الاصلاح او العنف الدموي \ عبد الباري عطوان

الكاتب : ابو حماس   المشاهدات : 332   الردود : 0    ‏2004-06-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-06-09
  1. ابو حماس

    ابو حماس عضو

    التسجيل :
    ‏2002-08-23
    المشاركات:
    69
    الإعجاب :
    0
    [color=0000FF]تتميز المنطقة العربية عن مثيلاتها في العالم بتخصصها في تلقي الصفعات والاهانات بسعادة غامرة، وتبلغ هذه السعادة ذروتها عندما تكون الاهانات قادمة من الولايات المتحدة واسرائيل.
    ولعل آخر الاهانات، واكثرها ايلاما، مشروع الاصلاحات الديمقراطية الذي ستتبناه قمة الدول الصناعية الثماني في اجتماعها الذي سيبدأ اعماله اليوم في ولاية جورجيا الامريكية.
    الانظمة العربية الحاكمة، التي تعاملت مع شعوبها كما لو انها قطعان من الماشية، استمرأت الفساد، ونهب المال العام، وتغييب الحريات، والتصرف بالبلاد كما لو انها مزرعة لها ولنسلها واحفادها واصهارها، هي التي اوصلتنا الي هذا الوضع المزري المهين، وجعلتنا اضحوكة بين الامم.
    والشعوب ايضا استمرأت حال الضعف والهوان التي تعيشها، واستسلمت للقمع، ورضيت باتهام الانظمة والقاء، اللوم عليها وقمعها، حتي لا تفعل اي شيء لتغيير هذا الواقع المتعفن، فالرئيس بوش يجد الملايين يتظاهرون ضده في روما، ورامسفيلد يجد اضعاف هؤلاء اثناء هبوطه في بنغلاديش، وتخرج مظاهرات في واشنطن ولندن ضد التعذيب في ابو غريب، بينما يحظي بوش ورامسفيلد وكولن باول باستقبالات حافلة في عواصم العرب.
    الانظمة العربية تعارض اصلاحات الدول الثماني بشدة لانها لا تتضمن اي اشارة الي تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وكأن هذه الانظمة وقادتها، لا ينامون الليل بسبب بقاء المشكلة الفلسطينية دون حل!
    نحن نسأل، وبالسذاجة كلها، هل وجود انظمة ديمقراطية عربية منتخبة، يسود فيها القانون، والقضاء المستقل، والعدالة في توزيع الثروة، والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الانسان، يمكن ان يعطل حل القضية الفلسطينية، او يمنع الجيوش العربية من التقدم نحو القدس المحتلة من اجل تحريرها؟
    ألم تهزمنا الدولة العبرية بديمقراطيتها وتقدمها الاقتصادي وشفافيتها، والمساواة بين مواطنيها امام القانون، ومحاكمة زعمائها بتهم الفساد او حتي بشبهة الفساد؟
    نحن كعرب لا ينقصنا اي شيء غير الديمقراطية والعدالة ودول المؤسسات، فنحن نملك المال، والعقول، والثروات، والتاريخ، والعمق الجغرافي، وهي امور تفتقر اليها جميعا الدولة العبرية، ولكنها بالديمقراطية (ديمقراطية اليهود فقط) استطاعت ان تخوض حروبها جميعا وتنتصر فيها.
    خمسة آلاف مليار دولار دخلت علي الخزائن العربية من عوائد النفط علي مدي ربع القرن الماضي، حسب احصاءات منظمة اوبك، ذهبت كلها في قنوات الفساد، ولبعض الزعماء وحاشيتهم ونسلهم المبارك، بينما بقيت الملايين في الشارع العربي تواجه الجوع والحرمان والمرض والبطالة، ثم يلومون هؤلاء، او مجموعاتهم الشبابية، لو لجأت الي العنف، وحملت السلاح ضد جميع الانظمة وحماتها في الغرب.
    نعم الدول الصناعية، لا تريد الاصلاح الحقيقي في الانظمة العربية، وتستخدم هذه الورقة لابتزاز الزعامات المكروهة وغير المنتخبة لتقديم تنازلات في فلسطين، والمشاركة في انقاذ الادارة الامريكية من ورطتها الراهنة في العراق، والحصول علي النفط العربي باسعار رخيصة.
    فالاصلاحات الديمقراطية الحقيقية في مصر، ووجود حكومة وبرلمان منتخبين، لن يسمحا بالمهازل التي ترتكبها القيادة المصرية حاليا، وابرزها التحول الي وسيط منحاز لاسرائيل ورئيس وزرائها شارون، ولن يقبلا باتفاقات كامب ديفيد المهينة ووجود سفارة لاسرائيل في القاهرة.
    والاصلاحات الديمقراطية في السعودية لن تسمح بهيمنة ابناء الاسرة الحاكمة بالسيطرة علي كل شيء، الامارة والتجارة، والوظائف العليا والسفلي، واهدار ثروات الاجيال القادمة من خلال بيع النفط رخيصا وبما يخدم المصالح الاقتصادية الامريكية، واعادة انتخاب اكبر عدو للعرب والمسلمين جورج بوش لفترة انتخابية ثانية.
    والديمقراطية الحقة ستجعل البرلمان القطري يرفض قاعدة العديد الامريكية، واقامة اي تعاون مع اسرائيل، وستعطي اربعمائة الف من البدون حقوقهم السياسية والمواطنة في الكويت. وربما تجعل البرلمان الكويتي يعارض تحويل ثلثي بلاده قاعدة انطلاق للعدوان علي العراق، والشارع اليمني لن يسمح لعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بمطاردة ابناء اليمن وقتلهم دون محاكمة او تهمة، وللبرلمان الليبي بالقبول بحال الفوضي الراهنة في البلاد، حيث لا دولة ولا ادارة، ولا شفافية ولا قانون. والشيء نفسه يقال عن الاردن وسورية وكل الدول العربية الاخري.
    الشعوب العربية هي التي تريد الاصلاحات، وهي التي تتطلع الي الديمقراطية، العنصر الغائب عنها طوال الخمسين عاما الماضية، وهو الغياب الذي دفعت ثمنه غاليا معاناة وقهرا وجوعا وتخلفا (انظر تقرير الامم المتحدة عن التنمية في البلدان العربية).
    مقولتا التدرج و الخصوصية اللتان تطالب بهما الانظمة هما ابرز الذرائع لتعطيل الاصلاحات، وكسب المزيد من الوقت، لسحق الحركات الاصلاحية الداخلية التي بدأت تطل برأسها، ولهذا يجب ان لا تخدعنا كشعوب مطلقا.
    مشروع الدول الصناعية الاصلاحي الذي سيصدر غدا حول الشرق الاوسط يهمنا كونه يجسد ادراك هذه الدول لفساد الانظمة العربية، والخطر الكبير الذي تشكله علي الامن العالمي. وهذا في حد ذاته نقطة ايجابية تخدم المسيرة الاصلاحية العربية الداخلية. فتمتع الانظمة العربية بحماية الخارج هو الذي ادي الي توغلها في القمع والفساد واحتقار الرأي العام في بلدانها.
    الشعوب العربية تملك حاليا سلاحا اخطر من كل اسلحة الدمار الشامل، وهو سلاح العنف ، وهو سلاح اجبر شارون علي الانسحاب من لبنان وغزة، وفرض علي امريكا التفكير بالهرب سريعا من العراق وباقل قدر ممكن من الخسائر.
    الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، والحكومات المنتخبة والقضاء المستقل والصحافة الحرة، هي الاسلوب الوحيد لابطال مفعول هذا السلاح واخراج المنطقة من حالة عدم الاستقرار.
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة