سيادة الرئيس .. لو تُقـلِّلوا من ( الضياء) وتزيِّـدوا ( الحوايج )!

الكاتب : الذماري2004   المشاهدات : 531   الردود : 0    ‏2004-06-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-06-30
  1. الذماري2004

    الذماري2004 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-06-23
    المشاركات:
    2
    الإعجاب :
    0
    هذا الموضوع كتبه الصحفي الذماري عبد الله قطران يخاطب فيه الرئيس عن حالة الصحفيين اليمنيين ونشرته صحيفة الوسط الأسبوعية التي يرأس تحريرها جمال عامر


    يحكى في ذمار أن رجلا دخل إلى السوق القديم في المدينة ولما كان أمام أحد الدكاكين حتى اعترضه البائع اللبق و تلقفه بالترحيب الحار والحفاوة المبالغ فيها وأخذ يهيل عليه وابلا من عبارات المجاملة والتودد والذوق الرفيع وكأن بينهما معرفة قديمة وصداقة حميمة : ( أهلا بالضياء .. يا مرحبا يا ضياء .. كيف انتو ياضياء .. وين غيبتو علينا يا ضياء .. حيا الله الضياء .. اتفضلوا ياضياء .. أهلا وسهلا يا ضياء .. أيش يشتي الضياء .. أي خدمة يأمر بها الضياء ؟ ) وهكذا ظل البائع يردد كلمة الضياء .. الضياء , فشعر صاحبنا هذا (( الضياء )) بشئ من الحرج واستحى من أن يرحل دون أن يرضي البائع بشراء أي شئ من دكانه تقديرا منه للحفاوة التي قوبل بها فأدخل يده في جيبه وقرر شراء بعض البهارات ـ التي تسمى كذلك بالحوايج ـ, ودفع مبلغا مجزيا من المال ولكنه فوجئ بالبائع يناوله كمية قليلة من الحوايج المطلوبة لا تساوي قيمتها نصف المبلغ المدفوع وهو يقول له بابتسامته المصطنعة : ( تفضلوا يا ضياء ) ,
    وهنا تمعّر وجه ( الضياء ) ورمى بالكيس إلى البائع وأخذ يصيح به قائلا :
    ( لوقلّلتوا الضياء وزيّدتوا الحوايج !! ).
    تذكرت هذه القصة الطريفة التي صارت مثلا شعبيا وأنا أتابع آخر ما تمخضت عنه التوجهات الحكومية في مجال دعم وتشجيع الصحافة اليمنية وضمان حرية التعبير والشتم والشتم الآخر, والتي كان آخرها توجيهات رئيس الجمهورية بإلغاء تلك المواد القانونية من قانون الصحافة التي تتضمن أية عقوبات بالحبس على الصحافيين في قضايا تتعلق بما ينشرونه من آراء وقضايا ..
    nأنا شخصيا لا أرى في مسألة الحبس شيئا يهدد مستقبل الصحافة اليمنية أو يحدّ من حرية التعبير التي نستمتع بها , أو ينتهك كرامة الصحفي ويحطّ من قيمته وحقوقه كإنسان , لأنني ولله الحمد قد نشأت في بيئة تؤمن بقاعدة ( الحبس للرجال ) وأن الرجل الذي لم يدخل الحبس يبقى في رجولته نقص لا يعوض إلا بدخوله الحبس وتجرعه حياة البهذلة "المشرفة" والمهانة "الكريمة" بجوار المحابيس , فضلا عن أن التاريخ ملئ جدا بالعظماء والمفكرين والمناضلين والأحرار الذين أمضوا سنوات طوال من حياتهم داخل الزنازين الانفرادية وعاشوا خلف قضبان السجون بسبب آرائهم ومواقفهم المخالفة لرغبات الحكام !
    صحيح أن الحبس يمثل عقوبة ظالمة للصحافي وانتهاكا سافرا لحريته وكرامته , إلا أنه ـ أي الحبس ـ ليس أشد قسوة و أكثر إيلاما وتعذيبا من ذلكم التعذيب النفسي والمعنوي الذي يعانيه معظم الصحفيين في بلادنا وبالأخص منهم العاملون في الصحافة الأهلية والمعارضة بسبب أوضاعهم المادية السيئة وكابوس ( الحراف ) الجاثم على صدورهم وجيوبهم إلى درجة يعيش فيها الصحفي معظم أيام الشهر معتمدا على الديون والسُّلَف التي صارت جزءا أساسيا من مصادر معيشته نظرا لأن الدنيا لا زالت بخير مع وجود الناس الطيبين ( الدائنين ) !.. أي نعم الحراف هو حالة عامة تعيشها غالبية فئات الشعب الفقيرة , لكن مهنة عن مهنة تختلف بطبيعة الأحوال من حيث أهميتها وقدرتها على التأثير في الواقع المعاش وكذلك من حيث اهتمام الدولة والمجتمع بتلك المهنة .. أيّ مهنة ..!

    nلعل مشكلة الصحافة في هذي البلاد أنه يُنظر إليها ـ خصوصا من قبل الدولة والقيادة ـ على أنها مهنة (( الدوشنة )) , وأن هؤلاء الذين يطلق عليهم ـ تأدبا ـ صحفيون ليسوا سوى ( دواشين ) مع فارق بسيط هو أن ( الدوشان ) يستخدم لسانه وصوته القارح ويمارس مهنته الشهيرة في الأعراس والمناسبات والمقايل الجماعية للمديح والتبجيل للأشخاص والأنساب ( حياك وحيا ابوك .. وحيا الذي جابوك .. حيا حِنْشان الضماء وحيا نجوم السماء وحيا ..وحيا .. وحيا ..) الخ المعزوفة الدوشانية المدوشة التي يسترزق منها الدوشان .. بينما الصحفي يستخدم قلمه وفكره وثقافته ويمارس مهنته في الصحافة ووسائل الإعلام : ( تلقى فخامة الرئيس .. بعث فخامة الرئيس .. استقبل فخامة الرئيس ..وصل فخامة الرئيس افتتح فخامة الرئيس .. دخل فخامة الرئيس .., خرج فخامة الرئيس .. قام فخامة الرئيس .. غادر فخامة الرئيس .. عاد فخامة الرئيس بسلامة الله وحفظه ..) , وهكذا.. بات يُنظر إلى العمل الصحفي من قبل ولاة الأمر على أن مهمته الوحيدة تنحصر في متابعة أخبار المنجزات والرصد الدقيق لبرقيات التهاني والتعازي والمكالمات الشخصية ورسائل الجوال الصادرة والواردة من وإلى مكاتب وعناوين المسؤولين , واختلاق المعجزات الكونية وربطها مباشرة برئيس الجمهورية الذي تصفه نفاقا بـصانع المعجزات وتصوره وكأنه مخلوق آخر ليس كمثله أحد من البشر!!
    n ليس اللوم أبدا على رئيس البلاد في نظرته المغلوطة تلك للصحافيين أوبموافقته على استخدام وسائل الإعلام بهكذا طريقة تسئ إليه ولشخصه أولا قبل أن تسيء إلى أي جهة أخرى عندما تقدسه وتتحدث عنه كما لو كانت تتحدث عن مخلوق فضائي خارق ليس له مثيل , أو ملاك منزل ومعصوم من كل عيب ونقيصة .
    فـرئيس الجمهورية معذور تماما لأنه كما نعرف زعيم سياسي وقائد عسكري , ولم يكن يوما ما صحفيا أو إعلاميا , ومثله كذلك غالبية المسؤلين والقادة .. ولكن اللوم كله والمسؤلية المباشرة في وجود هذه النظرة البائسة لمهمة ودور السلطة الرابعة إنما يتحملها أولئك الصحفيون والإعلاميون الذين يتربعون على عرش وسائل الإعلام الحكومية ويتحكمون في توجيه الخطاب الإعلامي فيها .. هم وحدهم الذين أهانوا الصحافة ومسخوها وكسروا ناموسها وحولوها إلى دوشنة فارغة ووسيلة للمديح والنفاق والتزلف وجعلوا منها مصدرا لتحقيق المصالح والمنافع الشخصية لهم ولهم فقط ,,
    الرئيس راكن وواثق ومطمئن تمام الإطمئنان بأن كل شئ تمام والأوضاع سابرة , والشعب مرتاح ويعيش حياة الرفاه والسعادة , والمنجزات اكتملت وأنجزت , والجميع بانتظار مزيد من المعجزات .. وكل هذا بفضل عملية التضليل الكبرى التي تمارسها وسائل الإعلام الرسمية عن الحاكم والمحكومين ويقودها أساتذة النفاق وأبطال الكلمة المزيفة منذ زمن ليس بالقصير ..
    n اسألوا عن أحوال الصحف والصحفيين يا سيادة الرئيس , وقولوا لنا ما هي طبيعة الدعم الذي تقدمه الحكومة لمهنة الصحافة وللصحفيين ؟ ..
    سوف تجدون جميع الصحف الأهلية والحزبية تعيش أوضاعا مادية من حال الجن , وتفتقر إلى أبسط مقومات الدعم المادي والمعنوي وتنعدم فيها أدنى فرص التشجيع والإغراء التي تحمس الصحفي على البقاء والاستمرار والتفرغ للعمل والإبداع فيها ..
    وإن هؤلاء الصحفيين الذين أغضبوا سيادة الرئيس وأثاروا حفيظة الدولة بكتاباتهم الهادرة ليسوا بطبيعة الحال إنفصاليين ولا ملكيين ولا مرتزقة ولا مأجورين ولا مرضى ولا مغرضين ولا خونة ..إنما هم ببساطة بشر محيرفون ( جمع محيرف ) , وأشلاح ( جمع شِلْح)! .. إنهم باختصار أسرى ومعتقلون لدى جهة خطيرة ومعادية لليمن ولليمنيين وهذه الجهة ليست أمريكا ولا إسرائيل ولا حتى الشيطان الأزرق نفسه.. إنهم معتقلون لدى جهة واحدة اسمها (الفقر) , ومدفوعون بسياطها اللاهبة غير راضين ولا مطمئنين . ولم يعودوا خائفين كذلك لأنهم قد توصلوا إلى نتيجة أقنعتهم بأنهم لا يملكون شيئا يخافون عليه من غضب السلطة أو نصائح المتملقين التحريضية ضدهم! .. هي ثورة جياع وضباحى أيها السادة.. ثورة أناس ناقمين باتوا يشعرون اليوم أنهم خسروا كل شئ وأن حقوقهم منهوبة من قبل شلة قليلة من الفاسدين ومسؤلي الدولة المتخمين بأموال الشعب , فما بالكم إذا كان هؤلاء الجياع الثائرون هم من حملة الأقلام وقادة الرأي؟
    n لنترك الحديث حول المضمون جانبا الآن , فهذه أول مرة أشعر فيها بعدم أهمية المضمون والكيف والجوهر واللبّ وما إلى ذلك من الأوصاف والمفردات الوصفية الجميلة,, ولنتحدث قليلا عن أهمية الشكل والصورة والإطار العام والمظهر الخارجي قبل الجوهر الداخلي فذلك ربما هو ما قد يعكس الوجه الحقيقي لحالة الصحافة الموجودة في بلادنا وطبيعة المهنة التي يقتات منها صحفيّوا اليمن ويعتمدون عليها كمصدر أساسي يعتاشون منه هم وأولادهم ..
    ألا يشعر الرئيس بالغيرة والحمية الوطنية ـ أو حتى بالرحمة والشفقة ـ عندما تُعرض أمامه بعض النسخ الصادرة من الصحف المحلية وإلى جانبها صحيفة أو اثنتين من الصحف العربية ولن أقول الخليجية أو المصرية وإنما خذ مثلا الصحف العراقية حديثة المنشأ والخبرة والتي تصدر في ظل أوضاع متردية ’ ضع واحدة منها بجوار صحيفة يمنية غير حكومية ستجد الأخيرة ـ من حيث الشكل طبعا ـ تثير الإشفاق والعطف وتمزق نياط قلبك , وبلا شعور ستجد نفسك تقول ( وارحمة قلبي .. وارحمتاه ) .. الأولى ـ أي العراقية ـ ليست حكومية ومع ذلك فهي تصدر يوميا ( يوميا ) بحجم كبير وألوان طبيعية زاهية ومطابع خاصة راقية وطباعة رخيصة وورق فاخر وأسعار رمزية وصحيفة جذابة تعكس أنها ناتجة عن عمل مؤسسي وطاقم مهني لا يشغله عن عمله التفكير المعيشي وهموم المصاريف اليومية ..
    أما الثانية أي الصحيفة اليمنية فهي صحيفة ( أو تسمى صحيفة احتراما لمشاعرنا وإلا فهي نشرة ) تصدر منذ عقد ونصف وبعضها تبلغ من العمر أكثر من عشرين عاما وهي على ما هي عليه اليوم , عدد أسبوعي وحجم صغير ولون واحد ( يواسوننا عندما يقولون لنا لونين أبيض وأسود! ) , مطابع تجارية بدائية وطباعة غالية ورديئة وورق من المخلفات والنفايات , ونضحك على أنفسنا عندما نقول عنه بأنه ورق صحفي أو طبي , ومع ذلك تباع الصحيفة بسعر لا يغطي نصف تكاليف الطباعة والإعداد , ويصل المرتجع منها إلى أكثر من نصف الكمية يستخدم في اللفافة ,!
    nإن الصحافة الوطنية التي تتباهى الحكومة أمام العالم بوجودها ويتغزل بصورتها الإعلام الرسمي ليلا ونهارا , ويتسول باسمها المسؤولون في العواصم والمنظمات الدولية المانحة ,, هذه الصحافة ياسيادة الرئيس هي في الواقع صحافة يتيمة مشردة وصحف بائسة كالحة يكافح أصحابها كفاحا مريرا للتخلص من ( ورطتهم ) فيها ولو بالحد الأدنى من تكاليف الإعداد والطباعة وإخراجها في موعدها المحدد بأقل ورطة أوكلفة ممكنة.. هذا بالإضافة إلى أن الزملاء العاملين في هذه الصحف اليتيمة يبذلون مجهودات مضنية وشاقة ويفرغون جل أوقاتهم وطاقاتهم المهنية مقابل أجور تافهة لا تساوي مقدار ( الجعالة) اليومية التي يخصصها مسئول بسيط ـ وغير باذخ ـ في حكومتنا لأطفاله الصغار!
    nn ولعل من طريف القول أن أختتم هذا الرثاء بالإشارة إلى مثال بسيط وتافه لكني أراه يجسد الحالة المتواضعة للصحافة الوطنية ويعكس بوضوح ذلكم المستوى البائس الذي عليه حال صحفيي اليمن في بلاد الديمقراطية السعيدة .. ففي الوقت الذي صرنا نرى الكثير من أطفال المدارس يستخدمون الهواتف الجوالة في كل مكان نجد بأن الغالبية العظمى من الصحفيين الذين يمتلكون هواتف نقالة لم يتمكنوا من اقتنائها إلا بعد إعلان نقيب الصحفيين ـ عقب إعادة انتخابه ـ عن الاتفاق التاريخي (!!) الذي توصلت إليه النقابة مع شركة سبيستل يمن لمنح أعضاء النقابة أرقاما مجانية ( أرقاما وليس أجهزة ) .. وهو الإعلان والبشرى الذي ضجت له القاعة يومذاك بالتصفيق والتهليل فرحا من قبل جموع الصحفيين المساكين وكأن نقيبهم يعلن عن منحهم شققا أو وحدات سكنية أو سيارات مجانية , وليس أرقاما هاتفية شبه مجانية سرعان ما تتبخر فرحتهم بها وتضيف بفواتيرها الشهرية القاصمة بندا جديدا إلى قائمة الديون والمصروفات المتراكمة فوق أكتافهم المنهكة !!
    بقلم /
    عبدالله صالح قطران
     

مشاركة هذه الصفحة