ماذا قال عبدالباري عطوان عن صدام

الكاتب : ahmad   المشاهدات : 383   الردود : 0    ‏2004-07-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-07-02
  1. ahmad

    ahmad عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-08
    المشاركات:
    783
    الإعجاب :
    1
    لم يكن الرئيس العراقي صدام حسين يخاطب المحكمة يوم امس، وانما الرأي العام العراقي بصورة خاصة، والرأي العام العربي والاسلامي بصفة عامة، فالرجل لم يعترف بالقضاة، ولا الحكومة التي عينتهم، واصر على انه ما زال الرئيس الشرعي للعراق.
    المحاكمة، وبالصورة التي تابعناها عبر شاشات التلفزة، كانت بداية سيئة مرتبكة للعراق الديمقراطي الجديد الذي بشرت به ادارة الرئيس جورج بوش، فالقاضي كان شابا عديم الخبرة، والمحامون لم يكن لهم اي وجود، والرعب كان سيد الموقف.

    فقد كان لافتا ان هيئة المحكمة والذين يقفون خلفها هم القلقون الخائفون، وليس ذلك الرجل الجالس في قفص الاتهام. فقد تعمد الامريكيون الذين يملكون مئة وستين الف جندي في العراق ان لا يذيعوا وقائع المحاكمة على الهواء مباشرة، وحجبوا صوت المتهم ، واكتفوا ببث الصور المسجلة فقط في البداية، وتصرفوا تصرف المذعور، وليس تصرف الواثق الذي يمسك بزمام الامور.

    لم نشاهد وجه القاضي الشاب كاملا، كما اننا لم نشاهد وجه الحارس الذي يحرس قفص الاتهام، او اي وجه آخر في تلك المحكمة المهزلة، انه الرعب من الاغتيال وليس هناك اي تفسير آخر.

    حتى الرئيس جورج بوش التزم الصمت وكذلك حليفه توني بلير على غير عادتهما، فمن المفترض ان هذا يوم تاريخي، يستحق الاحتفال، ولكن حتى المنتصرين لا يرونه كذلك.

    اداء الرئيس العراقي كان محسوبا بعناية فائقة، مثلما كان مظهره، كان شجاعا، جريئا، واثقا من نفسه، لم يتراجع مطلقا عن مواقفه، ولم يبد اي ندم على غزوه للكويت، بل انه اراد ان يفتح جرح الكراهية العراقي المتقيح تجاه الكويتيين ويرش عليه ملحا جديدا عندما وصفهم بالكلاب، وقال انهم كانوا يستخدمون دنانيرهم لهتك اعراض الماجدات.

    الرئيس صدام حسين كان مخيفا لاعدائه حتى وهو في القفص، واراد ان يستغل ظهوره القصير من اجل توجيه عدة رسائل الى اكثر من جهة نوردها في النقاط التالية:

    الرسالة الاولى كانت الى الاسلاميين عندما اطلق العنان للحيته، وتجنب ارتداء ربطة عنق، الامر الذي يذكر بمذيعي قناة المنار الاسلامية، ومعظم المسؤولين الاسلاميين الآخرين، وخاصة في ايران. ولا بد من التذكير بان الرئيس العراقي بدأ يتجه اكثر فاكثر نحو التدين في سنواته الاخيرة في الحكم، وهو الذي كتب عبارة الله اكبر بخط يده على العلم العراقي. والله اعلم.

    الرسالة الثانية كانت الى العراقيين عندما اكد انه الرئيس الشرعي، وان البلاد ما زالت محتلة، وان المجرم الحقيقي الذي يستحق المحاكمة هو الرئيس بوش الذي غزاها ودمرها وقتل عشرات الآلاف من ابنائها، ودون اي مسوغات او مبررات قانونية، وان كل من يتعاون معه من العراقيين متورط في الجرم نفسه.

    الرسالة الثالثة موجهة الى الرأي العام العالمي، يقول مضمونها ان هذه المحاكمة غير عادلة، وفوق كل ذلك عنصرية تعكس الازدواجية والنفاق الامريكيين، غير عادلة لان المحامين غابوا عنها، او لم يسمح لهم بالتواجد للدفاع عن موكلهم. ورفض الرئيس صدام التوقيع على لائحة الاتهام الا بحضور هيئة الدفاع هو للتذكير بهذه النقطة. اما انها عنصرية فلأن القضاة الدوليين الذين حاكموا الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش قد غابوا عنها، فمجرم الحرب الاوروبي يجب ان يعامل معاملة خاصة متميزة، ومجرم الحرب العربي والاسلامي فيجب ان يحاكم من قبل خصومه.

    الرسالة الرابعة موجهة الى المقاومة العراقية، والى كل الجماعات الاخرى الرافضة للاحتلال، مفادها ان كل الترتيبات المنبثقة عن الاحتلال غير شرعية، وان عليكم ان تكونوا على الدرجة نفسها من الصلابة والقوة ورباطة الجأش.

    وهكذا يمكن القول ان الرئيس العراقي خرج فائزا في الجولة الاولى من محاكمته، وسجل العديد من الاهداف في مرمى اعدائه واستطاع ان يظهر بمظهر البطل وليس الضحية، ولا نعتقد ان الاخ الامريكي الذي يدير هذا العرض المسرحي توقع هذه النتيجة.

    خمسة وخمسون في المئة من البريطانيين قالوا في استطلاع للرأي اجرته القناة الخامسة امس انهم لا يتوقعون محاكمة عادلة للرئيس العراقي قياسا لما شاهدوه يوم امس. وهذا يعني ان الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين وشعوب العالم الثالث ترى الشيء نفسه.

    كنا نتوقع من الرئيس بوش، الذي يقول انه يتزعم العالم الحر، ويريد تحويل العراق الى نموذج في الديمقراطية والقضاء المستقل، ان يتعلم من اخطائه او بالاحرى كوارثه السابقة والحالية في العراق، وان يقدم لنا محكمة عادلة تسودها الشفافية، والنزاهة، ولكنه فشل فشلا ذريعا في هذا المضمار.

    نشم رائحة اعتراف بالهزيمة، او عدم الانتصار من قبل الامريكيين والبريطانيين، وسلق هذه المحاكمة، وبهذه الصورة المخجلة، لا يكشف عن ارتباك فقط، وانما عن رغبة بالهروب السريع من العراق.

    الرئيس العراقي صدام حسين سيظل قنبلة موقوتة، ومصدر لعنة، تطارد الامريكان والكويتيين، فمحاكمته العلنية ستعني اعطاءه المنبر لادانة اعدائه، واعدامه سيجعل منه شهيدا في نظر الكثيرين في العراق وخارجه، وبقاؤه حيا يغضب اعداءه العراقيين الكثر، ويعطي املا لانصاره بامكانية العودة.

    انها لعنة العراق، ولعنة صدام حسين.

    القدس
     

مشاركة هذه الصفحة