حدث في مثل هذا اليوم (بالهجري)

الكاتب : abo khalifa   المشاهدات : 645   الردود : 0    ‏2004-06-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-06-12
  1. abo khalifa

    abo khalifa قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-03-27
    المشاركات:
    7,032
    الإعجاب :
    12
    "تل دانيث".. هزيمة أم خيانة؟!
    (في ذكرى حدوثها: 23 من ربيع الآخر 509 هـ)

    نجح الصليبيون في حملتهم الصليبية الأولى سنة (492 هـ = 1098م) من تأسيس أربع إمارات صليبية، كانت إمارة إنطاكية واحدة منهن بعد أن سقطت في أيديهم في (26 من رجب 492 هـ = 28 من يونيو 1098م)، ولم يكن سقوطها بسبب تفوق الغازي في العدة والعتاد، أو تفوقه في أساليب الحرب والقتال، أو في شجاعته ومهارته في المبارزة والالتحام؛ بل كان سقوطها راجعًا إلى تفرق الكلمة، واشتعال النزاع بين أمراء المسلمين، واستخفافهم بالعدو الغازي، وتباطؤهم في العون والنجدة، وعدم انتهازهم للفرص التي سنحت لهم للقضاء على العدو الذي كان يعاني صعوبات كثيرة أوشكت أن تقضي عليه، وهكذا نشأت هذه الإمارة الصليبية وقامت.

    بوهيمند النورماندي
    ويرجع الفضل إلى قيام هذه الإمارة الصليبية إلى "بوهيمند النورماندي" أحد قادة الحملة الصليبية الأولى، الذي سعى منذ أن استولى على هذه المدينة الهامة إلى تثبيت مركزه وتوسيع أركان إمارته على حساب جيرانه المسلمين، وبدأ نشاطه ضد "حلب" وذلك بالاستيلاء على المواقع الحيوية مستغلا الخلافات والصراعات بين أمراء تلك المناطق، وكادت "حلب" نفسها تقع في أيدي بوهيمند الطموح، لولا أنه وقع قدرا في الأسر في إحدى غزواته، فتخلص المسلمون -ولو لفترة- من شروره وآثامه.

    ولم يهنأ المسلمون كثيرا، فقد افتدى بوهيمند نفسه، وعاد إلى ممارساته القديمة والاستيلاء على أراض جديدة، وتهديد إمارة حلب بكثرة اعتداءاته عليها، وفرض الجزية على المسلمين، وكاد الأمر يتحول إلى كارثة لولا الهزيمة التي ألحقها به المسلمون بقيادة "سقمان بن أرتق" صاحب ماردين، و"جكرمش" أتابك الموصل. وكانت هزيمة هائلة أنقذت مدينة "حران" من السقوط، وأحدثت خسائر كبيرة في صفوف الصليبيين، ولم ينج بوهيمند إلا بأعجوبة.

    تانكرد يخلف بوهيمند
    وبعد رحيل بوهيمند إلى إيطاليا سنة (498 هـ = 1104م) خلفه على إنطاكية "تانكرد"، وكان قائدا عسكريا دائب النشاط، واسع الحيلة، وبدأ حكمه بتوفير الأموال وجلب الرجال ليعيد لإنطاكية ما كانت عليه قبل هزيمة "حران"، ونجح في ذلك، واستطاع في فترة قصيرة أن يؤمن حدود إمارته، وأن يسترد لها ما فقدته بعد هزيمة حران.

    وقد دفعت هذه الانتصارات أن يقوم "رضوان" أمير حلب بعقد هدنة مع تانكرد سنة (498 هـ = 1105م)، وكانت هذه هي أول معاهدة تعقد بين المسلمين والصليبيين منذ قدوم الحملة الصليبية الأولى.

    وقد أثارت توسعات تانكرد مخاوف المسلمين في الشام، بعد أن وصل الحال بهم إلى أن أهالي حلب صاروا يدفعون الجزية له، وضاق الأمر ببعضهم فهجروها إلى غيرها من المدن. ولما استنجد أهالي الشام بمودود -حاكم الموصل، الذي كوَّن حلفا إسلاميا جديدا للتصدي لتوسعات تانكرد- استجاب لدعوتهم، وتحرك لمواجهة قوات تانكرد ومن جاء ليساعده. وتقابل الفريقان عند "أفامية" سنة (505 هـ = 1111م)، واستمرت المواجهة أسبوعين دون نتيجة مؤثرة، أو تغيير في موازين القوى.

    دوجر الإنطاكي
    وبعد وفاة تانكرد في (8 من جمادى الآخرة 506 هـ = 12 من ديسمبر 1112م) خلفه في حكم إنطاكية "دوجر دي سالرنو" الذي عرف بـ"دوجر الإنطاكي"، ولم يكن أقل من سلفه قدرة ومهارة وجرأة، وقد وصفه "أسامة بن منقذ" في كتابه (الاعتبار) بأنه كان شيطانا من الفرنج؛ لقوته ودهائه ومثابرته على محاربة المسلمين. ولم يكد يتولى الحكم حتى جاءت الفرصة لإثبات أنه جدير بمنصبه.

    وكان مودود حاكم الموصل رجلا مجاهدا عميق الإيمان، متمسكا بفكرة الجهاد ضد الصليبيين الغزاة، ويتبع دولة السلاجقة التي كانت تناوئ الصليبيين، وقد دعا مودود جيرانه من أمراء المسلمين لمحاربة الصليبيين سنة (507 هـ = 1113م)، فاستجاب له بعض زعماء دولة السلاجقة؛ مثل: تميرك صاحب سنجاد، وإياذ بن إيلغازي أمير ماردين، وطغتكن أتابك دمشق، وكان مقصد الحملة ضد مملكة بيت المقدس الصليبية للانتقام من الغارات التي دأب الصليبيون على القيام بها ضد دمشق وما جاورها.

    مقتل مودود
    ولما وصلت أنباء تلك الحملة إلى "بلدوين الأول" ملك بيت المقدس، استنجد بأتباعه في الشام، فهب لنجدته أمير إنطاكية، وبونز أمير طرابلس، وقبل أن تصل هذه النجدات أنزل المسلمون بملك بيت المقدس هزيمة قاسية عند بلدة "الصنبرة" ارتد بعدها مدحورا إلى طبرية يلعق مرارة الهزيمة.

    ولم يدعم المسلمون هذا النصر بمتابعة ملك بيت المقدس وملاحقته، وكانت الحكمة تقتضي ذلك، لكن المسلمين اكتفوا بما حققوه، وأضاعوا بضعة أسابيع في الانتظار غربي طبرية، ثم لم يلبث أن وصل دوجر الإنطاكي و"بونز" أمير طرابلس لنجدة ملك بيت المقدس، في الوقت الذي تفرق فيه زعماء السلاجقة وعادوا إلى بلادهم، فاتجه مودود ومعه طغتكين إلى دمشق؛ حيث كان ينتظره حتفه، فاغتاله أحد الباطنية ومات شهيدا، واستراح الصليبيون من رجل كان الجهاد شغله الشاغل، وتوحيد صفوف الأمة مشروعه الذي عاش من أجله.

    وبعد استشهاده خلفه في الموصل "آقسنقر البرسقي"، واستأنف الجهاد ضد الصليبيين، وحاول فتح إمارة الرها الصليبية، وضرب حولها حصارا دام أكثر من شهرين، لم ينجح في أثنائها في فتح الرها، وارتد عنها دون تحقيق أي نجاح، وهو ما جعل السلطان محمد السلجوقي يعزله من أتابكية الموصل، ويولي مكانه جيوش بك.

    حملة برسق بن برسق
    كانت الأحوال في الشام بالغة السوء بعد أن بلغت الفوضى مداها، وساد الاضطراب في كل مكان بسبب الحرب المشتعلة بين المسلمين والصليبيين. ورغب السلطان محمد السلجوقي في بسط هيمنته على الإمارات الإسلامية في الشام وشمال الجزيرة الفراتية، بعد أن رأى كثيرا من حكامها يتطلعون إلى قطع صلتهم بالدولة السلجوقية؛ بل إن بعضهم لم يتردد في أن يكون مع صفوف أعداء الدولة، وفي الوقت نفسه رغب في محاربة الصليبيين، وإيقاف توسعهم ودفع خطرهم.

    ولأجل هذا جهز السلطان حملة كبيرة سنة (509 هـ = 1115م) عهد بقيادتها إلى واحد من أمهر قادته يسمى "برسق بن برسق" أمير همذان وخوزستان، وانضمت تحت قيادته قوات الموصل وسنجاد والجزيرة.

    ولما وصلت أنباء هذه الحملة إلى أمراء المسلمين أحس بعضهم بالخطر على مركزه، وبدلا من أن يتعاون الجميع لمواجهة خطر الصليبيين المحدق بهم جميعا، ويقفوا صفا واحدا في وجهه، لجأ بعضهم إلى التحالف مع الأعداء، والاستنصار بهم ضد أبناء الدين والوطن، وهذا ما كان من "طغتكين" أمير دمشق، و"إيلغازي" في ديار بكر، و"بدر الدين لؤلؤ" صاحب حلب.

    ولم يبق للسلاجقة بعد هذا الموقف المخزي سوى دعامتين في بلاد الشام، بقيا على ولائهما للدولة السلجوقية؛ هما: بنو منقذ في شيزر، وأمير حمص فيرخان بن قيراجا.

    سير الحملة


    اتجهت حملة برسق إلى حلب، فأسرع صاحبها بدر الدين لؤلؤ إلى الاستنجاد بطغتكين وإيلغازي، فأسرعا إلى نجدته على رأس ألفين من الفرسان؛ انتظارا لقدوم قوات برسق، وفي الوقت نفسه قام دوجر الإنطاكي بجمع جيوشه على نهر العاصي للدفاع عن إنطاكية من جهة ومراقبة تطورات الأوضاع في حلب، ثم حدث اتصال بينهما، ورأيا أن يقفا معا في وجه قوات برسق، فاجتمع ألفان من الصليبيين مع عشرة آلاف من المسلمين لهذا الغرض.

    ولما رأى برسق خيانة أمير حلب وتنكره للسلطان وتحالفه مع الصليبيين، اضطر أن يغير وجهته عن حلب -وهي التي كان ينوي اتخاذها قاعدة لعملياته الحربية في الشام- وأن يتجه إلى شيزر وحمص، باعتبار أن حاكميهما بقيا على ولائهما للسلطان. وبدأ برسق بحماة التابعة لدمشق فاستولى عليها، ثم اتجه إلى "كفر طالب" التابعة للصليبيين فدمرها، وأسر من نجا منهم، ثم اتجه إلى "معرة النعمان" ومنها أخذ يستعد للاستيلاء على بعض حصون الصليبيين، ويرسل قوات كبيرة لفتح "حلب". وفي الوقت الذي كانت تعسكر فيه قوات السلاجقة عند "تل دانيث" غربي "سيرمين" فوجئ المسلمون بالصليبيين بقيادة دوجر الإنطاكي، وبلدوين دي مورج أمير الرها ينقضون عليهم في هجوم مفاجئ لم يستعد له المسلمون جيدا، وذلك في (23 من ربيع الآخر سنة 509 هـ = 14 من سبتمبر 1115م)، فقتل منهم كثيرون، وفر الباقون وعلى رأسهم برسق نفسه، وغنم الصليبيون غنائم كثيرة لا تحصى.

    وعاد دوجر إلى إنطاكية يحمل أكاليل النصر، واستقبله سكانها -وعلى رأسهم البطريرك- بكل حفاوة، وكان هذا الانتصار هو أعظم نصر حققه الصليبيون منذ الحملة الصليبية الأولى، ووضع نهاية لجهود السلاجقة لاسترداد الشام، ولم يلبث أن توفي برسق بعد بضعة أشهر من هذه الهزيمة، وتوقف السلطان محمد السلجوقي عن بذل تضحيات لاسترداد الشام.

    وترتب على هذا النصر أن ارتفعت مكانة دوجر بين الصليبيين، وبدأت القوى الإسلامية المجاورة تخطب ودَّه بعد أن صار أقوى الأمراء الصليبيين في شمال الشام، وأوشكت حلب أن تسقط في يده بعد أن طوقها من كل جانب.

    غير أن هذا لم يدم طويلا؛ فقد التقت قواته بقوات إيلغازي -أقوى أمراء الجزيرة وشمال الشام- التي هبت لنجدة أهالي حلب في معركة عرفت باسم "ساحة الدم" في (16 من ربيع الأول 513 هـ = 28 من يونيو 1119م)، وانتهت المعركة بمصرع دوجر ومعظم رجاله، ولم ينقذ إنطاكية من الوقوع في يد المسلمين سوى نجدة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس.

    أحمد تمام
     

مشاركة هذه الصفحة