قبِّلني

الكاتب : الهاشمي   المشاهدات : 568   الردود : 3    ‏2001-09-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-29
  1. الهاشمي

    الهاشمي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-05-10
    المشاركات:
    181
    الإعجاب :
    0
    رغم الرّطوبةِ والعفونة، ورغم رائحة البول النافذة، وقف إلى أحد الجدران يرسم عليه وجه طفلٍ بقطعةٍ من الطّبشور وجدها مرميّةً إلى جانب بقايا شمعةٍ في ركنٍ من الزنزانة.‏

    كان رجراجاً في وِقفته، محكوماً بسطوة المكان. لكنه أكثر انسجاماً مع تعاقب الحياة بعد أن استعاد شيئاً من قوّتهِ وبدأ بالتكيّف مع ما هو عليه.‏

    وهادئاً... إلاّ من إحساسٍ ممزوجٍ بالغضبِ والقهرِ اللذيْن ينهشانِ من صدره.‏

    وكانت الزنزانة مكاناً لا يعلم إلاّ الشيطان ما يدور فيه. ضيّقةَ الأفق، تحتلّ مصطبةٌ طينيةٌ نصف مساحتها، ويخترق شعاعُ شمسٍ رفيعٍ فتحةً صغيرةً في سقفها فيبدّد قليلاً من ظلامها، فإذا غاب تتخذ الظلمة أمام عينيه شكل دوائر هلامية تتداخل حيناً إلى أن تتوحّد، ثمّ تتباعد وتتناثر حتى تتجمّع من جديد.‏

    وكان ذلك أهون عليه من رؤية السّجّان ذي الهيئة الغليظة، الذي تدلُّ ملامحه القاسية على أن الشّفقة لم تدخل قلبه يوماً..‏

    وأجمل من طريقةِ وضع الطعام والماء اللذيْن بدأ يحضرهما له صباحاً منذ أوّل الأمسِ حين أودعِ الزنزانةَ فبدأت الحياةُ تفلت من يديه ثانيةً بعد ثانية، ومن تعليقاته التي تجعل العرق السّامّ ينزّ من مساماته فتأكل جسده.‏

    طوال اليومينِ الماضيينِ كان يدور على غير هدىً ويقول للجدرانِ إنه بريء، ويتساءل عن زوجته التي صرخت في قاعة المحكمة حين تصلّبَ كالحديدِ الساخنِ وهو يوضع في الماء الباردِ بين أيدي رجال الشرطةِ الذين اقتادوه إلى هذه الزنزانةِ بأنها ستثبت براءته. ذلك جعله فاقدَ القدرةِ على النوم، فإذا نام مرغماً فإنه يكون غير قادرٍ على الاستيقاظ.‏

    والوقت لا يزال يمرُّ بطيئاً، ويمتدّ في نفسه عذاباً أكثر وخزاً من أيّ شيء، إذ تخيّل أكثر من مرّةٍ عدّة رصاصاتٍ تطرّز جسده أو حبلاً يلتفّ حول عنقه.‏

    دخل السّجان كعادته يحمل له الطعام والماء، فراحت تغلي في نفسه خواطر محمومة، وفي دماغه صورٌ مجنونةٌ جعلت ملامحه الرّقيقة لرؤيته أكثر عنفاً.‏

    -تبدو هادئاً اليوم. قال السّجّانُ بغلظة، وباللهجة نفسها أردف يقول:‏

    -الأفضل أن تبقى كذلك دائماً.‏

    أثارت هذه الكلمات في داخله زوبعةً وإعصاراً جعلاه يهمّ بالصّراخ، لكنّ رعباً خفيّاً أوقف الصّرخة في حلقه.‏

    -أنا بريء. لستُ القاتل.‏

    -هذا ما يقوله كلّ المجرمين.‏

    نظر السّجّان إلى الصّورة فسأله:‏

    -ماذا ترسم؟‏

    -ابني الذي لم يولد بعد.‏

    فقال السّجّان دون اكتراث:‏

    -هل تدخّن؟‏

    وأخرج من جيب سترته علبة سجائره وعلبة كبريت وضعهما على المصطبة، وهمّ بالخروج حين كان السّجين يسأله:‏

    -هل تعرفُ متى وكيف ستكون نهايتي؟‏

    فردّ السّجّان بطريقةٍ لم تخلُ من بعضِ اللباقة والهدوء:‏

    -اهتمّ بنفسك، وكن شجاعاً دائماً.‏

    -هل يمكن أن أطلب منك خدمة؟‏

    -اطلب، ولكن دون أن أعدَك بشيء.‏

    فقال:‏

    -هل توجد طريقة لإحضار زوجتي؟‏

    لم يردّ السّجّان، وانصرف مبتسماً بطريقةٍ هازئة.‏

    بدأ الظلام يحتلّ الزنزانة ببطء، في هذه الأثناء سمع وقعَ أقدامٍ غير معتاد، نظر من شبك النافذة الحديديّ فرأى وجه ضابطٍ جاء لتفقده وجزءاً من وجه السّجّان، ثم تواريا عن النافذة والضابط يهمس في أذن السّجّان كلاماً غير مسموع.‏

    فوجئ مساءاً وهو يكمل رسم الصّورة على ضوء الشّمعةِ بصوت المفتاح يدور في القفل قبل أن يدخل السّجان وخلفه امرأةٌ شابّةٌ لم يخلُ وجهها من مسحةٍ من الجمال.‏

    قال له السّجّان بصوتٍ خفيض:‏

    -يمكنك أن تمضي ساعةً معها، ساعة واحدة، مفهوم؟‏

    ثمّ خرج.‏

    نظر إليها مشدوهاً، أما هي فقد كانت تنظر إليه بإشفاق.‏

    كانت ترتدي ثوباً أبيض وتلفّ رأسها بشالٍ من اللون نفسه. ساد الصّمت بينهما لحظاتٍ طويلة قبل أن يشير إلى المصطبة ويدعوها للجلوس، وبعد أن جلست رفعت الشّال عن رأسها، وفاحت منها رائحة عطرٍ رخيصٍ تسللت إلى أنفه رغم الروائحِ المنتشرة.‏

    كانت هذه المرأة مركباً صغيراً من المراكب التي أُفلت رباطها وضاع وسط بحرٍ تتقاذفه أمواج الرّذيلة.‏

    -لماذا أنت هنا؟ سألها، فأجابت:‏

    -أحضّروني إلى هنا لا أعرف لماذا. كنتُ في الشّارع.‏

    -أقصد لماذا أنت هنا.. في زنزانتي؟‏

    فقالت:‏

    -رئيسة سجن النساء طلبت مني أن أحضر مع سجّانك.‏

    نظر إلى شعرها المنهمر على ثوبها الأبيض فبدا له مغرياً لأنه أكثر إظلاماً من الفضاء الذي يحيط به.‏

    ناولها سيجارةً وهو يعتذر لها عن ضيافةٍ لا توجد لديه ليقدّمها إليها، أشعل عود ثقاب فبدا وجهها أكثر إشراقاً. ثمّ قال:‏

    -ماذا يجبرك على المجيء؟‏

    -لم يجبرني أحد. تبرّعتُ من تلقاء خاطري.‏

    -لماذا؟‏

    فتنهّدت وقالت وهي تمجُّ من السيارة كما لو أنها كانت تجلس مع أحد زبائنها:‏

    -لأنهم قتلوا حبيبي في السّجن دون أن أراه.‏

    ساد الصمت من جديد، ثمّ جلس إلى جانبها وسألها أن تحكي له قصّتها، فمدّت يدها إلى الزّر العلويّ لردائها وهي تقول:‏

    -بدأ الوقت يمرّ:‏

    لكنّه سرعان ما وضع يده على يدها ومنعها من ذلك.‏

    فقالت وهي تخفض رأسها:‏

    -الوقت يمرّ!...‏

    وضع يده تحت ذقنها ورفع رأسها إلى الأعلى فرأى في وجهها عينين مغدورتين مظلومتين. وسألها من جديد:‏

    -ما حكايتك؟‏

    فسألته قائلة:‏

    -ما هو جرمُك؟‏

    فقال:‏

    -أنا بريء. استنفدتُ كلّ ما لديّ من البراهين.‏

    -ومحاميك؟‏

    -رمى آخر ورقة في يده ولم تثبت براءتي.‏

    وتابع يقول بانكسار:‏

    -كنت أرى في وجوه القضاة أنهم قرّروا مسبقاً أنني مجرم.‏

    وأعاد سؤاله:‏

    -وأنت؟؟‏

    نظرت إلى وجهه فرأت فيه عينين لامعتين منكسرتين، وقالت:‏

    -ليس لديك الوقت الكافي.‏

    ألحّ في الطلب، فقالت:‏

    -أحببتُ رجلاً وعدني بالزّواج، فأخذ طهارتي ورماني.‏

    -أتخافين الموت؟‏

    دهشت لسؤاله، ظنّت أنه يعرف مصيره القادم بعد ساعات.‏

    ومنعها ثانية من فكّ زرّها العلويّ، فنهضت واتجهت صوب صورة الطفل ووقفت أمامها كتمثالٍ جميل، راحت تتأمل الصورة ملياً قبل أن تسأله عنها، فقال:‏

    -إنها صورة ابني الذي لم يولد بعد. هل تقولين له يوماً إنني كنت بريئاً؟‏

    وضعت يديها على وجهها، وبكت. فنهض إليها وأحاطها بساعديه فاستدارت إليه وأخبرته وهي تضع رأسها على صدره أنها أجهضت أوّل طفلٍ حَمَلْته.‏

    -أنتِ حلوة. خسارة أن يضيع جمالك وسط تلك الأمواج.‏

    فقالت وهي تنشج في بكائها:‏

    -كانت لديّ مُثُلٌ وأحلام، لكنّها سُحقت جميعاً.‏

    ضغط رأسها على صدره، فسألته:‏

    -هل أنت خائف؟‏

    -سأذكرك دائماً، فلن تطول إقامتي هنا.‏

    فبكت من جديد وهي تمدّ يدها إلى الزّرّ العلويّ في قميصه وتفتحه، ثمّ قالت:‏

    -الوقت يمرّ بسرعة!..‏

    ضغط بيده على يدها وأبقاها على صدره إذ أحسّ بدفءٍ لطيفٍ أنساه أكثر مما هو فيه، ثمّ قال:‏

    -أرجوك، لا أريد أن أزرع بذرةً سيّئة.‏

    ثمّ راح كلّ منهما يداعب بيده شعر الآخر ونظراته تتغلغل في وجهه، وضمّها بعنفٍ إلى صدره، وكذلك فعلت هي، ثمّ أخذت رأسه بين يديها وقالت:‏

    -إذاً قبّلني.‏

    فنظر إلى وجهها مليّاً وراح يعبّه جرعةً جرعةً خلال فترة صمتٍ طويلةٍ ما لبثت أن قطعتها خطوات السّجّان.‏
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-09-29
  3. الهاشمي

    الهاشمي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-05-10
    المشاركات:
    181
    الإعجاب :
    0
    بقلم صفوان محمود حنوف
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-10-07
  5. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    قصة مؤثرة ولكن ماذا لو تعمقت اكثر في الابطال
    ستخلق عمل رائع
    تحياتي
    ريا:rolleyes:
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-10-16
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    هلا
    كأني ارى القصة قد تاهت في الدرب تتكلم عن أحلام مقيدة وذلك الأمل الذي يحدونا في المسير وانتظار صبح الغد وترمز الى الوفاء في صرخة إمرأة تجدها واضحة المعالم في ارض السعيدة من يوم أن كتب على أبنائها الهجرة والترحال ثم تختفي الصورة المشرقة لتدخل في نفق مظلم من هوى النفس أضاع منها المعالم البريئة ،
    دبوس : السينما الهندية رافضة للقبلة في أفلامها .:)
     

مشاركة هذه الصفحة