ولي أمر فلسطيني

الكاتب : massar   المشاهدات : 459   الردود : 0    ‏2004-05-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-22
  1. massar

    massar عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-13
    المشاركات:
    160
    الإعجاب :
    0
    الحاجة للعودة إلى الحياة الطبيعية الأحد 4/5/2003



    عندما يعيش المرء في سجن كبير يشعر بالضيق والاختناق ويحاول الانعتاق والخروج إلى الهواء الطلق ليتنفس الصعداء ويشعر برياح الحرية. هذا هو الشعور السائد في نفوس الكثيرين وخاصة الشباب والطلاب في هذه الآونة حيث يعاني الجميع من الاغلاقات والحواجز وصعوبة الحركة حتى بين القرى والمدن... ومن مهازل القدر أن يحتاج المرء إلى تصريح لكي يتنقل بين قريته والمدينة المجاورة له، وكم بالأحرى عندما يريد أن ينتقل إلى محافظة أخرى أو الوصول إلى القدس أو الدخول إلى داخل إسرائيل أو السفر خارج البلاد، فالمطار موصد من الغرب وعبور الجسر معقد من الشرق. هذه ليست حالة خيالية بل سريالية لا نجدها إلا في عالم الأحلام.



    أقول هذا في هذه الأيام حيث اعتدنا أن ننظم الرحلات المدرسية للطلاب لزيارة الأماكن الأثرية أو المقدسة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية بعد برد الشتاء وقبل حر الصيف، وهذا هو المتنفس الوحيد لكي يتعرف الطلاب على معالم بلدهم الأثرية والسياحية، وكم منهم لم يصل إلى كنيسة المهد في بيت لحم أو كنيسة القيامة والمسجد الأقصى في القدس؟ وكم منهم لا يعرف أين يوجد البحر الميت أو بحيرة طبرية أو البحر المتوسط وكم بالأحرى البحر الأحمر؟ رغم أنها ليست بعيدة، فهي على حدود الوطن وعلى قاب ساعات أو أدنى من السفر.



    لست بحاجة إلى الكثير من الجهد لسرد حوادث غريبة عجيبة تحدث في هذا الزمن الصعب فإنها لا تعد ولا تحصى ولكل واحد منا حكايات وروايات وذكريات مرة على الحواجز والطرقات، ولكني أكتفي بثلاث منها حدثت معي مؤخراً:



    ثلاث باصات من الطلاب الذين يشتركون في برنامج تعليمي "العيش المشترك واحترام الاختلافات" ينطلقون الساعة السابعة والنصف من محافظة بيت لحم ويضطرون لسلوك طريق واد النار الرهيبة ويتوجهون إلى قرية الطيبة حيث سيجري اللقاء، ولكنهم ينتظرون أكثر من ساعة ونصف على حاجز معاليه أدوميم ويوشك أحد الجنود أن يرجعهم جميعاً لولا تدخل المسؤولين وتوسلاتهم، وقبل أن يصلوا إلى الطيبة يضطرون إلى اللف والدوران لأكثر من عشرين كيلومتراً اضافي لأن المدخل الرئيسي للقرية مغلق وعليه حاجر عسكري، وقد وصلوا أخيرا بشق النفس في تمام الساعة العاشرة والنصف، فالرحلة التي لا تستغرق أكثر من ساعة استغرقت ثلاث ساعات.



    أحد الذين اشتركوا في اللقاء من طلابنا في قرية الطيبة هو من قرية المزرعة الشرقية التي لا تبعد أكثر من خمسة كيلومترات، فعندما انتهى اللقاء مساء حاولت أيصاله إلى قريته بسيارتي وإذا بحاجز عسكري طيار على مدخل القرية وقد منعوه من الدخول لأنه لم يكن يحمل هويته الشخصية بالرغم من أنه في السادسة عشرة من عمره وعبثاً حاولت اقناع الجندي بأنه من سكان هذه القرية فاضطررت إلى إرجاعه معي إلى دير جرير حيث قضى الليل عند صديق له من زملائه في الصف.



    وغالباً ما تكثر الحواجز العسكرية الاعتباطية، فمثلاُ عندما تنزل من الطيبة إلى أريحا، والتي لا تبعد أكثر من عشرين كيلومتراً، فإنه يصادفك في نفس المنطقة حوالي خمسة حواجز عسكرية، وتجد على كل حاجز أشكال وألوان من المعاملة بحسب مزاج الجندي، فمثلاً عندما ذهب طلاب جوقة الترتيل في كنيستنا لزيارة أريحا في باص المدرسة، كان الجنود يصعدون إلى الباص بمزاج هاديء ويطلبون من الطلاب أن يصلوا من أجل السلام ويسلمون عليهم بلطف ورقة مما أثار استهجان واستغراب الجميع.. فحاولت أن أفهم ما حدث؟ هل هو الطفر والزهق من المكوث ليل نهار على الحواجز لمراقبة الناس وتفتيشهم؟ هل هي الرغبة الحقيقية في السلام والانتهاء من هذه الهم والغم؟ هل هي صحوة الضمير بأن ما يقومون به هو إذلال غير مقبول للناس؟ هل هناك تعليمات جديدة للتخفيف؟ هل هناك بوادر حسن نية لتسهيل مهمة الحكومة الفلسطينية الجديدة؟ مهما كانت الإجابة فإن كل هذا الواقع مرفوض وغير منطقي لا بل غير إنساني، فحرية التنقل والحركة هي حق طبيعي لكل إنسان لا يمكن أن يحرم منها بهذه الصورة المهينة والاعتباطية.



    لذلك فإننا نقولها وبكل صراحة ودون خوف أو وجل: ألم يحن الوقت للعودة إلى حياتنا الطبيعية؟ ولا أعني فقط ما يقوله البعض: لو يرفعوا الحواجز ويفتحوا الطرق ويعودوا بنا إلى الوضع الذي كان قبل 28 أيلول 2000! بل أعني أنه يجب أن نعطى كافة حقوقنا المشروعة مثل باقي شعوب العالم، فإنه من حق أطفالنا أن يخرجوا من مدنهم وقراهم، أن يزورا أماكهم المقدسة والأثرية والسياحية، أن يتعرفوا على بلادهم وأن يستمتعوا بمناظرها الطبيعية، وأن يستجموا في سهولها وجبالها ووديانها بحرية، وأن يسبحوا في مياه أنهارها وبحيراتها وبحارها. من حق العامل والموظف والمعلم والطبيب والتاجر أن يصل إلى مكان عمله دون عوائق، ومن حق المريض أن يصل إلى المستشفى للعلاج، ومن حق المؤمن في العيد وغير العيد أن يصل إلى أماكن عبادته وخاصة إلى المقدسات في القدس وغيرها...



    ومن المضحك المبكي أن نصل إلى هذه الدرجة من المطالبة فقط بأبسط حقوقنا المشروعة، وذلك بسبب سياسة الأمر الواقع المفروضة علينا والتي تقوم على التضييق علينا لدرجة الخنق، فعندما ترفع بعض القيود نشعر بتحسن.. فقبل مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلوا كان الناس يصلون إلى القدس بسياراتهم ويتجولون فيها بحرية، وبعد الاتفاقيات أصبح المرء بحاجة إلى تصريح للدخول على قدميه أو بسيارة تحمل اللوحة الصفراء، وأما في هذه الانتفاضة فإن التنقل داخل مدن الضفة وبينها أصبح بحاجة لتصرح.. يا لسخرية القدر، ويا للظلم والاذلال؟! ويطالب البعض فقط برفع الحواجز!؟



    إن هذا يذكرني بالقصة التي كان يرددها دائماً السيد فيصل الحسيني رحمه الله، عن الرجل الذي كان يعيش مع عائلته الكبيرة في غرفة واحدة ضيقة، فشكى أمره لشيخ القرية طالباً النصحية لحل هذه المعضلة الكبيرة، فقال له أن يدخل إلى الغرفة غنماته ثم حماره ثم بقرته ثم دجاجاته، فازداد الوضع سوءاً، فرجع عند الشيخ شاكياً باكياً، فطلب منه أن يخرج الدجاجات ثم البقرة ثم الحمار ثم الغنمات، عندها شعر الرجل بالراحة وشكر الشيخ وحمد الله على نعمة العيش بهدوء في غرفته الصغيرة مع عائلته الكبيرة. يا للتحسن الكبير!



    وهذه هي حالنا تماماً، فقد رفضنا قرار التقسيم، ففقدنا أرض ال 48 في النكبة، فطالبنا بها بقوة ولكننا فقدنا البقية الباقية في ال 67 في النكسة، فنسينا ما سبق وطالبنا بهذه فقط، وها هم يضيقون علينا حتى في هذا الجزء اليسير الذي امتلأ بالمستوطنات وتآكل بالسور الواقي ومصادرة الأراضي، وأحيط بالأسلاك الشائكة.. والله أعلم ماذا ننسى وبماذا نطالب وماذا سنحصل عليه؟... يظهر بأن الأمور تختلط وتتدهور وتتدحرج ومن سيء إلى أسوأ ولا نشعر بالتقدم إلى الأمام بل بالسير إلى الوراء. والحبل على الجرار..



    ألم يحن الوقت لوقفة صريحة لتوضيح الأمور وإعادتها إلى نصابها والحياة إلى طبيعتها؟! ليس هناك مجال للمناورة والمماطلة، فالوقت يمر وحياة الناس تتعقد وآلامهم تزداد والأمر الواقع يفرض على الأرض... لا بد من حلول جديدة نهائة جذرية، كما أقول دائماً: بأسرع وقت ممكن ومرة واحدة وللأبد، قبل فوات الأوان!



    الأب رائـد عـوض أبـو سـاحليـة



    معصار
     

مشاركة هذه الصفحة