تقرير ابن خلدون عن الديمقراطية في اليمن:مؤسسة القبيلة وتعددية لا تؤثر في تداول السلطة

الكاتب : المــهــاجــــر   المشاهدات : 650   الردود : 0    ‏2004-06-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-06-17
  1. المــهــاجــــر

    المــهــاجــــر عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-03-21
    المشاركات:
    308
    الإعجاب :
    0
    [color=000099] نصل اليوم إلى المحطة الأخيرة من تقرير مركز "ابن خلدون" للدراسات الإنمائية، وهي محطة اليمن، التي يختتم بها التقرير قراءة اتجاهات التحول الديمقراطي، وملامح المشهد السياسي في الدول العربية، ويستهل كما درج معدوه باستعراض تاريخي موجز عن اليمن، قائلاً إنها أصبحت أول ولاية عربية مستقلة بإخراج العثمانيين في عام 1635م لكنه عاش لفترة طويلة مقسما بين الشمال والجنوب. واستقل الشمال رسميا عن الإمبراطورية العثمانية في 1918 حيث أعان النظام الملكي في أجزاء من الشطر الشمالي تحت مسمى المملكة المتوكلية. واعترفت عصبة الأمم باستقلال اليمن في عام 1923 لكن الإمام يحي تنازل عن ميناء عدن لبريطانيا التي احتلته في عام 1839 مقابل اعترافها به في عام 1934، وألحقت عدن بإدارة المستعمرات في لندن في عام 1936 واستمر اليمن الجنوبي خاضعا للحماية البريطانية حتى نال استقلاله في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1967.

    واندلع في اليمن الشمالي صراع بين الملكيين المناصرين للإمام البدر والجمهوريين بقيادة مجموعة من ضباط الجيش في أيلول (سبتمبر) من العام 1962 بعد يومين من وفاة الإمام أحمد متأثرا بجراحه واستدعى على أثره الإمام الدعم من السعودية التي أرسلت قوات لدعمه كما دعمته الولايات المتحدة بعد أن أرسلت مصر الناصرية قوات لدعم الجمهوريين، ورغم انتصار الجمهوريين وإعلان الجمهورية في اليمن في عام 1964 فقد استمرت الحرب الأهلية حتى مؤتمر الخرطوم عام 1967 الذي شهد مصالحة بين مصر والسعودية، اتفق خلالها على سحب القوات المصرية من اليمن الشمالي الذي سيطر عليه الجمهوريون.

    وشهد شطرا اليمن صراعات وانقلابات عسكرية كان بعضها دمويا، واشتباكات على الحدود منذ الستينيات حتى 22 آيار (مايو) عام 1990 بإعلان الوحدة وتشكيل دولة الجمهورية اليمنية اتحاد الشطر الشمالي "الجمهورية العربية اليمنية" مع الشطرالجنوبي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية " اتحادا اندماجيا. وتم إخضاع حركة انفصالية سريعا في 1994. وأغلب مشاكل اليمن الحالية تتعلق بالصراعات القبلية ونزعات الانفصال في الجنوب.

    ويواجه اليمن الآن العديد من المشكلات الداخلية والخارجية التي تؤثر على تطوره الديمقراطي رغم أنه أجرى العديد من الإصلاحات السياسية منذ الوحدة. ويأتي في مقدمة هذه المشكلات العنف السياسي حيث تنتشر الأسلحة والحركات الإسلامية المتشددة حيث تخوض الحكومة صراعا للسيطرة على انتشار الأسلحة ومواجهة الجماعات الإسلامية في إطار تعاونها مع الولايات المتحدة في الحرب التي تقودها ضد "الإرهاب" بينما يسعى للتخلص من صورته كملاذ آمن للجماعات المتشددة.

    مظاهرالتحول الديمقراطي في اليمن
    أولا : الحقوق السياسية
    1- الانتخابات
    جرت آخر انتخابات نيابية في اليمن في 28 نيسان (ابريل) 2003، شارك فيها 68 % من مجموع الناخبين البالغ عددهم ثمانية ملايين ناخب. وتنافس على شغل مقاعد مجلس النواب (وعددها 301 مقعدا) حوالي 821 مرشحا معظمهم ينتمون للأحزاب الأربعة الرئيسية بالإضافة إلى عدد من المرشحين المستقلين. وكان التنافس شديدا جدا وتخللته بعض أعمال العنف. وبلغ عدد المرشحات 37 امرأة.
    وقد جاءت النتائج النهائية على النحو التالي: حصل حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم على 225 مقعدا، وحصل حزب التجمع اليمني للإصلاح (حزب إسلامي) على 50 مقعدا. وفاز الحزب الاشتراكي اليمني بـسبعة مقاعد، بينما حصل كل من الحزب الناصري الوحدوي وحزب البعث على مقعدين فقط. أما المرشحون المستقلون فقد حصلوا على 14 مقعدا. وقد حفظ المقعد الخاص بالشيخ عبد الله الأحمر الذي فاز بالتزكية. واتهمت أحزاب المعارضة الحزب الحاكم بإجراء عمليات تزوير واسعة النطاق ، وهددت بمقاطعة جلسات المجلس النيابي الجديد احتجاجا على ذلك التزوير.
    و جرت آخر انتخابات رئاسية في أيلول (سبتمبر) 1999 حيث انتخب علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية وحصل على 96بالمائة من أصوات الناخبين. وواجه صالح مرشحا آخر للرئاسة هو نجيب قحطان الشعبي. وقدرت نسبة من شاركوا في الاقتراع بـنحو 66 بالمائة ممن يحق لهم التصويت. ورغب الحزب الاشتراكي اليمني في ترشيح شخص عنه لرئاسة الجمهورية لكنه فشل في الحصول على موافقة مجلس النواب على ترشيح ممثله بسبب مقاطعتهم لانتخابات 1997 التشريعية وعدم وجود ممثلين لهم في المجلس.
    كما أجريت انتخابات تكميلية في 11/12/2001 لشغل أكثر من 80 مقعدا بالمجالس المحلية التي أصبحت شاغرة باستقالة أو وفاة بعض الأعضاء. وفاز الحزب الحاكم بمعظم المقاعد في ظل غياب شبه كامل لأحزاب المعارضة اليمنية. وتوقفت عملية الاقتراع عدة ساعات في عدد من المراكز بسبب مشادات بين الناخبين.

    2- الفصل بين السلطات
    السلطة التنفيذية: يعين رئيس الجمهورية رئيس الوزراء. ويتولى رئيس الوزراء تأليف الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية. أما السلطة التشريعية فيختص بها البرلمان الذي يتألف من مجلسين هما مجلس الشورى ومجلس النواب. ويتمتع مجلس النواب بسلطات تشريعية بينما يقوم مجلس الشورى بدور استشاري فقط. وأصبح مجلس الشورى منذ 28 إبريل 2001 مؤلفا من 111 عضوا يعينهم رئيس الجمهورية. ويتألف مجلس النواب من 301 عضوا كما سبق ذكره ينتخبون بالاقتراع السري العام الحر والمباشر لمدة ست سنوات.

    ولا تتمتع السلطة القضائية باستقلالية كاملة حيث يتمتع مجلس القضاء الأعلى بصلاحيات إدارية على القضاء. ويراجع هذا المجلس السياسات المتعلقة ببنية القضاء وسير عمله، ويتولى تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم. ويتألف النظام القضائي من المحاكم الابتدائية التي تفصل في القضايا المدنية والجنائية والتجارية وفي الأمور العائلية. ويمكن استئناف قرارات هذه المحاكم أمام محاكم الاستئناف. والمحكمة العليا هي أعلى هيئة قضائية في الجمهورية ومقرها صنعاء. وتقرر هذه المحكمة دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات، وتفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء، وتفصل في الدعاوى المرفوعة ضد كبار المسؤولين الحكوميين، وهي المرجع القضائي النهائي لاستئناف جميع قرارات المحاكم الأدنى.

    ويرأس السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية وتمتد ولايته لسبع سنوات. وكانت انتخابات 1999الرئاسية أول انتخابات ينتخب فيها رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الشعبي المباشر. ويجب أن يحصل المرشح لرئاسة الجمهورية على ترشيح ما لا يقل عن 10بالمائة من أعضاء مجلس النواب لكي ييتمكن من ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة.
    أقرّ استفتاء عام أجرى في شباط (فبراير) 2001 عددا من التعديلات التي أدخلت على الدستور اليمني. ومن أبرز هذه التعديلات زيادة مدة ولاية مجلس النواب من أربع إلى ست سنوات، مما أطال مدة ولايته ومدة ولاية رئيس الجمهورية أيضا. ويعاني البرلمان اليمني من أوجه قصور عديدة يأتي في مقدمتها عدم انتظام أعضاء المجلس في حضور الجلسات، وافتقار أجهزته إلى الكوادر المؤهلة والمتخصصة والدعم الفني الذي من شأنه أن يسهل عمل المجلس. ومن هذه العوامل افتقاد المجلس لآلية يتابع من خلالها توصياته وقراراته ذات الصلة بالحكومة. وفضلاً عن ذلك فإن نسبة يعتد بها من أعضاء المجلس غير مؤهلة البتة وهي بالكاد تجيد القراءة والكتابة. ومن ناحية أخرى نجد أن القطيعة الاختيارية التي تبناها الحزب الاشتراكي اليمني للانتخابات النيابية عام 1997 أثرت سلباً على التجربة البرلمانية اليمنية التي حرمت من خبرات الحزب الاشتراكي اليمني الكبيرة في الحياة السياسية اليمنية.
    إن آداء البرلمان كسلطة رقابية ومحاسبة للحكومة اليمنية ضعيف جدا بسبب الافتقار إلى الكوادر وسيطرة السلطة التنفيذية على المجلس ، إن أحد أهم مشاريع القوانين المثيرة للجدل (والذي من المفترض أن يقدمه البرلمان) وهو قانون الذمة المالية قدمته الحكومة نفسها إلى البرلمان في منتصف سبتمبر 2003 والذي يسعى إلى الكشف عن الثراء المفاجئ لبعض المسؤولين.ويلزم القانون بكشف الذمم المالية لكل من رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء ورئيس وأعضاء مجلسي النواب المنتخب والشورى المعين، إضافة إلى المحافظين والدبلوماسيين ورجال السلطة القضائية والقيادات العسكرية وكبار الموظفين وزوجاتهم. ولقد أقر البرلمان من حيث المبدأ مناقشة مشروع القانون غير أنه لم يحدد موعدا لذلك.

    3- المجتمع المدني
    تنظم عدة قوانين الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية في اليمن. وهذه القوانين لا تجيز للمنظمات غير الحكومية الانخراط في النشاط السياسي. ولا يميز قانون الأحزاب والمنظمات السياسية رقم 66 لعام 1991 بين الأحزاب السياسية والمنظمات السياسية.
    وحدثت أزمة في نهاية أيلول (سبتمبر) 2003 عندما صرح علي صالح عبد الله وكيل وزارة الشئون الاجتماعية والعمل لقطاع التنمية الاجتماعية أن ما يقارب من (1400) مؤسسة ومنظمة أهلية قد تم توجيه خطابات لها تبلغها بانتهاء شرعيتها لأسباب مختلفة، وتمنحها فرصة لترتيب وضعها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الإبلاغ . وبرر صالح ذلك بأن هناك (4106) مؤسسة ومنظمة غير حكومية مرخص لها ، وكانت حتى نهاية 2002 (3969) منظمة، وفي عام 1998 (2155) منظمة وفي 1993 (1087). وأرجع هذا التزايد في أعداد المنظمات والمؤسسات غير الحكومية إلى عدم وجود قيود على تأسيسها ولكون ذلك حقا كفله الدستور والقوانين النافذة، ولأن الإجراءات الإدارية لا تحد من زيادتها حيث أعطاها القانون الشرعية بعد شهر من تقديم طلب الترخيص إلى الوزارة إذا لم ترد الوزارة على الطلب فتعتبر رسمية وتمنح الشرعية أوضح وكيل وزارة الشئون الاجتماعية أن من لن يلتزم من هذه الجمعيات سيتم إحالتها إلى القضاء الوحيد الذي يحق له الأمر بإغلاق تلك الجمعيات.
    وبرزت إلى حيز الوجود في السنوات الأخيرة عدة منظمات غير حكومية مؤثرة تعنى بحقوق المرأة اليمنية. ومن أبرز هذه المنظمات الأهلية "الجمعية الاجتماعية من أجل عائلات منتجة"، و"قسم المرأة والطفل" التابع لمركز الدراسات المستقبلية، وجمعية "تنمية المرأة والطفل"، والمجلس اليمني للأمومة والطفولة".
    واستمرت وزيرة حقوق الإنسان أمة العليم السوسوة في إرسال رسائل إيجابية بمطالبتها بالحد من الانتهاكات في اليمن في بداية آب (أغسطس)، ثم أقامت في 13 اكتوبر2003 ورشة عمل بعنوان "يمن بلا تعذيب"، أعلنت فيها أنها لا تنزه الجهاز الحكومي عن الانتهاكات، ونوقشت فيها دراسة تكشف واقع التعذيب. كما أعلن في عمان في 10 نوفمبر عن تأسيس منظمة لحرية الصحافة في دول الخليج العربية واليمن في بادرة جيدة للحد من الانتهاكات لحريات التعبير والوقوف بجانب الصحفيين.

    4- الأحزاب والحياة الحزبية:
    ينظم قانون الأحزاب والمنظمات السياسية رقم 66 لعام 1991 نشاط الأحزاب .ووفقا لهذا القانون لا يجوز أن تتعارض الأحزاب السياسية مع الإسلام، أو أن تتبنى أيا من النظم السياسية السابقة على الثورة اليمنية كنظام الأئمة والسلاطين، أو أن تعكّر صفو النظام والأمن، أو أن تستخدم الجوامع أو المؤسسات التعليمية والدوائر الحكومية للترويج لأي حزب أو لأية منظمة سياسية أو للتهجم عليها، أو أن تقصر عضويتها على منطقة جغرافية أو على قبيلة أو مذهب أو طبقة اجتماعية أو مهنة معينة.
    تتطلب إجراءات تسجيل الأحزاب السياسية أن يقدم الحزب المعني طلبا موقعا من 75 عضوا مؤسسا تصدق عليه إحدى المحاكم. وعلى الحزب أيضا أن يقدم لائحة بأسماء 2500 عضو على الأقل من مختلف أنحاء البلاد. وتقدم الحكومة دعما ماليا للأحزاب السياسية يوزع 25بالمائة منه بالتساوي على جميع الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي، بينما يوزع 75 بالمائة منه على هذه الأحزاب تبعا لنسبة الأصوات التي نالتها في الانتخابات العامة (يستثنى من ذلك الأحزاب التي فازت بأقل من 5 بالمائة من مجموع أصوات الناخبين).
    وتشرف على تسجيل الأحزاب السياسية "لجنة شؤون الأحزاب والمنظمات السياسية" التي تضم كلا من وزير الدولة للشؤون البرلمانية (رئيسا) ووزيرا الداخلية والعدل وأربعة أعضاء غير حزبيين من القضاة أو المحامين المتقاعدين. ولا يحدد القانون أي أسس لرفض تسجيل حزب ما. واللجنة مخولة في تقديم طلب عاجل إلى المحكمة المختصة لوقف نشاط أي حزب أو لتعطيل قراراته إذا قام بأي نشاط غير قانوني. وعلى المحكمة أن تبت الطلب خلال خمسة عشر يوما، بينما يحق للحزب استئناف الحكم أمام المحكمة العليا التي تصدر قرارها النهائي خلال تسعين يوما.

    الأحزاب اليمنية
    يتوزع المشهد الحزبي اليمني -شأنه في ذلك شان أغلب الدول العربية- إلى تيارات سياسية منها الإسلامي والقومي واليساري ويمكن تصنيف الأحزاب اليمنية إلى مجموعتين منذ الوحدة وهما:
    ـ الأحزاب السياسية ذات الخلفية الشمولية والتي كانت قائمة قبل الوحدة مثل الحزب الاشتراكي اليمني (يساري) والتنظيمات الناصرية والبعثية (قومية) وحزب التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي).
    • أحزاب السلطة وعلى رأسها المؤتمر الشعبي العام حزب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. وقد ارتبطت به من حيث التمويل ومن حيث النشأة بعض التشكيلات الحزبية ورج على تسميتها بـ"الأحزاب المفرخة". وقد أدى ظهورها إلى تضخم في المشهد الحزبي كما أثرت في جدية العمل السياسي العلني بعد الوحدة.
    وهنالك الأحزاب الجديدة التي ظهرت مع إعلان الوحدة كتلك التي عبرت عن شكل من أشكال التجديد والتجاوز في الممارسة السياسية مثل "التجمع الوحدوي اليمني" الذي ضم مثقفين وسياسيين من إيديولوجيات مختلفة.

    1) الأحزاب الشمولية
    أولا: الأحزاب الإسلامية
    التجمع اليمني للإصلاح : ونواة هذا الحزب هي حركة الإخوان المسلمين في اليمن وما انضم إليها من فعاليات سياسية إسلامية وشيوخ قبائل وضباط وعسكريين.وتأسس التجمع اليمني للإصلاح في 13 سبتمبر 1990، وقد شارك التجمع في الانتخابات النيابية الأولى (1993) وحصل على 63 مقعدا، كما شارك في الانتخابات النيابية الثانية (1997)، وحصل على 54 مقعدا من بين المقاعد الـ301.يرأس التجمع عبد الله بن حسين الأحمر منذ تأسيسه وحتى الآن، وقد انتخب مرارا رئيسا للبرلمان اليمني، ويرى المراقبون أن انتخاب الشيخ عبد الله الأحمر في كل دورة رئيسا للبرلمان وبأصوات الحزب الحاكم يعود إلى عملية التوازن السياسي التي يسعى إليها الرئيس علي عبد الله صالح خاصة وأن الأحمر له أهمية مزدوجة، فهو شيخ تجمع قبائل "حاشد" وزعيم أكبر الأحزاب الإسلامية اليمنية.وقد ظل التجمع حليفا للحزب الحاكم قبيل الوحدة وأثناء الحرب، لكنه ومنذ أقل من أربع سنوات بدأ الفتور يدب في علاقات الحزبين. وقد دخل التجمع الآن في التحالف المعارض المعروف باللقاء المشترك الذي تأسس في شباط من العام 2003.
    وتتوزع الحركة الإسلامية في اليمن إلى تشكيلات سياسية عديدة، فعدا التجمع اليمني للإصلاح -وهو أهمها تنظيما وحضورا- نجد هناك ستة أحزاب ذات توجه إسلامي هي: اتحاد القوى الشعبية، والمنبر اليمني الحر، والحزب الإسلامي الديمقراطي، وحزب الحق، وحركة التوحيد والعمل الإسلامي، وحركة النهضة اليمنية (وقد اندمجت مع التجمع).

    ثانيا: الأحزاب القومية
    1 - التوجه الناصري : ومن أبرز الأحزاب الناصرية اليمنية: "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري" وهو من بين بضعة أحزاب ناصرية صغيرة في اليمن بعضها يدعم الحزب الحاكم والبعض الآخر يدعم الحزب الاشتراكي لعلاقات جبهوية تعود إلى عهد التشطير, والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري حليف الحزب الاشتراكي منذ القدم خصوصا أن الأمين العام للحزب ارتبط بعلاقات وثيقة مع قيادة الحزب الاشتراكي إبان فترة المد الوحدوي لإلغاء التشطير واستعادة وحدة اليمن. وحصل "الوحدوي الناصري" في انتخابات 1993 البرلمانية على مقعد واحد، وحصل في انتخابات 1997 البرلمانية على ثلاثة مقاعد نيابية وقام بدعم العديد من المرشحين الآخرين والتصويت لهم في نحو 20 دائرة انتخابية فازوا بها في انتخابات 1997 وهم من الناصريين السابقين أو المتعاطفين مع التنظيم.وعدا "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري" توجد عدة أحزاب سياسية ذات توجه ناصري من بينها "الحزب الناصري الديمقراطي" وقد حصل على مقعد في انتخابات 1993 البرلمانية و"تنظيم التصحيح الناصري".
    2 - التوجه البعثي : نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي باليمن في منتصف الخمسينيات، وله فرعان فرع في صنعاء وآخر في عدن وذلك بعد عقد من تأسيسه في الشام.وفي عام 1972 انقسم فرع حزب البعث إلى قسمين رئيسيين: الأول ظل محتفظا بتسمية حزب البعث وحافظ على ارتباطه القومي (مجموعة ارتبطت بالبعث في العراق, وأخرى ارتبطت بالبعث في سوريا). أما القسم الثاني فقد سمى نفسه حزب الطليعة الشعبية, وقام كحزب موحد في اليمن واندمج في الماركسية اللينينية, ثم ما لبث أن انقسم بالتفاهم إلى حزبين أحدهما جنوبي واندمج في التنظيم السياسي الموحد (الجبهة القومية الحاكمة في الجنوب), والآخر شمالي صار فيما بعد أحد فصائل حزب "الوحدة الشعبية" في الشمال وأحد الفصائل المكونة للحزب الاشتراكي اليمني، وحصل حزب البعث في انتخابات 1993 على سبعة مقاعد وحصل في انتخابات 1997 على مقعدين.

    ثالثا: الأحزاب اليسارية
    1- الحزب الاشتراكي اليمني : جاءت نشأته ثمرة لتقارب ثم توحد عدد كبير من الأحزاب والتنظيمات والجماعات السياسية خاصة في مؤتمره الأول في التاسع من مارس/ آذار 1979.
    التوجه الأيديولوجي : الحزب الاشتراكي اليمني ذو توجه ماركسي وحصل الحزب الاشتراكي في انتخابات 1993 على 56 مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان اليمني الـ301، وكان الحزب الاشتراكي حينها عضوا في الحكومة اليمنية مؤتلفا مع خصمه اللدود المؤتمر الشعبي العام. أما انتخابات 1997 فقد قاطعها الحزب الاشتراكي وحصل مرشحون ينتمون إليه (خاضوا الانتخابات بصفة مستقلين في 42 دائرة )على أصوات بلغت 45902 مما يدل على أن الحزب كان سيحصل على عدد كبير من الأصوات لو خاض انتخابات 1997.

    2) أحزاب السلطة
    1- المؤتمر الشعبي العام : وتأسس عام 1982 ويرأسه علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية، حصل المؤتمر في انتخابات 1993 على 122 مقعدا من المقاعد الـ301, كما حصل في انتخابات 1997 على 187 مقعدا. ويرى المراقبون أن الحزب الحاكم كان بعد الوحدة اليمنية في حاجة إلى التفاف جماهيري فدخل في ائتلاف حكومي مع أهم حزبين سياسيين هما الاشتراكي والإصلاح، وبعد الانتخابات الرئاسية وفوزه بالأغلبية المطلقة لم يعد يجد تهديدا لا في الإسلاميين ولا في الاشتراكيين، ففي 23 سبتمبر/ أيلول 1999 أعيد انتخاب علي عبد الله صالح للرئاسة بنسبة 96.3 % من الأصوات ليكمل 21 عاما أمضاها في السلطة.
    وبصفة عامة فقد كان أداء أحزاب المعارضة في الانتخابات التشريعية التي أجريت في أبريل 2003 ضعيفا حيث حصل حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم على 225 مقعدا، وحصل حزب التجمع اليمني للإصلاح على 50 مقعدا. ولم يفز الحزب الاشتراكي اليمني سوى بـسبعة مقاعد، بينما حصل كل من الحزب الناصري الوحدوي وحزب البعث على مقعدين نيابيين. وكان أداءها في الانتخابات التكميلية التي أجريت في منتصف ديسمبر أكثر ضعفا حيث لم تفز إلا ببضعة مقاعد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من ضمن 80 مقعدا خاليا .

    الانتخابات
    ولكن الانتخابات التشريعية شهدت ظاهرة سياسية جديدة على العلاقات الحزبية في البلاد، تمثلت في إنجاز أول تجربة تنسيق بين أحزاب مختلفة في الرؤية الأيديولوجية، إذ جمعت تجربة ما يعرف بـ (اللقاء المشترك) التوجه الإسلامي والقومي والاشتراكي. وحققت التجربة نجاحا محدودا، لكنها لم تنجز كامل أهداف التجربة. فقد اتفقت أحزاب المعارضة على التنسيق في أكثر من 100 دائرة انتخابية، لكنها لم تستطع تنفيذ الاتفاق إلا في 50 دائرة تقريبا، وشهدت تعثرات في الميدان الانتخابي تمكن حزب المؤتمر الشعبي الحاكم من الاستفادة منها، والفوز في الدوائر التي شهدت ارتباكا في التنسيق بين المعارضة، مما كشف نقاط ضعف الأخيرة وعدم تمكنها من تجاوز عقلية الاستحواذ على الدوائر، وغياب القراءة الصحيحة لحجم وجودها التنظيمي في الدوائر المختلفة، ومغادرة مربع الصراعات التاريخية التي تحكمت في العلاقة فيما بين مكونات أحزاب المعارضة، وخاصة تجمع الإصلاح والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري.
    لكن هناك إنجازات كبيرة للتنسيق بين هذه الأحزاب أثمرت عن تحقيق بعض المكاسب المشتركة أزعجت إلى حد كبير الحزب الحاكم، وأربكت مشروعه في السيطرة إلا أن عملية تقويم هذه التجربة ستظل سابقة لأوانها في الوقت الراهن ، حيث أن هذا التنسيق ظهر فقط في بعض الدوائر الانتخابية ، ولكنه يبشر بإمكان تجاوز أحزاب المعارضة لمربع الصراعات الحادة التي صبغت علاقتها مع بعضها خلال العقود الماضية، وإمكان تناغم خطاباتها في سياق موحد باتجاه معارضة الحكومة وحزبها الحاكم.
    وكان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قد دعا في مستهل شباط (فبرابر)2003 كافة الأحزاب السياسية في البلاد إلى وضع ميثاق شرف بهدف تعزيز الديمقراطية. ويرتكز على الالتزام بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها الدستور والقوانين النافذة وصيانة النهج الديمقراطي وتعزيز دور الأحزاب في ممارسة الديمقراطية السليمة وتجنب ممارسة العنف والتعبير عن الآراء والمواقف بطرق سلمية.وأضاف أن "القاسم المشترك بين الحكومة والمعارضة يجب أن يكون التمسك بوحدة الوطن واستقلاله وسيادته وضمان ممارسة الديمقراطية بمسؤولية بعيدا عن الخصومة بين السلطة والمعارضة".

    ثانيا : الحقوق المدنية
    1- حقوق المرأة والمهمشين
    تقرر الشريعة الإسلامية الأحوال الشخصية للمرأة في اليمن. ووفقا لقانون الأحوال الشخصية اليمني، على المرأة أن تطيع زوجها. ويسمح للرجال بتطليق زوجاتهم بكل حرية، بينما لا تستطيع المرأة طلب الطلاق إلا في حال عجز زوجها عن إعالتها. ولا تستطيع المرأة السفر إلى خارج البلاد إلا بعد حصولها على إذن من ولي أمرها من الذكور. ويمنع القانون الزوجة من مغادرة المنزل من دون إذن زوجها. وتطبق جميع هذه التشريعات بدرجات متفاوتة بين الشمال والجنوب ففي الشمال تطبق بدرجة أكبر من تطبيقها في الجنوب (الاشتراكي السابق). فقبل توحيد شطري اليمن، كان نصف القضاة في الجنوب من النساء. ومنذ التوحيد، نجحت القوى المحافظة في إعادة تكليف القاضيات بأعمال إدارية وكتابية. ولا يوجد حاليا إلا عدد قليل من القاضيات يعملن في المنطقة المحيطة بمدينة عدن.
    يمكن للمرأة اليمنية التصويت في الانتخابات وشغل الوظائف العامة. وقد شكلت النساء 47% من مجموع الناخبين اليمنيين في الانتخابات التشريعية التي جرت في نيسان (إبريل) 2003. لكن جميع الأحزاب السياسية اليمنية امتنعت عن ترشيح أية امرأة على قوائمها الانتخابية. وتمكنت امرأة واحدة من بين 37 مرشحة مستقلة من الفوز بمقعد في مجلس النواب اليمني الجديد بينما فازت اثنتان بمقاعد نيابية في انتخابات 1997. وتقوم الحكومة بخطوات لزيادة الحضور النسائي في الوظائف الحكومية العليا. وتم تعيين أول امرأة في منصب وكيل وزارة الإعلام سنة 1997. وأعلن رئيس وزراء اليمن سنة 1998 أن على كل وزارة تعيين امرأة برتبة مدير عام. وعينت اليمن أول سفيرة لها سنة 1999. وصدر عن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الكثير من التصريحات العلنية المؤيدة لحقوق المرأة وللتنمية التي تركز على تطوير وضع المرأة.
    كما شهد عام 2003 خطوة إيجابية كبيرة لقضية منح الجنسية لأولاد اليمنيات المتزوجات من أجانب حينما صدر قرارا جمهوري في 8 ديسمبر , 2003 بمنح أبناء اليمنية من أجنبي حق الحصول على الجنسية ، كما نظمت جمعيات حقوق المرأة مظاهرة ناجحة في 17ديسمبر 2003 لبعض للفتيات للحيلولة دون تحويل مدرستهن لمدرسة للبنين.

    2- حرية الرأى والتعبير:
    يستخدم القانون اليمني تعبيرات فضفاضة تستغل للحد من حرية التعبير ، فيحظر القانون اليمني انتقاد الرئيس ويتم توظيف بند 102 لمحاكمة الصحفيين ومنع الإعلام من نشر مواد "تتحامل على الدين" أو "تشكل خطرا على المصالح العليا للدولة" وكذلك المواد التي من شأنها "أن تشجع التشرذم الطائفي والقبلي". تشمل العقوبات في هذه الحالات السجن لمدة أقصاها عام واحد ومنع ممارسة الصحافة وإغلاق المطبوعات.
    وكان عام 2002 قد شهد استدعاء ثلاثة صحافيين يمنيين يعملون لصالح الصحافة الأجنبية وهم فيصل مكرم من صحيفة الحياة اليومية اللندنية وأحمد الحاج من وكالة أنباء الأسوشيتدبرس وخالد المهدي من وكالة الأنباء الألمانية وذلك لمخالفتهم البند 102 من قانون الصحافة بعد أن نشروا أن نائب رئيس أركان الجيش قد أصيب عندما تم إطلاق النار على طائرته من قبائل في إقليم الجوف الشمالي والذي يعد مركزاً للمقاتلين الإسلاميين إلا أن الرئيس علي عبد الله صالح أصدر قراراً بإيقاف جميع الإجراءات القانونية ضد كافة الصحفيين في البلاد. واعتبرت هذه الخطوة لأول وهلة خطوة إيجابية تجاه حرية الصحافة ولكن هذا العفو يستوجب على الصحفيين توقيع تعهد بعدم مخالفة القانون. وقد رفض الصحفيون العرض لأنه سيكون ذلك بمثابة اعتراف بالذنب ويمثل سابقة خطيرة. ولا تزال القضايا ضد الصحافيين سارية حتى نهاية عام 2003.
    فقد بدأ عام 2003 بحكم براءة في حق أحد الصحافيين من تهمة الإساءة للسعودية في 28/1/2003 وإبطال حكم بمنعه من مزاولة المهنة إلا أنه في 26/03/ 2002 لكن حكمت محكمة أخرى على 3 صحافيين يمنيين بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ بعد أن أدانتهم في قضية أقامتها ضدهم السفارة السعودية بصنعاء كما قرر النائب العام في اليمن حبس أربعة من زعماء المعارضة على ذمة التحقيق بعد اشتراكهم في مسيرة مناهضة للحرب الأميركية في العراق في 23/3/2003م، وذلك بتهمة تسيير مسيرة غير مرخص بها والمشاركة فيها،. كما اعتقلت الشرطة اليمنية في مدينة عدن يوم 27 / 8/2003 الصحافي عبد الفتاح الحكيمي النائب السابق لرئيس تحرير صحيفة "14 أكتوبر" الحكومية . كما لا تزال موجة ترحيل الأجانب مستمرة في إطار الحرب على الإرهاب فأبعدت السلطات اليمنية أكثر من ألف شخص لأسباب أمنية. وكانت السلطات اليمنية وبضغط من الولايات المتحدة طردت في إطار الحرب على الإرهاب أكثر من 1800 شخص في عام 2002.

    3- حرية واستقلال الاعلام
    تتمتع الصحافة اليمنية بهامش معقول من الحرية ويوجد في اليمن محطة تلفزيونية واحدة وصحيفتان. وينظم قانون الصحافة والنشر رقم 25 لعام 1990 النشاط الإعلامي في اليمن، وتتولى وزارة الإعلام الإشراف على تطبيق شروطه. ويعطي هذا القانون الحق لأي مواطن يمني أو مؤسسة أو حزب سياسي أو جماعة بإصدار الصحف و/أو المجلات. ولكن القانون يشترط عدم تمويل أي من هذه المطبوعات من جهات أجنبية، كما يشترط احتفاظها ببيانات وجداول مالية واضحة ودقيقة.
    وشهد شهر كانون الأول (ديسمبر) 2003 بداية معركة بين الدولة وحزبها الحاكم من جهة ونقابة الصحفيين من جهة أخرى حيث أعلن مجلس نقابة الصحافيين اليمنيين في فتح باب الترشيح لمنصب النقيب وعضوية مجلس النقابة ، وذلك قبل 45 يوما من موعد انعقاد الجمعية العمومية لإحساسهم باتجاه الحكومة وحزبها الحاكم الى السيطرة على مجلس النقابة الذي يحمل صلاحيات مهمة لضبط إيقاع الصحف اليمنية . وتعد تلك الخطوة متوازية مع إجراءات تمت لملاحقة صحيفة "الوحدوي" اليمنية قضائيا لمنعها من تناول مواضيع تتعلق برئيس الكتلة البرلمانية للمؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم). وسوف ينظرها القضاء في بداية عام 2004.
    وكانت الحكومة قد شنت حملة لسحب شرائط دينية مسجلة تهاجم الحكومة في بداية سبتمبر 2003في مواقفها الموالية لواشنطن في قضايا "الحرب ضد الإرهاب" وحرب العراق.

    اتجاهات التحول الديمقراطي في اليمن
    كان اليمن واحدا من الدول العربية التي أصابتها رياح الديمقراطية والتغيير استجابة للمتطلبات المحلية والدولية فسعت إلى الأخذ بالتعددية السياسية، إلا أن هذه التعددية لم تحدث تأثيرا كبيراً في جوهر تداول السلطة وأسلوب ممارسة الحكم. فقد صدرت كثير من التشريعات والقوانين فرضت قيوداً وضوابط أدت إلى إضعاف العملية الديمقراطية والتعددية السياسية.و ظل النظام الحزبي في اليمن كغيره من الدول العربية يتسم بهيمنة الحزب الحاكم بشكل تتداخل فيه الدولة مع الحزب والحزب مع الدولة، وفي مقابل ذلك فإن أحزاب المعارضة تعاني من الضعف وأحيانا التناحر فيما بينها.وغالبا ما تكون العملية الانتخابية عرضة للاتهامات بالتلاعب والتزوير والتدخل من قبل الدولة بأجهزتها ومؤسساتها، وهذه الاتهامات غالبا ما تقلل من مصداقية الانتخابات ونتائجها.يلاحظ أيضا ضعف القوى الحزبية وفقدانها الثقة في العملية الديمقراطية، وافتقار بعضها للممارسة الديمقراطية داخل هياكلها التنظيمية، وتدني فيم الديمقراطية لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية، وافتقار بعض الأحزاب للقاعدة الجماهيرية وعجزها عن تجديد مناهجها الفكرية وخطابها السياسي. فكل ما تحقق في هذه الديمقراطية هو انفتاح سياسي أوجد هامشا من الحرية في الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب السياسية.

    ملامح المشهد السياسي اليمني
    على الرغم من اشتراك اليمن في كل الخصائص السياسية التي ذكرناها آنفا فإن الحياة السياسية تتميز بطابع خاص.يمكن إيجازها في ما يلى:
    ـ منذ عام 1990 وبعد أن تم إقرار التعددية السياسية اندفعت القوى والتيارات السياسية اليمنية تتشكل ، وتم التصريح لأكثر من 40 حزبا، إلا أن الممارسة السياسية أفرزت نحو عشرة أحزاب لديها القدرة على التعايش السياسي، في حين أفرزت صناديق الانتخابات نحو نصف العدد فقط هو القادر على المنافسة السياسية مع وجود درجات متفاوتة من هذه القدرة.ولعل ذلك كان مرتبطاً بالفترة الانتقالية (90-1993)، حيث شهدت عملية تفريخ لأحزاب صغيرة استخدمها الحزبان الحاكمان آنذاك (المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني) في مواجهة بعضهما.

    ـ وفي إطار الخصوصية أيضا، سمحت اليمن بتشكيل الأحزاب ضمن شروط لا تستبعد أيا من التيارات السياسية وبالذات الأحزاب الإسلامية، متجاوزة بذلك الحساسية الموجودة في الدول العربية تجاه هذه الأحزاب التي تعاني "الفيتو" أو حجب الشرعية في بعض الدول العربية الأخرى.

    ـ و تميزت الحياة السياسية اليمنية كذلك بإمكانية التحالف بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة في حكم البلاد، وهي ميزة لا تتوفر إلا لدولتين أو ثلاث فقط، فقد قدم اليمن تجربة الحكومة الوطنية بعد انتخابات 93 إلا أنها لم تصمد بعد انتخابات 97، حيث انسحب التجمع اليمني للإصلاح إلى صفوف المعارضة كما كان في الفترة الانتقالية.

    ـ كما تتميز الحياة السياسية اليمنية بغلبة مؤسسة القبيلة وسطوتها على الجماهير، فالولاء القبلي هو أول وأهم محدد لخيارات الفرد السياسية بغض النظر عن برنامج هذا الحزب أو ذاك، وفي هذا الإطار أيضاً تتداخل مؤسسة القبيلة مع مؤسسة الدولة وأحياناً تتنازل الأخيرة لصالح الأولى عند الاحتكام في القضايا السياسية، ولعل أبرز دليل على ذلك محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق حسن مكي على يد أتباع أحد المشايخ وتم حل القضية بشكل قبلي وتم ذبح سبعة ثيران، حسبما تقضي الأعراف القبلية.

    ـ وفي إطار الخصوصية أيضاً ولكون الشعب اليمني شعبا مسلحاً فغالبا ما تصاحب العملية الانتخابية صدامات مسلحة وكذلك الحال في التظاهرات السياسية، ولعل تظاهرة تأييد العراق الأخيرة قبل عدة أسابيع خير شاهد على ذلك، حيث راح ضحيتها طفل لا يتجاوز 11 عاما.صحيح أن هذه الظاهرة قد توجد حتى في أكثر الدول العربية مدنية إلا أن وجود السلاح غالبا ما يشجع على الصدام.

    ـ وتتميز الحياة السياسية في اليمن كذلك، فيما يتعلق بالانتخابات، بتوفير آلية خاصة بهذه العملية تسمى "اللجنة العليا للانتخابات"، وهي التي تتكفل بالإشراف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، وهي لجنة مشكلة من مختلف الأحزاب وتشكل ضمانة -إلى حد ما- أفضل مما توفره وزارات الداخلية في كثير من الدول العربية.

    وأخيرا فإن هذه الخصوصيات للحياة السياسية اليمنية ليست بالضرورة شيئا سيئا كما أنها ليست بالضرورة شيئا إيجابيا، ويظل التواصل والحوار بين حزب السلطة (المؤتمر الشعبي العام) مع بقية الأحزاب المعارضة أبرز مميزات الحياة السياسية اليمنية عن بقية الدول الأخرى، وكان لهذا الدور - ولا يزال - الأثر الواضح في نزع فتيل أي أزمة حزبية وتخفيف الاحتقان وإحداث الحراك السياسي وضمان التوافق المشترك في القضايا الأساسية للديمقراطية والمجتمع، كما يظل المحرك الأساسي في توسيع قاعدة المشاركة السياسية والتغيير في اليمن.

    بذور التغيير
    أبرزت الانتخابات الأخيرة ظاهرتين ربما تكرسهما المشاهد الانتخابية القادمة بصورة أقوى. تتمثل الأولى في ارتفاع عدد المرشحين من فئة التجار ورجال المال والأعمال ومن كبار المسئولين وأولادهم إلى جانب المشايخ القبليين، ونجاحهم في احتلال معظم مقاعد المجلس النيابي الجديد وهم منتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي الحاكم.ويقابل هذا الارتفاع انخفاض حاد في عدد الشخصيات الأكاديمية والعلمية الجامعية والتكنوقراط، وهو ما يشير إلى سيطرة وتغول القيادات التقليدية والتجارية، وهيمنة العقلية الطبقية في مجتمع محكوم من قبل هذه الفئات، وتمكن تلك القوى والفئات من التماهي مع الدولة وسيطرتها على مفاصل القوة والتأثير في البلاد، كضمانة مؤكدة لحصول حزب المؤتمر الحاكم على الأغلبية الكاسحة التي تمر من بوابة هذه الفئات والقوى الاجتماعية.

    أما الظاهرة الثانية، فتمثلت في انخراط أبناء مشايخ القبائل والمسئولين في المعترك الانتخابي اعتمادا على نفوذ آبائهم في مناطق صناعة القرار في الدولة. وتجلت هذه الظاهرة بصورة واضحة في استئثار الأبناء الأربعة للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس حزب الإصلاح ورئيس البرلمان السابق والجديد لما يزيد على 30% من المقاعد البرلمانية الممثلة لمحافظة عمران البالغ عددها الإجمالي (15) مقعدا، وتكررت الظاهرة في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة وهيمن أبناء الشيخ علي وصغير وشامي بكامل المقاعد الممثلة للمديرية.
    واتبعت قيادة حزب المؤتمر الحاكم تكتيكا جديدا لتطويع هذه الفئات وإخضاعها بصورة كاملة من خلال استخدام وسيلتي (العصا والجزرة)، وخاصة مع الشيخ الأحمر باعتباره أبرز الشخصيات التاريخية والقبلية المؤثرة في اليمن. فقد أنزل الحزب الحاكم مرشحا مستقلا لمنافسته، وكادت المعلومات الميدانية تجمع على إمكانية إسقاط الشيخ في معقله الرئيسي لا سيما أن منافسه من فئة التجار. وتمت تهيئة إمكانات كبيرة أربكت الشيخ الأحمر، مما اعتبرها رسالة من الحزب الحاكم بعدم المراهنة على حزب الإصلاح المعارض.ويبدو أنه فهم الرسالة عندما استجاب -في سابقة لم تشهدها التجربة الانتخابية البرلمانية اليمنية- لضغط الحزب الحاكم في أن يكون مرشحا عن حزبه الإصلاح والمؤتمر الشعبي الحاكم في آن واحد، بعد أن وضعه الأخير أمام خيارين كلاهما بالغ الصعوبة، إما أن يتنازل عن حزبه ويخوض الانتخابات كمرشح مستقل، أو أن يكون مرشحا باسم حزب الإصلاح المعارض والمؤتمر الحاكم، إضافة إلى توصيل رسالة أخرى له عندما أصدر الرئيس صالح أوامره بمنع النجل الأكبر للشيخ الأحمر من الترشح في إحدى الدوائر ممثلا عن حزب الإصلاح بعد اتهامه باعتراض موكب محافظ المنطقة، وفرض أخاه الآخر ليترشح فيها باسم الحزب الحاكم في مخالفة لقانون الانتخابات. وبتزكية الشيخ الأحمر رئيسا لمجلس النواب الجديد، لم يخضع للإجراء باعتباره مرشحا عن حزب الإصلاح المعارض، وإنما كمرشح عن حزبي السلطة والمعارضة.
    ودلالات هذه الممارسات المصلحية بين الحكومة وحزبها الحاكم من جهة وبين زعماء القبائل والعشائر من جهة أخرى تحمل في داخلها إيجابيات إجراء توازن تكتيكي يحقق هامشا من المعارضة المنظمة والمؤثرة للتوجهات الحكومية . ولكن من جانب آخر فإن هذه الممارسات القبلية تحد من تأثير العمل المؤسسي الحزبي وتضعف من هيكلة العملية السياسية داخل اليمن في إطار مجموعة من النخب الحاكمة.

    نقلاً عن ايلاف.
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة