات الحقيقة التي يقررها وحسن السبك للألفاظ المنتقاة ، لتجتمع الأساليب اللفظية والمعنوية وتتجه إلى أعماق النفس ( ) التي يتوجه إليها الخطاب فلا يدع لها مجالاً للشرود ولا المكابرة ما لم تُبْتَلى بالموانع الخارجية .
    تأمل الألفاظ الواردة في السياق الأخير الذي أُورد من سورة ق وهي :
    جنات ، حب الحصيد ، باسقات ، طلع نضيد ، الخروج ؟!!ثم تأمل حسن السبك وتوافق رؤوس الآي : فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ، والنخل باسقات لها طلع نضيد ، ..كذلك الخروج ، ثم تأمل الصور الحية التي أبرزتها وتحدثت عنها الأساليب اللفظية الحسية وهي صور الجنات الملتفة بالأشجار المختلفة الألوان والمقاسات كيف تقفز نظارتها إلى النفوس الحية المدركة ؛ التي لم تُدَّنس بالمعاصي ولم تتلوث بالأفكار المنحرفة السابحة ضد التيار وكذلك ما يحصد الناس من هذه الجنات مما يتفكهون ويقتاتون منه فيبرز إلى أذهانهم وحسهم نعمة العطاء السخي من مولاهم الحق غذاء معنوي للنواظر والأنفس، وغذاء للجسد يقي الجوع والعطش من طعامها وشرابها وهو بالإضافة إلى ذلك حشد لحقائق لا يستطيع إنكارها عاقل ،إنزال المطر، إنبات الأرض ، إفادة الناس من ثمرة الأرض ، وكل
    ذلك من أرضٍ موات لا حياة فيها قبل إنزال المطر أليس القادر على إحياء الأرض وجعلها منبتة بعد جفاف وموات بقادر على إحياء الناس بعد موتهم وإخراجهم منها  كذلك الخروج  كما خلق البذور أول مرة ثم هاهو يعيدها ؛ فأي استحالة في هذا، وأشباهه يتكرر دائماً تحت أسماع الناس وأبصارهم ، وهكذا يعالج القرآن الكريم جوانب العقيدة بمثل هذه الأساليب البالغة التأثير( ) وسورة يوسف عليه السلام تنحو نفس المنحى ، تعالج بأساليب شتى الجوانب العقدية المختلفة وترسم صوراً لجولات الباطل أمام الحق ، وتماديه في غَيِّه وجبروته وتنوعه ، إلى أن ييئس أهل الحق وعلى رأسهم الأنبياء والرسل فيأتي النصر عند اشتداد الأمر وحلوك الليل ، ويتبين من خلال مقاطع السورة ومشاهدها وأحداثها أن الحق هو المنتصر في النهاية ، وإن زمجر الباطل وأرعد وأرغى الطغيان أزبد ؛ وهذا له أثره الجلي على النفوس المؤمنة لتثبت على الحق مهما لقيت في طريقها من متاعب وهذا يهم الدراسات الإعلامية في إيجاد أرضيةً صالحة لتقبل الرسالة الإعلامية ، فإن الرأي العام الإسلامي إذا أضحى متأثراً بالقرآن الكريم والعقيدة المنبثقة عنه وعن سنة المصطفى صلى الله عليه وعلى أله وسلم نجا من تأثير الإعلام المضاد وتحصن من عقابيله ؛ قال تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ، حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين  ( ) وتبرز لنا خصائص القرآن المكي النواحي الإعلامية فيه من حيث :
    1-تحصين جمهور المؤمنين من شبه المعارضين التي تٌبث من خلال إعلامهم المضاد .
    2- الرد على الهجوم الإعلامي ضد النبي صلى الله عليه وسلم وضد القرآن
    3- حماية رسالة الإسلام خارج المجتمع المكي والتأثير على من سمع القرآن ممن كان يفد مكة يقصد التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام فإنه بالرغم من الشُبه التي كان الإعلام المضاد يبثها خارج الحرم ( ) إلا إن القرآن بتأثيره كان يصل إلى نفوس هؤلاء ، وفيهم على سبيل المثال صاحب دوس ( ) وغيره كثير وكان منهم النفر من الأنصار ( ) الذين كان اللقاء بهم بداية فتحٍ للإسلام في أرضهم - كما هو معروف - ( ) لقد كان هؤلاء العائدون بعد تأثرهم بالإسلام ؛ وسائل إعلام متحركة تنقل الحقيقة كما هي ، وتُكَذِّبْ ادعاءات الإعلام المضاد من قبل المشركين بمكة ، فإن الكذب إلى انكشاف وزوال وهو من وسائل الإعلام المضلل الذي هو بمثابة السراب لايثبت إذا ماجوبه بالحقيقة الناصعة  بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق  ( ) وقد سلك المشركون من أهل مكة لصد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أساليب إعلامية شتى كالسخرية والتحقير والإستهزاء والتكذيب وتشويه تعاليمه وإثارة الشبهات وبث الدعايات ، ومعارضةً بأساطير الأولين ومساومات عديدة " حاولوا من خلالها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ماهم عليه ويترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض ماهو عليه" ( )  ودوا لو تدهن فيدهنون ( ) قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة فنزلت سورة الكافرون ترد على هذه المساومة( ) وساوموه بالملك والثروة وأن يزوجوه بأجمل فتاة فيهم ، وعقدوا مجلساً استشارياً يتشاورون فيه كيفية الخطاب الإعلامي الذي ينبغي أن يوجهوه إلى الحجاج وطرحت الأكاذيب واحدة تلو الأخرى حتى استقر رأيهم على قول هو أقرب إلى ما يعقل وهو أن يقال للحجاج إنه ساحر لأنه

    يفرق بين الأقارب( ) !!؟
    والاضطهادات لكثير من الأصحاب والمقاطعات ( ) ، وكلها أساليب إعلامية فاعله لولا التربية القرآنية التي كانت بمثابة الدرع الواقي من تلك الضربات .
     

مشاركة هذه الصفحة