برتقالة لماما

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 616   الردود : 6    ‏2001-09-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-29
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    خالد القشطيني



    كان من المعتاد في المدارس العراقية ان يوزع معلم الرياضة البرتقال على افراد فريق المدرسة لكرة القدم في فترة الاستراحة بين شوطي أي مباراة، اعتقادا بأن في البرتقال من الفيتامينات ما يعوض عن الطاقة المستهلكة للاعب، بل يعطيه بأس عنتر بن شداد للشوط الثاني، وكله على اعتبار ان الطاقة ليست سوى ملفوفة دولمة من الفيتامينات، فضلا عن ذلك فإن ما في البرتقالة من عصير ما يعوض عن السوائل التي تصببت عرقا من اللاعب في هذا الطقس السادي في العراق.
    اتبعت مدرسة العسكري الابتدائية المطلة على نهر دجلة، قريبا من محلة الصرافية العمالية بأكواخها وصرائفها الطينية الحقيرة من جهة، ومن الجهة الاخرى محلة العيواضية البرجوازية بقصورها الشامخة وحدائقها الغناء. بفعل ذلك كان طلبة هذه المدرسة خليطا من اولاد هاتين الطبقتين المتناقضتين. ولكن الطفل حميد كان من الفئة غير المحظوظة. عاش في واحد من هذه الاكواخ مع اخوته الثلاثة ووالدته الأرملة.
    لم يكن باستطاعة ام علي ان تشتري اي شيء لأولادها من باب الالعاب واللهو، ولا حتى كرة مطاطية صغيرة. بيد ان الاولاد عوضوا عن ذلك بجمع الخرق والجرائد الممزقة وشدها معا بحيث تصبح اقرب ما تكون الى هيئة كرة. كانوا يخرجون بها في الشارع ويلعبون حتى يحل الظلام. وعندما دخل حميد المدرسة، كانت امنيته ان يستطيع الانضمام الى فريقها لكرة القدم فيستمتع باللعب بكرة جلدية حقيقية منفوخة بهواء حقيقي، وتقفز وتنط كالشيطان ولا تهمد جاثية على الأرض ككرة الخرق.
    اما وقد فقدت ام علي زوجها في شبابها وترملت، فقد كرست كل حياتها لأولادها. جاءت تقود طفلها الصغير الى مدرسة العسكري وأصرت ان ترى معلم الرياضة.
    ـ «وليدي هذا حميد يموت على الطوبة. اخلي بايدك وهو ولد يتيم ما عنده اب. وانت مبين عليك رجل خير. ما اقول غير ها لله هاالله بيه واحسبه مثل ابنك».
    انحنت ام علي لتقبل يد المعلم جاسم، ولكن الرجل منعها عن ذلك ووعدها بأن يبذل جهده في رعاية هذا الطفل اليتيم.
    كان حميد صبيا شاحب الوجه، نحيف البنية، صغير الجسم، خجولا في تعامله مع زملائه، ولكن نحافة جسمه اعطته تفوقا خاصا على اصحابه في سرعة الركض والمزاوغة بالكرة والملاعبة بها. وكل تلك الايام الطويلة التي قضاها في اللعب بكرة الخرق بين السيارات في الشارع والمارة على الرصيف اعطته قدرة جيدة على التعامل مع كرة القدم الحقيقية. ما ان بلغ الثانية عشرة من عمره حتى اختاره معلم الرياضة عضوا في فريق المدرسة وعين مكانه من الفريق، هجوم يمين. فقد كان حميد يبدع في تسجيل الاهداف، مستفيدا من جسمه الصغير في التسلل واختراق الدفاع.
    حل موعد المباراة الأولى في سباق ضد فريق مدرسة الكريعات على ميدان ساحة الكشافة، اخذ اللاعبون اماكنهم، يتطلعون بشوق للإحدى عشرة برتقالة التي ستوزع عليهم في نهاية الشوط الأول. ابتهلوا الى الله ان يكون توزيعا باستحقاق وفرحة يأتي بعد هدف أو هدفين يفوزون بها امام زملائهم المشجعين. تلا احدهم آية الكرسي مع نفسه. قالوا له انها تضمن الفوز بأي شيء حتى الأكوال في كرة القدم. فضل طفل آخر سورة «قل هو الله احد». تلاها مع نفسه لما لا يقل عن ست مرات. ادار حسني ظهره الى المتفرجين الصغار ورفع كلتا يديه قليلا نحو الشمال حيث كان يعتقد انه اتجاه مكة المكرمة وتمتم مع نفسه: «يا ربي لا ترجعنا فاشلين. اعمي عيون كولجي الكريعات وخليهم يخسرون». ولا شك ان لاعبي فريق الكريعات ابتهلوا وقالوا مثل ذلك تماما.
    نظر الحكم الى ساعته ثم صفر بابتداء المباراة. راح الصبية الصغار يتراكضون ويجرون وراء الكرة، يصرخون ويتراشقون الشتائم والاوامر والتعليمات، واخوانهم المشجعون حول الساحة، يصفقون ويهتفون وينشدون الاهازيج: «من قايل لك تلعب طوبة! من قايل لك تلعب طوبة!»، وكأنهم في معركة حربية مصيرية يتوقف عليها مصير البلاد، لا بل الامة العربية برمتها. يلوحون بعيدانهم وعصيهم واعلامهم وقمصانهم، «اهجم زين الصد ما ينفع!».
    استمرت هذه الجلبة حتى صفر الحكم صافرته الطويلة انذارا بانتهاء الشوط الأول من المباراة. تدفق المشجعون الصغار، كل وراء فريق مدرسته. انطلق المعلم جاسم محمد، يجري وراءه فراش المدرسة ابو عبد الله حاملا سلة البرتقال، احدى عشرة برتقالة عدا وحصرا. اختطف المعلم السلة من يده وراح يوزعها على اللاعبين واحدا واحدا، ينادي بأسمائهم ويهنئهم على ادائهم، سعيد ولي، خذ. عباس كردي خذ برتقالتك. حمدي عيسى هاك. فاضل علي، برتقالتك. حميد حسين، تعال، تعال. وينك يا حميد حسين؟ تقدم حميد الصغير فاحتضنه معلم الرياضة. قبله من رأسه ونفش بيده شعره الاسود المجعد برقة ومحبة: «احسنت! احسنت! الفضل كله الك». فقد كان حميد هو الذي سجل الهدف الوحيد في ذلك الشوط ضد فريق مدرسة الكريعات. «هاك! تستحقها ونص!» وسلمه المعلم جاسم برتقالته التي اختارها له خصيصا، اكبر ما في السلة من البرتقالات.
    راح الأولاد يقشرون البرتقال بأظافرهم، يقضمون ويمطقون ويرمون بالقشور والنوى على ساحة الملعب. يمسحون افواههم بأكمام ثيابهم الجديدة المرقطة بمربعات من الازرق والاخضر. يتناقشون في اللعبة ويخططون للشوط الثاني.
    ـ «انت عبود، خلي بالك من هذا ابن الكلب سليمان، لاعوبهم الهجوم الوسط. لا تفك عنه. الحقه وين ما يروح والعن ابوه! اكسره!».
    قال رئيس الفريق واستمر بالتوجيهات حتى صفر الحكم مرة اخرى لابتداء الشوط الثاني. ويظهر ان الولد عبود لم يمتثل لتعليمات رئيسه ويكسر رجل سليمان هذا، وتركه يسجل بعد دقائق قليلة من اللعب هدفا لمدرسة الكريعات ضدهم، فتعادل الفريقان بذلك وتحولت المباراة الى معركة حامية الوطيس بين هذه الشلة من اثنين وعشرين صبيا يحاول كل منهم ان يجر الفوز لفريقه. راح العرق يتصبب من وجوههم الصغيرة والتعب يستولي على ارجلهم النحيلة، فيتعثرون ويتساقطون يمينا وشمالا. والمعلمون والتلامذة يهتفون ويشجعون ويشدون من ازرهم.
    «اهجم زين الصد ما ينفع... اهجم زين الصد ما ينفع...!».
    لم يبق من الشوط الثاني غير دقيقتين او ثلاث عندما صد حامي هدف مدرسة العسكري الكرة من ضربة قوية. مسك بها ثم ناولها كآخر محاولة يائسة في المباراة الى الدفاع الايسر الذي بادر بدوره الى تمريرها الى الصغير حميد في الجانب المقابل من الساحة. تسلمها حميد، ودار بها يمينا ثم شمالا ثم يمينا، يزاوغ ويخادع ويضلل دفاع الكريعات، الى ان استطاع ان يتجاوزهم ولم يبق امامه غير حامي الهدف. اصبح الميدان مفتوحا واضحا لتسجيل هدف مؤكد يحسم السباق لصالح مدرسة العسكري. ارتفع الصياح والضجيج والتشجيع: «يا الله حميد! زين حميد! هذا كولك حميد...!» لم يبق بينه وبين الهدف غير اربعة أو خمسة امتار عندما سقطت من جيب سرواله القصير برتقالة. توقف عن الركض. ادار ظهره للهدف بخفة واصرار ليلتقط البرتقالة من الأرض ويعيدها الى جيبه. وكانت الكرة اثناء ذلك قد تدحرجت نحو حامي هدف الكريعات الذي التقطها بين يديه كهدية مباركة وعاد فرفسها رفسة قوية الى عنان السماء نحو الجانب المقابل. وبها دوت صافرة الحكم بانتهاء المباراة.
    هجم تلامذة مدرسة العسكري والمعلم جاسم في مقدمتهم نحو حميد بن حسين. والجميع يلعلعون ويشتمون ويصرخون في وجهه: «ولك انت حمار؟ حيوان؟ تخبلت؟ شنوا اللي اجا براسك؟»، قدامك كول مفتوح! وتروح تركض ورا برتقالة؟» مسكه معلم الرياضة من ذراعه، يشد ويعصر فيها. «شنو هالبرتقالة؟ ما اكلتها مثل ربعك؟ ليش ضامها في جيبك؟».
    ـ «اريد آخذها لأمي!».
    ـ «لأمك يا حيوان؟».
    ـ «اريد آكلها ويا أمي. أريد اخليها تذوق طعم البرتقال».
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-10-05
  3. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    أخي بن ذي يزن .. أسعد الله أحوالك

    ما خلصنا من قصة جرهم الحزينة ..

    قلنا يالله نقرأ قصة بن ذي يزن لعل وعسى تكون مفرحة ..

    نفاجأ أنها أكثر أسى من قصة جرهم ..

    إيش حكايتكم مع الأسى والحزن ؟

    نطلب المزيد .. الأسرة كلها تطلع على هذه القصص

    لك أروع التحيات
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-10-06
  5. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    إيه يا بو لقمان ماذا عسانا أن نقول حين تطابق الرواية واقع عربي ممتليء بعادة وحكم ترسم الأحزان كالوشم .

    تحياتي للأسره الفاضله وتحياتي للنجل لقمان .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-10-16
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    الهدف نبيل:)
    لكن ..وااااااه من لكن الاستدراكية في لغتنا ، لو تنقى من ألفاظ الشتم والجرح
    كان أجدادنا ينتقون أطايب الكلمات كما ينتقون أطايب الرطب
    :)
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-10-18
  9. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    سيدي فهمي

    القصه ليست لي ولا أملك الحق في حذف أو إضافه

    دمت لي أخ
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-10-18
  11. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    صاحب قنديل

    هلا ...أشكر لك حسن تقبلك وهي شرف لي أخوتك :)

    كنا في الماضي ونحن نلعب نردد :
    الثعلب فات فات ..شد ذيله سبع لفات .. والدبا سقط للبير .. صاحبها صاحب خنزير ..
    قال لنا إنسان فاضل مر بنا عرف أن هذا العمر هو عمر الغرس ( يا أولاد لو تغيرونها الى ..صاحبها صاحب قنديل ) لتكون طيبة اللسان ..مهذبة القول .. أعجبنا ذلك وغيرناها ..

    الثعلب فات فات شد ذيله 7 لفات والدبا سقط للبير صاحبها صاحب قنديل :)

    صاحبها صاحب قنديل ، لم تكن تغيير كلمة بل كانت غرسة طيبة في عقول أطفال صغااار ..
    وعرفنا أن للفظ مكرمه فلم تمت لعبتنا بل زادت حماساً وصراخاً طفولياً ..

    وأزيدك من الشعر بيت ...
    قرأت مرة في مجلة الأسرة أن أسرتين يمنيتين من رداع ربتا أطفالها على الألفاظ الحسنة حتى أن أحدهم مر بطفلتين من تلك الأسر وهما تتجاذبان لعبة فازت بها إحداهما لتصرخ بها الأخرى ووجها محمر وهي غاضبة : ( سامحك الله .. ربنا يحفظك القرآن ) فاستغرب وسأل فقيل له أسرة لاتعرف للفظ الغير طيب طريق صبغت أولادها بهذه الصبغة ...

    هل وصلت رسالتي أخي العزيز المعتز بأخوته .. لك خالص التحيةوالإحترام :) :)
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2001-10-20
  13. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    عزيزي فهمي

    رسالتك واضحه ونقيه كنقاء سريرتك

    ولكن يا سيدي القصه ليست لي حتى أغير فيها ؟؟!!!
     

مشاركة هذه الصفحة