الأدلة المقوّمة لاعوجاجات المجسمة

الكاتب : التقي السبكي   المشاهدات : 756   الردود : 0    ‏2001-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-01
  1. التقي السبكي

    التقي السبكي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-09-21
    المشاركات:
    47
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    تمهيد
    الحمدُ للهِ الذي لا يشبِهُ ذاتُهُ الذوات، ولا تشبِهُ صفاتُه الصفات، ولا تكتنفُهُ الأراضي ولا السماواتِ، الأول بلا ابتداءٍ، الآخر بلا انتهاءٍ، الذي جلَّ عنِ الصاحبةِ والأبناءِ، كانَ قبلَ الأمكنةِ والأرجاءِ، فكونَ الأكوانَ ودبَّرَ الزمانَ وَحَدَّهُ بلا ريبٍ ولا افتراء، فلا يحتاجُ إلى المكانِ، ولا يتقَيَّدُ بالزمانِ، ولا يشغله شأنٌ عن شأنٍ في المخلوقاتِ جمعاء، والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكمَلانِ، على سيدِنا ونبيِّنا وقائِدِنا وقرةِ أعينِنا محمدٍ سيدِ ولدِ عدنان أفصح العرب العرباء، وعلى ءالهِ وصحبهِ، ومنِ اهتدى بهديهِ ما أطلَّ فجرٌ وأضاءَ. أما بعدُ
    يقولُ ربُنا تباركَ وتعالى في محكمِ التنـزيلِ:{ كنتُم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهون عنِ المنكَرِ} ( سورة ءال عمران /110)
    ويقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( منْ رأى منكُم منكراً فليغيرْهُ بيدِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبلسانِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبقلبِهِ وذلكَ أضعف الإيمانِ)) رواهُ مسلمٌ.
    وقدْ امتدَحَ اللهُ تعالى أمةَ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأنها أمة تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المنكرِ كما أسلفنا في الآيةِ الكريمةِ والحديثِ الشريفِ، وكذلكَ فإنّ اللهَ تعالى قد ذمَّ الذينَ كفروا منْ بني إسرائيلَ بقولِهِ:{ كانوا لا يتناهوْنَ عن منكرٍ فعلوهُ لبِئسَ ما كانوا يَفعلون} ( سورة المائدة /79)
    وإن من أعظم ما ابتليت به هذه الأمة أناس دعاة على أبواب جهنم، انزلقت ألسنتهم بالباطل، واندلعت أصواتهم بالضلال، يروجون السلع الرديئة بحجج واهية فاسدة. وما كلامنا عن هؤلاء وأمثالهم إلا من باب البيان الواجب تبيانه للعامة والخاصة، ولا يظن ظان أن هذا من باب الغيبة المحرمة، فمن المعروف في تاريخنا أن السلف الصالح كانوا لا يسكتون عن الباطل، بل كانت ألسنتهم وأقلامهم سيوفا حداداً على أهل البدع والأهواء.
    فقد أخرج مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى: (( بئس الخطيب أنت)) وذلك لأنه جمع بين الله والرسول بضمير واحد فقال له قل: (( ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ)).
    فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسكت على هذا الأمر الخفيف الذي ليس كفرا ولا إشراكا فكيف بالذين ينشرون الكفر والضلال باسم الإسلام؟
    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( حتى متى تَرِعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس)). رواه البيهقي.
    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم افتراق أمته من بعده فقال فيما رواه الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثنيتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)). ( عارضة الأحوذي ـ10/109) وإنما عنى النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية بمخالفتهم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المعتقد، وليس المراد منه الخلاف في الفروع.
    وقد ذكر الإمام المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى وجوب التحذير من أهل الضلال والفساد حيث قال في تفسيره النهر الماد ( 1/564) ما نصه: ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تستر بالإسلام ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة ….. ثم سرد بعض الأسماء للتحذير منها …. ثم قال: وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين وليحذروا منهم أشد من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث، وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه، والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين.اهـ

    وها نحن اليوم أمام نموذج من هذه النماذج، أعني بهذا النموذج شخص وهابي نشر مقالا بالتشبيه، وتسمى بأبي دلال، ينصر عقيدة المشبهة، موهما الناس أن عقيدته صحيحة وما خالفها باطل، فخالف القرءان والحديث والإجماع والأثر والقياس الصحيح، كما سيتضح لك من خلال تتبع كلام هذا المؤلف وزمرته ومن كرع من مكرعه.

    عقيدة أهل السنة تنـزيه الله عن المكان

    اعلم وفقك الله إلى مرضاته أن عقيدة أهل السنة مبنية على تنـزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فالله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شىء، كان قبل المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان، كان ولم يكن أين ولا كيف ولا مكان، فكون الأكوان ودبر الزمان فلا يحتاج إلى المكان ولا يتقيد بالزمان، فكما كان قبل المكان بلا مكان فهو الآن على ما عليه كان، أي موجود بلا مكان. وهذا ما ثبت عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) كما رواه الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق ورواه الحافظ ابن عساكر عنه بلفظ: (هو كان ولا كينونة) . هذه هي العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان كما سنبين في هذا الرد.
    وسترى أن استدلال الكاتب ببعض الآيات والأحاديث على مدّعاه استدلالٌ فاسد كما سيظهر لك من ردنا هذا إن شاء الله تعالى، فلنشرع بالمقصود سائلين الله التوفيق فيما هنالك.
    واعلم أن الحافظ تاج الدين السبكي نقل في طبقاته ( 9/36) عن العلامة شهاب الدين ابن جهبل أنه قال: مذهب الحشوية في إثبات الجهة مذهبٌ واهٍ ****ٌ، يظهرُ فسادُهُ من مجرّدِ تصورِهِ، حتى قالت الأئمة: لولا اغترار العامة بهم لما صرِفَ إليهم عنان الفكر، ولا قطر القلم في الرد عليهم.اهـ
    وقال الإمام أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية ما نصه: وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنـزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويُتصورُ في أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيها والأخبار المقتضية حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ من ذلك ويتمسكون ـ على زعمهم ـ بقول الله تعالى:{ وما يعلم تأويله إلا الله}. وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمين وهؤلاء أَتوا الدينَ والعوامَّ من طريقٍ يغترُّ به المستضعَفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلُّوا في قلوبهم وصفَ المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنـزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائحَ فسالَ به السيلُ وهو لا يدري.اهـ نقلها الحافظ الزبيدي في الإتحاف ( 2/176 ـ 177).

    بعض الآيات الدالة على التنـزيه

    أولا نذكر بعض الآيات الدالة على تنـزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية.
    1ـ قال الله تبارك وتعالى:{ ليس كمثله شىء} (سورة الشورى/11) أي أن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه بوجه من الوجوه، فلو كان في مكان أو جهة لكان مشابها لبعض خلقه، فالله تعالى لا يحتاج إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها.
    2ـ وقال الله تعالى:{ ولله المثل الأعلى} ( سورة النحل/60) أي لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره.
    3ـ وقال الله تعالى:{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ( سورة الحديد/3) قال الطبري في تفسيره ( 11/670) ما نصه: وهو الباطن، فلا شىء أقرب إلى شىء منه، كما قال:{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ( سورة ق/16).اهـ أي أن الطبري نفى القرب الحسي الذي تقول به المجسمة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه، وهذا دليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة.
    4ـ وقال الله تعالى:{ فإن الله غني عن العالمين} ( ءال عمران/98) أي أن الله تعالى مستغنٍ عن كل ما سواه، فلو كان في مكان لكان محتاجاً له، فكيف يكون غنياً عن العالمين من يكون محتاجاً للمكان؟
    قال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة ( ص/70) ما نصه: ومنها قوله تعالى:{ إن الله لغني عن العالمين} ( سورة العنكبوت/6) فأثبت لنفسه الاستغناء عن جميع العالمين، والجهات والأمكنة من أجزاء العالم، فوجب إثبات تعاليه واستغنائه عن العالمين وعن كل وصف من صفات المحدثين.اهـ
    5ـ وقال الله تعالى:{ وكلُّ شىءٍ عنده بمقدار} ( سورة الرعد/8) أي أن الله تبارك وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه لأنه لو كان داخل العالم لكان له مقدار ولو كان خارجه لكان له مقدار، فلا مهرب من إثبات المقدار له إلا بنفي التحيز بالكون داخل العالم أو خارج العالم، لأن أفراد العالم كل فرد له مقدار.
    قال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في أصول الدين ( ص/73) ما نصه: لو كان الإله مقدراً بحد ونهاية لم يخلُ من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فيتعارض فيه المقادير فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية.اهـ
    وقال ابن حزم في المحلى ( 1/29) ما نصه: مسألة: وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة قال تعالى:{ وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وقال تعالى:{ خلق السماوات والأرض وما بينهما} والزمان والمكان فهما مخلوقان قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام والزمان إنما هو مدة كل ساكن أو متحرك أو محمول في ساكن أو متحرك وكل هذا مبعد عن الله عز وجل.اهـ علما أنه خالف أهل السنة ببعض المسائل الفاسدة وتصدى له العلماء بالرد. ولكنه منـزِها لله عزّ وجل.
    لا نريد الإطالة ففي هذه الآيات كفاية لمن هدى الله قلبه.

    بعض الأحاديث الدالة على التنـزيه

    واليك بعض الأحاديث التي تدل على تنـزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية.
    1ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان الله ولم يكن شىء غيره)) رواه البخاري والبيهقي وابن الجارود.
    ومعنى الحديث: أن الله لم يزل موجودا في الأزل ليس معه غيره، لا زمان ولا مكان، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو خالق المكان فلا يحتاج إليه.
    2ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء، أنت الباطن فليس دونك شىء)) رواه مسلم.
    قال الإمام الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات (2/144) ما نصه: واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه ـ أي عن الله ـ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء)) وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان.اهـ وهذا الحديث فيه أيضا الرد على القائلين بالجهة في حقه تعالى.
    وقال الحافظ ابن العربي في شرح الترمذي (12/184) ما نصه: والمقصود من الخبر أن نسبة الباري في الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته.
    الرابعة: قد جاء تفسير ذلك في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء)).اهـ

    3ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو أنكم دليتم رجلا بحبلٍ إلى الأرض السفلى لهبط على الله)) رواه الترمذي.اهـ
    مع ضعف هذا الحديث فقد استدل به العلماء على نفي المكان عن الله تعالى.
    قال المحافظ ابن حجر العسقلاني: معناه أن علم الله يشمل جميع الأقطار، فالتقدير لهبط على علم الله، والله سبحانه وتعالى منـزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن.اهـ نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه المقاصد الحسنة ( ص/345). وذكره أيضا الحافظ المؤرخ ابن طولون الحنفي في كتاب الشذرة في الأحاديث المشتهرة ( 2/72) وأقره عليه.
    وقال الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات ( 2/144) بعد ذكر هذه الرواية ما نصه: والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، والباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان.اهـ
    وقال الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي في شرحه على الترمذي (12/184) ما نصه: والمقصود من الخبر أن نسبة الباري في الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته.اهـ أي أن الله منـزه عن الجهة والمكان، فالله تعالى لا يحل في شىء ولا يشبه شيئاً. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا.
    4ـ وقال الإمام أبو المظفر الاسفرايني في التبصير في الدين ( ص/145) ما نصه: وقد روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تحقق به المعنى الذي بينا على هذه الظواهر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( كان ملك يجيء من السماء وءاخر من الأرض السابعة فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أين تجيء؟ قال: من عند الله)). ولو كان له حد ونهاية استحال كونه في جهتين مختلفتين. فتقرر به استحالة الحد والنهاية، وأن جملة الملكوت تحت سلطانه وقدرته وعلمه ومعرفته.اهـ
    5ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربّه أو إن ربّه بينه وبين القبلة)) رواه البخاري في صحيحه.( باب حك البزاق باليد في المسجد).
    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ( 1/669) ما نصه: وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان وهو جهل واضح، وفيه ـ أي في حديث: (( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربّه أو إن ربّه بينه وبين القبلة)) ـ الرد على من زعم أنه على العرش بذاته.اهـ
    قال البيهقي في الأسماء والصفات (2/213) قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: قوله: (( فإن الله تعالى قبل وجهه)). تأويله أن القبلة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه، فليصنها عن النخامة وفيه إضمار وحذف واختصار، كقوله تعالى:{ وأشربوا في قلوبهم العجل}( البقرة/93) أي حب العجل. وكقوله:{ واسأل القرية}( يوسف/82) يريد أهل القرية، ومثله في الكلام كثير، وإنما أضيف تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة، كما قيل: بيت الله وكعبة الله، في نحو ذلك من الكلام.
    وقال في قوله: (( ربه بينه وبين القبلة)) معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، فأمر بأن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه.
    وقال أبو الحسن بن مهدي فيما كتب لي أبو نصر بن قتادة من كتابه: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قبل وجهه)) أي أن ثواب الله لهذا المصلي ينـزل عليه من قبل وجهه، ومثله قوله: (( يجىء القرءان بين يدي صاحبه يوم القيامة)) أي يجىء ثواب قراءته القرءان. قال البيهقي: وحديث أبي ذر يؤكد هذا التأويل.اهـ انتهى كلام البيهقي.
    6ـ ومن الأحاديث الدالة على تنـزيه الله عن الجهة والمكان ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد،فأكثروا الدعاء ـ فأكثروا من السجود ـ)). رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
    قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ( 4/167) ما نصه: قوله صلى الله عليه وسلم: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله.اهـ
    وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في شرح سنن النسائي ( 2/226ـ227) ما نصه: قال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى.
    وقال أيضا عند شرحه الحديث المذكور ما نصه: قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منـزه عن المكان والمساحة والزمان.اهـ
    وقال الحافظ مرتضى الزبيدي في الإتحاف ( 3/30ـ33) ممزوجا مع قول الغزالي ما نصه: وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (( أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى)) أي إلى رحمته (( إذا سجد)) أي حالة سجوده.اهـ
    وقال اللغوي مجد الدين الفيروزأبادي في كتاب بصائر ذوي التمييز ( مادة: ق ر ب) ما نصه: وقرب الله تعالى من العبد هو الإفضال عليه والفيض لا بالمكان.اهـ
    وقال اللغوي أبو القاسم المشهور بالراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرءان ( مادة: ق ر ب، ص/415) ما نصه: وقربُ الله تعالى من العبد هو بالإفضال عليه والفيض لا بالمكان.اهـ
    وقال الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي في الإتحاف (2/37) ما نصه: قال أبو إسحاق الشيرازي ـ صاحب التنبيه والمهذب ـ: فلو كان في جهة فوق لما وصف العبد بالقرب منه إذا سجد.اهـ
    وقال القاضي عياض في الشفا ( 1 / 205) ما نصه: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر ابن محمد الصادق: ليس بدنو حد وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه إبانة عظيم منـزلته وتشريف رتبته.اهـ
    وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي السّندي الحنفي في حاشيته على سنن النسائي ( 2/227) عند شرح حديث: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من السجود)) ما نصه: قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة والمساحة، لأنه تعالى منـزه عن المكان والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى….. إلى أن قال: على أن المراد القرب مكانة ورتبة وكرامة لا مكاناً.اهـ
    وقال الحافظ الزبيدي في الإتحاف (2/37) ما نصه: وقوله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:{ وأسجد وأقترب}(العلق/19) دليل على أن المراد به قرب المنـزلة لا قرب المكان كما زعمت المجسمة أنه مماس لعرشه إذ لو كان كذلك لازداد بالسجود منه بعداً لا قرباً.اهـ
    وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتابه الإفادات والإنشادات (ص/ 93ـ94) ما نصه: سألني الشيخ الأستاذ الكبير الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم بن لُب التغلبي أدام الله أيامه عن قول ابن مالك في ( تسهيل الفوائد) في باب اسم الإشارة: ( وقد يغني ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه) فقال: إن المؤلف مثل عظمة المشير في الشرح بقوله تعالى:{ وما تلك بيمينك يا موسى} (سورة طه/17) ولم يبين ما وجه ذلك، فما وجهه؟ ففكرت فلم أجد جواباً. فقال: وجهه أن الإشارة بذي القرب هاهنا قد يُتوهم فيها القرب بالمكان، والله تعالى يتقدس عن ذلك، فلما أشار بذي البعد أعطى بمعناه أن المشير مباين للأمكنة، وبعيد عن أن يوصف بالقرب المكاني، فأتى البعد في الإشارة منبهاً على بعد نسبة المكان عن الذات العلي وإنه يبعد أن يحلَّ في مكان أو يدانيه.اهـ
    7ـ ومن الأحاديث الدالة على تنـزيه الله عن المكان والجهة قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خيرٌ من يونس بن متى)) رواه البخاري ومسلم.
    قال الحافظ السيوطي في شرح سنن النسائي ( 1\576) ما نصه: ويدل على ذلك أيضا ـ أي على نفي الجهة ـ ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تفضلوني على يونس بن متى)).اهـ
    وقال المفسّر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره ( 11\333ـ334 و 15\ 124) ما نصه: قال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تفضلوني على يونس بن متى)) المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن البارىء سبحانه وتعالى ليس في جهة.اهـ
    وقال الشيخ الصوفي الزاهد ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس ( 3/176) ما نصه: فمحمد عليه السلام فوق السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحر، وهما بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء، ولو كان عز وجلّ مقيدا بالمكان أو الزمان لكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرب إليه، فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله.اهـ
    وقال المحدث الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ج2 ص171 ما نصه: ذكر الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن المنير الإسكندري المالكي في كتابه ( المنتقى في شرف المصطفى) لما تكلم على الجهة وقرر نفيها، قال : ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تفضلوني على يونس بن متى)) فقال مالك: إنما خص يونس بالتنبيه على التنـزيه لأنه صلى الله عليه وسلم رفع إلى العرش ويونس عليه السلام هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه السلام أقرب من يونس بن متى وأفضل ولما نهى عن ذلك، ثم أخذ الإمام ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة لأن العرش في الرفيق الأعلى فهو أفضل من السفلى، فالفضل بالمكانة لا بالمكان، هكذا نقله السبكي في رسالة الرد على ابن زفيل.اهـ
     

مشاركة هذه الصفحة