ليلة الإسراء والمعراج....دروس وعبر

الكاتب : الميزان العادل   المشاهدات : 8,901   الردود : 3    ‏2001-10-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-13
  1. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    خطبة إذاعية رقم 07 / لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي
    التاريــــخ : 18 / 3 / 1988
    الموضوع : الإسراء والمعراج


    بِسْـمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

    الحمد لله رب العالمين ..

    ما منْ يومٍ إلا والجليل سبحانه وتعالى ينادي عبده فيقول : " عبدي ما أنصفتني ، أذكركَ وتنساني ، وأدعوكَ إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذهِبُ عنك البلايا وأنت مُعتَكِفٌ على الخطايا.

    عبدي : ماذا تقول غداً إذا جئتني ، خلقتُ الأشياءَ كلَّها من أجلك وخلقتُك من أجلي ، فاشتغلتَ بما خلقتُه لك عني ، فإذا اشتغلت بالنعمة عن المُنعِمِ ، وبالعطية عن المُعطي ، فما أديتَ شكرَ نعمتي ، ولا رَعَيت حُرمتي فكل نِعمةٍ شغَلَتْك عني فهي نِقمة ، وكلُّ عطيةٍ ألهَتْك عني فهي بلية .

    وأشهد أن لا إله إلا أنتَ وحدك لا شريك لك ، لك العبادةُ ، وإليكَ التوجُّه ومنك الخشية وعليك الاعتمادُ ، لا احتكامَ إلا إليك ، ولا سُلطان إلا لشريعتك ، ولا اهتداء إلا بهداك .

    وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، سيدي يا رسول الله :
    سَرَيت من حَرمٍ ليلاً إلى حَـــرم كما سَرى البدرُ في داجٍ من الظلـمِ
    وبتَّ ترقى إلى أن نِلتَ منزلـــةً من قابِ قوسين لم تُدركْ ولم تُـرَمِ
    وقدَّمتك جميعُ الأنبياء بـــهـا والرُسْلِ تقديمَ مخدومٍ على خَــدَمِ
    فَجَلَّ مقدارُ ما وليت مــن رُتَـبٍ وعزَّ إدراكُ ما وُلِّيتَ من نِعَــــمِ

    اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الميامين ، أمناء دعوته، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

    وبعد عباد الله ، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير :

    اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يــا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي ، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدوٍّ ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتَك هي أوسعُ لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحلَّ عليَّ سخطك ، ولا حول ولا وقوة إلا بك " .

    كان هذا دعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه ، في الطائف ، وقد خرج إلى أهلها ، يلتمس هدايتَهم ونصرَتَهم ، فردُّوا دعوته رداً منكراً وأغلظوا له في القول ، وأغرَوا به سُفهاءهم ، يصيحون به ، ولقد جاءه جبريل عليه السلام ـ فيما رواه الشيخان عن عائشة ـ يعرض عليه أن يُطْبِقَ على هؤلاء الجبلين ، فقال قولةً عبَّرت عن رحمته الفياضة ، وعن خُلُقه العظيم : " لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله " .

    أيها الأخوة :

    إن الشكوى إلى الله من أجلَّ مظاهر العبودية ، والضراعة إليه من أعظم القربات ، وكانت خديجة صدِّيقة النساء التي حَنَتْ عليه ساعة العُسرة والتي واسَتْهُ في أيام الشدَّة بنفسها ومالها ، قد توفيت ، وكان عمُّه أبو طالب ، الذي أظهر من النُبْلِ في كفالته ، ومن البطولة في الدفاع عنه الشيء الكثير قد توفي أيضاً ، وقد نالت قريش من النبي بعد وفاة عمِّه ما لم تنل منه في أي وقت مضى ، وجاء ردُّ سادة ثقيف في الطائف وسفهائهم جافياً وقاسياً فكان العام العاشر من البعثة ، بحقٍ عام الحزن فقد تحمل النبي صلوات الله وسلامه عليه فيه من الشدائد ما لا يحتمله بشر على الإطلاق إلا أن يكون نبياً ، قال تعالى : {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} [ المائدة 67 ]

    وكانت معجزة الإسراء والمعراج ، وهو حدث ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية سبقته البعثة ، وجاءت من بعده الهجرة ، لقد كان مسحاً لجراح الماضي ، وتثبيتاً لقلب النبي ، وتطميناً للمستقبل ، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء ، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى وإشعاراً له أن الله معه ، بالرعاية والعناية ، وتكريماً له فريداً من دون الأنبياء ، وتعريفاً له بأنه سيد ولد آدم وسيد الأنبياء والمرسلين و إراءةً له لملكوت الأرض والسماوات، ولِما تؤول إليه الخلائق بعد الممات .

    أخوة الإيمان في كل مكان :

    كلُّ ذكرى من ذكرياتنا العطرة فيها دلالات كُبرى ، ومناراتٌ جُلَّى ومواعظُ بليغة ، وليستِ العبرةُ في ذِكر الوقائع والتفصيلات ، لمجرد الذكرِ أو التعرف ، ولكنَّ العبرةَ في أن نستنبط من هده الأحداث الدروس والعِبر بحيثُ تكون هذه الدروس والعبر نوراً نهتدي به في طريقنا إلى الله ، ومشعلاً ، وضاءً نستضيءُ به في دروب الدعوة إليه.

    ودروسُ الإسراء والمعراج ، أكثرُ من أن تُحصى ، وأجلُّ من أن تُستقصى :

    * إنها تعلِّمنا أن الدنيا دارُ التواء ، لا دارُ استواء ، ومنزل ترح لا منزلُ فرح ، وأن من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، وأن الله قد جعلها دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاءَ الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

    * إن دروس الإسراء والمعراج تُعلمنا أن للمحن والمصائب حِكَماً جَليلة ، منها أنها تسوق أصحابها إلى باب الله تعالى ، وتُلبسهم رداءَ العُبودية ، وتُلجئهم إلى طلب العون من الله .

    * إنها تُعلِّمنا أنَّه لا ينبغي أن تَصدَّنا المحن والعقبات، عن متابعة السير في استقامة وثبات .

    * إنها تُعلِّمنا أنَّه ما دام الله هو الآمر ، فلا شكَّ أنه هو الضامن والحافظ والناصر .

    * إنها تُعلِّمنا أنه لولا الجهادُ والصبر ، ما عُبِدَ الله في الأرض ، ولا انتشر الإسلام في الخافقين ، ولا قُمنا في هذا المكان ، وعلى أمواج الأثير نوحِّدُ الله ونُسبِّحه ، وندعو إليه .

    * إنها تُعلِّمنا أن اليسر مع العُسر ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب .

    وإنَّ من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج ، أنَّ الله تعالى ، كرَّم النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج إليه لينال به أعلى درجات القُربات وكرَّم أمَّته بأن فرَضَ عليهم الصلوات ، لتكون معراجهم إلى ربِّ الأرض والسماوات ، لقد فرضت الصلاة التي هي من أجل القرب في أعلى مستويات القرب .

    لقد فُرضت الصلاة وحياً مباشراً ، والنبي صلى الله عليه وسلم في سِدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، بعد أن دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى .

    إنَّ من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج ، أنَّ الصلاة عمادُ الدين ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، فجوهر الدين اتصال بالخالق ، وإحسانٌ إلى المخلوق ، فلو لم يكن هذا الاتصال ، أو انقطع بعد أن كان ، أو أصبح اتصالاً شكلياً أجوفَ ، كان التفلُّت من قواعد الشرع والإساءة إلى كلِّ الخلق .

    فالناس إما شقيٌّ أو سعيد ، أي مقطوعٌ عن الله متفلِّت من أوامره مسيء إلا خلقه ، أو موصولٌ بالله بالشرع ، منضبطٌ محسنٌ إلى الخلق، وفي الصلاة يرقى مِن حالٍ إلى حال ، ومن منزلة إلى منزلة ومن مقام إلى مقام ، ومن رؤيةٍ إلى رؤيةٍ ، إنها ترقى بالمصلي من عالم المادة إلى عالم القيم ، ومن عالم الأوهام إلى عالم الحقائق ومن سفاسف الأمور إلى معاليها ، ومن مرتبة مدافعة التدني إلى مرتبة متابعة الترقي ، ومن التمرغ في وحول الشهوات إلى التقلب في جنَّات القربات .

    فالصلاة ذكرٌ ، قال تعالى : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [ طه 14 ]

    والصلاة قرب ، قال تعالى : {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [ العلق 19 ]
    والصلاة خشوع ، قال تعالى : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [ المؤمنون 2 ]

    والصلاة مناجاةٌ ، قال عليه الصلاة والسلام :
    " المصلي يناجي ربه ، ولو يعلم المصلي من يناجي ما التفت " .

    والصلاة وعيٌ ، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا} [ النساء 43 ]

    والصلاة عقلٌ ، قال عليه الصلاة والسلام : " ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها " . [إتحاف السادة المتقين ، للزبيدي 45/123]

    بل هي عروجٌ إلى الله ، قال عليه الصلاة والسلام : "الصلاة معراج المؤمن"

    ولن تكون الصلاةُ ذكراً وقرباً وخشوعاً ومناجاةً ووعياً وعقلاً وعروجاً إلا إذا بُنيت على معرفة الله والاستقامة على أمره ، واتباع سُنَّة نبيه ، فكيف تذكر وتناجي من لا تعرفه ، أم كيف تتقرب ممن تعصي أمره ، إن الجهل مانعٌ ، والمعصية حجابٌ ؛ فالتفكر في خلق السماوات والأرض يُعَرِّفك بمن تذكره وتناجيه ، فيزول المانع .

    والتوبة النصوح تهدم كلَّ شيء قبلها ، فيمزَّقُ الحجاب .

    والعمل الصالح يُسَرِّعُ الخُطا إلى الله ويرفع الدرجات عنده ، قال تعالى : {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [ الكهف 110 ]

    لذلك تُعدُّ الصلاة ميزاناً دقيقاً لمعرفتك بالله ، ولاستقامتك على أمره ولعملك الصالح ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلُ الصلاة المكتوبة ، كالميزان ، فمن أوفى استوفى " .
    [رواه الإمام أحمد في مسنده] أي فمن أوفى صلاته شروطها ، استوفى منها ثمارها التي وعد الله بها .

    ولكن ما ثمارها لماذا فرضت ؟ ما الحكمة منها ؟ ما الغاية من فرضها ؟ما ثمارها ؟ ! ...

    إنها تُطهّر نفس المصلي ، من النزوات الشريرة والشهوات المنحرفة ، والأمراض النفسية المهلكة ، فالنفس التي تشتهي المحرَّمات ، وتستهوي البدع ، لهي نفسٌ مريضة ، والصلاة ـ كما أرادها الله تعالى ـ دواؤها وشفاؤها ، إنها تنهي صاحبها نهياً ذاتياً عن الفحشاء والمنكر ، على أساس الوازع الداخلي ، لا على أساس الرادع الخارجي ، قال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [ العنكبوت 45 ]

    وقد أشار بعض العلماء إلى أن الذكر هو أكبرُ ما في الصلاة أخذاً من قوله تعالى : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [ طه 14 ]

    وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ، هذه الوظيفة الأساسية للصلاة فقال فيما رواه البخاري ومسلم : " أ رأيتم لو أنَّ نهَراً بباب أحدكم يغتسل منه في اليوم خمسَ مرَّات هل يبقى عليه من درن ؟ قالوا لا ، لا يبقى عليه من درنه شيء ، قال فذلك مَثَل الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الخطايا " .

    وفضلاً عن أن الصلاة طهور ، فهي نور المؤمن ، كما قال عليه الصلاة والسلام: " يرى به الحق حقاً فيتبعُه ، والباطل باطلاً فيجتنبه " .

    قال تعالى : {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} [ الأنعام 122 ]

    وقال تعالى : {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} [ الأحزاب 43 ]

    فكل عمل صالح ، أو طالح وراءه رؤيةٌ صحيحةٌ أو منحرفة ، ولن يستقيم العمل ، ولن يطيب، حتى يستنير صاحبه بنور الله .

    فضلاً عن أن الصلاة طَهور ونور ، إنها تبعثُ في النفس السرور فالقلب لا يطمئن والنفس لا تَسعد إلا بها ، قال تعالى : {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [ الرعد 28 ]

    وقد قال صلوات الله عليه : " .. وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاة "
    [أخرجه النسائي وأحمد]
    " .. ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تَبعاً لما جئت به " .

    إن الإنسان المنقطع عن الله ، شديد الهلع ، كثير الجزع ، لكن المصلي معافى من هذا الضعف ، قال تعالى : { إنّ الإنسان خلق هلوعا. إذا مسّه الشر جزوعا. وإذا مسّه الخير منوعا. إلا المصلّين } [سورة المعارج]

    ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا حز به أمرٌ بادر إلى الصلاة وكان يقول : " أرحنا بها يا بلال " .
    [أخرجه أبو داود بلفظ يَا بِلالُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ]

    وعن السيدة عائشة رضي الله عنها ، قالت :
    " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدِّثه ، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه " .

    ورضي الله عن سيدنا سعد بن أبي وقاص ، إذ يقول :
    " ثلاثة أنا فيهنَّ رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى ، ولا صليت صلاةً فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ولا سِرت في جنازةٍ ، فحدثتُ نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف عنها " .

    وصفوة القول ، ما ورد في الحديث القدسي الذي رواه الديلمي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل : " ليس كلُّ مصلٍ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكفَّ شهواته عن محارمي ، ولم يُصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائع وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كلُّ ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نورَ وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظملةَ نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ويقسم عليَّ فأبرُّه ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس ، لا يُمسُّ ثمرها ولا يتغير حالها " .

    فالصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القربات ، وغرَّةُ الطاعات ومعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات ، وهي الركن الوحيد المتكرر ، من أركان الإسلام ، الذي لا يسقط بحال ، إنها أسُّ العبادات ، وأصل القربات ، ومبدأ الطاعات ، وهي ركن الأركان ، وأساس البنيان ، وهي أول ما يحاسب عنه المرء يوم القيامة ، ولا يُفلح المؤمن إلا بها ، قال تعالى : {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون} [سورة المؤمنون]

    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً
    والحمد لله رب العالمين



    الخطبة الثانية :

    الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام .

    إن الإسلام يربط الإيمان بالجهاد ربطاً محكماً ، بحيث لا يتحقق إيمانٌ صادقٌ عميقٌ راسخٌ من دون أن يكون الجهاد جزءاً تكوينياً ، من مقوماته قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [ التوبة 111 ]

    والمسجدُ الأقصى الذي بارك الله حوله ، أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين ، وأنه لا يصحُّ أن يكون عُرضةً للاستيلاء عليه ، وتدنيس رحابه الطاهرة ، من قبل أعداء الله ، الذين أكثروا في الأرض الفساد .

    وفي ذكرى الإسراء والمعراج ، إيماءٌ قوي إلى العرب والمسلمين أنه مفروضٌ عليهم ألا يتهاونوا في أمر الحفاظ على هذا المسجد ، لأنه الموطن الذي شرَّف الله به هذا النبي العظيم ، وهو موطن تشريفهم بالضرورة ، كياناً وشخصيةً وأمةً ودياراً ، وديناً ، ومن هنا كان الجهاد في سبيل تخليصه من أيدي الغزاة وشذاذ الآفاق فرضاً عينيناً على كل قادر من المسلمين ، من أجل تطهيره من دنس الصهاينة المجرمين .

    وإن انتفاضة أهلنا في الأرض المحتلة اليوم مستوحاةٌ من ذكرى الإسراء والمعراج ، ففي هذه الذكرى ، تعرج الأرواح إلى بارئها طالبةً دحر الظالمين ، وتدميرَ الطغاة العابثين .

    أيها الأخوة الثائرون في الأرض المحتلة :

    بوركت سواعدكم ، وسَلمت أيديكم ، لقد كنتم رمز البذل والعطاء ، لقد ضربتم المثل في التضحية والفداء ، يا من تحركت فيكم معاني العزة والإباء ، فأقلقتم مضاجع الصهاينة ، الأعداء ، لقد انتزعتم إعجاب شعبكم ، وأمتكم وإعجاب العالم أجمع .

    فتعاطفتْ معكم القلوب ، وتعلقت بكم الأفئدة ، ورُفعت لكم الأكف .

    كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومن معه من الأجناد: أما بعدُ ، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله ، على كل حال فإنَّ تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي ، فإنَّها أضرُّ عليكم من عدوِّكم ، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله ، فإن استويتم في المعصية كان لهم الفضل عليكم بالقوة .

    أيها الأخوة المؤمنون :
    إني داعٍ فأمنّوا ...

    * اللهم أنتَ أحق من ذُكر ، وأحقُّ من عبد ، وأنصر من نَصر وأرأف من ملك ، وأجود من سُئل ، وأوسع من أعطى ، أنت الملك لا شريك لك ، والفرد لا ند لك ، كل شيء هالك إلا وجهك ، القلوب لك مفضية ، والسر عندك علانية ، والحلال ما أحللت ، والحرام ما حرَّمت والدين ما شرعت ، والأمر ما قضيت ، الخلق خلقك ، والعبيد عبيدك وأنت الله الرؤوف الرحيم .

    * اللهم اجعل حبك أحبَّ الأشياء إلينا ، واجعل خشيتك ، أخوف الأشياء عندنا ، واقطع عنا حاجات الدنيا ، بالشوق إلى لقائك ، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم ، فأقرر أعيننا من رضوانك .

    * اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، اللهم انصرنا وانصر أهلنا في الأرض المحتلة ، على أعدائك وأعدائهم ، الله اجعل تدميرهم في تدبيرهم واجعل الدائرة تدور عليهم ."

    انتهت خطبة فضيلة الأستاذ النابلسي، جزاه الله خيرا.

    ونسأل الله العلي القدير الذي فرّج عن سيدّنا الرسول في هذه الليلة المباركة، وحققّ له تلك المعجزات الباهرة، أن يكرم أمتّه صلوات ربي وسلامه عليه، بالفرج والنصر المبين على أعداء الإسلام الذين تكالبوا على دولة افغانستان المسلمة على مرأى ومسمع وتأييد العالم الإسلامي...والذين تآمروا قبلها على أرض الأنبياء والمرسلين، على الأرض المباركة فلسطين الحبيبة...وغيرها من البلدان الإسلامية، اللهم بجاه حبيبك المصطفى والأنبياء والمرسلين وعبادك الصالحين، انصر إخواننا المجاهدين الصادقين في سبيل إعلاء كلمتك في كل مكان....وارحم المستضعفين من المؤمنين في كل مكان....ودمّر وأهلك اليهود وأعوانهم من كفرة أهل الكتاب والمشركين في كل مكان...اللهم إنّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم...فاكفناهم بما شئت وكيف شئت إنّك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير، وصلّ اللهم وسلم على حبيبك المصطفى سيّد الأولين والآخرين صلاة دائمة بدوامك باقية ببقائك لا حدّ لها ولا منتهى، صلاة تنجينا بها وجميع المسلمين من جميع الأهوال والافات، وتقضي لنا بها ولجميع المسلمين جميع الحاجات، وتطهرنا بها وجميع المسلمين من جميع السيئات، وترفعنا بها وجميع المسلمين عندك أعلى الدرجات، وتقضي لنا بها وجميع المسلمين أقصى الغايات من جميع الخيرات، في الحياة الدنيا وبعد الممات.....دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وىخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين....

    الميزان العادل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-10-14
  3. حفيد المهاجر

    حفيد المهاجر عضو

    التسجيل :
    ‏2001-08-18
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    اخى الميزان العادل .... بارك الله فيك

    احسنت الاختيار بارك الله فيك
    خطبه فضيلة الشيخ بليغه ومؤثره ومناسبه للحدث.
    جزاك الله الف خير
    ونؤمن على دعائك لنصرة اخواننا المسلمين
    اللهم امين .. امين ... امين يارب العالمين
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-10-14
  5. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    حبّ آل البيت فرض عندنا....وبهذا الحب لا نخشى الفتن

    سيدّي الحبيب / حفيد المهاجر حفظك الله ورعاك

    جزاكم الله خيرا...

    لست أهلا لثنائكم الجميل، ولكن كرم أخلاقكم العالية والمستمدّة من جدّكم الأعظم صاحب الخلق العظيم، صلوات ربي وسلامه التامّين الأكملين عليه وآله وصحبه الكرام، هو الذي يحدوني لنشر هديه وسيرته العطرة....

    خادمكم المحب

    الميزان العادل
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2008-11-04
  7. Ahmad Mohammad

    Ahmad Mohammad عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2008-10-24
    المشاركات:
    276
    الإعجاب :
    0
    ما شاء الله. جزاك الله خيرا. هذه مواضيع تهم الامه.
     

مشاركة هذه الصفحة